"اللعنة، هذا مزعج للغاية"، تدمدم يليسا.
"الألفاظ"، أرد أنا بآلية.
ترمقني يليسا بطرف عينها وتبتسم بتهكم، وقد تحول وجهها إلى مسخ مقبض لا يشبه ما كان عليه من قبل. لو لم يُخبروني بهويتها، لشككت في أنني كنت لأعرفه. بشرتها الداكنة، وشعرها الأبيض الطويل، وتقاسيم وجهها الأكثر استدارة، بل وحتى ثيابها؛ لا تشبه أي شيء أعتدته. إنه لأمر طريف؛ يذكرني ذلك بالأيام الأولى لي حين ذهبت إلى نيو تالسي ولم أكن أدرك أن البشر يغيرون ثيابهم كل يوم. كنت أظن أن الشخص يصبح شخصاً آخر في اليوم التالي لمجرد أن ثيابه تبدلَت.
أما الآن فأعرف أن لكل فرد مجموعة من الثياب التي يرتديها، لذا أُحصي أزياءهم جميعاً في ذاكرتي، ولا ينتابني الارتباك إلا إذا تبدل عدد من الأشياء دفعة واحدة. رغم أن التغيرات الطفيفة جداً قادرة على إرباكي لفترة قصيرة. تحدثت إلى زينا يوماً في هذا الأمر، فرجحت أن يكون له صلة بذاكرتي التامة. معظم البشر، نظراً لعدم إجرائهم مطابقة دقيقة للخبرات، يتعرفون على الشيء طالما كان شبيهاً به نوعاً ما.
أجد هذا غريباً. ألا يعني كون الشيء شبيهاً بنوع ما أنه لا يزال مختلفاً؟
"سأحتفظ بحقي في الشتيمة في هذه المسألة يا لارك"، تعلق يليسا لتنتشلني من أفكاري.
"تبدو الأمور سيئة هنا وهناك. سيئة بحق".
"أفضل سبل معالجة ذلك هي حسم الأزمة الراهنة سريعاً"، تصر السيدة فيسوفيوس.
"أولويتك الأولى هي ألا يساورهم الشك في أمرك. وأولويتك الثانية هي تحديد مكان أرس. أفهوم هذا؟"
"يبدو منطقياً"، توافق يليسا.
"أمتأكدة أنت من أن درع روحي سيعصمني من عبث أرس الذهني؟"
"نعم، لقد خضع هذا للاختبار"، تؤكد السيدة فيسوفيوس.
"مع أنه يوجد دائماً احتمال أسوأ تتمثل فيه تطور تلك الموهبة منذ ذلك الحين، إلا أنني أثق بقدرتك على حماية نفسك. تذكري: إنه ينتشر عبر التلامس، وينتشر تلقائياً. لا يعلم المضيفون أنهم ينشرونه، لكنهم سيشعرون برغبة ملحة في ملامستك أو مصافحتك إن بالغت في جذب الانتباه إليك. تظاهري بأنك خضعتِ للغسيل الفكري أيضاً".
"يمكنني فعل ذلك"، تؤكد يليسا.
"حسناً، أظن عليَّ بدء المسير. أستبقون أنتم معسكرين هنا؟"
"في حال تحركنا المستبعد، سأحرص على ترك أثر يتيح لك تعقبنا"، تومئ السيدة فيسوفيوس.
تومئ يليسا، ثم تلتفت نحوي ذراعاها مفتوحتان.
"هيه. عناق الوداع؟"
تسأل. أومئ وأهرع بسرعة لألصق جسدي بجسدها، دافعاً بها إلى إحاطتي بذراعيها وعصري برفق. إنها دافئة للغاية. تمنحني شعوراً غامراً بالسعادة. رائحتها زكية جداً. تطفو ذكريات الدماء لحم البشر على سطح ذهني، لكني أطردها بأقصى ما أستطيع.
"لا تعمدي إلى استفزاز الوحشين، أليس كذلك يا لارك؟"
تصر يليسا وهي تبتعد عن العناق وتحكني من خلف أذني.
"نحن الثلاثة وحوش"، أذكرها.
ترمقني بنظرة ذات مغزى — ليس وكأنني أدري ما يفترض بالمغزى أن يكون — ثم تلتفت للرحيل، تاركةً بقيتنا خفيين في وسط الحقل. حسناً، خفيين عن الجميع فحسب. يمكننا رؤية بعضنا بوضوح تام، وبغض النظر عن اختلافنا في دلالات الوحشية، فإن يليسا محقة في قلقها حيال تركني وحدي مع فيتا والسيدة فيسوفيوس، ولو قليلاً على الأقل. فهما، بعد كل شيء، تتمتعان بمذاق طيب حقاً، شديد الطيْب.
"هذا مزعج للغاية"، تتذمر فيتا وهي تلقي بنفسها على الأرض.
ألتفت إليها مفاجئاً بعض الشيء بهذا التعليق.
"أم... ماذا، العمة فيتا؟"
أسأل. تنتعش فوراً، وتستقيم في جلستها ناظرة إليَّ بالتعبير العصي على القراءة نفسه الذي تعودته. ظللت أحاول حفظ الطرق المختلفة لحركة عينيها، لكني لا أملك أدنى فكرة عما تشعر به صدقاً.
