كان في أمر ابن عمّه عطبٌ ما. كان ميرون يعلم باطّراف عقله أنّ ليو كان دائم المشاكسة. تعود أقدم ذكرياته عن ابن عمّه إلى أفعال تمرّد. اعتاد ليو ألّا يمنح المديح إلّا مستحقّه، وطبيعيّ أن يثير هذا حفيظة بعض الكهنة الأكبر سناً. أفضى هذا إلى محاولة أكثر من شيخ تثقيف الشاب النبيل في الأيام الخوالي حين كان لا يزال يصقل فضيلته، فكانت تلك المحاولات ترتدّ عليهم دون شكّ. لكنّ طباعه اتسمت دوماً بضبطٍ نبيل للنفس، وإقرارٍ غير معلن بأنه الابن الوحيد لدامون أيتوس وما يتبع ذلك من مسؤوليّات.
فعل ليو ما يُنتظر منه. وتفوّق. ونتيجةً لذلك، أدرك أنّه يستطيع الإفلات بما لا يقدر عليه الآخرون. بيد أن شيئاً ما تغيّر منذ طقوس البدء. كان أمراً طفيفاً. لو سُئل لما عرف كيف يصفه. لكنّه كان قائماً. وكان يتنامى يوماً بعد يوم.
"تشرّد عقلك".
نكز ابن المعنيّ جبهته. تراجع ميرون منكمشاً. كره منه هذا الصنيع.
"لم يفعل!"
أنكر ذلك، رغم أن عقله تشرّد بلا شكّ. كانا يتأملان في الفناء بين البرك البرريّة وتماثيل زعماء الطائفة الراحلين. عرض ليو أن يمنحه بعض التوجيهات، عفو الخاطر على ما يبدو، في اليوم السابق. بالغ ميرون في إظهار التردّد الطويل قبل القبول، هرباً من السخرية إن أظهر حماسته، لكنّ حدساً ما أخبره بأنّ أمره كُشف. حتّى من دون إغراء الارتقاء في مسار الزراعة، أدرك ليو أن ميرون لن يفوت أبداً فرصة قضاء الوقت مع ابن عمّه الأكبر.
تساءل ليو مطرقاً بطرفه نحو السماء: "لعلّنا أمعنا في هذا طويلاً".
كانت الشمس قد طلعت حديثاً حين بدأا. وها هي في كبد السماء الآن.
"لنكتفِ بهذا القدر للـ—"
"لا!"
احمرّ وجه ميرون، ولعن نفسه على اندفاعه. تأمّله ليو بتلك النظرة الساخرة ذات العيون القانية التي يمقها أبناء عمومته أجمعون. نظرة تشعرك بأنّك نملة تفرض شروطها على أسد. نظرة يدعمها غرور لم يتزعزع مرة واحدة طوال سبعة عشر عاماً من عمره. ووفقاً لرأيا، كانت نظرة بالغة الجاذبية تبعث على الجنون. لطالما كانت غريبة الأطوار بعض الشيء فيما يخصّه.
قال ميرون شادّاً قامته ومستنشقاً بعمق: "أستطيع الاستمرار".
ضحك ليو مستئنافاً وضعيّة التأمّل الخاصّة به — وإنْ كان تسميتها كذلك إهانةً للشيوخ حقّاً. لقد استلقى ببساطة على حافة الحجر لإحدى البرك البَرّيّة، مستنداً برأسه إلى ثنية مرفقه بينما يدفع طاقته للتدفق. كانت الطاقة الحيويّة هي القوة الدافعة للزراعة. هي الفضيلة متجسدة، وتصفيتها في نهاية المطاف هي ما يدفع المزراعين قدماً. فكلّ مرتبة من مراتب الزراعة، بدءاً من المدنيّة وانتهاءً بالطاغية، تصقل الروح أكثر فأكثر حتى تقارب السيادة.
