يا للهول، يبدو أرس حقاً وغداً. مع ذلك، تبدو فكرة طرد الروح الاضطراري هذه رائعة بحقّ. أتساءل إلى أين ستأخذني. انتظر، ألهذا السبب كان جميع الهيكليين يعارضون قتلي بحماسة رغم شدة بغضهم لي؟ أيعتقدون أن بمقدوري فعل ذلك؟...أيمكنني فعل ذلك؟ أسئلة أرجئها لوقت لاحق، على ما أظن. لست راغبة في تجربتها حقاً. ينوي مانوس أسر حيّة على أي حال، وأفضل تفادي ذلك تماماً. لكن كيف لي أن أتعامل مع هذا الرجل بحق الجحيم؟
لو كان وحده لقضيت عليه مندفعة صوبه مباشرة، ومبطلة موهبة التحريك الحركي لديه بمانائي، ثم نازعة روحه، أو... لا أدري، مبرحة إياه ضرباً بقبضتيّ على ما أعتقد. أمتلك في الواقع قوة تكفي لجعل هذه خطة مجدية، وربما أستطيع سحقه كحبة عنب. أو لربما تطعنه لين، رغم أنني لست متأكدة من قدرتي على حمايتنا كلتينا. للأسف، هناك أيضاً رجل الجليد. يمثل رجل الجليد مشكلة لعينة. جدرانه الباردة معتمة في الغالب، لكنها معتمة فحسب، ولن أتفاجأ إن استطاع مانوس توجيه موهبته من خلالها.
في المقابل، إن حاولت لكمها فغالباً سأفقد جلد يدي... ناهيك عن أنه إن اقتربت بالقدر الكافي لفعل ذلك فسأجد نفسي محاطة بجدران جليدية خارج نطاق تعطيل المانا الخاص بي، وحينها سأكون في مأزق حقاً. تباً، يبدو الأمر أشبه بقتال كابيتا وسكاي من جديد! لو اقتربت فقط فهؤلاء الأوغاد أموات، لكنهما يبرعان حقاً، وبشكل كبير، في إبعاد الآخرين.
يزمجر مانوس قائلاً: "لقد افلت! لقد افلت حقاً! أيدرك أيّكم أيّ شرّ أطلقتموه؟"
أعترف قائلة: "كلا، ليس تماماً."
يتراجع ضغط المانا من حولي. أمر مثير للاهتمام. أيعني هذا رغبته في الحديث؟ بالطبع، يمكننا التحدث. تحدثت مع الكثير من الهيكليين حتى الآن، وبدأت أجيد ذلك حقاً.
يتمتم مانوس لنفسه: "هذا صحيح. لا يمكنك تذكره، أليس كذلك؟ تتباً. أنت من أطلق سراحه بعد خروجك إذن."
أؤكد له: "نعم. كان أحد كبار الهيكليين هابطاً ليعبث معي فحدثت نفسي، هيئ لي أن السجين في الغرفة المجاورة سيستمتع بقتل الهيكليين. وها هوذا، كان بارعاً في ذلك حقاً. ثم ادعى أنه أبي على نحو ما، وتذمر كثيراً بشأن السلالم، وطعن نفسه في عينه. هذا كل ما أعرفه عن الرجل. أما أنت، فعلى الجانب الآخر، أراقبك منذ عامين."
أوجه عين روحي نحوه، متجرعة كل ذبذبة دقيقة من كينونته تفضح عواطفه وتلمح إلى أفكاره. عانيت دائماً في فهم البشر، وفي رؤية الأشياء بالطريقة التي يراها بها الآخرون. حتى بعد أن صار بإمكاني قراءة العواطف مباشرة، لم أكتشف قط حيلة توظيف تلك المعلومات بما يتجاوز كشف الكذب إلى أن أسدت إلي بينيلوبي بعض النصائح. لم يكن لدي في السجن ما هو أفضلفعله سوى بناء كل مهارة أستطيعها، وهذه المهارة قد تكون مسلية للغاية.
قالت حين علمتني العواطف: لا يكفي أن تحاول معرفة سبب شعور شخص ما بالطريقة التي يشعر بها؛ فلو فعلت ذلك، يمكنك التخمين فقط دون أن تتبين إن كانت تخميناتك صحيحة أم لا. تكمن الحيلة في استخدام ذلك التخمين أيضاً، وتشريحه، ومعرفة كيفية جعل هذا الشخص يشعر بما ترغب في أن يشعر به. إن نجحت في التلاعب بشخص ما، فأنت تعلم على وجه اليقين أنك تفهمه. مانوس مرعوب، أولاً وقبل كل شيء.
