فيغور مورتيس الفصل 179 — تحقيقات

اقرأ فيغور مورتيس الفصل 179 — تحقيقات باللغة العربية على مانجا تايم.

لا أستطيع الجزم إن كان عليّ توقّع العثور على أرس في عاصمة بولدوني أم لا، بين كلّ القواعد السرية الممكنة لاختبائه. تتسلل مئات الأرواح إلى نطاق حواسي، ثم الآلاف، ثم عشرات الآلاف في ومضة، بكثافة تكاد تعمي البصر لا تقارنها حتى سكايهاوب. تتداخل الطبقات بطريقة غريبة تشبه المدينة التي استطلعَتْها جليسا: ممرات فوق ممرات، وجسور فوق جسور، وطرق للوصول من الطابق الأخير في أبراج شاهقة إلى الطابق الأخير في بناء آخر عبر المدينة دون الاقتراب أبداً من الأرض.

يذكرني هذا بالكهوف فوق ليريوب وتحتها. عشنا يوماً على سطح جزيرتنا، قبل فترة طويلة جداً من ارتقاء المُؤَسِّس بنا إلى ما نحن عليه اليوم. لكن التعداد نما، وجزيرتنا ليست عريضة، فاضطررنا إلى الحفر. نزولاً، نزولاً، نزولاً في الصخر، متعلمين بالتجربة والخطأ كيف نصنع مغاور هائلة في أحشاء جزيرتنا بأكملها دون أن ننهار بكل شيء في سلسلة تفوتات موت. فعل البشريون الشيء نفسه، لعجزهم عن التوسع بأراضيهم المعزولة عن بقية الجزيرة بفجّ الازدراء.

لكنهم عوض النزول، صعدوا إلى الأعلى. لديهم جسور بدل الأنفاق، ومنشآت بدل الكهوف، لكن الفلسفة واحدة. في الأمر ما يستدرّ الحنوّ، غير أني لا أملك وقتاً للتفكير في ذلك طويلاً. أشعر به. إنه هنا. أبي المزعوم وروحه الشبيهة بالمسخ. وجدناه. أشعر برغبة عارمة، عارمة جداً، في الانتقال آنياً إليه وقتله فوراً، لكني للأسف أملك ما يجعلني أرجح أنه يعرف على الأقل الأساسيات في استراتيجيات الانتقال الآني ومضاداته، وهي أمور مزعجة للغاية.

سيكون الوصول إليه عذاباً حقيقياً ومضاعفاً. ليس لأني عاجزة عن الانتقال الآني إليه مباشرة، بل أنا قادرة تماماً. يتضح جلياً من بعيد خلوّ المدينة من حقل تعطيل الانتقال الآني. غير أنها تملك حقلاً لاكتشاف الانتقال الآني، وهنا تكمن الفوضى. إن حاولت الانتقال إليه، سيملك جزءاً من الثانية للانتقال بعيداً قبل اكتمال تعويذتي، وإن فعل ذلك فسنفقده يقيناً. ومع أننا قد نكون محظوظين ونباغته، لا يستحق الأمر المخاطرة بحق: يلزموني ما بين دقيقتين وثلاث دقائق لجمع وتخزين ما يكفي من المانا لتعويذة انتقال آني، لذا سيكون قد توارى منذ زمن بحين أتمكن من تعقبه إن تفاعلع بالسرعة الكافية.

إنها مخاطرة ضخمة للغاية. وبالمثل، لا أستطيع منعه من الانتقال بعيداً… والطيران ببساطة نحو الرجل. المدينة أضخم من أن يلفّها حقل تعطيل بكمية المعدن التي أحسّ بها بالقرب. وإن حاولت إزالة حقل الاكتشاف أو تعطيله، فسيُنبهه ذلك حتماً. لكن ربما لا! يُرجَّح أن الحقل يعمل بمسامير معدنية مدقوقة في الأرض على طول محيط المدينة، وإن تمكنت من الاقتراب بما يكفي من أحدها، فسأستطيع تبين طريقة عمله وتحديد خياراتنا بناءً على ذلك.

بالطبع، يعني هذا أني غالباً سأضطر لتسلل إلى منشأة محصنة للوصول إليه، وهي نقطة فشل أخرى. لذا أجل، كل خيار مزعج للغاية!

تسألني بينيلوبي: "بماذا تفكرين؟"، فألتفت لأنظر إليها.

ما زلنا نحلق في علوّ مرتفع، على أميال من العاصمة.

أؤكد لها: "إنه هنا. روحه أكثر فساداً حتى من المرة الأخيرة التي شعرت بها فيها".