وكلّ مرتبة تكشف للمزارع وجهاً جديداً لروحه، شيئاً طالما عُرف لكنّه نُسي منذ الولادة. وكان تنقية ذلك العنصر الجديد مفتاح الصعود إلى المرتبة التالية. وهكذا دواليك. ولكي يدخل المرء المرتبة المدنيّة، وجب عليه أولاً أن يعي روحه. فالتلاعب بطاقتك الحيويّة محال إن عجزت عن رؤيتها أو إدراكها أو استشعارها في دمك. ومع امتلاك كلّ كائن حيّ لتلك الطاقة، لم يكن ذلك العلم وحدَه كافياً لجعل المرء واعيًا بأنفاسه الحيويّة.
اكتشف ميرون طاقته الحيويّة وهو يمتطي كتفي أبيه، ناظراً إلى ابن عمّه الأكبر وهو يرفع الشراع عابراً البحر الأيونيّ والدموع في عينيه. كانت عائلة أيتوس بأسرها حاضرة عند الموانئ لتوديعه، حتّى ليو والعم دامون. وفي تلك اللحظة، بينما نسيم البحر المالح يملأ رئتيه والأسى يعتصر قلبه، أدرك ميرون تماماً ماهية عائلة أيتوس. وأدرك، بوهن، المكانة التي يشغلها في داخلها. وكان ذلك كافياً.
وما إن يتمكّن المزارع من استشعار طاقته الحيويّة، حتّى يقدر على تمرينها. وتكمن التحديات في المرتبة المدنية في التوطيد والتحصين. يستطيع المرء نحت جسد سماوي بالتمارين الرياضية والقتال، ووسع مداركه بالفلسفة والعلم، لكنّه لا يستطيع أمر طاقته بالتكاثر ما لم يفعل الأمرين معاً. وحتّى حينها، لم يكن الأمر بالبساطة المرجوة. بلغ ميرون المرتبة السابعة من المرتبة المدنيّة بعد ثلاث سنوات فقط من الزراعة الفعليّة.
ووصف أساتذته وأقرانه ذلك بالإنجاز الخرافيّ. وأما أمه فغرّدت دالةً عليه بأنه معجزة الصغير. غير أن ميرون كان يقيس نجاحه بأبيه وأعمامه، وما كان منهم إلّا أن رضوا فحسب. لم يُذهلوا قط. لم يفرحوا قط. بل اكتفوا دائماً بتقدّمه. عرف السبب. في سنه، تسعة أعوام، كان ابن عمّه الأكبر قد بلغ المرتبة العالية منذ زمن بعيد. وها هو ميرون الصغير يتخبط في المرتبة المدنيّة بلا فضيلة في قلبه.
أزعجه ذلك. وجعله يرغب في بذل جهد أكبر. ففعل. نمت طاقته الحيويّة يوماً بعد يوم. وأجهدها تماماً كلّ يوم، حتّى يهوي إلى فراشه دون ومضة طاقة متبقّية. زعم بعض الكهنة أن إرهاق احتياطاته ينافي العقل وهو يجهد لبنائها، لكنّ ميرون كان أيتوسيّاً. وهو يعرف الحقيقة. كانت الروح عضلةً كباقي العضلات. لزاماً أن تُهدم قبل أن تُبنى من جديد. كاد المساء يحلّ حين قرر ليو أنّه اكتفى. تبعه ميرون في سلسلة وجيزة من تمارين الإطالة، متبحراً في أنسب السبل لطرح المسألة التي شغلت بملك منذ أيام.
وحين يتعلّق الأمر بليو، كانت المباشرة أفضل مسلك تقريباً — أو فلنقل إنّها المسلك الوحيد الذي يحظى بفرصة انتزاع إجابة. غير أن شعوراً ما، حدساً دفنياً، أخبره أن الوقت ليس مناسباً للمباشرة.
فسأل بدلاً من ذلك: "أبدأت التمرّن للألعاب؟"
اقترف الصيف نهايته، ولا يعني ذلك للكهنة في الفجر الورديّ سوى أمر واحد. ألعاب ضياء المدينة القانية توشك على الوقوع. وما إن انتهت طقوس البدء حتّى غدا ذلك حديث الطائفة بأسره. مَنْ سيُختار لتمثيل الفجر الورديّ هذا العام، ومَنْ سيُرسله طائفة الغسق المحترق، ومَنْ يرشحه الجمهور للفوز بكلّ شيء. كانت ألعاب مدينة القانية السنوية استعراضاً لا يُداني، ومع أنها بحكم طبيعتها لم تضارع روعة طقوس البدء العميقة، ظلّت تجربة مذهلة.