لم يكن الأمر كذلك حتى أفلت أرس، لذا أخمين أنه خائف من ذلك الرجل. مانوس غاضب، يغلب غضبه على نفسه وربما مرة أخرى لسماحه لأرس بالإفلات. إنه مشوش، لأنه لا يفهم كيف تمكنا من الخروج. من منظوره، تأخرت القوات المهاجمة هنا؛ وما كان ينبغي لأحد أن يصل إلى المستويات السفلى. إنه لا يدري كيف تسللت لين من دونه، وتخميني أنه يعتقد أنها هي من أطلقت سراحي... وهو أمر يستحيل حدوثه ما لم تستطِع قتل خمسة هيكليين بمفردها.
لذا فهو يبالغ في تقدير قوتها على الأرجح في هذه اللحظة، وتومضة قلق إضافية حين يلقي نظرة عليها تؤكد لي ذلك. لست متأكدة من رغبتي في توريط لين في خدعة لا تملك تكلفت كشفها. يشبه الأمر أحجية، حقاً. أو ربما مجموعة مكعبات ألعاب. شيئاً ممتعاً للتفكيك وإعادة التركيب. كيف أريد للقطع أن تترتب؟ في المثالي، أستطيع جعله غاضباً لدرجة تجعله يندفع نحونا مباشرة أو شيئاً أحمق كهذا، لكني لا أظن ذلك مرجحاً للغاية.
إنه أقرب إلى اليأس منه إلى الغضب، لذا ينبغي أن تكون تلك طريقة أفضل لدفعه نحو التتصرف بحماقة. تماماً مثل تلك العاهرة فيكتوريا.
أتابع قائلة: "الأمر مضحك حقاً، في الواقع. أنت منشغل للغاية بإفلات عارف ذهني بينما كنت حراً طليقاً طوال هذا الوقت. أيفقد الرسم مهندسه فتشتاق إليه؟"
تضيق عيناه، وينطبق فكه. أوه، عفوى! لقد أثار ذلك غضبه بشدة، حقاً. حسناً، ربما سنمضي مع الغضب إذن. أدع المانا تسري عبر لوامسي، لافّة إياها ومشكلة إياها في تعويذة تحريك دقيقة لبعث رسالة إلى لين لا تستطيع سواها سماعها. من يحتاج إلى أصابع، على أي حال؟ تومئ أمي، متراجعة نحو الدرج بينما أتقدم بخطى بطيئة، مراقبة كلا الهيكليين بحذر. لا يعبأ مانوس بالأمر في الغالب، راضياً بسماحي له بالاقتراب، بينما يحاول مستخدم الجليد جاهداً ألا يتفاعل لأنه يود، بالطبع، أن أكون أقرب.
لن يتدخل على الأرجح حتى أبلغ نطاق هجومه، وهو ما أبتغيه.
ينهش مانوس قائلاً: "بما نعتني للتو؟ وها قد ظننت أنك لا تذكرين."
أخبره: "لا أذكر أرس، لا. لكني التقيت بالمشوهين. وأدرك ما أنت عليه. وأعلم أنك تمتلك موهبتين: هراء التحريك الحركي ذاك... والعرافة الذهنية. عرافة ذهنية تستخدمها بانتظام على هيكلييك، لأنك منافق مستبد ومتلهف للسلطة."
يرد مانوس بحدة: "أنا ألقي التعاويذ بالقدر اللازم فقط لضمان عدم عبث أمثالكم بشعبي. التحريك الروحي مطلوب لمقاتلة التحريك الروحي."
أستفزه قائلة: "نعم، لكن كم مرة تكون مطلوبة حقاً مقارنة بالمرات التي ينتهي بك الأمر مستخدماً إياها فيها؟ أنت تقوم بـ"العبث" أكثر من أي شخص آخر في هذا المبنى بأسره. أشعر كل أسبوع بأنك تعبث بعقول أحدهم لتدفعه إلى الطاعة، وتثقبه بالأسئلة، ثم تعيد عقله إلى طبيعته قبل أن تمحو ذكريات ذلك كله. الأمر غير ضروري. أنت مدمن فحسب."
أوه، لقد أصاب ذلك الوتر الحساس، وليس عند مانوس فحسب. تتفاعل جليسا ورجل الجليد مع ذلك. أمر مفرط في الإثارة.
يرد مانوس بحنق: "لن أناقش سياسات أمن السجن مع سجينة. عودي إلى زنزانتك قبل أن تسوء الأمور."
هاه، كأن ذلك سيجدي نفعاً. زنزانتي محطمة بعض الشيء. ومع ذلك، لا فائدة من الإشارة إلى ذلك. إنه يغير الموضوع عمداً، لذا يجدر بي مواجهته بذلك.
أقول: "هذا ليس نفياً. أنت تكره صانعك، لكنك تبقى صنيعته في النهاية."
