فيغور مورتيس الفصل 133 — وعاء فارغ

اقرأ فيغور مورتيس الفصل 133 — وعاء فارغ باللغة العربية على مانجا تايم.

أول الكلمات التي خرجت من فمي تختصر أفكاري بشأن الأمر برمّته.

قلت بنبرة خشنة: "هذا غباء".

رمقتني ألتريكس بنظرة محتقنة بالضيق.

أصرّت قائلة: "نؤكد لك أنه الحقيقة. طوال ست سنوات، كنت ابننا. والأرجح أنك متّ، ثم تقمّصت جسدك الحالي".

تذمّرت: "أعرف أنني نسيت الكثير، لكن يصعب عليّ أن أصدق أنني قد أنسى امتلاك ذكر".

تنهّدت ألتريكس.

سألت: "أترى الفكرة بغيضة إلى هذا الحدّ، مقارنة بكونك امرأة؟".

رددت متخلّصاً من الفكرة: "حسناً، لا، أنا لا أعبأ حقّاً بذلك. رجل أو امرأة، يبدوان سيّئين بالقدر نفسه. أنا فقط... لا أدري. ما تتحدثين عنه جنون. أتقولين إنني حين أموت، أنا ببساطة... لا أموت؟ وإنني خلود محض ما لم تدمروا روحي بفنّ الأرواح؟ وإن بإمكاني تقمّص أيّ جسد أشتهيه وجعله خاصّتي؟ وإن بمقدوري التخلّص من هذه الحياة اللعينة والبائسة طوال هذا الوقت اللعين، ولم أكن أدري فحسب؟!".

صككت على أسناني، متصاعداً غضباً كلما أمعنت التفكير في الأمر. إن كان هذا صحيحاً حقاً، لكنت أشدّ الحمقى حماقة! فما من خطر واجهته كان له أيّ معنى على الإطلاق! لكان بإمكانِي النجاة بجلدي متى شئت!

أجابت ألتريكس: "حسناً، الغالب أنه ليس كذلك. لقد فقدت كل ذكرياتك، إن كنت تتذكر. بعيدون كل البعد عن كوننا خبراء في مرتبة اللّيتش، يا فيتا، لكننا عاصرنا آرس منذ نشأتنا. وتلك لم تكن مهمّة يُقدم عليها باستهتار".

عارضتها: "لقد كان مستهترًا تماماً حين شقّ حنجرته لتفادي صعود بعض الدرجات".

أوضحت ألتريكس: "من دأب آرس التهوين من قدر الخطر الذي يحيق به. نظن أن قراره كان تكتيكياً بدرجة أكبر بكثير مما لمح إليه. نعلم أن آرس كان يجهّز أجساده للتقمّص قبل مدّة طويلة، مسبباً تعديلات جذرية على روحه وروح هدفته لتقليص الضرر الناجم عن النقل. لكن الضرر واقع لا محالة. لقد بلغ آرس خلوداً عملياً عبر مكانته كليتش، لكنه يتكبّد ثمناً كلما استعمل تلك القوة".

قالت فيتامين فجأة، وهي تدلي بساقيها بكسل من مستقرّها على كتفيّ: "يشبه الأمر نورا. الأرواح التي لا تجد ما تقتات عليه تضطر لأكل نفسها من أجل الطاقة. أمّي، ماذا لو كان فقدانك للذاكرة يشبه ما يحدث حين تقضي نورا وقتاً طويلًا خارج المضيف؟ ماذا لو فقدت هويتك بالطريقة ذاتها التي قد نفقدها بها، قبل أن تقتلنا؟".

جادلت: "كل الأرواح الأخرى في جسدي لا تقتات عليّ، وهي بخير".

قالت فيتامين: "إنها فاقدة للوعي وساكنة. والأرجح أنها لا تستهلك أيّ طاقة".

أمعنت التفكير في الأمر. وما زال يبدو غير منطقي.

