⟦1꒱ تحوم جزيرة صخر الخلية على نحو غريب بالقرب من جزيرتنا. تكاد تحتكّ بقمة المخلب العظيمة الشامخة آلاف الأقدام فوق أسوار أمل السماء. سمعت يوماً أنّ هذا التقارب، إلى جانب كثرة الأراضي الزراعية في جزيرتنا، هو ما يجعلها جذابةً لتلك الغزاة. مع ذلك، من يدري حقاً؟ في النقابة، نجد باقي فريقنا معاً في قاعة الطعام، ومعهم جمع غفير من فرق الصيادين الأخرى. يبدو أنّه قد تم استدعاء الجميع تقريبا لهذا الأمر.
يا له من عدد كبير من الأرواح الضخمة والمثيرة للاهتمام!
— فيتا، بينيلوبي!
أهلاً!
— يقول بنتلي وهو يلوّح بحماس نحوي.
أبتسم وألوّح مبادلةً التحية. حين أمشي باتجاهه، ينهض بنتلي فوراً ويعصرني في عناق ضخم.
— فيتا!
قالت نورا إنّ بينيلوبي ستكون بخير! لقد فعلتِها!
— يصيح بنتلي.
— آك!
ن-نعم! نعم، لقد فعلنا! أرجو أن تنزلني! يفعل، مع أنّ شيئاً لا يستطيع إنزال ابتسامته.
— هل ساعدتِ يوماً خلال ليلة صخر الخلية من قبل، فيتا؟
أنا لم أفعل! أنا متحمس!
— أنت وحدك من يمكن أن يتحمس للتعرض للطعن على يد رجال حشرات مظليين، يا بنتلي — يقول أورفيل بجهامة.
— انتظِر، مظليين؟
— تسأل نورا — ظننتُ أنّ بني الحشرات يملكون أجنحة.
— كلا — يقول أورفيل ملوحاً بكتفيه — إنهم يقفزون علينا فحسب.
إنهم مجانين تماماً. لا يتوقفون حتى تمر الجزيرة بأكملها، بغض النظر عن عدد من نسقطهم من السماء. والصخور أيضاً، وهو ما يتعين على الهيكليين الكبار التعامل معه. لكن بالكاد لامس أي منها الأرض في المرة الأخيرة التي هاجموا فيها، وهو ما رجح أنه دفعهم للتوقف.
— هل قاتلتَ في ليالي صخر الخلية؟
— أسأل مندهشة.
— أجل — يؤكد أورفيل — عدّة مرات.
قال معلّمي إنها طريقة جيدة للتعلم. لم يكن الأمر ممتعاً تماماً، لكن لا يمكنني أن أنكر أن التهديد المستمر بالموت يعد حافزاً جحيماً لتسريع وقت الإلقاء.
— ألهذا السبب أنت صياد؟
— أسأل.
— بطريقة أو بأخرى، أجل.
لا يمكنك أن تصبح أقوى دون دفع نفسك. التدريبات لا تفعل الكثير وحدها.
— أترى أنهم سيهاجمون الليلة، يا أورفيل؟
— يسأل بنتلي.
— لا أعرف، يا بنتلي، لستُ رجل حشرات رباعي الأذرع انتحارياً.
نحن لا نعرف حتى ماذا يريدون، أولئك الذين يتم القبض عليهم لا يفعلون شيئاً حتى يمتوتوا جوعاً. أه، هذا مقبض قليلاً! آخ، ربما يمكنني إيجاد روح رجل حشرات وأسأله! سيكون ذلك رائعاً! تصفعني ذراعي في خاصرتي. أطلق صرخة مكتومة. أ-أعني، ليس وكأنني أريد وقوع غزو. سيكون ذلك سيئاً حقاً! تتدحرج عينائي من تلقاء نفسيهما. حتى جسدي يخونني! اللعنة على أطياف التحكم بالعقول الموقحة.
— أأنت بخير، فيتا؟
— يسأل أورفيل رافعاً حاجبه.
— أجل، أجل — أؤكد له — فقط...
أحاول إبقاء نفسي مستيقظة! لقد حظيت بنوم كامل لليلة واحدة فقط خلال، أم، الأيام الستة الماضية، على ما أعتقد؟ سبعة؟ لقد نفذت وجبات روحي الخفيفة أيضاً! بصراحة، إنها كارثة. ربما إذا كان هناك غزو صغير جداً...