يزمجر مانوس: "أنت لا تعرفين شيئاً."
أقول: "أعلم أنك تمتلك موهبة مجنونة وقوية للغاية لا تتضمن العبث بعقول أحد، ويمكنك تدبر أمورك على ما يرام مستخدماً إياها وحدها. ومع ذلك ما زلت تشق المزيد من الأرواح في غضون شهر أكثر مما فعلت منذ أن صرت ساحرة أموات حتمية! تسميه أمناً، لكنه عذرك لتكون مسخاً."
وبصراحة، لا ألومه. لأنه الأمران معاً. تريد موهبة مانوس أن تُستخدم، شأنها شأن أي شخص، وهو يستخدمها بأفضل طريقة ممكنة مع كبح تلك الرغبة. أهو عدواني بعض الشيء؟ بلى. أهو تدخلي بشكل سخيف؟ أوه نعم، تماماً. أسيقبض حقاً على أي عرافة ذهنية تُمارس على هيكلييه ويسمح له بحمايتهم منها؟ نعم، غالباً. بصراحة، في موقعه، لربما فعلت الشيء ذاته. إنه ليس مخطئاً حقاً. لكنه ما زال يشعر بانعدام الأمان حيال ذلك بشكل لعين، وأنا أريد زعزعة توازنه.
تلتف عشرات اللوامس لتمتد داخل روحي ذاتها، مستلة شظايا. الحطام في كل مكان، ناهيك عن جثث الهيكليين، وعدويّ مدركان تماماً لهذا. إنهما يتوقعان خوض قتال ضد جيش زومبي، لذا وبدل صنع واحد أملاً شظاياي بالقوة، محولة إياها إلى شظايا جائعة. لا تملك الهيكليان الماثلان أمامي أي سبل لمعرفة الفارق. وقد منحني أرس فكرة. يبدو الأمر جلياً، بمجرد أن أفكر فيه. للأرواح القدرة على التحرك.
لا أدرك كيف صنع أرس أرواحاً تطير في الهواء بقوتها الذاتية، لكن بإمكانها التحرك حقاً. لماذا ينبغي على شظاياي أن تحتاز وعاء لتعمل؟ لماذا ينبغي عليها امتلاك دماء لترتشف الروح؟ إنه محدود تعسفي إلى حد ما، أليس كذلك؟ تبدو قوتي شجية عند هذا السؤال، بينما تتخبط الفدرات على حواف وعيي لتدخل في عقلي الواعي. نعم، سيجدي هذا نفعاً. ألوّي الشظايا الجائعة أكثر، وأقذفها نحو أعدائي كخناجر مثقلة.
لا أملك خبرة وفيرة في رمي الأشياء بلوامسي، لذا فإن معظم رمياتي تحيد عن مسارها. يرى مانوس الهجوم بفضل بصر روحيته فيتفادى كل شظاياي ما عدا واحدة، بينما لا يغدو رفيقه الهيكلي محققاً فتصيبه ثلاث من هجماتي. أتلقى فوراً إجابة عن تساؤل الدم: حين تلامس شظاياي أرواح أعدائي وتبدأ بقضمها، فإنها لا تحرز أي تقدم يُذكر. أخمين أنه لو مزقت لحماً من أحدهم لاستطعت جلب أجزاء من الروح دون الاضطرار للتعامل مع المقاومة السحرية، أما إن كانت روحاً مقابل روح فحسب فتدخل المقاومة السحرية حيز التنفيذ؟
لم يبدُ أن أرس واجه تلك المشكلة وربما كان قوياً إلى تلك الدرجة فحسب. مع ذلك، يبدو هذا مفيداً: قد تمنع المقاومة السحرية شظاياي من إلحاق الضرر، لكنها لا تتخلص من الشظايا أيضاً. ستحاول هجماتي مواصلة الاختراق حتى يتعامل أحدهم معها، وهذا خطير بالقدر الكافي لجعل مانوس يحول انتباهه عني ليقوم بهذا الأمر تحديداً. تبدأ خطة بالتشكل في رأسي. بمقدوري رمي الأرواح، هاه؟ في هذه الحالة، بدلاً من محاولة الاقتراب من هذا الثنائي...
أراهن على أنني قادرة على جعلهما يأتيان إلي. أخاتل بحركة سريعة للأمام، مما يحث رجل الجليد على تجميد جدار أمامي ويحجب رؤيتهما لموقعي قبل أن أقفز إلى الخلف، استدير ومتراجعة نحو درج السلم مع لين والآخرين. ما زال الهيكليون الأحياء والأموات على بسطة السلم لهذه الطريقة، لكن الأم قد غادرت منذ فترة طويلة، راكضة إلى الأسفل عبر الدرج. منحوت من الحجر، لا يحتوي درج السلم الحلزوني على عمود مركزي، بل مساحة فارغة فحسب، مما يتيح للمرء النظر صعوداً أو هبوطاً في البناء بأكمله -أو، إن كانوا شديدي الميل للانتحار، القفز حتى القاع.