"هاه! »العمة فيتا«، ها؟"
"ألا ترغبين في أن أناديك هكذا؟"
أسأل. افترضت أنها تريد ذلك، فإلا لأي سبب ستتكبد عناء الإشارة إلى صلة القرابة؟
علاوة على ذلك، لا أستشعر أن علاقتنا وثيقة بالقدر الذي يريحني من التكلف، بيد أنني لا أود مناداتها بـ »الأميرة«. "ممم... لا، لا بأس، أظن ذلك"، تقر فيتا. "لا مانع لدي. أنا معجبة بك بما يكفي. ما أدهشني فقط هو أنني ظننتك لا تطيقني". أطرف بعيني ناحيتها، محاولاً تبين الرد الأمثل. "يا عمة فيتا، أنا لا أطيق أحداً من عائلتي في الواقع"، أقول لها. لا أحداً على قيد الحياة، على الأقل. تطلق أصواتاً مزعجة يُرجح أنها ضحكات فضائية، بالنظر إلى كيفية صفعتها لركبتها. "تلك إجابة منصفة تماماً!" تقر بذلك. "أميل إلى النظر للأمور بعكس ذلك تماماً. أنا أحب كل فرد في عائلتي، وإن لم أطق أحداً فلا أعود أعتبره من العائلة". "مثل أرس؟" أحثها. "نعل، مثل أرس"، تؤكد. "لقد كان لقيطاً مزعجاً. لا أصدق أنه أقدم على هذا الهراء بينما أنا أحاول الاستيلاء على الحكم". أتردد وأنا أعصر يدَي إحداهما بالأخرى. يا للهول، يا له من قول فظيع. »يا لزعج هذا الوحش الفظ الذي اقتلع حياة أمة برمتها قبل أن أتسنى لي فعل ذلك قبله«. "هيا"، تغمغم فيتا. "إن كان في جعبتك ما تقوله، فقله وحسب". "...تذكرينني كثيراً بما كنت عليه في الماضي"، أردف بعد تردد يسير. "أتوصفني بالقصر؟" تحتج فيتا. "هذا أطول ما بلغته في حياتي، شكراً جزيلاً لك!" "مـ... كلا! ماذا؟ يا عمة فيتا، أعني أنك لا تأبهين البتة بحياة البشر!" "أه"، تجيب فيتا. "أوه... حسناً، أانت مخطئ؟ لو صح ذلك لكانت خطط غلوي أيسر بكثير. اللعنة، بل لما كانت لدي خطط غزو من الأساس. لكنت أعيش الحياة الرغيدة هناك في ليروبي! إنما أساعد حقاً رغبة في إنقاذ حياة الجميع! لو لم أكن أعبأ لقلت »تباً« وتركت باقي الأثاناتوس يذبحونكم أجمعين". "هذا... يا عمة فيتا، ثمة درجات دقيقة عديدة بين »الاستعداد لترك الجميع يوتون حرفياً« و»التعاطف الحقيقي«." "أنا متعاطفة حقاً...؟" أكبح أنيناً. ما الذي يُفترض بي قوله هنا؟ "سأصاب بخيبة أمل إن كان هذا هو حد قدرتك على الاستبصار الذاتي يا فيتا"، تعقب السيدة فيسوفيوس بفتور. يثير ذلك حفيظة فتاة الحشرات، فتجفل طفيفاً وتطبق على قبضتيها السفليين. طالما شعرت بنوع من الضعف تجاه الكايتين، نظراً لأن جل وجباتي الأولى كانت مدرعة بطريقة أو بأخرى. لكن ملمسها الفموي فظيع في الواقع. لولا شعوري بالحنين — وحقيقة أن مذاقها لا يقل طيبة عن أي جزء آخر من الجسد — لما كانت لي أي رغبة حقيقية في أكلها على الأرجح. "حسناً، نعم، أنت محقة"، تتذمر فيتا. "لا أهتم حقاً بأغلب الناس. بل وفي الواقع، حتى أولئك الذين أهتم بهم، لا أملك أدنى فكرة عن كيفية... إظهار ذلك. سوى الوجود بالقرب منهم، أظن. أما على نطاق واسع؟ نعم، لا يهم لي البتة إن هوى هذا البلد بأسره في الضباب. كل ما أشعر به هو الضيق من اضطراري للتواجد هنا والتعامل مع هذا برمته". أبلع ريقي بتوتر. أتردد في قول هذا، لكن ينبغي لأحد ما أن يفعله. "...أمور كهذه تجعل فكرة توليك أمر هذا البلد، أو أي بلد آخر، مرعبة إلى حد بعيد"، أقول لها. "أتدريين ذلك؟ أتدرين كم سيكون مرعباً أن تأتي ملكة شبه سماوية، فتقتل حشداً من الناس، وتفرض نفسها حاكمة دون أن تكترث لأمر أحد البتة؟" تلقي فيتا بنفسها إلى الوراء ممددة على التراب. "...نعم"، تقر. "أدرك ذلك. لست غبية، أعلم أن الناس يخافون مني وأعلم أنني كنت لأخاف من نفسي لو كنت مكانهم. لكن... ما عساي أفعل يا لارك؟ ألا أعمل شيئاً؟ أأكتفي بالجلوس ودعاة الأمور السيئة تحدث؟ تباً لذلك، لست عديمة القلب تماماً. والمشكلة هي أن من يتولون الأمور حالياً يبدون كذلك. لقد نشأت جائعة وبلا مأوى، أتذكر؟ فعل كثيرون مثلما فعلت، ولم يكن أحد يحرك ساكناً لوقفه. كيف سأجعل الناس يصلحون الأمور حقاً إن لم أتولَّ السلطة؟" "وما الذي يجعلك بهذا القدر من الثقة بأن ديكتاتورية الموتى الأحياء الشمولية التي تخصك ستصلح الأم_ تُصلح الأمور أساساً؟" أتحداها. "لأنني أبنيها على نظام أثق بأنه فعال!" ترد فيتا متبرمة. "إنه ليس نسخة مطابقة، وليس مثالياً، لكنه... فعال. الناس هناك سعداء، ومطعمون جيداً، ويعيشون حياة يفخرون بها! كم من الناس تعرف ممن يمكنهم قول ذلك؟" "الأمر ليس بهذه البساطة يا فيتا"، تقول السيدة فيسوفيوس. "لا يمكنك ببساطة نسخ نظام حكم لديك به إلمام عابر وتطبيقه على فصيلة مختلفة كلياً، وثقافة مختلفة كلياً، وتوقع نجاحه. المقترحات التي طرحتها قد تفلح على النحو الذي تتخيلينه، ولن أنكر احتمال وجود ذلك. لكن الطريقة التي تعرضين بها الأمر؟ من الواضح أنك لا تدركين كيف سيتفاعل الناس مع كلماتك، أو على الأقل لا تكترثين بكيفية تفاعلهم مع كلماتك، وتلك مشكلة. أرغبت في جعل الجزيرة مكاناً أفضل؟ عليك الاكتراث بما يظن الآخرون. الحكم هو إدارة احتياجات ورغبات الآخرين، وإيجاد الحلول الوسط وجعل الأمور تسير. من الرائع رغبتك في إسعاد البشر، لكن إن غابت عنك استراتيجية حقيقية تتجاوز »استخدام عمالة الموتى الأحياء المسخرة، لأن الموتى الأحياء سعداء«، فلست مستعدة البتة لتحويل أحلامك إلى حقيقة". "إذن ساعديني اللعنة!" تعارض فيتا. "أخبرتك منذ البداية برغبتي في مساعدتك على تبين الأمر! أنت تحسنين الحكم! أوجدي سبل تسيير الأمور!" "...لو امتلكت استراتيجية مجدية توحد الجزيرة تحت حاكم فرد دون أن تلحق ضرراً يفوق نفعها، لنفذتها بالفعل"، ترد السيدة فيسوفيوس بجفاف. "لا يمكنك التحليق عشوائياً وإعلان نفسك ملكة بحق الغزو. أن يُنظر إليك كقائدة شرعية — وهو ما تتطلبه ولاية الحكم — عملية معقدة وتستغرق وقتاً". "حسناً لا وقت لدينا لنضيعه"، تتذمر فيتا. "إن لم أحرز تقدماً حقيقياً بحلول الوقت الذي تحلق فيه ليروبي فوقنا مجدداً، فسأبدو عاجزة. إذ يمكنني التحليق حول العالم وإخضاع الجميع بحق الغزو يا بينيلوبي، وهذا ما يتوقعه الجميع مني. أرغب في خيار أفضل، لكن ينبغي أن يكون أفضل بحسب المعايير التي ترتئي ليروبي أنها مهمة، وإلا عدنا لنقطة الصفر". "وماذا يحدث حينها؟" تسأل السيدة فيسوفيوس، وهي تقترب لتلوح فوق فيتا. "ماذا لو عدنا لنقطة الصفر، وتجددت الحرب مع هايفروك؟ إلى أي صف تميلين يا فيتا؟" ترتكز فيتا على مرفقيها السفليين، وتشبك ذراعيها الأخريين وتدير وجهها بعيداً. تصمت، وتتلوى قرص استشعارها بطريقة تذكرني بكيفية تلفت بعض البشر دون أن ينظروا لشيء حقاً حين يغرقون في التفكير بعمق. "...فلنحاول التأكد من عدم حدوث ذلك فحسب، حسناً؟" تجيب فيتا بهدوء. ترمقها السيدة فيسوفيوس بنظرة حارقة، فأرتجف. لم أعهد منها إظهار هذا القدر من الغظب قط — أو لأكون أدق، أي مشاعر تذكر — منذ تحولها إلى كائن حرشفي. "أتعلمين ما سيتحتم علي فعله"، تهددها. "كما قلت"، تصر فيتا، "فلنتجنب ذلك. حسناً؟ ساعديني". تتنهد السيدة فيسوفيوس وتدير وجهها، مرخية عضلاتها ظاهرياً تحت حرشفياتها. "...حسناً"، توافق. "لكنك ستضطرين لتعلُم تقديم التنازلات". يظل تعبير فيتا عصياً عليَّ، ولا تجيب. بل تعمد بدلاً من ذلك إلى إخراج بعض حصص اللحم التي اصطحبناها معنا للرحلة، وتدس شظية روح في إحداهن، وتناولني إياها. "شكراً لك يا عمة فيتا"، أقول، وأبتلعها كاملة مستمتعاً بمذاقها الفاتن، لتزول حشرجة الجوع المستمرة لأجزاء من الثانية بينما تنزلق في حلقي. ثم يتلاشى الشعور، وتعود دوافع قتل الجميع للانبعاث مجدداً. "على الرحب والسعة"، تجيب فيتا، ويبدو جلياً أنها تعني ما تقول. تبسط أسفل ذقنها، فتتمدد الفكوك وتكشف عن لسان طويل شائك يلتف حول إحدى حصص اللحم الأخرى ويبتلعها بخرير. تمد يدها لتقدم الحصة الأخيرة إلى السيدة فيسوفيوس، التي تكتفي برفع يدها رافضة. تكتف فيتا كتفيها، وتدس شظية روح أخرى في اللحم وترميه نحوي، فأفاجأ لدرجة تجعلني أقفز غريزياً وألتقطه بأسناني. أهبط وأبتلع الطعام، وأذناي مطويتان إلى الوراء وحمرة تخيم على وجنتي بينما أنكمش تحت نظرات الذهول من فيتا والسيدة فيسوفيوس على حد سواء. ثم تنفجر فيتا ضاحكة. "أوه، يا للهول البرية، كان هذا مذهلاً!" تخنقها الضحكة. "تماما كـ... غرار، اقتناص!" "أنا... لقد فاجأتني فحسب!" أتلعثم محتجاً. "شعرت بطعام يطير نحو وجهي وحسب، لذا..." "يا للبؤس أنت لطيف للغاية"، تضحك فيتا، ليزداد وجهي احمراراً. وهي متعاطفة لذا يمكنها إدراك أنني محمر الوجه حقاً! آآه، لااا! تتمتم فيتا بضحكات خافتة مع نفسها، لكنها تشرع في الخمود تدريجياً بينما ترمق المدينة التي تحقق فيها يليسا. ألتفت بدوري إلى هناك، لكني لا أرى شيئاً. "ألا يساورك أي تساؤل حيال فصيلتك؟" تسأل. "هاه؟" أطلقها مذهولاً بالتحول المفاجئ في الموضوع. "ألا تتساءل عن نفسك؟" تكرر فيتا. "أو عن الفروثيزو عموماً؟" آه. لست متأكداً كيف أجيب عن هذا. بصراحة، لا أحب التفكير في الأمر البتة. فصيلتي شنيعة، لكن الطريقة التي صنعني بها مراقب الضباب ليست محط تساؤل مني. ليست بالنوع الذي أتوقع تلقي إجابات عنه قبل مماتي. تلتفت فيتا لتحدق بي مباشرة، مميلة رأسها بيسير من الميل. "...