— أه، اللعنة هذا صحيح.
فيتا، أتريدين أخذ غفوة قبل حلول الليل؟
— أجل، ربما يجدر بي أن أنام.
لكني أكثر اهتماماً بهؤلاء بني الحشرات! أيفهموننا؟
— لا أدري — يقول أورفيل.
— أيهامسون أي جزيرة أخرى؟
— لا أعرف ذلك أيضاً.
— كيف تبدو بنية خلاياهم؟
— كيف لي أن أعرف ذلك أصلاً؟
— يسأل مستشيطاً — فيتا، اذهبي للننام.
سنوقظك حين يحل الليل.
— حسناً، حسناً — أوافق — أنا ذاهبة.
أجرّ خطاي صعوداً على السلالم، دون أن أتعب نفسي في ففك أجزاء درعي. سأفقد وعيى فيه وحسب.
— ألا تصادف قدرتك على الحراسة بينما أنام، أصحبتِ؟
— أتمتم لبينتا.
— كلا — تغمغم في سرّها — سأفقد وعيى حين تفعلين ذلك.
نحلم بالأحلام ذاتها، على ما أعتقد.
— آآه، هذا لطيف نوعاً ما!
— شخصياً، أجد ذلك مزعجاً.
أهوي على سريري، ممسكة بروسكو وضامة إياه بقوة. تبّاً، لا يمكنني النوم على بطني بعد الآن. يؤلم صدري. لست أملك نهدين بعد حتى!
— أتمضين على ما يرام، بينتا؟
— أسألها — مشاركة جسد أمر غريب.
— إنه أفضل مما يمكنني توقعة في أي مكان آخر.
— ممم.
تلك ليست إجابة حقاً. وقفة.
— ...أريد جسدي الخاص — تعترف — لا أخطط للسباحة إلى الخارج وأخذ واحد، لكني لا أستطيع إنكار أنه مغرٍ.
أعقد حاجبي. أجل، لقد تحولت نوعاً ما من سجّانة إلى مسجونة، أليس كذلك؟
— ليس هذا فحسب — تقول، مجيبة على أفكاري — ربما يمكنني الاعتياد على ذلك.
لكني أقلق... أيمكننا حقاً أن نكون أصدقاء حين أكون مجرد عالة مرافقة؟
— بالطبع يمكننا أن نكون أصدقاء!
— أصرّ — يمكننا معرفة كيف نتشارك، أليس كذلك؟
من الجميل معرفة أن أحداً ما هناك ليحرس ظهري.
— تقولين ذلك — يهمس فمي — لكن اللحظة التي أزعجك فيها أعاد إلقائي في الصندوق.
أشعر بك تمسكين روحي كلما فعلت ذلك، يا فيتا. إنه رعب لا يضاهيه رعب.
— آسفة!
آسفة. سابحاول الابتعاد عن أمر إمساك الروح. وأم، إذا كنتِ ترغبين بجسدك الخاص، يمكننا البحث معاً! المشكلة ستكون في إيجاد شخص سيء بالقدر الكافي لكي لا نمانع تسليمه لعذاب مدى الحياة، لكن ليس سيئاً جداً لدرجة أن وجودك في رأسه يجعلك تشسترين شراً.
— نعم، هذا لغز مقيد بعض الشيء، أليس كذلك؟
— تهمم بجهامة — يمكنك أيضاً أن تجعليني...
حسناً، كما تعلمين. أطرف. أه، تقصدين أحد تلك الأشياء الميتة التي تتبع أوامري دون شروط؟ أفكر.
— نعم — تغمغم — ذلك.
إن كنت سأقبر على طاعتك على أي حال — ولنواجه الأمر، أنا كذلك — فيمكنني تحمل الرغبة في فعل ذلك. المشكلة هناك هي بالطبع... لا يمكن إبقاء الموتى الأحياء يتجولون، أجل. إنه ليس حلاً حقاً. سنحاول التفكير بشيء ما، حسناً؟
— شكرا لك، فيتا.