ما زال يحتفظ بذلك القلب المقرف من الظلمة ذات ملمس اللحم، يمصّ وينبضويلتهمّ بكل ما حوله، وما زالت الترقيعات البغيضة تلتصق بقلبه كيرقات طفيلية. أصبحت أكبر وأكثر عدداً الآن، وبفضل تعليمي المتفوق في ليريوب يتضح تماماً ما هي: مواهب. منح أرس نفسه أكثر من دزينة مواهب مختلفة، ولا سبيل لمعرفة ما تفعله أيّ منها حقيقة إلا إذا ومتى استخدَمها ضدنا. هذا بالغ الخطورة، لكنه لا يغير خطتنا حقاً.

أقول لها: "لا أظنّ وجود سبيل نضمن به منعه من الانتقال بعيداً. لذا علينا عوض ذلك استدراجه للانتقال بينما أنا في موقع يتيح لي تتبع الانتقال الآني، ثم اقتفاء أثره واغتياله بعد بلوغه وجهته. حتى كابيتا لا تستطيع الانتقال آنياً مرتين متتاليتين فوراً، عليها الانتظار بضع ثوانٍ على الأقل".

تتأمل بينيلوبي قائلة: "ممم. أيمكنني نقلنا كلتينا إليه، ثم تنقليننا عندما ينتقل هو بعيداً؟"

"يمكن لذلك… لا، انتظري. باستطاعته فعل ذلك أيضاً. احتمالاً. الانتقال المتسلسل مع كابيتا. قد يفتقران إلى التنسيق اللازم لذلك، لكنه احتمال ينبغي ألا نتجاهله".

تعقد بينيلوبي حاجبيها وتقول: "لم يكن قادراً على الانتقال آخر مرة رأيناه فيها. وإلا لما قتل نفسه ليهرب من الموقع أربعة عندما ساءت الأمور. أهي صحبة كابيتا؟"

أؤكد لها: "هي معه، حالياً. إن استطعنا إبعادها، فقد تشكل تلك فرصة، لكني أرى أخيراً أن علينا الاقتراب منه وإجباره على الانتقال أولاً. ثم أزودك بإحداثيات وجهته، فتأخذينا إلى هناك، وإن عاود الانتقال تتبعت أثره وحدي".

"ألا تستطيعين أخذي معك؟"

أقول لها: "أنت ثقيلة جداً، بينيلوبي. بمقدوري فعل ذلك، لكنه سيستهلك قدراً من المانا يمنعني من غمر المنطقة بنفسي فوراً ومنع أرس من الإلقاء، ومع كامل احترامي أظن تلك أداة أثمن للاغتيال".

تومئ برأسها بخفة، متأذية قليلاً من تقييمي لكن دون إنكار.

أتابع قائلة: "لذا… أرى أننا نملك خيارين. الأول هو التسلل بأقرب ما يمكن إلى أرس، متأكدين من عدم انتقاله بعيداً حتى أقترب لمسافة خمسين متراً تقريباً. إن انتقل ضمن هذا النطاق، سأستطيع تتبع وجهته وسنكون في سعة. العيب أننا سنهلك إن انتقل قبل اقترابنا بالقدر الكافي. الخيار الآخر وجود حقل حول المدينة يكتشف الانتقال الآني. أظنني قادرة على ترقيع نفسي ضمن نظام إنذار حقل الاكتشاف، مستخدمة إياه لتوسيع نطاقي وإنذاري إن انتقل أرس وإلى أين. إن نجح الأمر، فبإمكانه الانتقال من أي مكان في المدينة وسنبقى قادرين على الإيقاع به، لكنه سيستغرق وقتاً وعلينا التسلل إلى مكان محصن ربما بشكل جيد. ما رأي الجميع؟"

تسال لارك: "لماذا لا نقوم بالامرين معاً؟"

أخبرها ببساطة: "آه… لأني لا أستطيع التواجد في مكانين في آن واحد".

تسأل لارك: "إذن؟ لماذا أحضرتنا أساساً إن كنت تتوقعين منا أن نكون بلا فائدة دونك؟"

أومض بإزعاج في عينيّ، ليس أنها قادرة على إدراك التعبير. محادثتنا برمتها… تركت فيّ أثراً بطريقة لا أفهَمها ولست متأكدة من إعجابي بها خصوصاً. بالطبع، كانت هناك تلميحات حول كيف أني أُفسد بثبات وتكرار الأشياء الجميلة في حياتها، و… حسناً، أستطيع تفهم ذلك. أظنه غير منصف بعض الشيء — فليست وكأنّي خلقتُ فصيلتها المشوهة أو شيئاً كهذا — لكنه ليس ظالماً تماماً. خضنا نزاعاتنا، وكانت تلك بعض أحلك نقاط حياتها على الإطلاق.