أما زلت في هذا... يا لارك، بإمكاني السؤال فحسب"، تصر. "لم تُصنع فصيلتك على يد مراقب الضباب، ألا تذكر؟ لقد صُنعم على يد ناوارا، وهي أختي الكبرى، وبإمكاني مخاطبتها الآن. لا تحتاج للإيمان. يمكنني جلب الحقيقة لك". "أنا... لكن روحي هي ما يحدد—" "لا تأتي روحك من القابع في الأسفل أيضاً"، تصحح فيتا قاطعة كلامي. "أظنها نبتت من والدتك البيولوجية بعملية تلقائية، لكن يمكنني السؤال عن ذلك أيضاً. علاوة على ذلك، حتى لو أتت روحك من القابع في الأسفل، فلن أثر لذلك على وعيك لأن الأرواح الطبيعية تتكيف بنفسها مع أي دماغ ترتبط به. إنها ليست مخصصة بأي حال. أيدني في هذا يا بينيلوبي." "إنها محقة يا لارك"، تتنهد السيدة فيسوفيوس. "يمكنني تأكيد هذا بشكل مستقل. لا توجد أدلة دامغة تدعم صحة الدين الذي تدين به، بينما تكثر الأدلة المتعارضة التي يسهل جمعها بأدوات الأنيمانسيا البدائية. كما أنني لا أظن فيتا كاذبة، ولا حافز لديها للكذب، وخبرتها في الموضوع مثبتة بالمثل." كلما تعلمت المزيد عن الأنيمانسيا، تضافرت قصتها أكثر، هذا ما أخبرتني به يليسا. أرتجف. ألهذا السبب حُرِمت الأنيمانسيا؟ أتهلك عقلك لمجرد التعرف عليها؟... لا. مستحيل. يليسا ليست مهلكة العقل، هذا سخف. "أنت تنظر للأمر من الزاوية الخاطئة"، ترد فيتا. "حُرِمت لأنها تجعلك تكف عن الإيمان بالكنيسة، لا لأنها تؤثر عليك عقلياً. بل لأن الأنيمانسيا تفند الكنيسة، وللكنيسة مصلحة في منع أكبر عدد ممكن من الناس عن فعل ذلك." "لا يعني هذا أن الكنيسة ستنهار وتموت لو ظهرت الحقائق التي تناقض وجودها مباشرة، بطبيعة الحال"، ترفع بينيلوبي كتفيها. "فغالبية أعضائها مؤمنون حقيقيون، ومبادئ الكنيسة المبهمة مرنة بما يكفي لتنثني حول معظم الحقائق المثبتة، وصلبة بما يكفي للصمود بحزم ضد أي آراء غير مثبتة. بصراحة، يبدو حظر المعلومات غير مبرر إلى حد ما في هذا الضوء، لذا فقد يكون موجوداً تماماً للأسباب المذكورة: فالأنيمانسيا عرضة لتمكين أعمال مرعبة من الشر لا يوصف بفضل الحجم الهائل من القوة التي تمنحها إياك على الآخرين. ولكن بغض النظر عن سبب الحظر، فإن انتهاكه بشكل جسام يجعل من الواضح إلى حد كبير أن معظم مزاعم مراقب الضباب التي تروج لها الكنيسة باطلة." أقطب جبيني، منكمشاً على نفسي قليلاً. "لماذا يضغط الجميع عليَّ في هذا الأمر؟" أسأل. "لماذا يُصرّ الجميع على أن يكونوا على حق وإثبات خطئي؟ ألا يمكنكم ترك وشأني لأؤمن بما أشاء؟ أليست تلك غاية المعقولية؟" "كلا"، تغمغم فيتا، "لا يمكنني ترك وشأنك، لأن الكنيسة لن تترك وشأني. ألم نخض في هذا من قبل؟ يريدون موتي لما أنا عليه، أو يريدون في أسوأ الأحوال أن أنبذ ما أنا عليه وأتظاهر بأنني مثلهم. أنا من أريد أن يتركني هؤلاء وشأني يا لارك! وميليسا كذلك! لم تكن لتكون لدي مشكلة لعينَة واحدة مع الكنيسة لو أنها لم تكن تضغط عليَّ باستمرار لأتماشى معهم أو أعاني، لكنهم لا يكتفون بذلك بل يتصرفون وكأنهم يمنون عليَّ بفععلهم هذا! إنه لأمر يجنن!" "لكنني لا أفعل ذلك!" أحتد. "يا لارك، لقد قتلتني حرفياً لأنهم أمروك بذلك!" أفتح فمي، ثم أطبقه. "...حسناً، أنت محقة تماماً في ذلك"، أقر. "أنا آسف. لم يكن عليَّ فعل ذلك. لكنني لا أفعل ذلك مجدداً". "كلا، أنت لا تفعل"، توافق فيتا. "لكنك ستضطر لمسامحتي على غضبي الشديد من دينك بغض النظر عما سبق، حسناً؟" هذا... ينهي الحوار تقريباً، أليس كذلك؟ إنها غاضبة وستبقى غاضبة مهما حدث. و... أعني، يمكنني تفهم ذلك. لا يعجبني، لكني أتفهمه. "من جهتي"، تعقب السيدة فيسوفيوس، "لا أحمل عداوة شخصية كبيرة تجاه تلك المنظمة بخلاف انقلابهم الحكومي، الذي لا يعد المؤمن العادي شريكاً فيه بأدنى وجه. ما يثير حفيظتي فحسب هو أي فلسفة تصر على رفض الاحتمالات الراجحة. هذه المسألة ليست حكراً على كنيسة مراقب الضباب بالطبع، لكنها مشكلة منتشرة بما يكفي في صفوفها لتستحق الذكر. ومع ذلك، فإن إيجاد مفكر نقدي يظل أمراً مبهجاً بغض النظر عن الاستنتاجات التي خلص إليها، وقد استمتعت بحوارات محفزة مع أتباع كنيسة متدينين، رغم ثقتنا المتبادلة في خطأ كل منا. لذا، أرجو السماح لي بعكس السؤال: لماذا تؤمن بما تؤمن به؟" أتردد، لكن للحظات معدودة. لقد فكرت في هذا من قبل. أمتلك ذكريات تلك الأفكار، منتظرة الاقتباس. وفي الوقت ذاته، أود تغييرها قليلاً، والاعتبار بهذا الحوار وتطبيقه عليه. أظن أن السيدة فيسوفيوس تختبرني. ورغم مشاعري المختلطة تجاه وضعها، أريدها أن تحسن الظن بي. "...