أشرت قائلاً: "أنتِ لا تستخدمين جسدك كوقود بصفتك ريفينانت. ونعم، أنتِ تتدهورين، لكن بصورة أبطأ بكثير مقارنة بنورا. يعود الفضل في ذلك إلى شظايا روحي، أليست كذلك؟ أظنني أتذكر أحدهم يقول شيئاً عن مدى كفاءتها العالية مقارنة بنورا. فإن كانت قد صدرت عن روحي، أفلا المفترض أن أكون بخير تماماً لفترات طويلة بصفتي روحاً فحسب؟".

قالت ألتريكس: "لم تكن قوياً، وأنت طفل. لم تكن تمتلك القوى التي تحوزها الآن، لذا لعلّ ذلك جزء من الأمر يقيناً. غير أن هناك نظرية أخرى مفادها أن عملية تقمّص جسد مختلف مرهقة بطبيعتها، وتتطلب قدراً هائلاً من الطاقة. قد تتفادى فقدان الذكريات الآن وقد باتت لديك طاقة فائضة، لكن كل ما نعلمه يقيناً هو أنك، حين كنت طفلاً، كادت تدمرك".

استنتجت: "إذن إن صحت تلك النظرية، فقد أصبح أضعف بكثير إثر عملية تبديل".

تبّاً. هكذا تلاشت عملية: التخلص من هذا الجلد. ومهما بدا هذا الجسد مقرفاً، أفترض أنه أضحى قويّاً للغاية أيضاً. فلن يحوي الجسد الجديد عيوناً إضافية ومجسّات زائفة مقرفة، لكنه لن يملك أيضاً العضلات والعظام المعزّزة التي سمحت لي بالنجاة من انفجار في الوجه. وسيكون أسوأ حالاً مما كان عليه حين كنت أكسر ساقي طوال الوقت بسبب الحركة المفرطة.

قالت ألتريكس: "هذه كلها تخمينات. أظن أنه لا مناص من إنكار أنك ليتش — كائن يمكنه سكنى جسد حيّ جديد متى ما قُتل جسده القديم. لكن ذلك سيجعل منك ومن آرس الليتشين الوحيدين اللذين أعرِفهما. وقد لا تعلمان حتى بالطريقة ذاتها! لقد جهّز آرس أجساده مسبقاً، لكن لا سبيل لأن تكون أنت أو هو قد جهّزتما هيئة... الفتاة اليتيمة هذه لك".

عقدت حاجبيّ بعبوس.

"هيئة الفتاة اليتيمة"؟

أيتها الحقيرة، ليست هيئة، أنا فتاة يتيمة وحسب.

ربما أكون أيضاً نوعاً من الملكة الصغرى الغريبة الناشئة، لكن ذلك يقع في خانة "الماهية"

لا "الهوية".

تذمّرت: "فيتامين ليست حتى اسم صبيّ".

رفعت ألتريكس حاجبها.

"سانو، وإكسوكوريو، وإنتريتوس.. لا تبدو أسماء فتيات حقاً. لم يولِ آرس قطّ اهتماماً كبيراً لأمور كهذه".

تذمّرت: "يبدو هذا الرجل أسوأ نموذج لأب يمكن تخيّله".

ابتسمت ألتريكس بتهكم: "لا نودّ وصفه بالكفاءة البالغة في ذلك الجانب، كلا. مع أنه أهداك روسكو في عيد ميلادك، مرة. وتلك تقريباً هي التفاعلات الوحيدة التي دارت بينكما، بخلاف مروره للاطمئنان على تقدم نمو روحك".

تجمّدت، وتعطل عقلي بينما داهمني العشرات من الأسئلة دفعة واحدة. وأفلحت في إخراج أحدها بصوت مسموع.

"أنا... متى عيد ميلادي؟"

تدفقت من المرأة الماثلة أمامي مشاعر العطف والحزن والأسف، مغلّفة بأسر ذلك الحب الأمويّ الذي يثير ريبتي تجاهها. من العسير عدم النفور من الشوق غير المتبادل.

أجابت: "الثاني من حجر الأخضر. أو... هكذا وُلِد جسدك الأصليّ على الأقل. ويمكن الجدال بأنّ «ميلادك» كان لحظة ملئك للروح الجوفاء التي صنعها آرس لك، إن كنت تتماهى مع ذلك، لكننا كنا نحتفل دائماً في الثاني من حجر الأخضر. سيكون عليك سؤال آرس عن موعد إحضارك إلى هنا للمرة الأولى، و... حسناً، ستكون أدرى منا بموعد ميلاد ذلك الجزء منك القادم من مكان آخر".

