فيغور مورتيس الفصل 64 — الفهم

اقرأ فيغور مورتيس الفصل 64 — الفهم باللغة العربية على مانجا تايم.

بشر. بشر في كلّ مكان. الأمر مرعب. لا أظنّني كنت لأقلق هكذا في الظّروف العادية. جاء جمع من البشر للتحقيق بعد أن قبضت على ذلك الصارخ وأكلته. غير أنهم لم يدخلوا الغابة أبداً، وظلّوا على مسافة حذرة ومحترمة من الأشجار. فالأشجار هي نطاقي، في النهاية. لم تكن رائحة أيّ منهم توحي بالصلابة؛ لو اقتربوا أكثر، لمتّقن أنّني قادرة على قتلهم جميعاً داخل الغابة. لكنّني مرعبة الآن، لأنّني لم أعد في الغابة.

لا توجد أراض بشريّة تختفي خلف أشجارها أو تُعلق الشباك عليها. إنها شاسعة ومنبسطة، وأطول ما فيها أعشاب واهية والمنشآت التي يعيش فيها البشر أنفسهم. هذا نطاقهم. هنا تتحول قدرتهم على الهجوم عن بُعد من اعتبار عابر إلى تهديد ماثل باستمرار. أيّ بشرية أراها تستطيع إخراج قوس وإطلاق النار عليّ، حتى لو كنت خارج مرمى الردّ تماماً. سهم واحد، أستطيع تفاديه. لكن سهم من كلّ بشر؟ لا بدّ أن هنا عشر عشرات من البشر على الأقل.

بل أضعاف ذلك العدد. عشرات العشرات من العشرات؟ في مرحلة ما، تصبح المنشآت كثيرة لدرجة تعجزني عن الرؤية أبعد منها. وكلّ واحد وواحدة منهم يريدون موتي. إذن لمَ أمشي باتجاههم؟ تتضاءل المناظر الطبيعية أمام أبراج خشبية شاهقة، ولا شكّ في أنّ البشر في أعلاها قادرون على رؤيتي وأنا مقبلة منذ مدّة طويلة بينما أمشي في الممر الترابيّ المخترق للمكان نحو مستوطنتهم. ومع ذلك لا يُرفع إنذار، ولا يمنحني أيّ منهم أكثر من نظرة عابرة.

ذراعاي السفليتان تشبثان بإحكام بداخل عباءتي المسروقة، لتبقياها مغلقة. غطاء الرأس مرفوع، ولا بدّ أنني أبدو كبشريّة صغيرة. أتمنى لو أكون كذلك. تلك هي الغاية، في النهاية. أمشي متجاوزة الأبراج، وتلوح المباني الحجرية أمامي بينما يتجول عدد لا يحصى من البشر بينها. ما الذي أنا فاعلة أساساً حين أصل إلى هناك؟ أأشرع في أكلهم؟ سأموت لا محالة. خلف الأبراج، على جانبي الطريق الرئيسيّ المؤدي إلى البلدة، تتناثر منشآت خشبية أصغر، يجلس خلفها بشر يصيحون في وجه المارين.

"حساء دافئ هنا! مملّح مباشرة من المناجم!"

"أقمشة! مصبوغة أو عادية، نلبي كلّ الدخل!"

"مُطعمات للصغار! فاكهة طازجة مستوردة!"

أشعر كأنّني لا أعي نصف الكلمات التي تُصرخ، لكن كلّما توغّلت أكثر حاصدني المزيد من البشر، متوجهين إلى الأكشاك وعائدين منها، متبادلين رقائق كيتين صغيرة مقابل أيّ شيء يبدو أنّ البشر الصائحين يملكون منه وفيرة. العملية برمّتها تأسرني، وتغمرني بالأسئلة وأنا أراقب هذه الطقوس التي لا أمل لي في فهمها وحدي.

"أه، أمم، مرحباً يا حلوة. أأنت ضائعة؟"

يقترب منّي بشر. أقفز إلى الوراء، مفزوعة قليلاً. أكانوا يتحدثون إليّ؟ إنه أحد البشر الكبار، على عكس أولئك الذين هم في حجمي تقريباً. يرتدي هذا الشخص قطعة قماش طويلة ومنسابمة تضمّ كلا ساقيه عوضاً عن أقمشة الساق المنفصلة التي ارتداها كلّ الصيادين، وهو أمر أجدُه مثيراً لاهتمامي. أُطيل النظر إليه، ملتقية بنظرات البشريّ عن طريق الخطأ وهو يركع.

