"أهلاً بكم في يومكم الأوّل في حصّة القتال، أيّها المتدربون. يعرف كلّ فرد منكم كيف يقاتل، لكنّكم ستتعلمون هنا كيف تقاتلون مثل التمبلر".
كما خطّطتُ، أنهيتُ سباتي هذا الصباح قبل الفجر بساعة، فأيقظتُ رفيقتي في الغرفة التي كانت تتململ رغم استيائها، وحرصتُ على أن نبلغ الساحة معاً قبل موعد الاجتماع بكثير. كانت جينا مستاءة مني لأنني أيقظتها، لكنّ معلّمنا كان حاضراً بالفعل حين وصلنا، وأظنّ أنّ الحضور أولاً ترك انطباعاً أوّليّاً جيّداً. وما إن توقفت الجزيرة المعلّقة في الأعلى عن حجب الضوء، حتى أُمر المتدربون جميعاً بركض دورات عدّة، وكلّ من وصل متأخّراً ولو لثانية واحدة دفع ثمناً باهظاً جعل تدريبه أقسى بكثير من بقيتنا.
هدأت جينا بعد أن رأت ذلك، لكنّني لا أزال في حيرة من أمري. أيعتقد المعلّم أنّ من يجدون صعوبة في الاستيقاظ يحتاجون إلى تدريب إضافيّ أو ما شابه؟ لست متأكّدة تماماً من وجه الشبه بين الأمرَين. ربّما هو أمر بشريّ. ركضنا ساعة كاملة قبل أن يُطلب منّا التوقف أخيراً، وكان إكسافير وملك يلهثان إنهاكاً بعدما نالا حصتهما من تدريب المعلم فائق الشدة. تأخّر بنتلي أيضاً، لكنّه بدا غير مكترث بالجهد الإضافي.
والآن، وبينما يقف الجميع باهتمام أمام معلّمنا في درجات متفاوتة من الإرهاق، خاطبنا أخيرًا بما يختلف عن الأوامر الزاجرة.
"التمبلر يقاتلون، لكنّنا لسنا مقاتلين فحسب. التمبلر يخوضون الحروب، لكنّنا لسنا محاربين فحسب. التمبلر يحمون، لكنّنا لسنا حماة فحسب. ليس التمبلر مجرد نصول الكنيسة، بل نحن الواجهة. نحن القدوة والمثل الأعلى وأفضل الأفضل بلا منازع، ليس لأنّ علينا أن نكون الأفضل لقهر التحديات التي منحنا إياها الحارس، بل لأنّنا البشر الذين يتطلّع إليهم بقية أبناء وطننا. حين نوباتل، ننتصر، بغض النظر عن العدو وبغض النظر عن الموقف. تلك هي توقعاتكم وواجبكم، وحين أنتهي منكم ستصبحون قادرين على الهيمنة التامة بلا منازع مقارنة بأيّ منظمة أدنى. وهي كلها كذلك. وستكون مهمة معلميكم الآخرين هي تعليمكم متى تبرزون هذه القوة فعلاً".
عبستُ تحت خوذتي، كاظمةً رجفةً سرت في جسدي. آخر ما أريده هو المزيد من القوة.
"يعتقد بعضكم أنه بارع للغاية، وأنّه قويّ بما يكفي لتمثيل ملكنا بالفعل. سأجرّدكم من هذه الفكرة، لكنّ الوقت قد حان أولاً لنعرف أين تقفون جميعاً. المعزّزون، اصطفّوا إلى يساري. السحرة، اصطفّوا إلى يمييني".
توجه هارفي (الجندي السابق) وملك (الفتى الصغير الذي أحجم عن قول الكثير حين تعارفنا) إلى جانب السحرة، بينما مشت جينا (رفيقتي في الغرفة) وبنتلي (الطعام الذي— أقصد الصياد السابق!) إلى جانب المعزّزين، في حين بقي إكسافير (الثرثار المرح) وأنا (الوحش) حيث نحن.
"أفي آذانكم شمع كثير أيّها المتدربون؟"
سأل المعلم إكسافيرَ ومي.
"ق... قدرتي... تجعلني أعمل ككلا الطرفين يا سيدي"
أجاب إكسافير بصوت لهاث.
"إذن لماذا تلهث كالتنين المصاب بالربو؟"
طالب المعلم بمعرفته.