لقد أبغضتُ بشراً لأسباب تافهة. فلماذا أنا منزعجة هكذا؟ أهو بسبب فتنة ميليك المتبقية؟ لا أظن ذلك؛ قد يكون ميليك جزءاً من سبب ترددي في التخلي عنها تماماً كما قد أفعل مع أحدهم، ولكني لحسن الحظ لم أعد منجذبة إليها. أهي لكونها تتصرف بفظاظة؟ إنها طفلة حرفياً، وجدر بي التحلي بما يكفي من النضج لتقبّل ذلك بصدر رحب. حسناً، أياً يكن. عليّ التعامل مع الموقف أولاً.

أسأل: "لارك، أيمكنك إعادة تشكيل جزء من مصفوفة شبكة معدنية سحرياً دون الإخلال بوظيفتها بالقدر الذي يُحدث تعطيلاً مكشوفاً؟"

تعترف قائلة: "حسناً، لا، لكن…"

أقاطعها ضاغطة: "أويمكنك اقتفاء أثر أرس خفية لتسجيل توقيعه الانتقالي المكاني حال حدوث انتقال آني؟"

هذه أهم جزئية في العملية، وأحتاج منها ألا تسخر مني بل تساهم فعلاً.

تسأل: "أهي تعويذة يمكنني إلقاؤها وتركها تعمل؟ أم أن تشغيلها يتطلب الكثير من الدقة؟"

…هاه؟

أسأل: "وما شأنك إن كنت لا تعرفين كيف تُلقين التعويذة؟"

تـرد بغضب: "علميني إياها فقط، فيتا! أملك ذاكرة مثالية، وبمكاني استيعابها في نحو خمس دقائق إن ساعدتني".

أنا… هاه. هاه. ولديها أربعة أذرع أيضاً، أستطيع تعليمها كيف تلقيها مثل أثانايتوس تماماً. تبّاً، ها قد بدوتُ غبية مجدداً! …أوه. لهذا أنا غاضبة. غاضبة لمعاملتي كطفلة بينما خاضت لارك وبينيلوبي محادثة محفزة ذهنياً. وهو ما… فعَلتاه بالطبع. كنت أتصرّف كحقيرة. كنت أتصرّف مثل… فيتا. فيتا وحدها. مجرد الفتاة الغاضبة التي لا تملك وقتاً للتأمل الذاتي لأن الجميع يتآمرون ضدها. صرتُ أشعر بذلك أكثر فأكثر منذ عودتي إلى فردانتوب، ولست متأكدة من إعجابي بالأمر.

نحن في جزيرة فيتا، وسط أعداء فيتا، نحارب أعداء فيتا ونتعامل مع مشاكل فيتا. لا أحد هنا يعرف مالروزا، ولن يخطر ببال أحد منادتِي بذلك. لذا تراجعتُ إلى فيتا، إلى العادات القديمة والملاذات المريحة. كنت أتذمر حين كان يجدر بي الإنصات. بالطبع ستعامل بينيلوبي لارك باحترام أكبر مما تعاملني به إن كنت أتتصرف هكذا. لكان الأمر جلياً لو فكرتُ كمالروزا أكثر. لذا… هذا ما أحتاجه الآن.

ينبغي أن أكون أميرة الحرب لا الليتش. أدرف جيداً كنه ذلك، فهي أنا. لا مبرر لبقائي رهينة العادات القديمة. عليّ فقط ترك نفسي لتكون على طبيعتها. أريد فعل ذلك، أشعر وكأنّي كنت… أهمل مالروزا، أو شيئاً كهذا. أم إني أهمل نفسي، بما أنها أنا؟ أياً يكن، لا أهمية لذلك. أعرف كيف أمشي هذه الخطية. آخذ نفساً عميقاً، وأزفره، ثم ألتفت لأنظر بجدية إلى لارك.

أقول لها: "أنت محقة تماماً. أعتذر. كنت متوترة ومقصّرة، وشكل ذلك إشكالياً للجميع. التقسيم خطة جيدة، طالما لم يتم القبض عليكما. سأعلمك التعويذة، لكنها ستختلف كثيراً عن أسلوب الإلقاء المعتاد لديك. أأنت مستعدة لذلك؟"

تطرف لارك بذهول، لكنها تومئ.

تقول: "أظن ذلك، لكننا لن نتأكد حتى نحاول".

أؤكد لها: "معك حق. سيتعين عليك مراقبتي عن كثب. أيمكن بصر المانا لديك رؤيتي؟"

ترد بينيلوبي باستهانة: "نعم، لقد علمتها كيف تفعل ذلك".