حرضتها: "أتظنين أنني من عالم آخر؟"

"ألسْت كذلك؟"

تأمّلت قائلة: "حسناً... مانا الخاصة بي ليست من هنا بالتأكيد. أشعر وكأنها من مكان بعيد حدّ الاستحالة. يمكنني الذهاب إلى هناك، عقليّاً. أن أكون ذلك الجزء من نفسي، وأن ألهو قليلاً. لكن لا شيء هناك. إنه أنا وحدي، وجدران الموت تحيط بي من كل حدب وصوب. بوسعي التحرك قليلاً، واختبار حدودها، لكن الأمر عديم الجدوى تماماً. لا إجابات هناك، ولا ذكريات بتاتاً. إنه كائن وحسب. توازن ساكن".

قضيت جلّ وقتي في السجن وأنا أؤكد ذلك أيضاً. نفسي المصنوعة من المانا فائقة الجمال، فائقة النقاء، طاقة خام متجسّدة. يبعث التحرك وحدي على الاسترخاء، راقصاً داخل حدود ذلك السجن الدنيويّ، محاطاً بجدران ملونة من الفناء العبثيّ. أخضر، أسود، بنفسجيّ... كان بإمكاني محاولة الحفر خلالها، دافعاً بنفسي صوبها لإحراقها، لكن لأي سبب أكترث؟ لا شيء آخر يبرز في ذلك العالم. لكنت صرت أصغر حجماً بلا غاية، ولا مكسب.

أنا محيط وسط محيطات لا غير، قوة خام بلا شيء أستخدمها فيه. حسناً، لا شيء في ذلك الجانب من النفق، على أية حال. رمقتني ألتريكس بنظرة غريبة مع انتهاء شرحي، وظلت عواطفها معقدة كعهدها. حنين، وقلق، وأسف، وحب، وفضول، وتأمل... الكثير يضطرم داخل رأسها في أيّ وقت مضى.

قالت ببساطة: "لم تتحدث قطّ عن أي من هذا وأنت طفل".

هززت كتفي: "حسناً، لم أدر قطّ أنني أستخدم نوعاً مغايراً من المانا عن بقية البشر حتى اكتشفت بينيلوبي وتيودورا الأمر".

تزينت تيودورا في صمت، مع أنها لا تزال تعمل مع مليسا.

"أكاد لا أتصور أنني امتلكت أي فكرة عن حقيقة أمري وأنا في الخامسة".

"مم، أفترض ذلك. لقد كنت فائق الذكاء كطفل، مع ذلك. على الأقل حين تكبّدت عناء ذلك. وكنت أيضاً... حسنًا، كسولاً بعض الشيء. وغالباً ما كان دفعك لأداء أيّ شيء شاقاً".

انتفضت، مع أنني تفاديت أن يظهر رد الفعل في جسدي. لامس ذلك الأمر وتراً حسّاساً. الكسل. طالما مقيت ذلك الجزء من نفسي، نزعتي إلى الركون جانباً وانتظار وقوع الأمور عوضاً عن اتخاذ قرار والسعي نحوه بمفردي. أتساءل... أذلك جزء من طبيعتي أيضاً؟ طالما لمت حياتي البائسة على ذلك، على انعدام الفرصة الجسدية أو الطاقة للقيام بأي شيء في المقام الأول. لكن إن كنت حقاً... ماذا، صبياً نبيلاً مدللاً؟

وما زلت على هذه الحال؟ يعني ذلك أنه أنا وحدي. يمكنني رؤية ذلك أيضاً. أبلغ مبلغ راحتي حين أجلس بكسل، سواء أكان ذلك لأنني أعانق أحدهم أو أغوص في روحي أو آكل أو أكتفي بعدم فعل أيّ شيء على الإطلاق. لا أحب التخطيط، أو القتال، أو العمل، أو التعلم... أو فعل أيّ شيء، حقاً. أنا أحلّ المشاكل التي تُمثّل أمامي، لكني أحتاج إلى مساعدة الآخرين لدفعي نحو خطوتها التالية. عرفت ذلك منذ زمن طويل وعانيت في التعامل معه، لأن معرفة أن الأمر سيّء لا تغير حقيقته.