"أه، واو! أأنت بخير؟"

يسأل البشري.

"ما هذا الذي على وجهك؟"

أمدّ يدي إلى أعلى، متأكدة مرّة أخرى من متانة شبكات الضمادات التي لففتُ بها نفسي لإخفاء ملامحي. الشقوق الأصغر وحدها مفتوحة لأرى وأتنفس منها. لم تكن عندي فكرة إن كان هذا سينجح، لكن... لقد كنت على صقة! إنه لا يهاجموني! البشر لا يهاجمون حقاً الأشياء التي يظنون أنها بشر آخرون. حتى أولئك الذين لا يعرفونهم! لمَ لا؟ هذا غريب جداً!

"أ-أنا بخير"، أُصرّ، مدركة أكثر فأكثر لكلّ خطأ محتمل قد يكشف أمري.

"متأكدة؟"

يسأل البشري.

"أين أمّك وأبوك؟"

ليس لديّ أيّة فكرة عمّا يعنيه ذانك!

"لا أعرف"، أتمتم، وقلبي يخفق في صدري.

حقاً، ما الذي دفعني للقدى إلى هنا؟ ما الذي تفعله؟!

"حسناً..."

يُهمهم البشري بالمقابل.

"حسناً، لا بأس. أين آخر مكان رأيتهم فيه، يا حلوة؟"

ليس لديّ أدنى فكرة كيف أجيب عن ذلك أيضاً، لكن المكان الوحيد الذي يمكنني أن أكون قد رأيت فيه أيّ شيء هو الاتجاه الذي أتيت منه، أليس كذلك؟ أُشير عائداً إلى الطريق، مبتعدة عن المنشآت البشرية وباتجاه الغابة. تعبيرات وجه البشري صعبة الفهم بالنسبة لي كالمعتاد.

"...أه"، يُهمهم البشري أخيراً.

"أه، لا. مسكينة أنت. يؤسفني ذلك حقاً."

"ألينا!"

ينادي بشر آخر، وهذا أطول صوتاً وأعمق نبرة. يرتدي قماش الساق بالساق هو الآخر.

"ها أنت ذا. ماذا تفعلين هنا؟"

"إلياس! أظنّ أن مكروهاً قد حدث لوالدي هذه الفتاة في الطريق إلى هنا."

"أيّ فتاة؟"

يسأل إلياس. أنا، بالطبع، قد تسللت بالفعل، مستخدمة بشراً آخرين كالأشجار لقطع خط البصر اللحظة التي حوّل فيها إلياس انتباه البشريّ الآخر عنّي. هناك ببساطة الكثير ممّا لا أفهمه ممّا يجري في ذلك التفاعل، أخشى أن يفلت منّي شيء فيدركون أنني لست واحدة منهم حقاً. بصراحة، وجود كلّ هؤلاء البشر على مقربة منّي يدفعني بالفعل إلى حالة من الذعر. تبدأ غرائزي الشراهة في التفقّع على السطح، كلّ رائحة جديدة وجبة جديدة يشتهي جوهر كياني استهلاكها.

لكنّني لا أستطيع. ليس في هذا المكان. فلمَ أنا هنا إذن؟ أهرول بسرعة خارج الطريق، مبتعدة عن جموع المخلوقات الشهية وخلف المنشآت الصغيرة مع البشر الذين يصيحون بشأن أيّ أشياء يملكونها بالقرب. أنا أعرق. الشبكات على وجهي تحكّني، لكن لو خدشتُ بمخالبي ولو قليلاً، فسأمزقها، وأكشف وجهي، وأموت. حتى وهي على هذه الحال، يرمقني كثير من البشر بنظرات عابرة وأنا أمضي، مسمّرين أعينهم على الشبكات البيضاء التي تخفي جسدي الداكن.