آسفة لكوني عبئاً هكذا. أعرف أنك تبذلين جهداً مضاعفاً لإنقاذ حياتي، فقط... أتمنى لو أستطيع أن أكون أي شيء سوى نورا. سنكتشف شيئاً ما، أعدك. أأنت جاهزة للنوم؟
— أنا متعبة بقدر تعبك.
تصبحين على خير، يا فيتا. تصبحين على خير، بينتا.
* * *
— ا نهضي، في — تقول نورا — شبه الظل قادم.
تتفتح عيناي فجأة وأثب على قدمي، ممسكة برمحي ومتفقدة سكّيني. أجل. كل شيء في مكانه.
— أي شيء بعد؟
— أسأل الهيكل المدرع بالكامل الذي تمثله نورا.
— لا شيء — تقول — لم يحل الظلام تماماً بعد، لكن الجزيرة قادمة بسرعة.
كم كانت ليالي صخر الخلية تدوم؟ خمس ساعات مضافاً إليها القليل، على ما أعتقد. ربما إن لم يكن هناك هجوم يمكنني استغلال ذلك الوقت لأصاب بالذعر حيال كيف أنني ورطت نفسي بطريق الخطأ للذهاب في مهمة مع الهيكليين اللعينين. أنا بلهاء جداً! مهما يكن، علينا الآن القلق بشأن رجال الحشرات. أتوجه إلى الخارج برفقة نورا، بينما ينتظر باقي فريقنا. يأمرنا هيكلي، مغطى بخوذة مجهولة الوجه كالعادة، بالوقوف للحراسة في الشارع على بعد بضعة أحياء، بينما يوفر أورفيل المراقبة من فوق سطح فوقنا.
بالنظر نحو مؤخرة الجزيرة، لم تعد هناك سماء؛ بل جزيرة صخر الخلية الضخمة الشاهقة، تبتلع المزيد والمزيد من الأفق المحاط بالأسوار. مدار صخر الخلية يكاد يكون مماثلاً لمدارنا، لكنه أبعد عن الضباب وأسرع بكثير، بكثير. فشبه ظلها — الظل المتعمق باستمرار الذي تلقيه جزيرة أعلى قبل حلول الليل الحقيقي — يظلم السماء بسرعة كلما اقتربت. على الفريق بأكمله توخي الحذر لكي لا نحبس أنفاسنا دهشة من هذا المنظر.
جزيرتنا واسعة، لكن صخر الخلية عالية، برج شاهق من الحجر المنحوت والمصفح. وكلما اقتربت أكثر فأكثر، بالكاد يمكنني رصد بقع متحركة صغيرة على الجدران الخارجية للجزيرة: رجال الحشرات لا يكلون، يمارسون حرفتهم حتى وهم يقتربون من أراضي العدو. غير أنني لا فكرة لدي عما يعملون عليه بالتحديد. ربما ينتظرون فقط للانقضاض علينا. يزداد الظلام قتامة، وقتامة، وقتامة، إلى أن يومض الضوء مفاجأةً من جديد.
من حول المدينة، تتألق كشافات ضخمة كأنها النهار، مانحة رؤية واضحة حتى الجانب السفلي لصخر الخلية. تدور الجزيرة على مسافة مخيفة بالقرب، على بعد يزيد قليلاً عن نصف ميل فوقنا. وقبل أن يمضي وقت طويل، تصبح فوق رؤوسنا مباشرة. الخوف يمركزنا، والترقب يمط كل دقيقة لتصبح ساعة. متى سيأتي الهجوم؟ هل سيكون هناك هجوم هذه المرة؟ أي نوع من الخطط كانوا يدخرونه لأجاحنا؟ وحتمام أبدأ بالظن بأنهم يتركوننا وشأننا من جديد، تبدأ الأجسام بالتساقط.
تسقط، متدحرجة من ارتفاعات يكاد لا يرى لها أثر. ليس هناك غوص منسق أو سقوط متمرن؛ فالظلال البشرية ذات الأذرع الأربع تتقلب رأساً على عقب، متخبطة في السماوات. تتردد صيحات الأمر في أنحاء المدينة، وبعد عشر ثوان من السقوط الأول، نرد بإطلاق النار. تطلق الساحرات أولاً، خارقات السماء بسهام محترقة وسهام منطلقة بتعويذات. لا حاجة لأن تتابع الرماة. بالكاد سقط عشرات أو اثنان أو ثلاثة من الأفراد من الجزيرة في الأعلى.