"أنت... أمرتني ألا... أستعمل قدرتي خلال الإحماء يا سيدي".
"إذن يجب أن يكون جليّاً كالشمس أين تقف، أليس كذلك؟"
رشق المعلم بكلماته.
"جانب السحرة. المتدربة لارك، لماذا تتسمّرين مكانك بحق الجحيم؟"
انتفضتُ، عاجزةً عن كبح جماح قلق الإحراج الخانق.
"أنا... أنا آسفة يا سيدي، لا أعرف أين أقف"
اعترفتُ.
"ما هو المعزّز؟"
"أتقاتلين بتعزيز جسدك أم بالهجوم بالسحر؟"
صاح المعلم.
لا أعرف إن كنت «أعزّز»
جسدي بمعنى الكلمة، فجسدي يفعل ما يحلو له وحسب، لكن إن كان هذان هما الخياران فظنّي أنّ اختياري واضح.
"أقاتل بجسدي يا سيدي"
أجبته.
"جانب المعزّزين".
أظنّ في بعض النواحي أنّ أسوأ ما في الخجل هو حقيقة أنني وحدي من سيعلم متى أصابني. يبدو الحرّ والضغط في وجنتيّ وكأنهما يسخران مني، يستهزئان بغبائي وبتلك الإنسانية الزائفة التي تجعل جسدي يتفاعل بهذه العبثية. إنه مجرد دم وحشيّ ينبض خلف وجه وحشيّ، عاجز عن جعل بشرتي حالكة بأيّ شكل.
"ما دام هذا التمرين السخيف في التصنيف قد انتهى، فسأقرن بين كل اثنين لتتبادلا النزال. لارك وجينا. إكسافير وهارفي. ملك وبنتلي. هذه فرصتكم لتُظهروا ما تحتاجون إلى تعلّمه وما لا تحتاجون إليه. حاولوا ألا تحطموا بعضكم بعضاً".
وما هي إلا لحظات حتى وجدْتُ رفيقتي وأنا نقف إحدانا في مواجهة الأخرى. ليس معنا أسلحة، لكنّ دروعنا ما زالت علينا. اتخذت جينا وقفة منخفضة، وضمّت يديها قبضتين بينما استعدّت للمعركة.
وفي المقابل، وقفتُ منتصبة كالعصا، جاهلةً تماماً بما يعنيه «النزال»
وعاجزة عن حمل نفسي على السؤال. أعرف الكلمة نوعاً ما. قتار وهميّ، على ما أظنّ؟ أشبيه بلعبة؟
"عراك بالأقبية الفولاذية، هاه؟ أعدك أنني سأكون رحيمة بك"
علقت جينا.
"أستعدّين؟"
"أظنّني مستعدة بالقدر الذي سأكون عليه"
داهنتها. أطلقت شخير ازدراء، ثم وثبت نحوي شاهرةً قبضتيها. أدركتُ بحدسي أنّه لا يُفترض بي غالباً أن أقف هناك وأتلقّى اللكمات، فتراجعت إلى الوراء هرباً من ضرباتها ومحاولةً استنباط الغاية من هذا التمرين. حتى لو ضربتني —ولن تفعل— فلن يتأتى لهجوم كهذا أن يؤذيني. أهذا هو المغزى؟ أَمْ يُفترض بنا لكم بعضنا بعضاً لأنه يشبه القتال قليلاً لكنه لا يؤذي؟ مع ذلك، لا أعرف حقاً كيف ألقي لكمة.
لولا هذه القفازات لطعنت راحتيّ فقط لمجرد محاولة تشكيل قبضتين. ما هو مقدار القوة الملائم؟ أَمسموح لي بفعل أمور أخرى؟ أظنّني أستطيع محاولة الإمساك بها، لكن ماذا بعد؟ ليس الأمر كأنني أستطيع تمزيق حلقها أسنانًا أو كسر عنقها. كنت أتجنّبها طوال تفكيري، وكلما طال بي الأكل بدا الأمر أشبه بلعبة مطاردة. غمرني حنين لطيف مع تلك الفكرة، وتراءى لي إدراك مفاجئ. بالطبع! المطاردة! تلك اللعبة التدريبية السرعية التي يمارسها الأطفال!
