"لا أقول إنني لا أُريد وجودك هنا، ولكن... لماذا طلبتَ المجيء معي يا أورفيل؟"
مضت سبعة أيةٍ منذ انضمامي إلى نقابة الصيادين، وشابهت معظم تلك الأيام يومي الأول. نستيقظ باكراً، نتناول إفطاراً خفيفاً، ننال علقة ساخنة، يوبخنا ريموس، نتحمل بضع تعليقات مزعجة من بينيلوبي، نتناول الغداء، ننال علقة ساخنة أخرى... لقد صار الأمر روتينياً في هذه المرحلة.
عدا قضية "الغداء"
برمتها. لا أصدق أنهم يتوقعون منا أن نأكل ثلاث مرات كل يوم، وربما أكثر إذا طال اليوم! جنون مطبق. هذا يثير حفيظتي نوعاً ما. سألت عن سبب توقع هذا القدر الهائل من الطعام من الصيادين، فنظر إلي الجميع وكأنني مجنونة. على الأقل لم أُضطر للبقاء في قاعة النقابة طوال اليوم كل يوم. كنت قلقة من حدوث ذلك، لكن لديّ بعض الوقت للتجوال في المدينة، ولسحظي الجيد.
حتى أنني تقاضيت أجراً ضئيلاً أثناء التدريب، "لكي أعيش منه".
بدا أنه لا يساوي شيئاً حسب قول نورا، لكنني سارعت إلى سؤال الموظفين في أمانة السر عاّما إذا كان بإمكاني رؤية أجري اليومي. عندما سقطت القطع النقدية في راحتي، بالكاد أصدقت عيني. يمكن تقسيم هذا المبلغ على اثني عشر وجبة!
كيف كان هذا "لا يساوي شيئاً؟؟"
في كل يوم بعد ذلك، كنت أجمع أجري وأذهب لشراء الطعام فور حصولنا على استراحتنا الأولى. ليس من أجلي، فالنقابة تعج بالطعام، بل من أجل الكوخ. أشياء بسيطة ورخيصة؛ الكمية تسبق الجودة. لكن ما لم يكن اليوم قصيراً بشكل استثنائي، كنت أملك ما يكفي لشراء وجبة فئران شوارع رديئة للجميع.
يُجيب أورفيل أخيراً بينما يُحدّق حوله: "كان ريموس يضغط عليّ لأقضي بعض الوقت مع الناس خلال استراحاتي".
كنا نتجول معاً بين البسطات، متوغلين أكثر فأكثر في الأجزاء السيئة من المدينة لكي أتمكن من العثور على بائع يبيع الطعام بسعر معقول حقاً. فلم أكن بحاجة إلى تلك الأشياء الفاخرة ذات الطعم الحقيقي على أي حال. أنا هنا فقط لإبقاء الناس على قيد الحياة.
"وأنت اخترتني أنا؟ أنت لا تحدثني أبداً".
يُحدّق فيّ مطولاً.
يقول أخيراً: "أجل. وأنتِ لا تحدثينني حقاً أيضاً. لهذا اخترتك".
أومئ. كان ذلك منطقياً. الكثير من الآخرين كانوا يثرثرون بلا هواية حتى بعد أن ينفد الكلام. ثرثرة بلا غاية، كلام لمجرد الكلام. لابد أن أورفيل لا يحب ذلك أيضاً. ليس لديّ سبب وجيه للحديث مع هذا الرجل، لذلك أميل إلى الصمت. لم يكن مذهلاً ولا قوياً بشكل لافت، لكنه أبلى بلاءً حسناً خلال التدريب ومثل... ماذا أبتغي غير ذلك منه؟ اضطررت للتحدث مع نورا طويلاً حول التموضع والتنسيق.