كيف أبذل جهداً أكبر تجاه مشكلة عدم رغبتي في بذل الجهد؟ ما الذي حرمت نفسي منه بالاحتيال؟ لربما كان بوسعي تحرير نفسي من السجن عاجلاً لو أنني قضيت وقتاً أقلّ في تجاهل العالم وقتاً أطول في التفكير فيه. من يدري؟ بيد أن ما يتبادر إلى ذهني الآن هو فكرة أنه لو كنت كائناً مشابهاً لمراقب الضباب... فماذا لو كان هذا ما يفعله هو الآخر أيضاً؟ ماذا لو كنت كيساً كسولاً من القاذورات للسبب ذاته الذي يجعله يجلس ويأكل، غير مستخدم قوته في شيء سوى الحفاظ على خط بوفيه الدوّار الصغير الخاص به؟

ألمراقب الضباب آمال وأحلام وأهداف، أم أنه مجرد وسيلة للإشباع الذاتي الجالس؟ والأكثر إزعاجاً... أهذا ما سأصيره متى صرت قوياً بما يكفي لألا أكون في خطر بعد الآن؟ أهذا كل ما أمثله، في صميم روحي؟

سألت ألتريكس بتلك النبرة الأموية الساحرة: "فيتا؟ أأنت بخير؟"

كذبت: "نها. أنا فقط... أتوصل إلى عدد من الاكتشافات المرعبة، لا أكثر".

أجابت ألتريكس مبتسمة بخفة: "أفترض أن معرفة أنك متّ وتقمصت جسد شخص آخر سيفضي إلى ذلك".

"بالتأكيد، ذلك أيضاً".

طرفَت عيناها.

قلت مقاطعاً بمهارة: "إذن بالعودة إلى قصة اللّيتش. الخلاصة الأساسية هي أننا نظنّ بمقدوري تجاهل الموت. وسأكون أضعف قليلاً، وربما أضعف كثيراً، من جراء عملية التحرك بلا جسد ثم المطالبة بجسد جديد لاحقاً. وكلما طالت المدة التي أقضيها بلا جسد، زاد الضرر الذي أتكبده. وإن قضيت وقتاً طويلًا بلا جسد، فالمرجح أن تلتهمتي ميستي. أيبدو كل ذلك دقيقاً حتى الآن؟"

غردت فيتامين: "يبدو منطقياً بالنسبة لي!"

وافقت ألتريكس: "بناءً على فهمي المحدود، نعم".

قلت: "حسناً. إذن ها هي نقطة شائكة بالنسبة لي. كيف أفعل عملية التّقمص فعلياً بحق الجحيم؟"

أجابني الصمت.

تابعت: "أشعر وحسب أنها مشكلة كبرى، هنا. لا أتذكر أنني فعلت ذلك. اللعنة، لا أعرف حتى كيف أتحرك بلا جسد؛ ففي الوقت الحالي، حركات روحي مبنية كليّاً على ارتباط روحي بجسدي. انطلق آرس كالسهم حين مات، لكنه يجهّز أجساده مسبقاً، على ما يبدو. وأنا لا أعل فعل ذلك. لن أعرف حتى كيف. ماذا لو متُّ وانتهى بي المطاف طافياً في مكاني كأيّ روح أخرى؟"

كلما أمعنت التفكير، زاد قلقي. كيف تتحرك الروح بلا جسدها؟ أتسبح في الهواء؟ لا تتفاعل روحي مع الهواء! قد أتمكن من تشبث بأرواح أخرى وجرّ نفسي بهذه الطريقة، لكن فقط إن وجدت أرواح قريبة... والضغط على روح بقوة يميل إلى قتلها، ولهذا لا يمكنني التجول بطريقة العناكب مستخدماً الأرواح كنقاط ارتكاز لمجسّاتي. إنها هشة! لربما تمكنت من اكتساب القليل من الزخم بهذه الطريقة، لكنه لن يكون كثيراً.