هذا يشبهها تماماً! هه، ألعلي أتوقف عن استخدامه ساقيّ وأقفز حولها على يديّ؟ حسناً، أظنّ أن جينا أسرع بكثير من طفل، لذا سأمنحها وقتاً أطول قليلاً لتحاول ضربي بصورة عادية قبل أن أكبل نفسي. أبطأتُ سرعتي قليلاً، مانحة إياها وقتاً أطول للكم بينما أرقص حول ضرباتها. في لعبة المطاردة، من المهم ألا تُرهق الأطفال الآخرين وإلا كفّوا عن الاستمتاع. جينا أسرع بكثير من أيّ إنسان آخر قابلته سوى ألان، وفِيتا أيضاً إن حسبتها.
ليست هذه عقبة كؤوداً، خصوصاً إذا تذكرت كم أصبحت أقوى منذ ذلك الحين، لكنني ما زلت استمتع باختبار نفسي بالبقاء على أقرَب مسافة ممكنة من دون أن يلمسني أحد قط.
"ألن تضربيني بحق الجحيم؟"
جفلتُ من حدة الغضب الماثل في صوتها. انتظرْ، هي لا تبدو مستمتاعة على الإطلاق! يا للآلهة، أأخطأت في شيء ما؟ لا أستطيع رؤية وجهها تحت الخوذة، لذا لابد أنني فاتَتْني كل الإشارات العاطفية... آه! انتظر، لقد كنتُ فظّة للغاية!
"آسفة! أتريدين أن نتبادل الأدوار؟"
سألتها.
"سأكون أنا الطاردة إن أردتِ".
"تباً لك!"
ردّت مندهشة بحدة، وازدادت هجماتها شراسة... وباتت تبعاً لذلك أسهل توقعاً.
"قاتلي أيتها الحقيرة!"
"الألفاظ! وعلاوة على ذلك، لا أعرف كيف!"
"فقط اضرَبيني!"
أظنّ... أن لدhها نقطة. هذا يشبه المطاردة، لكنني نسيت نوعاً ما أنه لا يُفترض به أن يكون مطاردة حقاً. هذه هي الخطوة التالية أو ما شابه. لكن كيف أردّ لها اللضربة؟ أصرّ المعلم على ألا نحطم بعضنا بعضاً.
انحنيت أسفل لكمة عشوائية ونقرت صدرها بأطراف أصابع قفازي، بقوة تكفي لإصدار صوت «طقطقة»
مبهج لتصادم الكيتين بالكيتين، لكن دون قوة تؤذيها فعلاً. أهذا صحيح؟ يكفي هذا لإثبات أنني كنت قادرة على قتلها، لا لألحق بها أيّ أذى. سيفي هذا بالغرض. وبعد تكرار هذا بضع مرات، بدأت أستمتع بالأمر كثيراً. إنه مطابق للمطاردة تقريباً، لكن مع عنصر إضافيّ يفرض عليّ البقاء قرب اللاعب الآخر قدر الإمكان، إذ إن قفزت مبتعدة فلن أستطيع لمسه بالمقابل. وبدلاً من مجرد تفادي كل ضربة، وجب عليّ محاولة التموضع حولها لتمكين الضربات المرتدة، ولن يتأتّى ذلك إلا حين أستدرج جينا لتترك نفسها مكشوفة أو أفلح في مناورتها.
إنها لتحدٍّ إضافيّ كافٍ لجعل الأمر ممتعاً، لذا شعرتُ بخيبة أمل طفيفة حين أوقف المعلم النزال أخيراً. بدا الإحباط على جينا هي الأخرى، فاحتجّت فوراً على النهاية المبكرة للعبتنا، لكنّ المعلم صرخ في وجهها وأجبرنا على التوقف على أيّ حال. ومن هناك، تلقّينا جميعاً نقداً تحليليّاً دقيقاً لأدائنا في النزال، وبدأت أشعر أنني كنت أؤديه بطريقة خاطئة طوال الوقت. وكما توقعت، لم تكن كلمات معلمنا بحقي مبهرة.
"كان ذلك صبيانيّاً"
وبّخ.
"نحن لسنا هنا لنلعب، أيّتها المتدربة. إن كنت تريدين الاستعراض فحسب فأقترح عليك المغادرة".