واضطررت للتحدث إلى بنتلي لأنه لم يكن يعير انتباهاً لأي شيء سوى العدو الماثل أمامه. واضطررت للتحدث إلى بينيلوبي لأنها في نصف الوقت لم تكن تفعل شيئاً ما لم يأمرها أحد بذلك. أما أورفيل، فقد أصاب الأهداف التي وجب إصابتها. لم أكن بحاجة إلى إدارته على الإطلاق، وخارج التدريب بالكاد كنت اصطدم به. كان إما خارجاً للتدريب أو جالساً في غرفته. أعثر أخيراً على شخص مقرف بما يكفي لتقديم طعام سيء بسعر مناسب، وأُثقل ذراعي بما حملته.
يعرض أورفيل المساعدة في حمل بعضه، فأوافق مسرورة. من هناك، أقتاده عبر الأزقة الخلفية، متعماقة أكثر فأكثر في الجوف المجزي لمدينة سكاييوب. حتى أنا ألاحظ الآن الانحطاط الملحوظ في جودة محيطي. بدا غريباً أن أشعر بمثل هذه الألفاظ هنا، الآن بعد أن بدوت غريبة جداً، وشاذة للغاية عن المكان. لقد جذبتُ الأنظار، عيوناً سيهرب منها فأر شوارع جائع بسرعة ليتوارى عن الأنظار. كان عليّ مواجهة تلك العيون الآن، لئلا أُعتبر هدفاً.
يعلق أورفيل أخيراً: "فيتا، أمتأكدة أننا في المكان المناسب؟ هناك الكثير من... المجرمين هنا".
أزمجر: "ليس كل المشردين مجرمين".
يلتفت أورفيل إلى مدخل زقاق مررنا للتو به، حيث كانت مجموعة من خمسة رجال تنهال بالضرب المبرح على أحدهم.
أعترف: "أه. حسنأً. أجل، هؤلاء الرجال كانوا مجرمين".
سأل: "أهذا آمن؟"
أردد: "لا، ليس حقاً. أأحضرت قوسك؟"
"...لا. لم أظن أنني سأحتاج إليه".
"هذا سيء".
رغم أسلحتي ودراعي، أو ربما رغم ذلك، نصل إلى الكوخ بلا مضايقات. أطرق الباب، فيسقط أرضاً.
أتمتم: "عذراً".
"فيتا!"
تندلع هتافات متحمسة من داخل الكوخ، وفي لحظات يحيط بي أطفال يكادون يدهسون بعضهم البعض للفوز بفرصة لعناق خصري. وسط ضحكاتي، كادت قوة الأطفال الجائعين التي لا تقاوم تطرحني أرضاً. أوزع الطعام بأعدل طريقة أستطيع تدبرها، مدركة تماماً كم كانوا جميعاً هزلاء، وهزلاء بشكل مرعب. أ حقاً كنت أبدو هكذا قبل شهر واحد فقط...؟ ما زلت نحيلة بشكل خطير، لكن بعض العضلات بدأت تملأ هيكلي.
كان الفارق مذهلاً، وقد تمزق قلبي له.
"أهلاً بك أيها الصغير".
رفعت نظري، مبتسمة بينما تخطى روان تيار الأطفال وجذبني إليه في عناق.
أجيب تلقائياً وأنا أعصره بقوة رداً على عناقه: "لست صغيراً. كيف سار كل شيء؟"
"أفضل، بفضلِكِ. من هذا؟ ألديك حبيب بالفعل؟"
يميل برأسه نحو أورفيل، مما يجعل وجهي يحمر.
"لا! يا روان، لا تكن مقرفاً! هذا أورفيل، الرامي في فريقي".
يتمتم أورفيل، رافعاً بصره وبكاد يطرف ليدفع تعبيراً عن رعب صامت: "همم؟ أه. أم. أجل. إنه... يسرني لقاؤك يا سيدي".
يجيب روان مصافحاً أورفيل بود: "بالمثل، أيها الرامي".