نحن حالياً على بعد أربعة عشر طابقاً من القاع، أي ما يعادل نحو مئتي قدم. قبل عامين، هشمت ساقي الاثنتين إثر السقوط لمسافة عشرين قدماً.
آمر أشباحي: "قاتلوا على السلالم! اذهبوا في منتصف الطريق إلى الطابق التالي وأماطلوا لكسب الوقت. حافظوا على انتباههم!"
ثم أمتسك بجليسا المرعوبة، وأثب فوق الدرابزين، مقفزة في منتصف درج السلم. تصرخ جليسا حين نسقط لنحو خمسة طوابق، لكني أثبت رأسها بينما أحاول الإمساك بنفسي على درابزين. ينكسر، ويتحتم علي التخبط للإمساك بالسلالم أسفله لوقف سقوطي تماماً. سارع اثنان من أشباحي -اللذان كانا في الطوابق السفلى يحرران السجناء ويجمعانهم- لمساعدتي فوراً، مساعدة إياي أنا وجليسا باهتمام للوقوف على أرض صلبة.
أزمجر لهما: "شكراً لكما"
حين نزحف لكي نقف على أقدمنا، ثم أقتلهما الاثنين معاً. ترتجف جثتاهما، وتسترخيان، وتتساقطان عن السلالم، متناثرتين فتحاً على بعد تسعة طوابق بالأسفل. أبدأ بضخ الأرواح بأقصى ما تستطيع من مانا بينما يحدق بي عدد من السجناء المذهولين باهتزاز، وجميعهم يضعون أطواقاً ويبدو معظمهم وكأنهم خارج نطاق استيعابهم نوعاً ما. تضم المستويات السفلى للسجن سجناء ذوي حراسة أشد، لذا فمن المحتمل أن كل فرد من هؤلاء يمتلك مهارة أو موهبة خطيرة.
بيد أن قليلاً منهم يلفت انتباهي: امرأة مشوهة قبيحة تتألف من ثلاث شظايا روحية متساوية الحجم، ورجل في منتصف العمر ذو روح كستنائية تفوح برائحة البراندي وهادئ بشكل ملحوظ بالنظر إلى الوضع الحالي، والمحقق اللعين فيكتوريا، وهي نوع مختلف تماماً من السجناء بالنظر إلى أن سجنها بدأ بعد عملية الهروب. يحظى شبحان بحظ حراستها بدلاً من مساعدتي على النهوض، وبالتالي يتمكنان من البقاء في جسديهما لفترة أطول قليلاً قبل أن أنزع روحييهما.
رغم أنني ما زلت أفعل ذلك الآن، مما يتسبب في انهيارهما على جانبي الصغرى فيكي، وهو ما يثير عويل رعب لا يمكنني سوى القهقهة عليه. هممم... بوسعي قتلها الآن فحسب، لكني كواحدة من معذبي الشخصيين ما زلت مترددة بشأن ما أريد فعله بها.
أعدها قائلة: "سأتعامل معك في ثانية. ما زال أمامي آمر سجن لأقتله. من يريد المساعدة؟"
يضربني طوفان من الإيجاب رداً على ذلك، لكني أتجاهل الأصوات وأولى اهتمامي للأرواح. يبدو معظم المتلهفين حقاً غير موثوقين... بعض الشيء. هذا سجن، بعد كل شيء، لذا فإن حفنة من البشر هنا هم النوع السيئ من الجنون. تبدو الأرواح التي أهتم بها معارضة للمساعدة بشدة أيضاً، وهو ما... كلا، انتظري. أخطو نحو المشوهة، ممتسكة بطوقها، وأقصفه، مما يجعل بقية السجناء أكثر صخباً.
أقول للمشوهة: "بمقدورك المساعدة. تأكدي من ألا تفعل جليسا وفيكي أي شيء أحمق. لين، وأنتِ أيضاً."
تتلعثم المشوهة في حديثها معي وجسدها بأكمله يرتجف: "أ-أ-أنا لا أ-أريد مساعدتك..."
أدير عيناً، دافعة بأول قطعة من معدن الطوق إلى حلقي.
"إذن انتقلي إلى تلك التي تريد ذلك."
تتوسل فيكتوريا: "نيكس، لا! لا توجب عليك الاستماع إليها!"