أومض برأسي: "جيد. سيستخدم هذا أذرعك الأربعة كلها. سيتعين علينا تعديلها قليلاً لنقص إصبع واحد لديك في كل يد، لكن ذلك سيكون مجرد خطوة تصحيحية إضافية بعد كل بضعة تحركات".

أُريها الحركة الأولى، مبدءة في وضعية الإغلاق المعيارية، ويداي الأربع معاً. أحرص على أن ترى أصابعي وأنا أقبض على خيط من المانا في كل منها، محركة إياها لبدء النسج الفني. تنحني المانا أمامي نحو أطراف أصابعي، ورغم عدم حاجتي لأداء الفن هكذا، فإنه يبدو شبه تلقائي كالشهق. تتباعد ذراعاي إحداهما عن الأخرى، بحركات لامتناظرة تنساب ببراعة مع خطوة من جسدي، وكل حركة دقيقة ذات غاية وموقوتة.

تقوم لارك، وفاءً بكلمتها، بعمل رائع ومذهل في تقليدي، لكن مائة تفصيل صغير تبدو خاطئة، وتلك التفاصيل هي ما يصنع الفارق الأكبر.

أتنهد قائلة: "لا، ألغي ذلك، أنت على وشك تفجير نفسك"، فتفعل ذلك.

ممم. تصحيح كل أخطائها على حدة سيكون عذاباً، وسيستغرق دهراً. لكنها تملك ذاكرة مثالية، أليس كذلك؟ ألا يمكنني تصحيحها دفعة واحدة؟

أقترح: "سأستخدم الحركة لأرشدك، إن كان ذلك يناسبك؟"

تسأل: "ستستخدمين ماذا؟"

هاه؟ أه. حاجز اللغات.

أخبرها: "حركية، عذراً. نسميها حركة".

توافق مومئة: "أه، بالطبع، لا بأس".

أومض تأكيداً بعينيّ، ثم أخطو خلفها للبدء بالعمل. أفرض سيطرة دقيقة على أطرافها، محركة جسدها إلى وضعية البداية الصحيحة كما فعلت أمي معي ذات يوم.

"قومي بالتدفق الآن، وراقبى المانا بينما أحركها معك".

لا تستغرق سوى دقيقتين تقريبا لتعلم التعويذة بعد ذلك. بسرعة أثانايتوس تقريباً. يولد فيّ ذلك شعوراً غريباً بالفخر بطريقة ما. أليكون لكونها صسغيرة؟ لكونها ابنة أخي بطريقة ما؟ لا أستحق الشعور بالفخر حقاً نظراً لعدم فعلي شيئاً يذكر، لكنه يظل شعوراً لطيفاً. والأهم من ذلك، أنه يعني قدرتها على تتبع الانتقال الآني الآن.

أثني عليها بصدق: "جيد جداً. ينبغي أن نمنحك بعض الممارسة قبل الاقتراب من حقل استشعار الانتقال الآني، وبعدها سأعلمك كيفية إرسال الإحداثيات لي ولينيلوبي".

تعطيني لارك نظرة غريبة قائلة: "آه، أجل. مستعدة متى شئت".

أومض موافقة وأنتقل آنياً مسافة قصيرة إلى يساري. نتمرن لفترة، وأمنحها التعويذة الثانية التي تحتاجها، لننتقل لاحقاً لاختبارها. تلقي لارك التعويذة بسرعة فأشعر بوخزتها ضد مقاومتي السحرية. أتغاضى عنها، وتنبثق إحداثياتي المكانية الحالية في عقدي.

أؤكد لها: "تم ذلك بامتياز. رائع. يمكنك أنت وجليسا التوجه مباشرة إلى قاعدة أرس الرئيسية بينما أقوم أنا وبينيلوبي بتخريب أنظمة استشعار المدينة. جليسا، أيمكنك التعامل مع تعويذات التخفي لذلك؟"

تنظر إليّ مذهولة.

تعترف قائلة: "أه… غالباً. لقد كنت أعدل بعض التحسينات على الكثير من الكينامانسية المعيارية خلال فترة راحتي".

أمتنع عن الانكماش. بإمكاني إعانتهن على الإلقاء السليم لاحقاً، فور أمان الجميع.

وأيضاً، أأطلق للتو على ترك التمبلرز وانعدام العمل اسم "فترة راحة"؟

يبدو الأمر مضحكاً للغاية، لكني لست متأكدة من السبب.

تسأل لارك مقتربة وباشرة التفتيش في حقيبة ظهر جليسا: "أحضُرتِ تمويهي المعتاد أيضاً، أليس كذلك؟"

تؤكد جليسا: "يُپ. نأمل أن يكون بلا فائدة، لكن امتلاك خط دفاع آخر ليس سيئاً أبداً".