استنتجت: "أنا عالق يقيناً في تقمّص أشياء تقع ضمن نطاق مجسّاتي أو خارجه بقليل حين أموت. ولتفسر هذه الحقيقة حتى سبب كوني فتاة يتيمة في المقام الأول. إن توفر لي خيار التحليق والتقمّص لأي شخص في المدينة، أفلم أكن لأفعل ذلك؟ عوضاً عن ذلك، أنا هذه. من أوائل الأشياء التي أتذكرها هي نهب جسد صبي ثري بغية الحصول على روسكو، فلربما كان هذا الجسد الوحيد الذي اقترب بما يكفي لأستولي عليه!".

مما يعني... لقد كنت ذلك الصبي الثري الذي سرقت منه روسكو. واستعدت منه روسكو؟ اللعنة، هذا مرعب.

أدركت: "متّ في عملية سطو عشوائية. وكانت «عائلتي» غبية بالقدر الكافي للتجول بملابس فارهة في قطاعي من المدينة. هذا مثير للشفقة نوعاً ما".

قالت ألتريكس بهدوء وعيناها تفاديان التقاء عينيّ: "آسفة، يا فيتا. لقد فعلنا أفضل ما بوسعنا".

حدّقت فيها، محاولاً تدبّر ما أقوله. في السجن، لم أضطر قطّ للقلق بشأن أي تفاعل اجتماعي يتجاوز الصدامات العدوانية. كرهت الجميع هناك. كانوا جميعاً راسخين للغاية في معتقداتهم السخيفة، وفوقيين حدّ العجز عن عدم ازدراء أعماقهم. لم تكن جليسا اللطيفة الوحيدة، إن كنت صادقاً. لقد قتلت أناساً لطفاء أثناء هروبي. لكن خلافاً لجليسا، كانوا أيضاً بشراً لن يستمعوا أبداً، ولن يفعلوا قطّ.

بشراً راسخين بثبات عجيب لدرجة أن شيئاً مما قلته لم يُؤخذ بجدية قطّ. ما لم أجعلهم يتألمون. أكنّ بعض الاستياء لألتريكس. كنت قنوعاً تماماً بعدم معرفة ماضيّ، بعدم معرفة هوية نفسي. لقد تصالحت مع ذلك قبل سنوات. أكان ذلك مزيداً من كسلي، وسعادتي بعدم فعل أو تفكير في أي شيء؟ إنها محقة في أنني كنت أعاملها كأداة، مستغلاً حقيقة أنها تحبني. لا أدرِي كيف أتفاعل معها بطريقة أخرى.

لقد كانت لدي عائلة من قبل، عائلة عثرت عليها وانتزعت مكاني فيها بجدارة. لا أريـد أيّ عائلة صنعها آرس من أجلي، مقدمة على طبق من فضة. لكن... هذا ليس عادلاً. لا يجب أن أعاملها مثل ريفينانت. بل يجب أن أعامل ريفينانتيّ بصورة أفضل مما أفعل فعلياً. ينبغي أن أعمل، وأن أتحسّن. مع ذلك يمكنني إحساس إغراء الجلوس وعزل كل شيء مرة أخرى، آمناً في محيطي.

قلت لألتريكس: "اعتذارك مقبول. و... آسف. حقّاً هذه المرة. أنت محقة، لقد كنت وغداً. إن استمر تكرار هذا... فاستمري في لومي على ذلك. رجاءً. لك مني الإذن".

أطلقت سخريّة: "لا نحتاج إلى إذن لهذا. شكراً على الاعتذار مع ذلك. لقد... افتقدناك بشدة يا فيتا".

تنهّدت، ملاحظاً تعمد خلوّ كلامها من عبارة "اعتذارك مقبول"، وقلت: "حسناً، تلك مسألة أخرى. أعلم أنك... ترين نفسك أمي. وأنا مستعدّ لقبول أنك قد تكونين أمي الحقيقية، بأي معنى يعنيه ذلك لكائن مثلي. لكني... لا أنظر إليك على هذا النحو. والرجح أنني لن أفعل قطّ".