تتجمد المشوهة، والذعر يعلو وجهها بينما تحارب نفسها من الداخل. أمتسك بلوامسين بأجزاء منها لا أحتجها، مطبقة ضغطاً رقيقاً لكنه مهدد. يغمرها الاشمئزاز والرعب، لكن بإمكانهما التعامل مع الأمر. ليس لدي وقت للجدال الآن حقاً. وبضغط أخرى يرضخان للقتال، وتقف المرأة بشكل مستقيم أكثر، مبتسمة بأسنان ملتوية.
تقول بسعادة وقد زالت أي آثار للتلعثم: "تذكريننا، يا تحفة فنية."
أنفي قائلة: "كلا. ليس لدي أدنى فكرة عمن تكونين. يمكننا التحدث لاحقاً."
أنهى مانوس للتو استلال شظاياي من نفسه ومن رجل الجليد، لذا فهما يشقان طريقهما نحو السلالم. وكما هو متوقع، يبدأ لتوّهما في سحق أشباحي هناك. في الثانية الأولى من القتال يدفع مانوس ببساطة نصفهم بقوة التحريك الذهني عبر الدرابزين، حيث يشرعون في السقوط نحو حتفهم. لقد كان الأمر مدروساً منه حقاً، إذ يتيح لي التقاط أرواحهم قبل أن تتناثر جثثهم على الأرض بالأسفل وتتحطم لتصبح في حالة غير قابلة للأكل.
أمد بضع لوامس فحسب وأنتزع الأرواح بينما تسقط الجثث، دون إعاقة هبوطها ولو بأقل قدر. وهما بدورهما يُدفعان بالمانا حتى الامتفام. في غضون ذلك، يخوض ما تبقى من أشباح الهيكليين قتالاً مثيراً للشفقة، فاشلين في إلحاق أي ضرر بالثنائي الأقوى بينما يطاردان قواتي أسفل السلالم. وهو أمر مثالي، حقاً. كل ما أحتاجه هو ألا يولي مانوس اهتماماً كبيراً للسلالم نفسها. الحجر مادة صلبة للغاية، بعد كل شيء، لكن الخشب كذلك بحسب معظم المقاييس.
يمكن لشظية صغيرة من روحي تحطيم الأغصان بسهولة نسبية. لذا، ينبغي لمجموعة من أرواح الهيكليين ألا تواجه صعوبة تذكر في تمزيق الحجر المنحوت من الداخل.
أقول للأحياء: "اخرجوا من درج السلم وإلى الممر."
متمائلة فوق الدرابزين شبه المحطم لتوجيه أفضل، أقذف روح هيكلي مشحونة بالمانا في كل طابق من درج السلم الملتوي بيني وبين مانوس. تحشر نفسها في الحجر، بينما تتفتح الخيوط في كل اتجاه بينما تملأ قوتي المبنى ذاته.
آمرهم: "حطموا الجميع."
تسري الشقوق عبر الصخر، مارّة بخطوط متعرجة بينما تتسع وتتزهر لتنفجر أخيراً، في أقل من ثانية بعد مغادرة كلماتي لفمي. يتهاوى الطابق أسفل الهيكليين، مسقطاً إياهم في حفرة الموت الفاغرة بالأسفل. يتفاعل مانوس ورجل الجليد، بطبيعة الحال، فوراً محاولين استخدام موهبتيهما -فالتحريك الحركي قادر بسهولة على إبقاء مانوس معلقاً في الهواء، وقد تكون كتلة الجليد منصة مؤقتة، وإن كانت غير مريحة.
لا يمثل هذا، في عقولهما، تهديداً لا يستعدان له بالكاد. لكن حين تتحطم السلالم، تتحطم معها الأرواح بالداخل أيضاً... مطلقة حمولاتها الهائلة من الزرقة. مانا الخاصة بي هي أنا. أستطيع استشعارها، ومعرفتها، وتحريكها حتى إن لم تكن داخل جسدي. يبدو هذا عديم الفائدة إلى حد ما، بالنظر إلى أنها تُمحى لحظة مغادرتها لجسدي. لكن المكان الوحيد الآخر الذي يمكن لمانانا أن بأمان فيه هو داخل الروح، وبإمكان أرواح الهيكليين احتواء كمية لعين من المانا.
كانت خيوطهما ممتلئة حتى الانفجار بجوهري الجميل. ومع غضب مانوس المستعر وانشهامه بقتل حلفائه السابقين، لم يلاحظ الفخ إلا فوات الأوان. يسقط آمر السلالم ورفيقه الهيكلي، عاجزين عن استخدام موهبتيهما فيما يصبح، لجزء يسير من الثانية، نطاقي. لكن السلم بالأسفل يتحطم بعد ذلك، ويليه التالي، تلو التالي بينما يتسارع الثنائي نحو القاع. أجمع ذاتي المجردة من الجسد وأدفعها عبر الهواء، مطلياً مانوس وتابعه بمانا لن أسمح لهما باستخدامها.