كلهم أموات قبل أن يصطدموا بالأرض. هذا كل ما في الأمر. لا شيء آخر يسقط على المدينة. هناك أماكن أخرى تُسقط فيها الحشرات، مجموعة تلو الأخرى. المجموعات صغيرة، وكل ما قرب أمل السماء يُقضى عليه بسهولة. بعضها يسقط بعيداً، إما منسوفاً بواسطة مدن أخرى لا أعرف عنها الكثير أو ساقطاً في أماكن لا يمكننا الدفاع عنها ولا نبالي بها؛ فأي من أعدائنا الذين يسقطون في الغابة العميقة لديهم ما يقلقهم أكثر منا بكثير.
هذا كل شيء. مجرد رقع. ننتظر بأنفاس محبوسة، مترقبين المتابعة القاتلة التي لا تأتي أبداً.
— ...أهذا طبيعي، يا أورفيل؟
— تنادي نورا لأعلى.
— ليس بأدنى طرقة — يجيب — هذا جديد.
عادة ما نملك سماء مليئة برجال الحشرات أو لا شيء. لا فكرة لدي عما كان هذا. ننتظر وننتظر وننتظر، بينما تمر ساعات متوترة. بحلول الساعة الثالثة، يصبح الجميع في حالة تململ. متى سيحدث شيء ما أخيراً؟ ما هذا، أهو حرب نفسية؟ أم خدعة؟ أهناك رجال حشرات غير مرئيين يسقطون في مكان آخر؟ حسناً، إن كان الأمر كذلك، فلهم ليسوا بالقرب مني. أو ربما لا يملكون أرواحاً، أظن، لكني أشك في ذلك.
بحلول الساعة الرابعة، يبدأ الناس في الاسترخاء على الرغم من حكمتهم الأفضل. بحلول الساعة الخامسة، نكون قد اقتنعنا بأن شيئاً لن يأتي. إسقاط الجنود بأي كميات معتبرة في الوقت الذي يغادرون فيه سيكون خطوة مشكوكاً فيها استراتيجياً، أقل ما يقال فيها.
— إذن ماذا، لقد أسقطوا بضعة أشخاص علينا فحسب، وقالوا «أجل، هذه المدينة لا تزال محصنة جيداً»
ثم استسلموا؟
— تتذمر نورا — كان ذلك مرعباً بحق اللعنة، لكن شيئاً لم يحدث.
— أجل، لا فكرة لدي — يجيب أورفيل — ربما كانوا يمنحوننا فقط كل أولئك الذين لا يعجبونهم.
نقهقه بتوتر، مبقيين أعيننا على السماء. بالتأكيد كان كل ذلك لغاية ما. مع ذلك، لا يأتي الأمر حتى نكاد نرى نور النهار من جديد. من حولنا، لكن بعيداً عن المدينة، تنهمر كرات سوداء حبرية من ثقوب في قاع صخر الخلية. في كل بقعة نسمح لجنودهم الأضاحي بالسقوط إلى الأرض إما لا مبالاة أو عجزا عن إيقافهم، يفرغون تلك الأشياء السوداء. بسرعة، يركز كشاف ضوئي عليها، لكن لا معلومات يمكن استخلاصها.
إنها ببساطة بيضاوات سوداء نقية، لا تعكس أي ضوء. يصعب تحديد حجمها على مثل هذه المسافات الكبيرة، لكن من المحتمل أن يكون كل منها بطول خصري على الأقل.
— ما اللعنة التي تلك الأشياء — تتنفس نورا.
— لا فكرة لدي — يجيب أورفيل.
أحدق برعب فقط. لا أعرف ما هي أيضاً، لكنها تذكرني بروحي.
— بيض — أهمس.
تسمعني بينيلوبي، فتتوسع عيناها.
— بيض؟
— تسأل — أمتأكدة أنت؟
— كلا — أقول بصدق — لكن هذا رهاني.
بيض.
— بيض ماذا؟
— يسأل بنتلي.
لا أحد منا يملك إجابة له.