يقول أورفيل وعيناه تلتفتان إلى الأطفال الاثني عشر النهمين بين الحين والآخر: "أم، يقصد أنني الرامي... هل نشأت فيتا هنا؟"
أجاب روان: "حسنأً، لقد كانت معنا منذ ما يزيد قليلاً عن عام. أما ما كانت تفعله قبل ذلك فشأن يخصها وحدها".
أجيب: "لم يكن سوى المزيد من هذا، لكنه أسوأ. ليس بالأمر المثير حقاً".
يتمتم أورفيل: "...أسوأ؟"
لكنني لا أُعنى بالإجابة عليه. لا بد أنه ليس صعباً للغاية لتخيله. فقط استمر في سلب الأشياء.
يحثني روان: "إذن يا فيتا، كنت أتمنى في الواقع التحدث معك على انفراد لفترة قصيرة...؟"
"همم؟ أه. أجل، بالطبع".
ألتفت إلى الأطفال.
"لا يسرق أحدكم شيئاً من أورفيل وإلا كسرت عظامه، اتفقنا؟"
كان جوقة من الضحكات وكلمات "آه"
هو الجواب الوحيد الذي أحتاجه. أخطو إلى داخل الكوخ برفقة روان، مبتعدة عن الأنظار ومتاحة له ليقيم فقاعة صمت تحيط بنا نحن الاثنين.
قال بلهجة جافة: "يريد مني التمبلر التجسس على دراكنز المكسورين".
تمتمت: "أه. حسنأً... تباً".
"أجل، "أه تباً" صحيحة. لا أدر كيف اكتشفوا صلاتي. بصراحة، أكاد أظن أنهم لا يعلمون شيئاً وأنهم يلوحون بورقة خادعة. الدين الذي في ذمتنا لدراكنز... حسنأً، إنه موجود في الغالب لأن زعيمهم يريد مني ومن لين العمل لصالحهم في مهام خطرة. السحرة المدربون يساوون وزنهم ذهباً في هذا الجزء من المدينة، ولين هي... لين. لم أظن أن الأمر يستحق المخاطرة، لكن التمبلر يريدون مني الآن قبول هذا العرض، والانضمام إلى العصابة، وإرسال التقارير إليهم".
أعبس.
"أتمتلك حتى خيار الرفض؟"
يجيب: "لا أعلم. ربما. لكنهم من التمبلر. يمكنهم جعل حياتي جحيماً بشتى الطرق غير العدوانية إن رغبوا في ذلك، ومن المحتمل أن يفعلوا. الرجل الذي يرسلونه مراراً لطيف وما إلى ذلك، لكنني لست غبياً لدرجة أظن معها أنه هو من يتخذ القرارات حقاً. الأمر مغرٍ في الغالب لأن... حسنأً، إنهم يقدمون الكثير".
أجذبه وأعانقه مرة أخرى.
"...مهما تقرر، سأساعد بأي طريقة أستطيعها. أظن أن صيدنا الأول سيكون بعد أسبوع أو أسبوعين آخرين، لكنني سأكون هنا حتى ذلك الحين".
يقول وهو يربت على رأسي بشتات بال: "أجل. شكراً لك يا فيتا. لست متأكداً حقاً مما يجب علي فعله. إنه أمر خطير للغاية... لكن هناك خطراً في رفض التمبلر أيضاً".
"أهناك أي شيء سيجلبه لنا العمل لصالح التمبلر سوى المال؟ لأنني أستطيع تدبر أمر المال".
يقول روان عابساً: "...ليس الكثير. ربما استطاع التمبلر منح جميع الأطفال حياة جيدة، لكنني لن أكون نافعاً كجواسيس لو بدأت فجأة وبشكل مشبوه أتلقى الدعم من طرف ثالث. دراكنز المكسورين هم من يؤجروننا هذا الكوخ، لذا سيلاحظون بالطبع إذا غادر الأطفال. الأمر مجرد..."