تعترف لارك وهي تسحب قناع بوم بالٍ: "صدقاً، كنت أرغب فقط في ارتدائه مجدداً".

أعرف القناع، لكنّ تعليقي عليه سيكون فكرة سيئة. ألتفت نحو بينيلوبي عوض ذلك.

أقترح: "تمتلكان كل الأدوات اللازمة للبدء، فلنأخذ مواقعنا. إن فشلتا، فستكونان في خطر غالباً لكنهما لن تتسببا على الأرجح في وضع طارئ، نظراً لجهل أرس والملتحمين به لكلتيهما. لكنني أنا وأنت سنطلق إشارات حمراء فورية، لذا سيتعين علينا توخي الحذر الشديد".

ترد بينيلوبي: "لا أحتاج لمن يخبرني بحجم المخاطر. لست ممن ينون السماح بالفشل".

هه. أنا حقاً أُحب تعاليها أحياناً.

أتنازل قائلة: "حسناً إذن"، ناسجة كل فنون التخفي التي أعرفها حول كلتينا.

"إذن لننتقل إلى أقرب قطاع من مصفوفة الاكتشاف".

تومئ وتتبعني بينما أتقدم، ويتحرك جسدها الضخم المكسو بالحراشف برشاقة مذهلة. أتذكر كيف بدا جسد ميليك ناظراً إليها، مأخوذاً بفن جسدها العاري المغري غريزياً. أتسااءل أهكذا تتفاعل تالا عند رؤيتها، نظراً لامتلاك أختي ميلاً غريباً للحراشف عوض الكيتين. هكذا نحن الأثانايتوس فحسب. غرائب ومنفردات كل على طريقته. ومع أن ذلك يعني اصطدامنا أحياناً، أفلم تصبح الأبدية مملة لو تشابهنا جميعاً؟

الاختلاف الوحيد غير المقبول هو ذاك الذي يؤذي أهل ليريوب. الملكة الوحيدة غير المقبول وجودها هي أمي. …لكني أحاول التفكير في بينيلوبي الآن، لذا جدر بي التركيز على ذلك. بالنظر إليها الآن، لا أشعر بما شعرت به عند ارتداء جسد ميليك، وهو ما أجده مريحاً. جلب لي صيرورتي كليتش افتتاني بهذه المرأة بالأساس، لكني سلبتني أيضاً راحتي حيال الانفتان أصلاً. أو… حسن، راحتي حيال الانفتان جسدياً.

تحب فيتا نسبياً هدوء رغبة الأثانايتوس مقارنة بالبشرية، ورغم موافقتي على فرط الرغبات البشرية، أشعر بنوع من الخسارة. تحب بينيلوبي الجنس، وأرادت ممارسته معي، لكني عاجزة، ولا حتى لأجلها. يبدو الأمر خاطئاً مع ذلك، كأن عيباً بي لكوني هكذا. إنه تناقض محبط. أشتاق لقدرة منح بينيلوبي تلك البهجة، لكن سبب اشتياقي هو ذاته سبب عجزي الآن! أشعر أني حزمة تناقضات أحياناً.

تعلق بينيلوبي بجفاف: "أعلى وجهي شيء؟"

آه! لقد تم ضبطي وأنا أُمعن النظر. أُدير رأسي للأمام مجدداً.

أخبرها: "لا. أعتذر. كنت أفكر فحسب".

تُوافق بينيلوبي: "تبدين متأملة على غير العادة. الإمعان في النظر ليس من شيمك".

أشعر بانفتال عينيّ لتعبير من الانزعاج الطفيف.

أحتج: "أنا أنظر إليك طوال الوقت".

تعارض قائلة: "ليس بعينين جسديتين. هذا غريب بالنسبة لك".

حسناً، لست متأكدة مما تتوقع مني فعله بخلاف… أه. ينخفض رأسي، قليلاً. ترتفع روحي. تبدو زوائدي هادئة بشكل غريب، ملتفة حول قلبي كهرّة مسترخية. أمددها، لفترة وجيزة، ثم أتركها لتلتف مجدداً حولي. أحكّ شوكيات صدري عبر درعي بواحدة منها قبل أن أتركها ترتكن، ذاتي الباطنية كاملة، كلها أنا، لكنها هادئة بشكل غريب. أعلم، من الذاكرة، أنني عادة ما أحرك زوائدي في كل مكان دون تفكير حقيقي.

لا أولي الأمر اهتماماً كبيراً على أي حال، بالطبع، لذا لم ألاحظ حقاً عدم قيامي بذلك. أشعر حتى بوجود بضع حشرات ضمن النطاق، لكنها لا تزال حية. لكني لست متعبة أو متضررة أو شيئاً كهذا، أليس كذلك؟ لا أشعر بالتأكيد أني كذلك. أنا… لا أدرك معنى هذا.