لا يسعني سوى تخيّل ما تعنيه تعابيرهم، لكنني أشكّ في أنها جيدة. أحتاج بشدّة إلى جلد مزيف بشريّ. أحتاج إلى طريقة أفضل لتغطية وجهي. ...أو عليّ فعل ما كان يتوجّب عليّ فعله منذ البداء، وعدم المشي إلى وسط كومة من الوجبات الغاضبة. ومع ذلك... أنا فضولية أكثر من اللزوم. أريد أن أفهم، أن أعرف. حين أكتشف كيف تعمل هذه المستعمرة البشرية، سأستطيع البدء في أكلهم بأمان. توجد منشآت خشبية أخرى هنا، بعيدة عن الممر الترابيّ ولكن قبل كتلة المباني الحجرية التي تبدو موضع تواجد أغلب البشر.

يجلس بشر خلف هذه أيضاً، صائحين بكلّ ما يبدو أنهم يريدون التخلّص منه، بيد أنّ عدداً أقلّ بكثير من الناس يتحركون بين الأكشاك البعيدة عن الطريق. مكان واحد خصوصاً يلفت انظاري. ثلاثة بشر هناك، واحد كبير وآخر صغير خارج المنشأة الخشبية وذلك الجالس خلفها. كالمعتاد، تُمنح أقراص كيتين صغيرة للجالس خلف الكشك مقابل سلعة بالمقابل، والتي تبدو كقطعة خشبية دائرية غريبة الشكل. في اللحظة التي يُعطى فيها الخشب للبشري الأصغر ويغطي وجهه بها، أبدأ في الاقتراب أكثر.

جلد مزيف للوجه! هذا هو بالضبط ما أحتاج إليه! أتسلل مقتربة، منتظرة مغادرة اثنين من البشر قبل السير نحو منشأة الحصول على الوجه المزيف وغطاء رأسي منخفض. شتّى أنواع التحف الغريبة ترصع الكشك بجانب أغطية الوجه الخشبية، وجميعها مصنوعة من الخشب لكن لا شيء منها يمتلك غاية أستطيع إدراكها. هممم... كيف آخذ واحدة بأفضل طريقة؟

"أهلاً بك، أيتها الآنسة الصغيرة!"

يهتف البشري في المنشأة.

"أترين شيئاً يعجبك؟"

"أريد غطاء وجه، من فضلك"، أطالب.

"حسناً، ستحتاجين إلى بعض المال من أجل ذلك."

هممم.

"مال؟"

أهي الكلمة الدالة على دوائر الكيتين الصغيرة التي كان الناس يتبادلونها؟ ومع ذلك، من الواضح أن هذا البشري لم يفكر في البديهي.

"بإمكاني عدم إعطائك أيّ شيء وأخذه على أيّ حال"، أشير.

إنه بشري غريب المظهر، حتى بمعايير البشر. وجهه مجعد، وشعره مفقود في كلّ مكان عدا أنفه وأذنيه وبقع رقيقة على رأسه. يمتلك نوعاً غريباً من النحافة في جسده، وعضلاته مشدودة فوق إطار لا يتماشى تماماً. مع ذلك، لا تبدو رائحة البشري ضعيفة. أظنّه سيشكل وجبة رائعة.

"ربما تستطيعين"، يوافق البشري، ملوياً شفتيه بطريقة غريبة لا أستطيع تحديدها.

"لست سريعاً جداً هذه الأيام. لكن إن فعلت ذلك، فيمكنك الرهان على أنني سأتتبع والديك وأخبرهما بكلّ شيء عنه."

أنظر إلى البشري، ناسية إبقاء غطاء رأسي منخفضاً للحظة وأنا أُشير باتجاه الغابة.

"إن كان لديّ 'والدان'، فهما بعيدان جداً في هذا الاتجاه."

يتلاشى تعبير وجهه، ويصبح الوجه أكثر ليونة بكثير صامتاً للحظة قبل الإجابة.

"ما اسمك؟"

يسأل.

"لارك"، أجيب فوراً.

"لارك، أأنت وحدك؟ ألديك عائلة؟"

"أنا وحدي"، أوافق، غير ملمّة بكلمة "عائلة"

بما يكفي للإجابة.

"لمَ تريدين قناع احتفال؟"

"لأغطي وجهي به"، أقول، مرتبكة قليلاً من هذا الخطّ من الأسئلة.