أكمل نيابة عنه: "...ممن نخشى أكثر. التمبلر أم دراكنز المكسورين".
يقول روان: "ليس تماماً. أقصد أن إجابة ذلك هي التمبلر. التمبلر أكثر خطورة بكثير. لكن غضبهم لو احتقرتهم سيكون على الأرجح مضايقتي مراراً وتكراراً، لا سحلي إلى زقاق وضربي حتى الموت".
"إذن ما هي المشكلة؟"
"أنا لا أحب التمبلر. أنا أخشى التمبلر. لكنني أُبغض دراكنز المكسورين. أود فقط إفساد أمورهم لأقول إنني فعلت ذلك".
أبتسم قليلاً.
"بلا مخاطرة لا مكسب، أليس كذلك؟ طالما وعدت ألا تموت".
يضحك.
"أجل. حسناً. أعدك يا فيتا".
أومئ. هناك أمر واحد آخر يجب قوله، حقاً.
"أين لين؟ ما رأيها في هذا؟"
يجيب: "في مهمة. إنها مترددة، بالطبع. لا تخبرها أنني أخبرتك، لكنها تخشى الدراكنز تقريباً بقدر ما أبغضهم. هناك الكثير من الناس الأقوياء في صفوفهم، حتى بمعايير لين... وبالطبع، إذا اكتشفوا أننا نخالفهم، فسيفقد الأطفال كل شيء. ربما كل شيء-كل شيء. إنهم يسمونه ديناً، لكنه ليس سرا أن الشيء الحقيقي الذي يلوحون به فوق رؤوسنا هو الأطفال".
قلت: "أه".
يجيب روان: "أجل... اللعنة يا فيتا. أنت تنموين كثيراً. حين ننظر إليك، لا يسعنا إلا أن نود منح جميع الأطفال تلك الفرصة. أتعلمين؟"
أوافقه: "أجل. نقابة الصيادين تشبه عالماً مختلفاً تماماً، حقاً".
"حسنأً، الأفضل أن تعودي إلى عالمك، إذن".
يصفع روان ذراعي وينهي فقاعة الصمت، لنغادر الكوخ معاً. كان الأطفال يتسلقون أورفيل في كل مكان، سائلين إياه شتى الأسئلة عن نقابة الصيادين.
أقول بزهو، مستمتعة بقدرتي على استخدام الكلمة: "حسناً أيها الصغار، يجب أن أعود. يا أورفيل، تفقد جيوبك ولنذهب".
أبدأ مسير العودة، حاحصةً على إبقاء عيني وحواسي مقظتين كالبطاطس المقشورة. كان المشي بحد ذاته تدريباً جيداً: كان عليّ بذل قصارى جهدي لتسجيل كل تفصيل في الشارع وأنا أمضي. لم أستطع تفويت أي شيء. كان عليّ التفكير في العالم بأسره كألعاب أكواب روان: كل تفصيل ضروري، وفي الوقت نفسه موجود لإلهائي عن كل تفصيل ضروري آخر في العملية.
يقول أورفيل: "لقد ضحكنا، أتعلمين".
كادت تتملّكني الحيرة حين كسر أورفيل تركيزي... لكن لا، كان عليّ أن أكون قادرة على المراقبة والتحدث على أي حال. كان هذا تدريبياً أفضل.
سألت: "ضحكتم؟"
"حين أخبرنا بنتلي كيف أخذت كل هذا الطعام وهربت. حتى بينيلوبي أطلقت شخرة خفيفة. ظننا جميعاً أن الأمر كان سخيفاً للغاية".
قلت: "أه".
"أجل. عذراً، أظن. لم أكن أعلم".
"لا بأس".
عمّ الصمت بيننا مرة أخرى لفترة. كان عليّ أن أسلك طريقاً التفافياً إلى حد ما عبر الأزقة لكي أتجنب الاصطدام بأي شخص آخر. لقد كان... مزعجاً بصعوبته، مع وجود هذا العدد الهائل من الناس المتجهين في نفس اتجاهنا.