أتنازل قائلة: "أفترض ذلك. لكني أُحس بحال جيدة، ما عدا التوتر العام حيال أهدافنا".

تسأل: "أهو ما كنت تفكرين فيه؟"

أعترف: "لا. كنت أفكر في الجنس".

يُشعل ذلك ابتسامة خفيفة منها.

تتأمل قائلة: "يبدو أنني أترك هذا الأثر على الناس، لأي سبب كان".

أبتسم بعينيّ: "لا أستطيع تخيل السبب، أيتها العارية المستهترة. ارتدي بعض الدروع على الأقل لأسباب عملية".

ترد بغرور: "تقولين ذلك كأن ما ترتدينه أفضل حماية من بشرتي المكشوفة. ليس كذلك".

أرتدي جلد تنين مسحوراً ومع ذلك فهي لا تكذب بطريقة ما. مع ذلك، لا يمكنني السماح لها بالإفلات بذلك.

"ألهذا رأيتك تنكمشين بوضوح حين ضربتك لارك بركبتك في العجان بعد أن فقست رأس غالدرا كفاكهة بالغة النضج؟"

تخرخر بينيلوبي: "لقد صححت ذلك الضعف منذ ذلك الحين. أُهنت لظنك أنني لم أفعل".

"صححت الضعف بتغيير بيولوجيتك جذرياً وليس ببساطة… ارتداء بنطال واقٍ؟"

تجاوب بينيلوبي، ناظرة مباشرة إليّ وبصوت جاد تماماً: "حسناً، طالما فضلْتُ الفساتين".

نتبادل النظرات لبرهة، ثم نشرع كلينا في القهقهة في الوقت ذاته. الأمر ليس مضحكاً إلى هذا الحد، بل هو… لطيف فحسب. اقتربنا كثيراً من حافة المدينة الآن، والبناء الذي يضم أحد المسامير المعدنية المولدة لحقل اكتشاف الانتقال الآني يقع مباشرة خارج مجموعة الأبراج والجسور العانقة للسماء. نقترب متخفتين.

أعلق باستخفاف، شاعرة فوراً بغضب يغلي داخل روحها قبل كبعه وإقفاله بعيداً: "يسعدني أن العمل المروع الذي فعلتِه بروحك لم يفسد حس الفكاهة لديك، على الأقل"، وهو ما لا يناقض، بالطبع، رأيي كثيراً.

ترد بينيلوبي ببرود: "لا مبرر لفعله ذلك. الفكاهة ليست غريزة مدمرة بطبيعتها. بل قد تكون مفيدة صحياً تماماً. لا جزء من مبادئي يحظرها".

"لكنها تحظرك من الشعور بالاستياء حين أصف ما فعلتِه بأنه 'مرعب'؟"

تهز كتفيها.

تجيب بينيلوبي بسلاسة: "يحق لك هذا الرأي، ومن الأفضل أن أكون صافية الذهن حين أتخذ قرار مجادلته. وعليّ الاعتراف، إنني فضولية. ألا تمتلك الأثانايتوس أرواحاً مصممة خصيصاً؟ ألا تشعرين بالطريقة ذاتها حيالها؟"

أُعلمها: "لا أشعر بالشعور ذاته حيال أنفسنا، لا. لا جزء مني يأخذ على خاطره من فكرة إعادة تصميمك لروحك الخاصة. الطريقة التي فعلتِ بها ذلك هي ما يزعجني. أنت عبقرية في فنون الحياة، بينيلوبي. متفوقة عليّ بوضوح، حتى مع تلقي تعليماً أفضل. لكن الطريقة التي تؤدين بها النيُوما؟ إنها مدمرة ذاتياً. وبشكل خطير".

نقترب من المجمع، محلقين بصمت فوق السياج المصمم لإرسال إشارة للناس بالابتعاد بالقدر نفسه المصمم لإبعاد الناس فعلياً. لا نلمس الأرض في الجهة المقابلة، بل نبقى في الهواء. لن يكون حكيماً ترك آثار أقدام.

تعترف بينيلوبي بهدوء: "كان لابد من ذلك".

ألتفت إليها مجدداً، ناظرة بعينيّ جسدي. أشعر بوعي الذات حيال ذلك الآن، لكني أفعله على أي حال.

أسأل: "ماذا؟"

تخبرني: "وجدت لأجلها حصراً. هذا هو مجمل من كنت. لولا محاولتي تدمير نفسي، لما تمكنت من العودة على الإطلاق".