أومأت برأسها، وأحست بقلبها يتحطم.

تابعت بسرعة: "لكن لا يعني ذلك أن علينا... لا أدري. أن نكون غرباء، أعتقد. أعلم أنك تحبينني، لذا... سأبذل جهداً لأكون أقلّ حقارة حولك. يمكننا الخروج معاً، وما إلى ذلك. سأصنع ذكريات جديدة معك، ما رأيك؟"

آه، ها قد وصلنا. تدفق الدفء في روحها بينما ارتسمت على محياها ابتسامة عريضة أظهرت أسنانها غريبة الشكل.

قالت ألتريكس: "يا فيتا. أيمكننا معانقتك؟"

توترت قليلاً. لا أعرفها جيداً. إنها ليست ريفينانت. لكنها تحبني. الحب... آمن.

وافقت: "نها. حسناً".

أنزلت فيتامين بينما اقتربت مني ألتريكس، جارة إياي في عناق شديد. وأحسست بعملية تطهير ماسة بدأ الدوران في روحها، غاسلة توترها وغضبها وحزنها وذنبها لتتحول إلى شيء أكثر كآبة، وأكثر قابلية للتعامل معه. تنفست الصعداء، مستምتعاً بهذا الشعور من أجل القوة، ومددت يدي لأعانقها بدوري.

أفلحت في قول: "أنا... نسيت كيف يكون الأمر. أن أكون برفقة بشر يهتمون لأمري".

اشتدّ العناق، وأحسست بجزء مختلف من روح ألتريكس يتخذ موقع السيطرة.

وعدت ألتريكس: "لن يأخذوك مجدداً أبداً، يا فيتا. سنقتلهم جميعاً إن حاولوا".

قلت بهدوء: "شكراً لك، ألتريكس"، وسُررت حين وجدت أنني أعني ذلك.

صححت: "إكسوكوريو. قبل قليل، كنت تتحدث مع سانو. وثالثتنا هي نيكس. حاول بذل قصارى جهدك لتذكر ذلك على الأقل، وإلا سننعك بالوغد مجدداً".

طرفَت عيناها.

"آه، حسناً. عُلم. لست الأفضل في حفظ الأسماء لكني... سأبذل جهداً".

أطلقت ضحكة خفيضة، متخلية عن عناقي أخيرًا.

ختمت إكسوكوريو كلامها: "جيد".

قالت تيودورا فجأة ملوحة لي بابتسامة محرجة: "أه، مم، أكره مقاطعة لمّ الشمل العائلي المؤثر هذا. لكن... حسناً، لدينا عينة أولى".

رفعت جراراً زجاجياً، يستقر بداخله كتلة صغيرة صفراء ذهبية من الوحل، حية وتتلوى. وخلفها، وضعت مليسا يديها على فمها، كأنها في صدمة.

همست: "أأنجبت طفلاً لتوّي...؟ بالتأكيد لم يكن مفترضاً بي فعل ذلك حتى أكبر".

حاولت تيودورا الطمأنة عبثاً: "أه، الأمر يشبه... استنساخاً. على أي حال، يا فيتا، يبدو خالياً تماماً من العقل. أتستطيعين التأكد؟"

ألقيت نظرة فاحصة على روحها الضئيلة، وأومأت برأسها.

"نها، لا أحس حتى بأي مشاعر صادرة منه. إنه أبلة من حشرة".

هتفت تيودورا بسعادة: "ممتاز! إذن... ها هي النقطة الشائكة. نريد التأكد من إمكانية دمج روح في هذا الكائن بطريقة قابلة للتكرار على غرار مليسا. ولكككن... إن لم نستعمل روحاً ضخمة بالقدر الكافي، فستهضمها ببساطة".

أومأت لرأس ألتريكس... أمم، إكسوكوريو، ثم تجاوزتها مقترباً من تيودورا وطفل الأوزويد. تسأل تيودورا في جوهرها الإذن لاستخدام إحدى الأرواح داخل جسدي كحقل تجارب. وهو أمر... لدي حياله مشاعر مختلطة، أكثر من القليل. فعليّ التزام تجاه تلك الأرواح، بعد كل شيء. إن حدث لها شيء، فهذا خطئي. مع ذلك لا يمكننا حقاً استخدام أرواح الحيوانات لهذا الغرض. لا سبيل للتحقق، مثلاً، من روح سنجاب بشأن التدهور العقلي، نظراً لتعذّر حديثي بلغة السناجب.