تبّاً. إذن ليس لعبة؟ فماذا يكون إذن؟ أليست النزالات أشبه بمعارك متخيلة؟ ابتلعتُ ريقي، وقلبي يخفق في صدري بقوة أشدّ ممّا فعل قطّ ضد جينا.
"أنا... أنا آسفة يا سيدي. لم أتنازل مع أحد من قبل".
توقف عند ذلك مستفهماً.
"لم تتلقّي أيّ تدريب قتالي رسميّ من قبل؟"
سأل.
"لا يا سيدي"
أكدتُ.
"أنا آسفة. لا أعرف أياً من القواعد، ولم أرد إيذاء المتدربة جينا عن غير قصد. لم أُحاول القتال دون قتل قط".
لم تكن العبارة دقيقة تماماً، فأنا أستخدم خيوطي لاصطياد الفرائس أحياء ومن البدهي أنني لا أستطيع استخدامها هنا. ومن المؤسف أنني قد لا أستطيع استعمالها أبداً مجدداً. أنا حقّاً أُحب خيوطي. لقد كانت دائماً تكيفي المفضّل.
"لست ضعيفة إلى هذا الحد يا لارك"
همست جينا بوعيد. لكنها كذلك، أليس كذلك؟
حتى مع كل هذه القيود التي تكبلني في ذلك الدرع الذي يسميه البشر «قناصاً»، يمكنني قتلها بسهولة بالغة.
أقرّ بأنها قوية بالنسبة لإنسان. لكنّ هناك سبباً يجعل البشر مضطرين للسفر في مجموعات لقتال الوحوش.
"المتدربة جينا، عليك السيطرة على مشاعرك"
زجرها معلم القتال.
"ربما أفلحتِ في تسديد ضربة حقيقية لو قاتلتِ بذكاء".
كانت زفرة حادة الرد الوحيد الذي سمعته منها....أظنّ أنها غاضبة مني.
"آسفة"
همستُ، لكنّ ذلك لم يفلح في المساعدة على ما يبدو. كان درسنا التالي في قانون فالكان. غرفة أصغر بكثير، تحوي مقاعد نجلس عليها وأطول أمامها. وعلى كل طاولة مجموعة أوراق، ثقبت حوافها وعُقدت بخيط، كُتبت عليها الأمور التي سيتعين علينا تعلمها. لا أتوقع أن أواجه صعوبة في تذكر القوانين كلها بالطبع، لكنني تعرضت للإحراج مجدداً حين اضطررت لتوضيح الأمر للمعلم بأنني لا أجد القراءة.
"ما كان لمبشرك أن يوصي بك ما لم تكوني متعلمة"
تململ معلمي. على عكس دورة القتال التي ارتدى فيها الجميع دروعاً، أصبحتُ الآن الشخص الوحيد المرتدي للدرع. كانت معلمتنا امرأة عجوزاً شائبة الشعر، تقطب حاجبيها ناظرة إليّ من علٍ عبر أنفها الأقنى رداً على اعترافي.
"أنا... أعتذر. أأغادر؟"
سألتُ.
"لا"
همهمت.
"سأعدّ دروساً استدراكية. يحدث هذا أحياناً. لكنّني سأكتب شكوى صارمة لتمبلر الراعي لكِ. من أحضرك إلى هنا؟"
"امم"
تلعثمت.
"التمبلر الأعلى غالدرا كارثالا، سيدتي".
فتحت فاها، ثم أطبقته.
"آه"
هذا كل ما قالته. وبعد نحو خمس عشرة دقيقة من الدرس —الذي اقتصر على قراءة البقية بينما أجلس بلا حراك وأنتظر— أقبلت المعلمة مزودة بأوراق إضافية وشرعت في تلقيني الأبجدية. لكان الأمر ممتعاً لولا أن الوتيرة بأكملها كانت بطيئة لدرجة محبطة. فكانت تتوقف مراراً لأكرر ما قالته، وتمتحنني في معلومات كنت أفضّل تلقيها دفعة واحدة متسلسلة. لا تبدو القراءة معقدة البتة: فهناك مجرد مجموعة قواعد ومعلومات يجب علي حفظها، وأنا أحفظ كل شي تلقائيّاً.