"سآخذ واحداً الآن."

"سررت بلقائك يا لارك"، يقول لي البشري.

"اسمي أوغست. كما تعلمين يا لارك، يستغرق نحت هذه الأقنعة وقتاً طويلاً منّي."

"حقاً؟"

لست متأكدة ممّا يدور حوله أوغست، لذا أبدأ فقط في التطلع حول بحثاً عن قناع سهل التقاطه. أنا قصيرة جداً، والمنشأة الخشبية مصممة لبشر أطول.

"إن قضيت وقتاً طويلاً طويلاً في صنع شيء ما، وضبط كلّ التفاصيل، ووضع حبك فيه، وجاء شخص ما وفجأة أخذه دون إعطائك أيّ شيء مقابل ذلك، فكيف ستشعرين؟"

أتوقف. بيتي. عُشّي. كلاريتا.

"...بسوء"، أجيب.

"حسناً، سأشعر بسوء أنا الآخر لو أخذ أحدهم قناعاً منّي. أتريدينني أن أشعر بالسسوء يا لارك؟"

أمدّ يدي لألتقط قناعاً لكن شيئاً في الكلمات يجعلني أتوقف، وعقلي دون أيّ مدخلات منّي يتخيل أوغست واقفاً في المطر، صارخاً من أجل كلاريتا كما فعلتُ آنذاك. تهبط يدي ثانية إلى جانبي. بوسع أوغست أن يشعر بهذا الشعور أيضاً، ها؟ أكفهرّ بوجه البشريّ المجعّد. إنها فكرة مثيرة للاهتمام، أظنّ، لكنني بالطبع لا أهتم. لم قد أهتم؟ أنا آكل الناس. أنا أقتلهم. وما يحدث لأي شخص آخر، وكيف يشعر أي شخص آخر، ليس مشكلتي.

سأأخذ القناع الغبيّ بالطبع. ومع ذلك لا تتحرك يدي مرّة أخرى لسرقته.

"...ليس لديّ مال"، أعترف.

"لكنّني بحاجة إلى قناع."

يومئ أوغست وكأنه كان يتوقع هذا.

"حسناً، إن كنت تريدين القيام ببعض العمل من أجلي، فأظنّ أن تلك ستكون مقايضة عادلة للجهد الذي وضعته فيها. سأكون سعيداً بذلك. أستكونين سعيدة بذلك؟"

أكثر سعادة من مجرد امتلاك القناع والانتهاء من الأمر؟ مع ذلك أومئ، ببطء ولكن بحزم.

"حسناً. ماذا تريدين مني أن أفعله؟"

يبتسم، وكلماته دافئة وصوته هادئ. بطريقة ما، شعرت أنّ هذا البشري أكثر شبهاً بكلاريتا من كلاريتا نفسها حين تحدث.

"أولاً، ما رأيك لو تختارين القناع الذي يعجبك أكثر؟ لديّ الكثير من الأصناف."

أتلفت حولي.

"كلّها مجرد خشب بأنماط غريبة. لا أفهم حقاً كيف تختلف عن بعضها البعض."

يضحك أوغست، واضعاً يداً على صدره كأنّني جرحته هناك.

"آه، لقد جرحت فناني الداخليّ يا لارك الصغيرة! قد تكافح كبريائي للتعافي من ذلك. إنها أقنعة حيوانات، أترين؟ من أجل الاحتفال."

يلتقط بضعة أقنعة، ممدداً إياها نحوي.

"هذا قطّ، وهذا حشرة... أترين؟"

ما الذي يتحدث عنه هذا البشري؟! إنه مجرد خشب مشكّل بغرابة. لا... انتظر. انتظر، أكاد أرى ذلك. نعم، إنه منحوت ليبدو كالحتوانات، فقط دون الألوان الصحيحة أو القوام أو الحركات. إنه الشكل. قناع القط يبدو كالكاتزيل، مكتملاً بآذان تبدو كآذاني. لذا لا أريد ذلك القناع أبداً، بالطبع. فالغاية برمّتها هي إخفاء ملامحي! القناع الذي يلفت انتباهي هو قناع واسع العينين بمنقار مزيف ظريف. يبدو كنوع من الطيور، وهو أمر مثالي لأنني أحب الطيور.