آخذ نفساً عميقاً وأزفره. يبدو ذلك معقولاً بطريقة مريضة، حقاً إنه كذلك. لقد لحق الضرر بروحها بالفعل حين وضعت مخالبها الخاصة فيها. كان عليها جعل الأمور أسوأ قبل أن تستطيع تحسينها. لكن… لن يصلح الضرر هكذا. لابد أنها تعلم ذلك، أليس كذلك؟

أخبرها: "لست خبيرة تماماً، لكني بارعة جداً في فنون النيُوما. بوسعي مساعدتك في عملية الشفاء".

تخالفني بينيلوبي الرأي: "رغم إقراري بحرية بوجود عيوب عدة، أستطيع تدبر أمرها بنفسي. علاوة على ذلك، لا أظن أننا نتفق على ما سيبدو عليه 'شفائي'. لا يمكنني السماح لك بالولوج إلى روحي".

أُصر بحزم: "لن أقدم على فعل شيء لروحي دون إذن. ألا تثقين بي؟"

تصد بينيلوبي: "الأمر ليس مسألة ثقة. لا يمكنني السماح لك بالولوج إلى روحي، فيتا".

أه. مسألة مبدأ إذن. أصمت عند ذلك، متأثرة بشيء يتجاوز الواضح مما قالته. يتعثر السؤال خارج فمي قبل أن أنتهي من التفكير فيه حتى.

أسأل: "أيمكنك منادتي مالروزا؟"

يعبر الدهشة وجه بينيلوبي للحظة وجيزة، رغم تفجر روحها بالحسابات والاعتبارات.

ما تقوله بصوت عالٍ هو: "بالتأكيد".

ثم تضيف: "أيجوز لي السؤال لمَ؟"

أعترف: "أنا… لا أعلم".

تطمئنني: "حسناً، لا مشكلة في ذلك، مالروزا"، فأسترخي قليلاً، مومیة بشكري بتعبيري.

تعبير أنا متأكدة إلى حد ما أنها قادرة على قراءته، لتركيزها الشديد. أستدير، محاولة التركيز على تحليل التحصينات الدفاعية للبناء أمامنا رغم استمرار تشتتي بمخاوفى. لمَ أرغب في أن أُنادَى مالروزا؟ ما زلت فيتا، أليس كذلك؟ لا يمكن لمالروزا أن تستهلك فيتا، أيمكنها؟ أشعر أنني لكنت عرفت إن كانت مهيأة لشيء كهذا، فأنا هي. أتعودت على مناداتي مالروزا خلال وقتي في ليريوب؟ …لا، لا منطق في ذلك.

صرت أنادى فيتا منذ عودتي وكنت موافقة على ذلك.

توبخني بينيلوبي برفق: "لا تتشتتي، مالروزا".

أزفر أنفاساً. إنها محقة. أنا أميرة. أنا أفضل من هذا، وعليّ التصرف كلياقة. تعويذات الباب أساسية تماماً: مجرد دارسة سحرية بسيطة تُكسر عند فتح الباب. أنسج لها مساراً جديداً مؤقتاً لتبقى غير منكسرة حين يُفتح الباب، ثم أفتح قفله حركياً من الداخل، مسكتة مفصلاته سحرياً وأنا أدفع موارباً.

أخبرها: "لنذهب"، فتومئ.

أفترض أن الأمان لائق تماماً بالمقاييس البشرية، وهناك عدد لا بأس به من أهل بولدوني يتجولون ويحرسون المنطقة شخصياً، لكن تجنبهم جميعاً تافه. المجمع ليس ضخماً بالضرورة أيضاً، لذا فإن بلوغ المركز حيث أستطيع الوصول مباشرة إلى المسمار المعدني المُغذي لتعويذات المدينة يحدث بسرعة ودون حوادث. توقعت هذا، بالطبع. الجزء الصعب من العملية ليس الوصول إلى هذا الشيء دون انکشاف، بل فك شيفرته وتعديله ليعمل لصالحنا دون انکشاف.

وهو ما يمثل، ببساطة، جيلا مختلفا تماما من المشاكل.

تسأل بينيلوبي بينما أجري حواسي على المعدن: "أهناك ما يمكنني المساعدة فيه؟"

لا أستطيع رؤية معظمه لوجوده في الأرض، وهو أمر مشكل أيضاً. الغرفة برمتها لا تعدو كونها خزانة واسعة قليلاً مع بضع نوافذ لضمان عدم اختباء أحد هنا… دون أن يكون متخفياً، على أية حال. يبلغ طول المسمار نفسه نحو سبعة أقدام وبقطر بضع بوصات فقط، مع رؤية أربعة أقدام منه فحسب. لا يمكنني إخراج المسمار من الأرض والنظر إليه فعلياً، لذا يتوجب عليّ استنتاج وظائفه حصراً من كيفية تدفق المانا بداخله.