لو أنها أخبرتني فحسب بكيفية عمل كل حرف مرة واحدة لانتنهينا. بيد أنني لا أملك الشجاعة لأطلب منها الإسراع، ولا سيما حين تأخذ وقتها لتعلمي بنفسها. كان هناك الكثير لتعلّمه. أحبّ وأكره درس الأخلاق في آن، لأنه ممتع، ومنير، ومؤلم في الوقت ذاته. درس السحر جيد، لكنه يقتصر في معظمه على تعلم الجميع لأوامر الإلغاء باستثناء ملك. يمتلك ملك رخصة في الميتامانسي على ما يبدو. كان الأمر مملاً تماماً، فبينما يقضي بقية الطلاب معظم الحصة في تصحيح أخطائهم مراراً وتكراراً بشأن التسلسل الصحيح لأمر الإلغاء الجسدي، عرفتُ تماماً كيف أنفذه بشكل صحيح في المرة الأولى وللأبد مستقبلاً.
ومن هناك لم يكن علي سوى ممارسة أدائه بسرعة متزايدة، وهو أمر لا صعوبة فيه ولا إثارة. لا تتلاشى ذاكرة الحركات الضرورية، ويمكن إرسالها إلى أطرافي بعدد ما أشاء من المرات. وطوال اليوم، رفضت جينا مبادلة نظراتي بأيّ تعبير سوى العبوس، ولم أدرك السبب. وفي طريق عودتنا إلى غرفتنا، شعرت بها تقترب مني بخطى حثيثة فاستدرت لأعتذر مجدداً وتفاجأتُ فوراً حين وضعت كليتي يديها على خوذتي وجذبتها.
وعلى الفور، امتدت إحدى يديّ لأقبض على رأس الكيتين وقفزت مبتعدة، مسهة بحدة وأنا أهبط في وضعية انحناء منخفضة على ثلاث أطراف. ووحده فعل إراديّ فائق منعني من مدّ أشواكي وتمزيق درعي من الداخل. وبيدين فارغتين، رمشت جينا بدهشة من تصرفي الحيواني. داهمني الإحراج مجدداً. لا أصدق أنني أطلقت فحيحاً في وجهها! حافظت على الخوذة، صحيح، لكنني أعلم أن البشر لا يطلقون فحيحاً بمثل تلك الطريقة على أحد.
لست متأكّدة حتى إن كانوا يستطيعون! أأفسدت الأمور بهذه السرعة حقاً؟
"آ... آسفة!"
أطلقت صرخة خافتة، لكنّني كنت متوترة ومتحجرة لدرجة تعجزني عن النهوض كشخص عُرفيّ.
"حسناً، ما خطبك بحق الجحيم؟"
تململت جينا.
"تبدين غريبة الأطوار لدرجة لا تُصدق!"
"أنا... ماذا؟"
رددت بتلعثم. لم أتناول السمك سوى مرات قليلة، وأنا ممتنة للغاية لأنني لم أنمُ قط أيّ صفة سمكية! أطلقت جينا زفرة غاضبة من أنفها وتخطتني قبل أن أتمكن من تهدئة نفسي للوقوف على قدميّ مجدداً. مذهولة ومندهشة، تبعتها عائدة إلى غرفتنا.
"إن ضبطتك تحدقين بي وأنا نائمة مجدداً، أقسم بروح الجحيم أنني سأجد طريقة لأُذيك لأجل ذلك"
زجرتني. أومأت بصمت وواجهت الجدار قبل أن أنزلق في سباتي.
"...أنا آسفة، لا أعتاد عادة طرح أسئلة أو التحدث في أمور كهذه"
سألت الليدي فيسوفيوس بعد أيام، "لكن ألديك أيّ فكرة عمّا يفترض بي فعله؟"
لم تصبح معاملة جينا لي أكثر سلاسة منذ يوم دراستنا الأول، وكان الأمر يزعجني بما يكفي لدفعي إلى طلب المشورة حياله. بل إنها لا تزال تحاول خلسة خلع خوذتي! اكتفت بينيلوبي بضحكة خافتة ووهن، هزّت رأسها لي بينما كانت تقبض على معصمي بقبضة حديدية.
"أنتِ فاقدة للحيلة بشكل لافت في المواقف الاجتماعية"
أجابت بلا جفاء.