بإمكانها الطيران، تماماً مثلما استطعت في الأغنية التي اعتادت كلاريتا الغناء بها عنّي.

"يعجبني هذا الأفضل"، أقول لأوغست.

"أه؟ قناع البومة! اختيار جيد! إنه ملائم لـ لارك."

"هاه؟"

"أه، حسناً... لارك والبومة. كلاهما طائران، أتعرفين؟ هذا ما يعنيه اسمك. لارك نوع من الطيور، محبوب من الناس في كلّ مكان لجماله وأغانيه."

أه. بالطبع. لم تكن كلاريتا تغني عنّي في المقام الأول. أجزّ على أسنانى، ضامة قناع البومة إلى صدري ومعصرة إياه بقوة. تدمع عيناي خلف شبكاتي، ومهما حاولت جاهدة لا أستطيع إبعادهما بإرادتي. أمر محبط للغاية، محبط بحق. لا أستطيع التحكم في أيّ شيء يخصّني. ولا حتى جسدي. لم تكن تحبني أبداً.

"لارك؟"

يسأل أوغست.

"أأنت بخير؟"

"أنا بخير"، أخنق كلماتي، مرتدية القناع بالطريقة التي رأيت البشري الأصغر يفعله بها.

"أأبدو أقل... غرابة الآن؟"

"تبدين رائعة يا لارك"، يجيب البشري.

"إنه مبكر بعض الشيء لارتداء قناع احتفال، لكنني لا أظنّ أن أحداً سيمانع. أنت... لا يجب أن تضطري لإخفاء وجهك، مع ذلك، إن لم تقرري ذلك."

"أريد ذلك"، أؤكد له.

يومئ أوغست فحسب، وبعد قليل يبدأ في شرح كيف سأساعده. تبدو المهمة سهلة ومباشرة بما يكفي، حتى لو جذبت انتباهًا أكثر مما أودّ. أوافق. ليس وكأن لديّ شيئاً آخر أفعله.

"أقنعة الاحتفال!"

أهتف، وقلبي يخفق بينما تلتفت الأعين نحوي.

"أرخص حين تشتري مقدماً! لا تنتظروا، احصلوا عليها اليوم!"

العباءة مشدودة والقناع مؤمن، وليس لدى البشر طريقة لمعرفتي لست واحدة منهم. ويبدو أن كل الصياح يساعد أوغست في جلب المزيد من البشر الذين يمتلكون المال إلى كشكه، وهذا كلّ ما يحتاجه كمقابل. لست متأكدة تماماً ممّا أفهمه، لكنه بسيط وأحظى بمشاهدة الكثير من البشر دون إثارة الشبهات.

بعد ساعات قليلة تبدأ جزيرة بالمرور بالقرب، ويبدأ أوغست في "إغلاق"

"متجره".

"لقد أديت خدمتك"، أنبرى في وجه البشري.

"إذن القناع ملكي الآن، ولن تصرخ أو تبكي حين أرحل به؟"

يقهقه أوغست ويهز رأسه.

"قناع البومة ملكك. أعدك بعدم الصراخ أو البكاء بسبب غيابه. أنت حرة في الذهاب يا لارك. لقد كنت مساعدة كبيرة."

ينظر إليّ البشري، ملوياً شفتيه لأعلى. لا يوجد أثر واحد للخوف أو التوتر مرئيّ على ملامحه. إنه... مختلف للغاية عن أيّ شيء شعرت به من كلاريتا. ليس لديّ أيّ ردّ على كلماته، لكنّني لا أرحل أيضاً.

"لارك"، يتابع أوغست، "ألديك مكان تمكثين فيه هذه الليلة؟"

أتوتر، مواجهة مرّة أخرى سؤالاً لا أعرف كيف أجيبه. يبدأ البشري في الكلام مجدداً بعد صمتي.

"أعترف، لقد سألت زبائني عنك"، يقول.

"أردت التأكد من أن أحداً لا يبحث عن طفل في عمرك. لكنهم لم يفعلوا. أنت بلا مأوى، أليست كذلك؟"

أومئ، ببطء.