يسأل أورفيل: "أأنت في السادسة عشرة حقاً؟ بينيلوبي تصر على أنك لا يمكن أن تكوني كذلك".
أرد بتلقائية، منزعجة مما تزال ترويه من أكاذيب أكثر مما ينبغي لي ربما: "على حد علمي، نجل. أنا كذلك".
يومئ.
"حسناً. عذراً لشكّي فيك. رؤية ذلك... تجعل الأمور تبدو أكثر منطقية، أظن".
أومئ بالمثل، مركزةً على الأزقة من جديد. ثمة ما كان يزعجني. المنعطفات الغريبة القليلة الأخيرة التي سلكناها واكبتها مجموعة أخرى مكونة من شخصين. لا معنى للغباء بافتراض الصدفة.
أحذره: "أظن أننا مراقبان".
يرفع أورفيل حاجباً.
"مراقبَان؟ من قِبل مَن؟"
"لا أعلم. شخصان".
كانت إحدى الروحين ذات ملمس مخملي، ناعمة ومرحبة... ومع ذلك كريهة اللمس، إذ طعمها كازيت. والأخرى مجرد شحم؛ لون تان شفاف بدا زلقاً لكنه مرجح للالتصاق بكل شيء.
"همم. حسنأً، ليس لدي قوس، لكنني ما زلت قادراً على الإلقاء. ماذا تريدين أن نفعل يا فيتا؟"
"ربما يجدر بنا محاولة التخلص منهما. لا يعجبني طعمهما".
يمنحني أورفيل نظرة قلقة.
"ماذا؟"
أتمتم: "أعني، حسب طاقتي. أحدهما زيتي والآخر دهني. وليس كاللحم المطبوخ. إنه مقرف. من هنا".
أنعطف هبوطاً في زقاق. لن تفلح أي كمية من المنعطفات العشوائية في إزاحتهما عنا؛ فهما متخلفان بعدة منعطفات ويتبعاننا على أي حال. يتعقبنا الاثنان بطريقة ما، ربما بقوة تشبه قوتي. الأزقة خالية في الغالب من الناس، ورغم أننا قد نتمكن من الوصول إلى شارع مزدوج قبل أن يدركانا، إلا أن هذا ما زال جزءاً سيئاً من المدينة. سيستغرق الأمر بعض الوقت. ومع ذلك، لديّ فكرة قد تخلصنا من إزعاجهم.
آمر متجهة إلى زقاق قصير بما يكفي لتسلقه: "ادفَعني فوق هذا الجدار".
يتمتم أورفيل: "...لماذا لا تدفعينني أنت فوقه؟"
"أنا أخف منك! هيا، افعلها فحسب!"
يساعدني على صعود الحاجز، وهو جدار طيني بسيط يفصل الزقاق عما كان تقنياً ملكية خاصة. في الأعلى، ألتفت لأنحني إلى الأسفل وأساعد أورفيل على الصعود أيضاً، بينما تدلى ساقاي على الجانب الآخر. أسحبه إلى الأعلى بالكاد في الوقت المناسب لرؤية فريغز وستويغز يظهران في الأفق. هؤلاء الرجال القتلة؟ حقاً؟ لماذا كانوا يتبعاننا؟
أهمس لأورفيل: "انزل".
يسأل: "ماذا؟"
مقلبة عيني، أدفعه فوق الجدار، واضعة إسبعاً على شفتي بينما يرفع بصره محتجاً. لم أكن أعلم ما يريده هذان القاتلان، لكن لا فائدة من إتاحة الفرصة لهما لرؤية صديقي جيداً. مستلقية على بطني، كنت منثنية باززعاج، وتتدلى قدماي وذراعاي كل على جانب من جدار الطين الصلب. كان وضعاً غير مستحب البسة والنظر إلى الناس من الأعلى. بذلت جهداً لألا أعبس بينما اقترب ستويغز وفريغز. أفترض أنهما ليس سيئين كقتلة؛
فقد منحاني طعماً لذيذاً وسمحا لي بالتقاط روح لذيذة، بعد كل شيء. مع ذلك، كان الحذر واجباً.