تحطمت أرواح الهيكليين في السلم بلا رجعة، وباتت عديمة القيمة حتى كوجبة، لكني أحظى في المقابل بروحين أشد قوة بكثير. تماماً مثل الجثث التي دفعها مانوس نفسه من فوق الحافة، أجمع روحه وهو يسقط بجواري، ممزقاً إياها بحرية عن جسده قبل أن يتمكن من جذب أدنى شظية من مانا مراقب الضباب نحوه مجدداً. ويلقى شريكه المصير ذاته. والآن خلا السجن من أي تهديدات قادرة على إيقافي. لم يبقَ سوى التنظيف.
أسمح لنفسي بإطلاق تنهيدة رضا.
"ليزل أحدهم للأسفل ويجمع الجثث في الطابق الأرضي. وأصعدوا بأكثر اثنين سليمتين إلي."
يسأل السجين الأغبى بوضوح: "لم الجحيم ينبغي علينا الاستماع إليك؟"
أستل روحه وآكلها، سامحاً لجسده المنهار بأن يكون إجابتي. يهرع عدد من الأذكياء لتنفيذ أمري.
تمتمغ مشاكسة أخرى: "بأثداء المراقب المترهلة، أي حراسة وضعتها تحتها؟"
أجيب: "إبسيلون."
"وهناك إبسيلون؟"
أطلق خهخرة مسرورة رداً على ذلك، مستدارة نحو حيث تقف المشوهة ذراعاً بذراع مع جليسا وفيكي، مبتسمة بتهكم. ليست لدي أدنى فكرة عما تكون عليه مواهب هذه المشوهة، لكن المحققين مرعوبون منها بما يكفي لأكون راضية بأنهم لن يبدؤوا أي شجار.
أسأل فيكتوريا: "حسناً إذن. ماذا يفترض بي أن أفعلك الآن؟"
تصر جليسا: "لا ينبغي أن تفعلي شيئاً بها، فيتا. لقد انتصرت. لا داعي لأن يموت أحد آخر."
أسخر قائلة: "أوه، إذن أنت تقولين إنه يجب أن أسجنها إذن. حسناً، لا بأس. لقد علمتني الكثير حول كيفية العناية بسجين."
أدفع الشظية في طوق ذلك العجوز ذي الروح الكستنائية وآمره بالفتح بينما أسير نحوه. ينتفض بدهشة حين ينقر منفتحاً، وأنزعه عنه قبل العودة إلى فيكتوريا. أمشي بجانبها مباشرة، مطيلة النظر صعوداً إلى خوذتها الكيتينية اللعينة.
آمرها: "على ركبتيك."
تنكمش، لكنها تفشل في الامتثال.
أسأل بهدوء: "أستجعلينني أكرر ما أقوله؟"
ببطء، وبارتجاف، تركع أمامي. أنتزع خوذتها، ممزقة الأشرطة، وأنقر طوق السجين في مكانه.
أهחש بسخرية سعيدة، رافعة قبضة: "والآن إذن، حان وقت الاستجواب."
مع ذلك، تنطلق جليسا، والذعر يخفق عبر روحها، من قبض العادية للمشوهة وتستحوذ على عضدي.
تقول بحزم: "لقد أوقفتها، لذا سأوقفك أنتِ أيضاً."
أذكرها: "لقد أوقفتها فقط بعد السماح لها بتلقي بضعة ضربات."
تعترض: "حسناً، أنا أفضل مما كنت عليه آنذاك. يمكنك أن تكوني أفضل منها."
أكاد أتحرر وأشرع في مبرحة فيكتوريا ضرباً على أي حال، لكن لمفاجأتي تتدخل لين أيضاً.
تقول محكة مؤخرة رأسها: "هيي، الانتقام مخصص للجبناء نوعاً ما. أتدرين؟"
أرفش عيني.
"ماذا؟"
"أعني فقط... غاه. لا أعري، رومان أفضل في هذا مني. إنه أمر غبي. إنه جبن. ما المغزى بصراحة؟"
تفاجأني لين حقاً بعدم ارتياحها حيال هذا. هذه هي الطريقة التي تتم بها الأمور ببساطة. يسرق أحدهم طعامك؟ يضايقك ليبعدك عن بقعة تسول جيدة؟ يلمس روسكو الخاص بك؟ حسناً، عليك الآن مبرحته ضرباً وإلا فسيکررون ذلك. لكني لم أرى أمي منذ عامين، لذا فإن مجرد فكرة إحباطها الآن -لأي سبب كان- تكفي لجعلني أعيد النظر في وعدي بقتل كل هيكلي هنا. أككره نكث الوعود، لكن... حسناً، أظنني لم أعد قط بموعد قتل الجميع هنا.