"هذا يثير فيّ الحنين نوعاً ما. أجاهزة؟"
"جاهزة سيدتي"
أكدتُ، ثم تلوّيت ألماً حين قطعت إصبع الخنصر بمنجل اللحم. وكما أُمرت مسبقاً، أمسكت بأحد الفئران فاقدة الوعي القريبة وابتلعته، دافعة بينيلوبي لمراقبة تجددي السريع قيد العمل. الفئران ضعيفة استثنائيّاً، لذا فالأول يوقف النزيف فحسب بينما يتطلب الأمر فأرين آخرين لتجديد الإصبع فعليّاً. أضاء تعبير مفعم بالبهجة النشوة وجه بينيلوبي وهي تراقب جسدي يصلح نفسه. هذه هي المرة الثالثة التي نفعل فيها هذا اليوم، وأتوقع فوراً أن نبدأ الرابعة بعدها مباشرة.
"رفيقتك في الغرفة غير آمنة بالطبع، وقد جعلتها أفعالك تشعر بعجزها"
أوضحت بينيلوبي.
"تلك مشكلة شائعة بين الأفراد عديمي المواهب، سواء اصطلاحاً أو خلاف ذلك. احتمالات متساوية بين معاناتها من أزمة مزمنة في احترام الذات أو أن استعراضك للهيمنة البدنية التامة مقترناً باعترافك بكونك مجرمة يجعلها تشعر بانعدام الأمان، لكنّ حالتها العقلية تتطلب منها في كلتا الحالتين إثبات تفوقها في أكبر قدر ممكن من المجالات. سأخذ اليد بأكملها هذه المرة. أجاهزة؟"
اليد بأكملها؟! يا لحارس الجحيم، لست مستعدة لذلك لكنني كذبت وأخبرتها أنني كذلك على أيّ حال. آمل أن يسامحني أغست على الكذب. كظمت هجيراً بينما قطعتها وألقت بها في الدلو مع باقي أجزاء جسدي المقطوعة. سارعت لابتلاع المزيد من الطعام، مرتعشة مع كل قارض فاقد للوعي يهبط في حلقي.
"لست متأكّدة تماماً من فهمي لقصتك"
اعترفت.
"حقيقة أنني بارعة في الأمور تجعله تشعر بالسوء؟ يسمى هذا حسداً، أليس كذلك؟"
"حسناً، نعم، أظنّ ذلك"
أقرت بينيلوبي.
"لكن أياً ما أردتِ تسميته، فهي مجرد شخص ضعيف".
"حسناً، ولكن ماذا أفعل حيال ذلك؟ كيف أمنعها من الغضب الدائم مني بشأن الأمور؟ أَعلي ببساطة... الأداء بسوء أكبر؟ سيعمل ذلك على تحسين شعورها، أليس كذلك؟"
رمقتني بينيلوبي بنظرة مقرفة باهتة.
"بعيني الحارس، لا. يمكنك فعل ذلك، وسيرضيها ذلك مؤقتاً، لكنك ستفتحين الباب في النهاية لمزيد من الإيذاء فقط. ليست المشاكل التي دفعتها لمعاملتك بفظاظة هي ما سيختفي عشوائياً. بل ستنزلين بنفسك إلى مستواها هباءً. لا، لا، أنصح بالعكس تماماً. أثبتي هيمنتك بوضوح تامّ بحيث لا يتبقى في قلبها أيّ أمل حيال أمل هزيمتك. اسحقيها تماماً، واستبدلي بذلك الازدراء خوفاً".
رمشت بدهشة.
"هذا... لا أظنّ أنني قادرة على فعل ذلك، سيدتي. أنا فقط... لا أرغب حقّاً في «هيمنة» أحد؟ هذا يناقض تماماً ما أشعر بالراحة تجاهه".
انفجرت بينيلوبي ضاحكة لسبب ما، لكنني اعتدت بحلول هذه اللحظة على إيجادها المتعة في أمور لا أفقهها.
"إذن انزعي خوذتك وأريها أسنانك"
قالت بعد أن استردت أنفاسها.
"لا أستطيع تخيل صائد سابق يحاول مضايقتك بعد ذلك".
"أنا—الليدي فيسوفيوس! تعلمين أنه ليس مسموحاً لي بفعل ذلك!"