تجمع طائفة الفجر الورديّ وطائفة الغسق المحترق مواردهما مع المدينة كلّ عام لإقامة احتفال يعمّ المدينة بأسرها للاحتفاء بالفائز، وتتدفق خلال الألعاب ذاتها أسواق شتى من كلّ فجّ عميق لتعرض بضائعها الغريبة. كان استعراضاً بلا انقطاع، والوقْت المفضّل لدى ميرون بلا منازع طوال العام.
ردّد ابن عمّه متأرجحاً ذهاباً وإياباً وهو يمدّد أوتار ركبتيه: "أتمرّن للألعاب؟ لم أفعل ذلك؟"
فاغراً فاه وقف ميرون. لا بد أنه يمزح. حتّى هو له حدود!
"أنت تمثّل الفجر الورديّ! أنت أبرز منافسينا!"
حثّه ليو قائلًا: "وماذا بعد؟"
وكأنّ هناك ما ينبغي قوله.
"يجب أن تفوز!"
أمال ليو رأسه.
"لماذا؟"
"لأنّ—"
كافح ميرون لصياغة إجابة على سؤال يُفترض أنه بديهي. إنه يسخر منه، أليس كذلك؟ هذا يشبه ليو تماماً.
ومع ذلك أجاب: "لأنك الشاب النبيل! أنت تمثّل الفجر الورديّ، والأهم من ذلك، أنت تمثّل العم دامون. خسارتك ستنعكس سوءاً عليه".
سأل ليو بفضول: "لماذا تهمّني سمعة أبي؟"
في صوته نبرة خفيّة لشيء ما. قطب ميرون حاجبيه بشيء من القلق.
"لأنك ابنه".
لم يدر كيف يشرحها سبيلاً آخر.
تأمل ليو قائلًا: "أنا ابنه"، ممرّراً يده خلال شعره الأشقر الجامح.
طالما كان مداراً للنميمة كون الشاب النبيل لا يحمل أياً من ملامح أبيه البارزة. تجعيدات دامون أيتوس الداكنة وعيناه الزرقاوان غير مرئيتين في ليو. ونظراته الصارمة لم يحاول ابنه قطّ محاكاتها. لكن بين حين وآخر، كان وارث الزعيم يأتي بفعال لا تدع مجالاً للشكّ في أبوّته. وحين التفت ليو عنه ناظراً إلى تمثال سلفهم القائم في بركته البرّية، كانت وقفته صورة مطابقة تماماً.
قال ليو ويكأنّه يحدث نفسه: "أنا ابنه، وأنا جزء من الفجر الورديّ، أليس كذلك؟"
ردّ ميرون بتعثر: "نحن جميعاً كذلك".
تمتم ابن عمّه.
"أظن أنه ليس أمامي سوى الفوز".
قبض ميرون قبضتيه وبسطهما. ولم يدر ما يقوله. لم يعد الأمر يهمّ. مهما يكن ما فكّر فيه ليو، فقد وجد إجابته. راقب ميرون، مذهولاً، ابن عمّه وهو يخطو داخل البركة البررية ويجتاز مياهها المقدسة. وقف وجهاً لوجه أمام التمثال الرخاميّ، متفحصاً إياه طولاً وعرضاً. ثم مدّ يده حول عنقه وفكّ مشبك عقده الذهبيّ. ومض القلادة، وهي جوهرة قانية ساطعة، حين لامستها أشعة الشمس.
همس ميرون بذعر: "ماذا—؟"
شبك ابن عمّه القلادة حول عنقه وخرج بخطى واسعة من البركة. وبدا مسروراً.
"لن أتمرّن للألعاب يا ابن عمّي، لكن لا تقلق".
عبث ليو بشعره، ولم يمتلك ميرون هذه المرة الحضور الذهنيّ ليبعده. وابتسم الشاب النبيل بضراوة.
"سأفوز بها على أيّ حال".