أعبد مراقب الضباب لأنني أريد أن أكون شخصاً صالحاً"، أقول لها. "هذا كل ما في الأمر". "نعم، وما أكثر ما—" "فيتا!" تحتج السيدة فيسوفيوس قاطعة كلامها. "دعي لارك يتكلم". لا أستطيع رؤية الأرواح، ليس مثلما تستطيع الاثنتان، لكن حواسي لا تزال تقشعر رعباً من رعب فيتا الخفي وهي تلوح بمجساتها، وقد حُفِظ تعبيرها الحالي في ذاكرتي كمرجع لي للغضب. وبالسرعة ذاتها، يزول الشعور، وتومئ إيماءة شبه خفية قبل أن تلتفت بعيداً. "أنا... أعني، بالنظر إلى كيفية معاملة فيتا، دون مبرر لكون الأنيمانسيا شريرة بطبيعتها، ما فعلناه، ما أخبرتني يليسا أن الكنيسة فعلته... يبدو كله همجياً بحتاً. لكن ما يمرعني هو أن هذا هو دأب العدالة كلها، إن فكرت في الأمر. إن أخطأ أحدهم وأفلت بفعله، فهذا أمر فظيع ويرغب الناس في تقويمه. أما إن لم يقترف أحدهم خطأ وعوقب رغم ذلك، فهذا أسوأ بكثير. لذا من المهم جداً، جداً معرفة ما يجعل شيئاً ما خاطئاً. إنه تمييز ضروري. لكن... لا أعرف كيف أجري هذا التمييز. لم أُولد عارفاً الصواب من الخطأ، وأتذكر جلياً كيف يكون المرء جاهلاً بالصواب والخطأ، بلا تصور حتى لاحتمال ارتكابه للخطأ. قبل أن يجلبني أوغست إلى الكنيسة، لم أدرك قط ما اقترفته. لم تكن لدي كلمات له. لكن حينها ظهر هذا الشيء في حياتي والذي امتلك الكلمات، ودرى الصواب من الخطأ، ودرا أنني كنت مخطئاً. لقد عرف مراقب الضباب أنني شرير، وعرف خدامه كيف يعلمونني ذلك. و... وأنا بحاجة إلى ذلك. أنا بحاجة إليه بشدة، لأنني شرير. وُلدت شريراً، وغرائزي شريرة، وعليَّ محاربتها طوال الوقت. أنا كابح لنفسي باستمرار، مانع إياها دوماً عن ذبح الآلاف تماماً مثلما فعل كيرو! أتعرفون كيف يبدو ذلك؟" "نعم"، تجيب السيدة فيسوفيوس. "أنت... ماذا؟" أسأل. "قلت نعم"، تكرر السيدة فيسوفيوس. "أعرف تماماً كيف يبدو ذلك. أبح نفسي عن ارتكاب إبادة جماعية بشكل يومي يا لارك. تتيح لي موهبتي خلق الأمراض، وأستمد متعة منحرفة من إطلاقها على البشر. كانت حياتي برمتها صراعاً مستمراً لكبح تلك الدوافع، وأخفق أحياناً، ليموت الناس بشكل مروع نتيجة لذلك." "...أوه"، أهمس. "لكن إن كنت تستمتعين بذلك، فلم لا تقتلين المزيد؟" "حسناً، في البداية كان الأمر حفاظاً على النفس"، تقول بينيلوبي. "حتى كطفلة كنت أعلم أنني سأواجه المتاعب جراء قتل البشر، وعلى عكسك أنت، حوسبت من قبل أشخاص أشد مني بأضعاف. لكن لو أتيحت لي فرصة القتل والإفلات به، لفعلت على الأرجح. لاحقاً، استمر خوف العقاب في إبقائي ضمن الحدود، لكنه استُبدل ببطء... بالغيرة، أظن. في السنوات التي سبقت لقائي فيتا، رغبت في أن أكون مثل البقية، قادرة على الاكتراث بهم بالشريقة التي يمكنك بها ذلك. شعرت بنقص لعجزي عن تلك القدرة، وحاولت التظاهر بذلك بأفضل ما استطعت. لكن البشر ظلوا قادرين على تمييز خلل ما بي، ولم أتقن تلك التمثيلية إلا بعد أن كففت عن التشوق وبدأت أشعر بمرارة عميقة. لم أستطيع كبح دوافعي، ولم أعد أرغب في المحاولة. لذا انضممت إلى نقابة الصيادين لقتل الأشياء بشكل قانوني، والبقية قصة تروى في وقت آخر. يكفي القول إنني أظن أن شبه الأخلاق التي طورتها لم تكن سوى عادة تقليد. يُفترض بالـ »نبيل الصالح« أن يكترث لرعاياه ويداوي أسقامهم، وكنت أحاول تقمص الدور بغية تكوين نوع من الترابط مع أحدهم." "أنت تقسين على نفسك بعض الشيء يا بينيلوبي"، تهمس فيتا. "لقد كنت تكترثين بصدق، بدرجة ما على الأقل. كنت تكترثين لأشقائي، مبدئياً." "ربما على مستوى ما، إلى حد ما"، تقر السيدة فيسوفيوس. "لكن ذلك لم يمنعني من انتهاك مدونات أخلاقية عديدة أثناء العمل عليهم." "...سار الأمر على ما يرام." "أظن ذلك، وإلى حد ما ينقل ذلك مقصدي بشكل أفضل، وهو كالتالي: أتفهم شعورك، وفي النهاية أظن أن لدينا إجابة متشابهة لسؤال »لمَ لا تقتلين المزيد؟« ويرجع ذلك إلى رغبتنا في فعل الشر والخير في آن واحد. تلك ليست حالة متناقضة. فرغباتك المتعارضة هما جزء منك، لأن النزاهة ليست مسألة غياب التجربة، بل هي مجرد مسألة عدم الاستسلام للتجربة." "حسناً، بالتأكيد"، أهز كتفي. "لكن ما الذي يجعل الرغبة في مساعدة أحدهم خيراً، والرغبة في أكله شراً؟ هذا ما يهمني. لأن أكل البشر يمنح شعوراً رائعاً حقاً، ألا ترين؟" "أؤكد ذلك"، تومئ فيتا بحكمة. "الأرواح شهية." "أعتقد أن الفعل الصالح هو ما يفيد شخصاً واحداً على الأقل غير الفاعل، وأن الفعل الشرير هو ما يؤذي شخصاً واحداً على الأقل غير الفاعل"، تجيب السيدة فيسوفيوس بوضوح. "لاحظ أن أي التعريفين لا يكترث بكيفية تأثير الفعل على الفاعل نفسه. وعليه، فإن أكل شخص بلا سبب سوى رغبتك في ذلك يفيدك وحدك ويؤذي شخصاً آخر، وهو شرير بلا لبس." آه. يبدو ذلك... غريباً بعض الشيء. "ألا يجعل هذا الدفاع عن النفس شراً؟" أسأل. "يستفيد المجتمع بأسره عندما يتمكن المعتدى عليه من التعامل مع المعتدين، لذا كلا. وقف فعل شر أكبر وردع تكرار أفعال شريرة هو مكسب صافٍ واضح، حتى لو أذاهم الفعل المادي المتمثل في مهاجمة المهاجم." "إذن الأمر ليس بهذه البساطة!" أصر. "أنت تقولين إن الأفعال يمكنها إيذاء ومساعدة الناس في الوقت ذاته!" "نعم. بوضوح"، تجيب السيدة فيسوفيوس. "معظم الأفعال لها عواقب خيرة وشريرة. من أين لك انطباع بغير ذلك؟" "لكن... لكن إن كانت الأفعال خيرة وشريرة، فكيف تحددين إن كانت خيرة أم شريرة!؟" "حسناً في كثير من الأحيان، لا تفعلين". "تلك هي المشكلة!" أعلن، مشيراً بإصبعي إليها. "لا يمكننا تمييز الصواب من الخطأ طوال الوقت، لكن مراقب الضباب يستطيع! إنه يرى كل شيء، وهو فائق الذكاء بشكل لا يصدق مقارنة بنا، إنه من خلق العالم. نحن ضعفاء وأغبياء وغير موثوقين. البشر أفضل بكثير مني ومنك في تبين المعضلات الأخلاقية ومع ذلك فهم فظيعون في ذلك، وهم يفترقون في ارتكاب الأفعال الشريرة طوال الوقت! كيف يُفترض بي الوثوق بأي شيء سوى مراقب الضباب حين يتعلق الأمر بشيء بمثل هذه الأهمية العالمية كالصواب والخطأ؟" تحدق بي السيدة فيسوفيوس مطولاً، ووجهها جامد لكن حرشفياتها تتماوج بالألوان: الأخضر والرمادي ولمسات من الأزرق. ثم تتنهد، وذيلها الضخم يلتف تحتها لتجلس فوقه. "أنا مرعوبة من الاحتمال الراجح بعدم وجود خيار لنا يا لارك"، تجيب بهدوء. "ربما ما تقول هما صحيح. ربما ثمة ثابت عالمي، سماوي أو غير ذلك، يحدد الصلاح. وأن الخير في مواجهة الشر ليس سوى الطاعة في مواجهة التمرد. لكن حين أنظر إلى العالم وأرى كل سبل تناقض مزاعم الكنيسة مع ملاحظاتي، أجد نفسي مجبرة على التساؤل: ماذا لو انعدم الخير العالمي؟ ماذا لو انعدمت الحياة الآخرة؟ ماذا لو خلت هذه العالم من أي معنى متأصل؟ ماذا ينبغي لي فعله حينها؟ لذا فكرت في الأمر. وعرفت ما اعتقدت أنه التعريف الأكثر عمومية للخير والشر، وبنيت المبادئ التي شعرت بأنه ينبغي لي العيش بموجبها، ثم وجدت الكنيسة قاصرة. وجدت أنها، بتعريف الصواب الذي تمسكت به بقوة في قلبي، عقبة وليست الحصن الحليف الذي تدعيه. وحينها، أدركت أنني لا أستطيع الإيمان. وحتى لو كنت محقاً، حتى لو كان مراقب الضباب يأخذ البعض منا إلى الجنة، فسأتحتم علي محاربته لأنه يتركنا لنُعذَّب أيضاً. إن حقيقة إشارتي للأدلة على عدم وجود الجنة ليست سوى صدفة سعيدة. ولدي من الأعداء ما يكفي دون إضافة ملك إلى عديدهم." ثم تقطب جبيني، رامقة فيتا بطرف عينها لفترة وجيزة. "...أو هكذا ظننت، على أي حال. مراقب الضباب لن يدع شيئاً تافهاً كانعدام السيادة يمنعه من تعذيب عالمنا بأسره ليتناسب مع أهوائه. لكن تلك مشكلة للتعامل معها في الأبدية المقبلة." أرتجف قليلاً. الطريقة التي تصوغ بها الحرب على الملك كمجرد إزعاج مستقبلي، كأمر ستلتفت إليه لاحقاً، وكأن الأمر مجرد مهمة منخفضة الأولوية في قائمة مهام أساسية لتُنجز بالتسلسل... إنه لأمر سريالي. غالباً ما يذكرني أصدقائي ومعارفي بأنني قوي، وأنني من النوع الذي لا يمكن وقفه من قبل عدد لا يحصى من البشر العاديين. أنا سريع جداً، قوي جداً، وقادر جداً على التجدد لدرجة تعجز معها الأسلحة العادية عن إلحاق أي ضرر حقيقي بي. أنا خطوة فوقهم، لكن فيتا وبينيلوبي تفوقاني بمراحل. رائحة أرواحهما مسكرة، نوع من القوة تخشاه حتى غرائزي المجنونة والبعيدة عن التفكير تماماً. رغم أنني أظنني أركز على ذلك على مستوى ما لتجاهل كلمات السيدة فيسوفيوس. فهي ترن بصوت يلامس الحقيقة أكثر مما أحتمل. أولئك الذين ظننت أن بإمكاني الوثوق بهم لإخباري بالصواب والخطأ آذوا الكثير من الناس لدرجة تعجزني عن الوثوق بهم مجدداً. وإن كانوا مخطئين، حسناً... فكيف يُفترض بي معرفة الصواب؟ كيف أصنع ما فعلته السيدة فيسوفيوس وأقرر بنفسي؟ كيف أمتلك تلك الثقة؟ "لا يعجبني انعدام الغاية"، أقر. "ألا أملك خطة. لم أدر قط ما هي الخطة، لكني أحببت وجودها. جعلت الأمور تبدو أيسر تعاملاً، إيماناً بوجود سبب لوجودي." "ثمة سبب لوجودك يا لارك"، تتدخل فيتا. "ثمة سبب لوجودنا جميعاً، فقط لكون السبب ليس عظيماً أو مهماً بالضرورة. أنا موجودة لأن لقيطاً مجنوناً نحن هنا لقتله قرر جعل زوجته غير الموافقة تماماً تحمل قبل حقن الطفل بنسخة غير كاملة من بنية أنيما مراقب الضباب، ولم يتسبب هذا بطريقة ما في نتائج عكسية مروعة." "وأنا هنا لأنه يُتوقع من النبلاء إنجاب أطفال لذا لم يفكر والداي مطولاً فيما إذا كانا قادرين على تربية أحدهما قبل ممارسة الكثير من الجنس غير المحمي"، توافق السيدة فيسوفيوس. "لذا سأعرض مجدداً"، تقول لي فيتا. "إذ إن لديك خالقاً، وبإمكانك الحصول على تلك الإجابات. أترغب في أن تخبرك بشيء ما؟" أبتلع لعابي، مشعراً بقلبي ينبض بألم في صدري. أود أن أقول »لمَ خلقتمونا من الأساس؟« لكني أعرف إجابة ذلك مسبقاً. أخبرتني فيتا بذلك بالفعل. أنا فم. لست سوى أداة لجعل أحدهم أقوى. أردت الإيمان بأنني أكثر من ذلك، لكن... لست كذلك حقاً، أليس كذلك؟ لم أُقصد قط لأكون كذلك. لم يكن هناك خير يُفترض بي جلبه للعالم. لذا لا يتبقى سوى سؤال ملح واحد. "لمَ أنا شخص"، أسأل، "بدل أن أكون شيئاً؟" لأنني أفتراض أن أكون شيئاً، أليس كذلك؟ إن لم أكن سوى فم لتغذية هذه »ناوارا«، فأنا أؤدي عملاً أسوأ بكثير من أشقائي عديمي العقول، أليس كذلك؟ أنا أتجنب عمداً وبقصد غرائزي في الأكل. فلماذا أنا هكذا؟ لمَ صُنعت بهذه الطريقة؟ إن كان مراقب الضباب بلا خطة لي حقاً، وإن كانت ملوكي الحقيقية هي ناوارا، فما خطتها؟ تحدق فيتا بي مطولاً، ثم تومئ. "بإمكاني السؤال عن ذلك"، تقول. "أيقظني بهز إن حدث شيء، حسناً؟" تستلقي مجدداً على الأرض وتغدو ساكنة، متباطئة بأنفاسها إلى حالة تشبه السبات تقريباً. ترمقها السيدة فيسوفيوس برهة ثم، لمفاجأتي، ترفع نفسها ستة أقدام عن الأرض بذيلها، ملتفة لتتفقد المدينة لحظة قبل أن تخفض نفسها إلى الأرض مجدداً. "تبدو يليسا عائدة"، تنقل. "لا أثر لمشكلة". "هذا جيد"، أقول، فتومئ. يمضي بعض الوقت حتى تستيقظ فيتا مجدداً، لكننا ننتظر في صمت إلى أن تأخذ نفساً عميقاً أخيراً، مؤكدة عودة انتباهها إلينا. "حسناً"، تمتمت ممددة جسدها وعائدة إلى وضع الجلوس، "سأمنحك كلماتها الحرفية، أظن ذلك". هاه. أمر مثير للاهتمام لتحديده. أترغب في الدقة فحسب؟ أقدر ذلك. "أوه، أنا أمنحك كلماتها الحرفية لأنني لا أظن أنك ستحبها ولا أرغب في أن تلومني"، توضح فيتا. أوه. "لذا، إليك ما قالته: »إن وعي الفروثيزو هو عرض جانبي غير مقصود بالمرة لطبيعتها التكيفية، وقدرته على تجاوز غرائزه هو أمر غير متوقع، وغير مخطط له، وغير مرغوب فيه إلى حد معتدل«." ...أوه. "»إنه، على الأقل، أمر مثير للاهتمام للغاية«"، تتابع فيتا، باقية وكأنها تقتبس. "»فالفروثيزو التي تُولد معتمدة حصرياً على غرائزها لا تطور وعياً قط تقريباً عبر التهام أعداد كبيرة من الكائنات الواعية.
ومع ذلك، يفعل أطفالها ذلك متى انتقلت تلك السمات. أعتقد أن ذلك يرجع إلى حقيقة وجوب قضاء أرواح الفروثيزو وقتاً في النمو ضمن أوعيتها قبل فقس الأجساد، وتلك التي يمتلك الوعي حضوراً بالفعل في هياكل أدمغتها تكتسب القدرة على الاعتماد على ذلك الوعي على حساب مخاوف الغرائز التي يُفترض بها أن تكون شاملة للجميع.
إنه لأمر محبط بعض الشيء، لكن ضمن حدود التباين المقبولة لذا فإن إصلاح المشكلة لا يستحق الاستثمار في هذا المنعطف.«...وهذا كل ما في الأمر." إذن. ليس مفترضاً بي أن أكون شيئاً، إذن. أنا مجرد وحش سيء للغاية في كوني وحشاً لدرجة عجزي عن فعل ذلك حتى بالشكل الصحيح. بغض النظر عن ملك الصانع الذي أنتمي إليه، فأنا لا أزال فاشلاً. إما أنني وحش زائد أو أنني لست وحشاً كفاية! "أه"، تقول فيتا بحرج. "أظن أن المغزى الهام هنا هو في الواقع—" "أخرسي"، أهس، مشعراً بجسدي يتوتر وعضلاتي تحترق بغضب مكبوت بالكاد. "...عذراً؟" تحداني بكل استعلاء. وكأنها كسبت احترامي بطريقة ما، وكأنها تستحق قدراً من اللياقة. كلا. ليس بعد الآن. ليس حين لا تمنح أحداً أي لياقة قط! إنها تضغط وتضغط وتضغط حتى تنال مرادها أو ينكسر شيء ما! أترغب في أن أخاف منها؟ ماذا تظنني قلقاً بشأنه، الموت؟! "قلت أخرسي!" أصيح في وجهها. "لم تفعلين هذا دائماً؟ في كل مرة! كلما التقينا لا بد أن تأخذي شيئاً جميلاً في حياتي وتحطنيه إلى لا شيء! تتصرفين وكأنك تحاولين المساعدة لكنك تجعلين كل شيء فظيعاً! لا أعلم إن كنت تفعلين ذلك عن قصد أم لا، لكنك تريدين الآن فعل ذلك ببلدة لعينَة لذا لا أستطيع تقرير أيها سيكون أسوأ!" أدع الشتيمة تفلت من شفتي ولا أشعر بشيء، لأنني استحسنت تلك الشتيمة. "كفي عن محاولة مساعدتي يا فيتا! كفي عن التصرف وكأنك تدرين ما هو الأفضل لي، كفي عن العبث برأسي!" أشعر بشفتي تنحنيان للوراء، وأنيابي السوداء تكشف عن نفسها للعالم أجمع. لا أهتم. لا يهم. يقول الجميع إن مراقب الضباب شرير الآن على أي حال، حتى يليسا. كان أوغست مخطئاً. لقد كان مخطئاً. الأمر برمته كان خاطئاً. فما أهمية ذلك إذن؟ لقد أضعت معظم حياتي في كذبة! يمر تدفق هواء بين أسنان، هسيس تحذيري ينقل شعوري بشكل أفضل بكثير من أي كلمات بشرية. إن غريزة القار أو الفرار متوليّة زمام الأمور الآن، وأنا الوحيد هنا بلا أجنحة. إن أرادتني أن أكون وحشاً لهذه السخرية ينبغي لي أكلها أولاً. تراقبني فيتا، لا تزال جالسة على الأرض، وتعبيرها عصي على القراءة بمضاعفة بفضل انعدام رغبتي المطلقة في تفسيره. لا أهتم بشعورها. أريد إيذاءها فحسب. "أنا آسفة"، تقول فيتا بهدوء. لا أهتم. لا أبالي البتة. سأأكلها. سأمزق درعها وأبتلع أحشاءها. سأكتشف لون دمها وأستحم فيه. أزمجر بصوت أعلى، مشدوداً بساقي للانقضاض، و— "يا لارك!" يصرخ أحدهم، ويرتطم بصَدري. مخالبي مغروزة بقوة في التراب لذا لا أتعثر حتى، بل أتلفت برأس فوراً لعض حلقه. تنفث رائحة البشرية الشهية لوجبة مألوفة إلى منكبي و... وأدرك أنها يليسا. إنها يليسا. يا للهول يا للهول توقف إنها يليسا إنها يليسا إنها يليسا، توقف، توقف! يتجمد جسدي. يقطر خيط ضئيل من الدماء على أحد أسناني وصولاً إلى لساني، وأكاد أفقدي صوابي مجدداً. لكنها يليسا. إن أطبقت فمي ولو قليلاً، سأعض حلقها وستموت. إنها تعانقني، رغم أنها لا تحب العناق. إنه... إنه يليسا. بتعثر، أشهق نفساً عميقاً من الهواء وأزيح أنيابي ببطء وعناية عن حلقها. تظل متشبثة بي وأخذ بضع أنفاس بطيئة أخرى، محاولاً تجاهل رائحتها. شهيق زفير. شهيق، زفير. أرفض قتل والدتي كما فعلت بأبي. "لست بحاجة لأحد غيرك ليمنحك غاية يا لارك"، تقول لي. "لسنا بحاجة، ولم تكن بحاجة لها قط." أطلق نفساً مرتعشاً. أكاد لا أرغب في إخبارها بالحقيقة، لكنها يليسا. أجبر نفسي على الكلام. "أريد أحدهم مع ذلك"، أهمس. "لا أعرف ما أفعله بمفردي. ألا يمكنني ترك أحدهم ليتولى الأمر؟ ألا باس بذلك؟" النفس التالي الذي آخذه يجعل جسدي يرتجف بأسره، معلناً قدوم الدموع. "لا أحب نفسي"، أقر. "لا أثق بنفسي. حتى لو كنت على حق، حتى لو لم أكن بحاجة إليها... أيعتبرني الرغبة في أن تأتي غايتي من شخص آخر ضعيفاً؟" "أوه، يا لارك"، تهمس يليسا، عاصرة لي بقوة أكبر. "كلا. لا يجعلك ذلك ضعيفاً." ببطء، أحيطها بذراعي، معانقاً إياها بدوري. نبقى هكذا، واقفين ومتعانقين بينما الدموع تنحدر من عيني. لا أدري المدة التي استغرقتها شهقاتي المرتجفة لتستوي ووجهي ليجف، لكننا نستمر في العناق حتى بعد حدوث ذلك، ولا نتوقف إلى أن تتنحنح السيدة فيسوفيوس بحرج. "على الرغم من كرهي لقطع ما يبدو لحظة هامة في تطور لارك العاطفي"، تقول بجفاف، "إلا أن لدينا أنيمانسياً مجنوناً للتعامل معه. وينبغي لنا أيضاً قتل أرس." "...هيه"، تحتج فيتا. "لا أملك موقعاً مؤكداً"، تقول يليسا بينما أسمح لها بملل بالانسحاب من بين ذراعي. "لكن لدي تخمين جيد للغاية. يتم تحويل الإمدادات في جميع أنحاء البلد إلى مكان ما، والناس يعانون بسبب ذلك. يأخذ أرس آلة مزيتة جيداً ويمزق تروسها برمتها ليبني شيئاً آخر، مخرباً حياة كل من اعتمد عليها في العملية. هذه المدينة الكبيرة هنا تبدو بخير نوعاً ما، لكن بعض القرى الأصغر تُجوع حرفياً إذ تُؤخذ إمداداتها كلها وتُحشر في أياً كان ما يجري هناك. ولا أحد يهتم! إنه أمر غريب. على أي حال، أراهن أننا إن عثرنا على وجهة تلك الإمدادات، فعثرنا على أرس." "إذن تلك هي خطوتنا التالية"، تعلن السيدة فيسوفيوس. "ألديك اتجاه محدد؟" "أملك الطريق بالضبط"، تؤكد يليسا. "يمكننا تتبعه جواً بسهولة." "ممتاز." تلتفت السيدة فيسوفيوس نحوي، رافعة نفسها بذيلها قليلاً لتصل إلى قدميها بسهولة أكبر. "أأنت مستعد للطيران يا لارك؟" "نعم"، أنف إفرازات أنفي. "أنا بخير. لنذهب". تومئ وتلتقطني في ذراعيها، وقبل أن أدرك الأمر نكون جميعاً في السماء. تشير يليسا إلى اتجاه ويبدأ السفر من جديد، سريعاً وخفياً. "السيدة فيسوفيوس؟" أسأل. "نعم يا لارك؟" "حين نعود إلى المدينة، أود استغلال عرضك لمعرفة إن كان بإمكاني اكتساب سمات كائنات معززة حياتياً." إنه لأمر طفيف للغاية، لكن امرأة التنين شبه عديمة المشاعر تبتسم، ابتسامة طفيفة فحسب. "حسناً جداً يا لارك"، تجيب، ثم نتبع الطريق في صمت.