ينادي ستويغز، رافعاً ذراعيه إلى الجانبين وكأنه يدعو لعناق: "يا ويلاه! أليست هذه الصغير فيتا! لم تخبرينا أنك إحدى فراخ لين!"
أجبت صائحَة: "لم تسألا! ليس الأمر سرا أو شيئاً كهذا!"
يرد فريغز بسلاسة: "نحن مندهشون فحسب. نحن نعرف لين جيداً. نحن زملاء عمل، حتى. يوظفنا سيّد عملها من حين لآخر".
كان الرجل الأقصر، فريغز، يمتلك الروح المخملية، وكان أفضل بكثير في التصرف بلياقة وأدب من شريكه... رغم أنه ما زال يثير قشعريرتي.
أقول لهما من الأعلى: "أطيب التمنيات لكما إذن. لماذا تتبعانني؟"
يقول ستويغز مبتسماً: "نحن متفاجئان بسعادة فحسب! تبدين بحال أفضل بكثير من آخر مرة رأيناك فيها، وكأنك لست نفس الشخص تماماً! تبلي بلاءً حسناً مع نفسك، أليس كذلك يا فيتا؟"
يوافق فريغز: "بلاءً حسناً حقاً. لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كان هذا مرتبطاً بسبب تأخر روان عن المدفوعات".
أهز كتفي، وهي حركة محرجة ومؤلمة قليلاً بينما أنا منثنية فوق جدار.
"عذراً أيها الأصدقاء، لقد أنفقت كل أموالي على الطعام. أأنتما هنا لتكونا مخيفين فحسب أم أن هناك ما تبتغونه؟"
يعبس ستويغز في وجهي، لكن فريغز ينفجر ضاحكاً بصخب.
"يا ستويغز، أنا أقول لك! تعجبني هذه الفتاة! كان ينبغي أن نحضرها معنا".
"ما نريد هو التأكد من أنك "الاستثمار" الذي يقول أبوك إنك إياه، لا مجرد طفلة متكبرة ستذر أموالها هدراً".
أقول: "فهمت. اعتبر الأمر مسجلاً. سأحتفظ ببعض النقود من أجل رئيسك. فقط لن يكون مبلغاً كبيراً حتى أشرع في قتل الوحوش".
يلعن ستويغز: "تباً للجحيم. وحوش؟ أنت صيادة؟ أخطتك للثراء السريع هي الموت؟ أتعلمين أنهم توقفوا عن توزيع حزم الرعاية على الأقارب بعد أن تفطسي، أصح صحيح؟"
يضحك فريغز: "لست متأكداً جداً يا ستويغز! أنا مستعد للرهان عليها. الصياد مهنة نبيلة، وأعتقد أنها ملائمة بشكل خاص لشخص مثلها".
أسأل ببطء: "...شخص مثلي؟"
يبتسم.
"قاتلة، بالطبع. لديك القسوة اللازمة للبقاء. متى صيدك الأول يا فيتا؟"
أعبس في وجهه.
"...سأتفاجئ إن كان بعد أكثر من أسبوعين من الآن، لكنني لا أتحكم في ذلك".
يقول: "ثلاثة أسابيع، إذن. أثبتي أنك استثمار حكيم بحلول ذلك الوقت يا فيتا".
يشتد عبوسي.
أقول: "حسناً. وأيضاً، روان ليس أبي".