هزّت متطفلتي بكتفيها مبالغة، متجهة نحو الباب لقرع جرس يستدعي عبداً وتأمره بإحضار المزيد من القوارض لنا.
"أعلم أنك أُمرتِ بألا تفعلي، لكنّ ما قيل لكِ فعله وما سَيُسمح لكِ فعله أمران مختلفان".
رمقتها بلا إدراك، قطبتا حاجبيّ معقودتان.
"لا أفهم"
أخبرتها. سمحت بينيلوبي لنفسها بابتسامة متغطرسة، رافعة إصبعاً واحداً بينما استعدّت لإلقاء محاضرة عليّ.
"فكري للحظة. للحفاظ على هذا السرّ، يُطلب منك قضاء طوال اليوم والليل، كل يوم وكل ليلة، في ذلك الدرع. ولا يمكنك حتى الاستحمام، وهي مشكلة ستستمر في تفاقمها، وأتخيل أنه لمن المشقة إيجاد أوقات وأماكن ملائمة لتناول الطعام. كل ما يحيط بوضعك يدعو للريبة صراحة لكل من حولك، ومعظمهم شبان فضوليون، وفوق كل ذلك تقضين أغلب اليوم بمعزل تامّ عن الرقابة، في مواقف سيكون من البساطة فيها الإقرار بحقيقتك دون أن يبلغ ذلك رؤساءك أبداً. من الواضح أنك تخضعين لاختبار".
"كل وعد اختبار"
أخبرتها.
"تفشلين بكسره".
ألوحت بيدها بازدراء نحوي.
"ربما، لكنّ الاختبار الأهم هنا لا يتعلق بفشلك. إنه اختبار لما يحدث حين تفشلين. من غير المعقول أن يعتقد التمبلر حقاً أن لديك فرصة في الحفاظ على هذا السرّ. وضعك يبدو منطقيّاً أكثر بكثير إن كانوا يرغبون ببساطة في مبرر لإغلاق المعلومات بعد إفشائها، تحسباً لانفجار أمر القيام بذلك في وجه الجميع".
"أتظنين أن هناك فرصة للجوء الناس للمتفجرات؟"
سألتُ بذهول.
"ماذا؟ لا، يا لارك، تلك استعارة. لن ينفجر أحد حرفياً إن خلعت خوذتك أمام رفيقتك. ومرة أخرى، عليك فعلاً فعل ذلك".
"لا أعرف"
راوغتُ.
"ألا يبدو الأمر معقداً ومؤدياً لنتائج عكسية إن أعطاني التمبلر أوامر يتوقعون فشلي فيها؟"
سخرت بينيلوبي.
"ثقي بي، يحدث ذلك. يا لارك، أؤكد لكِ إما أن التمبلر يتوقعون فشلك أو أنهم عاجزون تماماً عن تيسير نجاحك لدرجة تجعلك قد تفضلين الاستقالة الآن. وعلاوة على ذلك، أراهن أن نصف هذه المهزلة بأكملها لا تعدو كونها غالدرا وهي تضحك لفكرة اضطرارك للنوم في درع صفيحيّ كامل".
"أنا لا أنام"
أشرت إلى ذلك.
"وعلى أيّ حال، وسواء كان مفترضاً بي ذلك أم لا، لا يعجبني قطّ فكرة كشف حقيقتي! لا أريد للناس أن يعلموا أنني وحش آكل للبشر!"
تنهدت بينيلوبي، عائدة إلى إلقاء التعاويذ على يديّ التي تجددت حديثاً. عبستُ بصمت أثناء عملها، منزعجة من نصيحتها. لقد كنت سعيدة للغاية حين أخبرتني غالدرا بأنني أستطيع أن أكون تمبلر عوضاً عن كونِي فروثيزو. إنسانة بدلاً من وحش. لا أصدق أن أحداً يقترح عليّ العودة إلى الضدّ.
"علّمني أحدهم يوماً، وإن كان بطريق الخطأ، أنّ أكثر ما يضرّ نفسك هو التظاهر بأنك شخص لست أنت"
قالت بينيلوبي فجأة.
"إنه درس تمنيت لو تعلمته مبكراً. أنت تسيرين نحو الوجهة الصحيحة يا لارك، لكنك تسلكين الطريق الخطأ".
"تلك... استعارة أخرى"
استبطنت.