أتمتم: "حسناً،"
باعثة تنهيدة ارتياح وموجة أمل من جليسا. تباً لكوني أدري عما تأمله، مع ذلك. لا سبي لي لترك فيكتوريا تفلت.
"فقط لا تفعلي شيئاً أحمق، فيكي."
تتهمس المشوهة: "شكراً لكونك رحيمة معها، يا تحفة فنية،"
وثلثاها ما زالا يفيضان بمشاعر الانتهاك.
"ندرك أنها لم تكن طيبة معك، لكنها كانت طيبة معنا."
حسناً، أظن أن الوقت الحالي مناسب تماماً.
أسألها: "من تكونين؟"
"أنا إكسوريو. نحن ألتريكس. سانو ونيكس هما شظاييا الأخريان. يؤسفنا أنك لا تذكريننا، يا فيتا. أأتلفت تعديلاتك ذاكرتك؟"
أبدي عبوساً.
"ألمح عارف ذهني قوي مؤخراً إلى أني فقدت بعضها، نعم، لكني أفترض أن ذلك كان خطأه. أو أنك تثيرين هراء معي."
"آه. ندرك هذا. حسناً، نحن سعداء جميعاً برؤيتك مجدداً. ساعدنا في تربيتك قبل أسرنا. أنت مثل... هممم. أعتقد ابنة، بالنسبة إلينا؟"
لما كانت تلك الوقفة؟ كانت على وشك قول شيء آخر بدافع الاعتياد، وتشعر بالارتياح لالتقاطه. لا يبدو الأمر كحذف على حسابي، مع ذلك. إنها تشعر بالحرج فحسب بشأنه.
أتمتم: "حسناً، لا أعرفك وأمي هنا تماماً لذا أخشى أنني لا أستطيع مبادلة الشعور. لكن ليس لدي أي شيء ضدك بالتأكيد أيضاً. خذي حريتك في المرافقة، أو أياً يكن."
توافق قائلة، محنية رأسها قليلاً: "سيفعل."
يمكنني الاستشعار بأنها مجروحة من كلماتي، لكني لا أرغب حقاً في التعامل مع الأمر.
"لن يسبب باقي مني أي مشاكل أيضاً، طالما أنك لا تلحقين أي أذى بمحققتنا المفضلة."
ألقي نظرة على يليزافيتا وأطلق همهمة ساخرة.
"حسناً أظن إن كنت محقة بواحدة، فربما أنت كذلك أيضاً. طالما أن محقتك المفضلة تساير الأمر."
يغدو انحناؤها أعمق للحظة، ثم تقف باستقامة مجدداً. أظن أن تلك نهاية هذا الحوار.
يسأل الرجل في منتصف العمر الذي أخذت طوقه من خلفي: "إذن اسمك فيتا، هكذا؟"
أؤكد له، متستدارة لمواجهته قبل لحظات من تذكر الاستدارة لمواجهته بوجهي المادي أيضاً: "هذه أنا."
"يسعدني لقاؤك. أنا إيريميا. أيمكنني أن أستفسر عن سبب إزالتك لطوقي يا فيتا؟"
أخبره بصدق: "يعجبني ريح روحك."
تحدث وقفة. لا يبدو أن أحداً يحب تلك الإجابة لسبب ما.
أوضح الأمر: "لا أعني ذلك بطريقة 'أريد أكلها'. على الأقل ليس أكثر من المعتاد."
هممم، لا يطمئنه ذلك بل يزيد توجسه. لقد كنت أحظى بتدريب جيد على إرعاب الناس وإثارة غضبهم، لكن العكس ما زال يبدو مستعصياً علي. أياً يكن، ما مغزى التلاعب بشخص ما ليتحسن شعوره على أي حال؟ يجب حفظ التلاعب بالبشر للأوغاد المميزين حقاً وإلا فسأستنفد طاقتي اجتماعياً بعد... محادثتين فحسب.
"على أي حال، سررت بلقائك يا إيريميا. يمكن لبقية منكم الاصطفاف وسأبدأ بقصف الأطواق. ثم سنتجه إلى الطوابق العليا."
أكره كل سبب يدفع بالأمر ليكون هكذا، بيد أن جزءاً مني يقر حقاً بأن هذا السجن جعل سجنائه مهرة في اتباع الأوامر. ربما ساعد قتلي السابق، وبال بالكاد أستطيع الندم على ذلك بالنظر إلى أن السجين كان يفكّر بوضوح تامّ بشأن قتلي وإن كنت أفسر دفق عشوائه المقرف بشكل صحيح، إحياء جثتي المسيطر عليها عقلياً وممارسة الجنس معها. وبالنظر إلى مدى دناءة الهيكليين، قد يسهل نسيان أن قطاعاً كبيراً من سجنائهم أسوأ بكثير بلا شك.