أقول: "مجرد مراقبة عامة الآن. فور حصولي على ما أعتقد أنه فكرة جيدة عن طريقة عمله، سأطلب منك مراجعة عملي".

تومئ ونشرع كلينا في العمل. إذن، للقمة وظائف واضحة متعددة، تتصدرها الاتصالات مع نحو اثني عشر مسماراً آخراً تشكل الحقل الكامل حول المدينة. يبدو وكأنه مجموعة بدائية نوعاً ما من سحر اكتشاف الانتقال الآني، يعمل بأخذ تحديثات مستمرة لكل البيانات المكانية داخل الحقل ومقارنتها بالبيانات المكانية المتوقعة. حين تحتوي تعويذة انتقال آني على مصدر أو وجهة داخل حدوده، ستوجد نقاط بيانات معدلة نتيجة الرابط المؤقت بين موقعين.

حين يكون المصدر والوجهة داخل الحقل، ستوجد إحداثيات مكانية مدمجة لذات السبب، وهو ما يمكن اكتشافه أيضاً. إنه سحر قديم وغير كفء، لكن عدم الكفاءة لا يعني انعدام الفعالية للأسف. هناك طرق لإنجاز هذا النوع من السحر تتطلب معدات أقل بكثير وصيانة عامة، لكني لا أستطيع إنكار أن طريقة القوة الغاشمة لا تزال تعمل. ولأن كل قمة في اتصال مستمر مع جيرانها، فإن تعطيل الحقل أو تعديله ببساطة أمر مستبعد تماماً.

إن كانت أي تغييرات أجريها على هذا التركيب غير متوافقة مع تلك التي ترتبط بها، فسيتحول المكان برمته إلى حالة تأهب قصوى. لحسن الحظ، لست بحاجة حقاً لتعطيل الحقل، أليس كذلك؟ الحقل لا يمنعني من ملاحقة أرس بحد ذاته، بل يمنح أرس إنذاراً مبكراً حين أفعل. يمكن للحقل البقاء، الجزء الوحيد الذي أحتاج للعبث به هو ما يوصل المشكلة. أبدأ في صياغة خطة عمل، وبالطبع تبدأ الأمور هناك في اتخاذ منحى خاطئ.

أشعر بروح تنهض عن الأرض وتبدأ في الطيران نحونا بسرعة لا تصدق. وليست أي روح: إنه ملتحم. ملتحم كبير. روح مركزية مع سلسلة من الترقيعات الأصغر، مواهب فوق مواهب فوق مواهب. وطبعاً، ولاء راسخ بعمق لأرس. لا أعرف كيف تم كشف أمرنا، لكن مسار الملتحم دقيق للغاية لدرجة يستحيل معها أن يكون غير ذلك. أهسّ بضيق. لارك وجليسا ليستا في موقعيهما! أرس يعلم حتماً بوجودنا هنا الآن، لذا سيهرب!

إلا أن… ما زلت أستطيع الإشعار بروحه، وهو لا يبرح مكانه. لا يبدو قلقاً حتى. أأثق بثقته في قدرته على الهرب بصحبة كابيتا؟ أم أنه يعلم أيضاً حاجته لضمان كوني أنا من ينتقل آنياً أولاً؟ كم يدرك عن قدراتنا؟ أفترض أنه حتى أعرف الإجابة، تظل خطتنا كما هي. إن كان سيبقى رغم علمه بوجودنا، حسناً… فهذا خطؤه.

أقول لبينيلوبي: "لدينا قادمون. لكن الخطة مستمرة. لم يطّر أرس خارج القفص".

تتأمل قائلة: "رجل متكبر حقاً. لقد صرت أمقت التكبر حقاً".

أسمع الملتحم يزأر من الخارج: "حسناً أيها اللقيط!"

وأتعرف على صوته.

"اخرج إلى هنا لأنتهي منك بسرعة!"

أهذا… سكاي؟ تعذر عليّ تمييزه من روحه تماماً. أه, يا له من مسكين.

أطلب: "أرحه من بؤسه، أتمانعين يا بينيلوبي؟"

يحاول الغضب المتأجج اليأس من الإفلات من جدران روحها، لكن المرأة تتجاهله وتومئ ببساطة.

تُوافق: "سأحرص على ألا يعطل عدونا العملية"، وتتسلل خارج الغرفة لتلتقي الرجل الذي تسبب في أسرها بواسطة غالدرا بالأساس.

أو بما تبقّى منه على الأقل، مهما بلغ ذلك القدر.