"دُمّر بيتي"، أعترف.

"وليس لديك والدان."

قيلت كعبارة تقريرية. حسنًا، لا أعرف حتى ما هو الوالدان، لذا أراهن أن البشري على حق في ذلك غالباً.

"لا"، أوافق.

"ليس لديّ."

يأخذ البشري نفساً عميقاً، مرتدياً واحداً من تعابير البشر الكثيرة التي لا أستطيع فكّ طلاسمها بعد. حقيقة كونه مجعداً بالكامل لا تساعد أيضاً. لا أستطيع الشعور بالخطر، رغم ذلك، أشعر فقط... بالثقل. وكأنّ هذا القرار الذي يتخذه البشري ذو أهمية بالغة.

"إن شئتِ يا لارك، فأنت مرحب بك لمساعدتي في حزم الأمتعة والانضمام إليّ في بيتي الليلة. سنقوم بتنظيفك، وإحضار طعام لك، وتوفير سرير لك. فقط إن رغبتِ في ذلك."

لا يستغرق تفكيري طويلاً. ربما يجدر بي ذلك، لكنّني لا أفعل. كل شيء يبدو خاطئاً وخارج السيطرة.

"حسناً"، أوافق مترددة.

يومئ البشري، ملوياً شفتيه للأعلى مرة أخرى. ويفعل شفتاي المثل، بغضّ النظر عن عدم قدرة البشري على الرؤية من تحت قناعي الجديد. أساعد أوغست في حزم الأشياء في الكشك، والتي تدور أجزاؤها المستديرة ظاهرياً لمساعدته في التحرك إلى أيّ مكان يودّ البشري أخذه إليه! أفتتن فوراً حين يمسك البشري بالكشك ويبدأ في جره خلفه لنفسه. يمشي أوغست في الاتجاه المعظم لمعظم البشر الآخرين، مبتعداً أكثر عن المباني الحجرية بدلاً من الاتجاه إليها أو داخلها.

نقترب شيئاً فشيئاً من الغابة، في الواقع، مصادفين في النهاية منشأة كبيرة على حافتها، مصنوعة من الخشب مثل العربة بدلاً من الحجر مثل مباني البلدة. تاركين بنية الكشك-الكشك بجانب البنية الكبيرة، نتجه نحن الاثنين إلى الداخل.

لا يسعني سوى التطلع حول بذهول إلى المدخل المفصلي، والكهف الاصطناعي في داخله المقسّم إلى عدة مناطق، والتشكيلات الواسعة في الداخل التي لم أرَ مثلها قطّ إطلاقاً— "حسناً يا لارك؟"

يسأل البشري.

"مرحباً بك في بيتي. ما رأيك؟"

"يعجبني"، أتمتم، ماشية ببطء حولي ومستوعبة كلّ شيء.

مغلق هكذا، والكثير من الأماكن لتعليق الشباك فيها!

"إنه مرتّب. الأشياء هنا مرتّبة."

يضحك مرة أخرى. أه، كم كان بإمكاني أكل البشري هنا بسهولة! نحن بعيدون جداً عن أيّ شخص آخر. إنه وجبة مجانية. سأأكله بالتأكيد. ...لاحقاً.

"حسناً، شكراً لك! صنعت أغلب الأشياء بنفسي، البيت متضمن. إذن، ماذا ترغبين في أكل ههنا؟ لديّ بعض الخضروات الجيدة من حديقتي، أو—"

"لقد أكلت بالفعل"، أخبر أوغست.

يبدو متفاجئاً، لكنه يومئ موافقاً.

"ما رأيك بحمام إذن؟"

أتردد. كلمة أخرى لا أعرفها! يمتلك البشر الكثير منها! كيف ينبغي لي الردّ؟ هممم... حسنًا، أظنّ لو وافقت سأرى ما هو في الواقع.

"أ-أوoh؟"

أجيب بتردد. يومئ البشري مرة أخرى، منطلقاً للقيام بـ... كلّ ما يشتمل عليه الحمام. أولاً إنه يستسقي الماء ظاهرياً مما يبدو أنه تحت الأرض إلى دلو بحجم شخص في إحدى الغرف المغلقة.