أقفز من على الجدار في الجانب الآخر بعيداً عن ثنائي القتلة، لأهبط بجانب أورفيل. لن يمنعهما ذلك حقاً من تتبعنا، أراهن على ذلك، لكنهما لم يتحركا لفعله. كان ذلك مبعث راحة، على الأقل. فتح أورفيل فمه ليقول شيئاً، لكنني أسكته مرة أخرى، مبتعدة بسرعة عن ستويغز وفريغز. ظللت أتعقب أثرهما عقلياً طوال الطريق حتى غادرا نطاق الكشف الخاص بي، وعندها فقط بدأت أسترخي قليلاً.
قلت: "...حسناً. يمكنك التكلم الآن".
هس: "أأنت غارقة في الديون لعصابة؟"
أقول: "تقنياً لا. لكككن أساساً أجل. أشبه بأنهم يحملونني مسؤولية دين شخص آخر لأن بمستطاعهم ذلك، وربما يطعنون شخصاً أحبه إن لم أساعد في سداده".
يمنحني نظرة طريفة.
يقول: "أنت هادئة بشكل غريب حيال هذا".
أهز كتفي.
"ليست بالأمر الجلل. كنت أنوي المساعدة في السداد على أي حال، لم يكونوا بحاجة لتهديدي بشأنه".
"لكنهم فعلوا. ألا يجب أن تكوني قلقة؟"
أقطب حاجمي، مفكرة في حجم روحيهما. ليست أكبر بكثير من روحي.
"...قد أكون قادرة على النيل منهما".
يُحدّق فيّ مطولاً ونحن نمشي.
"لقد وصفاك بالقاتلة. أقتلتِ من قبل؟"
أكذب: "أجل".
"كم عدد؟"
أكذب: "واحدة. ما لم تحسبي الفئران. ما هو أكثر شيوعاً بكثير هو عدد من أراهم يموتون".
"كم سيكون ذلك العدد؟"
أفكر في ذلك مطولاً بينما يخرج المسار أخيراً إلى الشوارع المزدحمة، وتتحول المدينة بسرعة إلى مكان أكثر ترحيباً بينما نغادر حيي.
أعترف: "...لا أعلم. المئات. أحياناً تتكورين في مكان ما طوال الليل ولا يستيقظ الناس المجاورون لك أبداً. أحياناً يمرض الناس ويأخذون كل من يعرفونه معهم حين يرحلون. أحياناً تكونين مارّة في الشارع ويطعن رجل آخر في الزقاق. يحدث ذلك طوال الوقت، حقاً".
يومئ أورفيل ببطء.
يسأل: "...أتريدين التحدث عن الأمر؟"
أهز كتفي. أنا أرغب في التحدث عن الأمر، في الواقع، لكن ربما لا يجب عليّ ذلك. كان غريغ سرا سأضطر على الأرجح لحمله إلى قبري.
أرد بدلاً من ذلك: "الأمور صعبة حيث نشأت. أعني، لم أكن أمزح حين سألتكم لِمَ يأكل الصيادون كثيراً. لم أكن أعلم أن معظم الناس يأكلون ثلاث مرات في اليوم. أنا فقط..."
ينقطع كلامي، لعدم تأكدي كيف أتابعه.
يقول أورفيل بهدوء: "إنه لأمر مرعب بعض الشيء بصراحة أن تفكري أن مكانك يقع في نفس المدينة التي تضم كل تلك الأشياء التي اعتدت عليها. لا ينبغي لأحد أن يضطر للعيش هكذا".
أزمجر: "حسناً، لا تتردد في منح عائلتي كل ما تحب من المال والطعام. فقط ليس طعاماً كثيراً. لقد رأيت الناس يموتون من تلقي وفرة مفاجئة وعدم معرفتهم متى يتوقفون عن الأكل".
يسأل: "...أتمانع إن انضممت إليك غداً أيضاً؟"
أُحدّق فيه مطولاً، مراقبة إياه وهو يتلمظ باضطراب.
"فقط تذكر إحضار قوسك المرة القادمة".