ناهيك عن افتراض ألا تُؤكل روح السنجاب ببساطة. نحن بحاجة ماسة لشيء يتمتع بذكاء بمستوى بشري. ومن بين كل ما بداخل، أعتقد أنني أحظى بحزمة لا بأس بها من الأرواح التي تفي بالغرض.

قلت ناظراً إلي إياها: "يا فيتامين، ما شعورك إزاء استخدامي لشقيقك لاختبار هذا؟"

بدت مصدومة.

سألت: "ألا تعني أنجيلين، صح؟ أتود المخاطرة بها في اختبار؟"

قلت مسرعاً: "لا، لا. أعني أشقاءك البيولوجيين. أرواح نورا من قرية ليتيا. لقد كانوا من أوائل الأرواح التي أنقذتها، أتذكرين؟"

تنفسّت قائلة: "أه. أه، أم... صحيح، أجل. لقد نسيت ذلك نوعاً ما. لم هم يا أمي؟"

أجبت: "لأنني من جهة، أرغب في إعادتهم. ومن جهة أخرى، إن ساءت الأمور... حسناً، قرر كل واحد منهم تعذيب إنسان كي ينجو. وإن كان أحد سيعاني بينما نتقن هذه العملية فهؤلاء هم المرشحون الأحقّ بذلك".

حكت فيتامين مؤخرة رأسها: "أه... لربما كان عليك التحدث إلى مارغريت بشأن هذا؟ ليس الأمر كأنني عرفت أيّاً منهم. فقط أنت ووالداي اللذان ليسا بوالدين".

تمتمت تيودورا بغضب: "افعلها وحسب! أم أن معارضة مارغريت ستغير ما تراه الأنسب على الإطلاق؟"

ابتسمت بحزن. كلا، على الأرجح لن تفعل.

قلت: "إذن ها نحن ذا. نورا العشوائي الذي لا أعرفه رقم واحد، دعنا نعيدك إلى الحياة".

استخرجت الروح المعنية من جسدي، واضعاً إياها بحرص داخل الوحل. على حدّ تذكري، لم أتفاعل قطّ مع هذه النورا من قبل؛ فقد كانت مجرد واحدة من بضع عشرات يتقمّصون قروياً عشوائياً. تكاد الروح تكون أكبر حجماً من كتلة الوحل الضئيلة في الجرار، وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدلّ على جعلها أقل عرضة للتضرر بينما تحاول روح الأوزويد متناهية الصغر فشلاً ذريعاً هضم روح نورا، لتنتهي مندمجة ومخترقة.

وببطء وثبات، استيقظ وعي النورا، مارّاً بتلك العملية المألوفة والمحيرة المتمثلة في الاستيقاظ وإدراك وجود المرء بذاته.

قالت فيتامين بسعادة: "أهلاً بك مجدداً في الحياة!"، ولاحظت فوراً خطباً ما.

أبلغت: "لم يفهموا ذلك. إنهم يذعرون. لقد استيقظوا ويفكرون بشكل طبيعي، على حد علمي، لكن هناك خطباً ما".

قالت تيودورا: "حسناً، إنهم يتأقلمون مع حواس جديدة، على الأرجح. ما لم ترَ أن الأمر أشد خطورة من ذلك؟"

قالت مليسا: "لا أتذكر الأمر جيداً، لكني كنت خائفة حقاً، حقاً، حين صرت كذلك لأول مرة. أنا عمياء، كما تعلمون. أستطيع سماع الأشياء جيداً، وأستطيع رؤية... طبعات البشر. هذا كل شيء. أه، بالمناسبة، أنت جميلة جداً يا آنسة فيتا! مثل مراقب ضباب أزرق ساطع! كنت خائفة من ذكر ذلك من قبل لأن Templars لم يبدُ أنهم أحبوا أبداً حين تحدثت عن تلك الأمور، لكن يليزافيتا قالت إن الأمر בסדר الآن! متى ستعود؟"

عبست قليلاً. هاه. أفتملك مليسا حاسة روحية؟ بدا ذلك... واضحاً تماماً في الواقع، بالنظر إلى أن نظامها الغذائي بأسره يتكون من الأرواح. حتى لارك استطاع قضم مجسّاتي، لكني أحزر أن مليسا تستخدم حاسة الروح خاصتها للتنقل أيضاً.