ثمّ إنه يجعل ذلك الماء يفقّع قليلاً ويبدأ في صدور رذاذ خفيف منه، والذي يسميه أوغست "بخاراً".

ثم إنه...

"حسناً، أنت أولاً يا لارك"، يقول أوغست.

"تفضلي بالدخول!"

...الدخول. إلى الماء الغريب والذي، حين أقترب منه، يتبين أنه دافئ. حار، حتى. أنقره. حار بالتأكيد! مع ذلك ليس مؤلماً. ببطء، أبدأ في رفع نفسي إلى الداخل...

"لارك، انتظري، انتظري. يجب أن تخلعي ملابسك أولاً."

أتجمد على الفور، مباغتة بالرعب. لم أهبط قط على بشر بلا جلدهم المزيف، على الأقل ليس دون نزعه عن الجسد بنفسي. كنت قد افترضت أنني لن أكون أبداً في موقف يُتوقع مني فيه خلع جلدي! ماذا أفعل؟ أأكله وحسب؟ يفترض بي على الأرجح أكله على أية حال، أليس كذلك؟ ماذا أفعل؟ لمَ أنا هنا؟

"...لارك؟"

يسأل البشري ببطء.

"ل-لا أريد!"

أتلعثم، مبتعدة عن البشري و"الحمام".

"أنا لست... أرجوك لا تطلب منّي خلعه!"

يتسرب خوف أكثر بكثير ممّا قصدته إلى صوتي، ويلتقطه البشري. لا، لا، ليس هكذا! ليس واحداً يتكلم معي. ليس واحداً يمنحني الأشياء.

لا أريد أن— "لارك"، يقول أوغست، ببطء وهدوء.

يركع إلى طولي.

"لست مضطرة لذلك. أبداً. أأنت بخير؟ يؤسفني ذلك."

أُطلق نفساً عميقاً، مومئة ببطء. ما الذي يظنه البشري عنّي؟ ما ذلك التعبيير على وجهه؟ حزن؟ أنا آمنة الآن، رغم ذلك. ...لا، انتظر، لم أكن في أيّ خطر أبداً. كذبتي آمنة الآن.

"أظنّ أنك ستشعرين بتحسن بعد أخذ حمام"، يتابع أوغست.

"لست مضطرة، لكنني أعدك أن هذا مكان آمن لك. ما رأيك بهذا؟ سأغادر وأغلق الباب. يمكنك أخذ حمام بملابسك، أو بخلع ملابسك، أو يمكنك عدم أخذ حمام على الإطلاق. سأنتظر خارج هذه الغرفة ولن أدخل طالما أنك هنا. ولن ألمسك أبداً، أبداً إلا إن طلبتِ منّي ذلك. أعدك يا لارك. يمكنك المغادرة في أي وقت، لأي سبب. لكن طالما أنك هنا، فأنت آمنة."

ليس لديّ كلمات أواجه بها ذلك. أكتفي بالإيماء مرّة أخرى، مراقبة إياه وهو يغادر الغرفة ويغلق الباب. لا توجد نوافذ هنا، سلسلة مضيئة من الرموز على السقف فقط تمنح الضوء. أنا وحدي، ولن يراني أحد إلا إن فتح أحد ذلك الباب. الأمر آمن هنا، وأنا أحكّ بعنف شديد. لن أثق بذلك البشري بشكل أعمى، بالطبع. أخمش عبر الأغطية التي تخفي يدي، موقعة شبكات حول الغرفة أستطيع إزالتها وإخفاءها قبل المغادرة.

ثم، بامتنان، أبدأ في خلع ملابسي، مسقطة عباءتي وممزقة ضماداتي الشبيهة بالضمادات إلى أشلاء.

يبدو الأمر رائعاً بالفعل، ولست حتى في أيّ شيء يُدعى "حماماً".

ربما أسيء فهم البشري، كما فعلت مع كلاريتا. ربما يجعلني أسيء الفهم عمداً، بطريقة ما. ربما سيأتي إلى هنا، وربما سيرى حقيقتي. حسناً. إن فعل، فسيموت. أنا جائعة على أية حال. أنا أتطلع إلى ذلك. أدخل الحمام. لا يدخل البشري قط. يبدو الأمر لطيفاً.