وبناءً على ذلك، أسأل الجميع سؤالين بسيطين قبل إزالة أطواقهم.
"أتنون إيذائي أو إيذائي من أهتم لأمره؟"
تؤكد المرأة المسنة ذات المظهر الدهني أمامي: "كلا."
إنها لا تكذب، وهو أمر جيد لأن أولئك الذين يكذبون (وأولئك الذين يقولون نعم) سيؤكلون.
"أأنت مستعد لطاعتي طالما أننا معاً؟"
تجيب: "حتى نخرج من هذا السجن اللعين، بلى. لكني سأمضي في طريقي بعد ذلك."
أومئ. لا بأس بذلك بالنسبة لي. أفتح طوقها، وأمزق جزءاً منه لأبتلعه، وأستدعي الشخص التالي في الطابور.
"أتنون إيذائي أو إيذاء من أهتم لأمره؟"
"تباً لا، لست غبياً."
"أأنت مستعد لطاعتي طالما أننا معاً؟"
"أنت تأكلين المعدن كأنه لحم سلطعون مطهو على البخار. نعم."
بنهاية الطابور، أملك مجموعة مثيرة لهموم سجناء غاما ودلتا. ينجو ثمانية منهم وتُفتح أطواقهم، وأعتبر عشرة منهم غير مستقرار بشكل خطير وأحولهم إلى وجبات، وثلاثة منهم ليسوا مجانين أو أشراراً حقاً لكنهم بالتأكيد يظنون أنني كذلك لذا قررت بأسف إبقاء أطواقهم لرؤية إن كانوا سيصبحون أكثر هدوءاً. وبات مانوس ورجل الجليد شبحيّ أيضاً، موضوعين في جسدين طازجين نسبياً، رغم أنني أمرتهما معاً بعدم الكلام.
تتمتم يليزافيتا: "أيمكنني الاحتجاج على سياستك العامة المتمثلة في إطلاق أعداد كبيرة من محركي الأرواح مجدداً للعامة؟"
لا تنتظر مني الاهتمام بل تشعر بأنه يتوجب عليها قول ذلك.
أخبرها: "بالتأكيد، لكنه ربما يكون فكرة حمقاء لقوله في وجوههم. علاوة على ذلك، إن بدؤوا العبث في سكيهوب فسأعتبر ذلك تعريضاً للخطر لمن أهتم لأمرهم وأتعقبهم. العاصمة تظل خالية من التحريك الروحي، مفهوم؟"
تتردد أصداء أصوات إقرار مختلفة من خلفي.
"أرايت؟ سيكون الأمر على ما يرام."
تطالب جليسا: "جميع الأماكن سوى العاصمة؟ أستتركينهم يلقون تعاويذ التحريك الروحي قدر ما يشاءون؟"
أتمتم: "حسناً، لا أدري ماذا تتوقعين مني أن أفعل بهم. مهاراتي هي القتل وعدم القتل، وقد وزعت ما أعتبره مقادير معقولة من كليهما بالفعل. انظري، لن يرتكب معظم الأحياء أي حماقات. لا أحد يريد التعرض للإمساك مجدداً والانتهاء في مكان كهذا."
يسأل أحد السجناء: "انتظري، أتنوین العودة إلى العاصمة؟ هذا جنون. سيعج المحققون في كل مكان حين يعلمون بهروبنا جميعاً. سيُقبض عليك في دقائق."
أصر: "لا يمكنني عدم الذهاب لرؤية بقية عائلتي."
ولا يمكنني عدم الذهاب لرؤية بينيلوبي، لكنني لا أنوي النطق باسمها بصوت عالٍ أمام شهود. ستغضب بشدة!
تقول لين: "يمكننا دائماً الذهاب إليكِ. أو يمكنك الاختباء في مكان ما بالغابة ونلتقي في المنتصف؟"
أتمتم: "سأفكر في الأمر."
إنها نقطة وجيهة. قد يعرض ذلك عائلتي للخطر إن التقيت بهم في سكيهوب. تباً. أأحتاج إلى تدمير الكنيسة اللعينة بأكملها لمجرد تناول الإفطار في المنزل مجدداً؟ أهذا ما سيؤول إليه الأمر؟ كلا، لابد من وجود طريقة أقل سخافة من ذلك. سيتحتم علي التفكير في الأمر، مثلما قلت. إنها لرحلة طويلة إلى المنزل، بعد كل شيء.