أجبت بمراوغة: "لست متأكداً متى سترين جليسا مجدداً، لكني واثق من أنه لن يتأخر كثيراً. إذن، أمستطاعتك صنع واحدة أخرى؟"

أطلقت طرفة مزيفة نحوي، مميلة رأسها بحيرة.

غرّدت: "أخرى؟"

وضحت: "وحل صغير آخر".

هذا ينجح، وأريد التحدث إلى صديقتي مجدداً.

قالت تيودورا مقاطعة: "الأرجح أن الأفضل هو الانتظار. فلنغذِّ هذا الوحل، ونراقبه، ونتأكد من عدم حدوث أي شيء سيئ. والأهم من ذلك، ينبغي أن نفعل المثل مع مليسا. يا فيتامين، أيمكنك مساعدتنا في جمع بعض الحشرات؟"

هتفت فيتامين: "بالتأكيد يا دورا!"

قبل أن تنطلق متناهية في الغابة.

تمتمت تيودورا: "لا تناديني... باه، لقد ذهبت بالفعل".

سألت: "ما الذي ينبغي عليّ فعله؟"

هزّ الريفينانت كتفيه: "ما شئت. لكن إن أردت المساعدة... راقب وانتظر وحسب".

وفعلت ذلك. طوال بقية اليوم وطوال الليل، راقبت حالة هذا الوحل الأبله، متحدثاً إليه أحياناً ومغذّياً إياه كلما عادت فيتامين بحمولة. (في المرة الأولى التي جابت فيها بحزمة من الحشرات، أكلتها كلها عن طريق الخطأ دون تفكير. وفي كل مرة تلتها، كان عليّ كبح جماح نفسي بوعي. ويبدو أنه عُرف). لقد كنت مستيقظاً طوال ما لا يقل عن ستين ساعة الآن، ولا أشعر بأدنى ذرة تعب. لعلني محمّل بالنَّوْم من كل غيبوبات السجن التي وضعت نفسي فيها؟

حسناً، أياً يكن السبب، شعرت أخيراً ببعض التعرف على الكلمات من صديقنا الوحل المعمّد حديثاً صباح اليوم التالي. ومع شيء من الإلحاح من تيودورا والتوجيه من مليسا، وضعنا خط أساسي للاتصال قيد التدفق. وبدا طفلنا الصغير معاد التحريش كأوزويد... عاقلاً ومستقراً.

سألت: "انتهى الأمر إذن، أليس كذلك؟ لقد فعلنا ذلك؟"

أصرّت تيودورا: "حسناً، قد تكون هناك أيّ أعداد من المضاعفات طويلة الأمد التي لا نعرفها. لكن بوجودك هنا لمراقبة سلامة الروح، ودلالة حالة مليسا على قدرتهما على البقاء بلا تدهور يذكر بنظام غذائي متواضع... أظن أننا أفلحنا".

تنفست الصعداء، مبتسماً من أذن إلى أذن.

سألت: "أيمكننا صنع واحدة أخرى إذن؟ أأنت مستعدة لذلك، مليسا؟"

قالت شادة قبضتيها الصغيرتين بعزم: "ح-حسناً! سأكون شجاعة! اقطع قطعة أخرى مني، آنسة تيودورا!".

ها قد وصلنا إذن. مسحت روح صديقتي الساكنة، السجانة التي أقسمت ألا أجعلها سجينة قطّ. لقد نموت كثيراً جداً منذ آخر مرة تحدثت فيها إليها. أتساءل كم ستكون الأمور مغايرة بلا وجودها في رأسي.

قلت لها ملقياً روحها في الوحل التالي: "سأحدثك قريباً، بنتا. أنا أفي بوعودي".