"أتتمانعين الشرح؟"
"أوف، أنت تشبهينها أكثر من اللازم. ما أعنيه هو هوسك بفكرة أن تكوني إنساناً صالحاً، ولن يجدي ذلك نفعاً سوى التسبب في ألمك. اطرحي تلك الفكرة من ذهنك وركزي ببساطة على أن تكوني شخصاً صالحاً. فروثيزو صالحاً! جسدك هو القيمة التي تضيفينها إلى هذا العالم والتي لا يملكها أحد غيرك. احتضني طبيعتك".
كادت تُصدّق أذناي ما أسمعه.
"أحتضن طبيعتي!؟"
رددت بذهول.
"طبيعتي هي... لقد آذيت الكثير..."
"يا لارك، أيمكنني مصارحتك؟"
سألت، مقاطعة إياي بنبرة تشبه أفعى تلتف لتلسع.
"أنا... نعم سيدتي؟"
أجبْتُ بحذر.
"إن لم تتوقفي عن التذمر بشأن أولئك العشرة المساكين الذين آذيتهم، فسأنمي لك أمعاء غليظة لأصيبك بالبواسير".
"س... سيدتي!؟"
توقفت عن الإلقاء، واشتدت نظراتها حدة.
"أنا جادة. تجاواسي الأمر. وُجد الشعور بالذنب ليذكرك بالدروس التي تحتاجين لاستيعابها. وما وراء تلك العتبة، يصبح عديم الفائدة، ومن الواضح أنك تعلمتِ درسك منذ أزمان. إن كنت ترغبين في تحقيق أيّ إنجاز فيجب أن تتوقفي عن لوم نفسك، لأن الخطوة الأولى لصنع فارق إيجابي في العالم هي الاعتقاد بقدرتك على ذلك".
لم يكن لدي ردّ على ذلك، فغرقت في صمت مجدد. الاعتقاد بأنني أستطيع،هاه؟ ليس الأمر أنني لا أؤمن بقدرتي على فعل الخير، بل لأنني لا أظنّ أنني أعرف كيف. مع التمبلر، أملي يكمن في عدم حاجتي لثقتي بنفسي. يمكنني فقط فعل ما تخبرني به الشخصيات الصالحة بصنعه وإحداث فارق بهذه الطريقة. وإن توقفت يوماً عن فعل الصواب، فيمكن للأشخاص الصالحين إيقافي. ألقيت نظرة عائدة إلى بينيلوبي لأجدها لا تزال تحدق بي، ومرسوم على وجهها تعبير حسابيّ.
أتساءل كيف سيكون الحال لو امتلكت إصرارها الراسخ الذي لا يتزعزع.
"أعتقد أنه لفعل أكبر قدر من الخير، يجب على المرء دائماً احتضان طبيعته"
قالت بهدوء.
"أدرك أن طبائعنا ليست خيرة بطبيعتها يا لارك. يمكن أن تكون غوايات رهيبة، نعم، لكن إنكار طبيعة المرء لا يجعلها تزول. بل يجعلها هادئة أكثر، وخبيثة أكثر، وأقوى بكثير من نواحٍ عديدة. لا يمكنك تدمير طبيعتك، ولا يمكنك تقييدها".
كانت الكلمات باردة، انعكاساً دقيقاً لأكبر مخاوفي.
"إذن ما المفترض بي فعله؟"
سألت بعجز.
"احتضنيها"
رددت.
"أتقنيها، أرشديها، لكن أوجدي أيضاً سُبلاً للاستمتاع بها. طبائعنا ليست خيرة، وليست شريرة أيضاً. إن كانت طبيعتك هي الإيذاء، فيمكنك مع ذلك جلب الأذى لمن يستحقه. وإن كانت طبيعتك الحماية، فيمكنك مع ذلك حماية الفاسدين. وإن كانت طبيعتك القسوة، فيمكنك إيجاد طرق لحب ذلك الجزء من نفسك مع إلحاق أقل قدر ممكن من الضرر. ليس عليك الإصغاء إلى رغباتك الأساسية طوال الوقت، أو حتى معظم الوقت، لكن إن لم تتوصلّي لسبل لإشباعها فستلتهمك من الداخل للخارج".
ضامّة ذراعيّ إلى صدري، أزحت نظري، لكنها تقدمت وأمسكت بذقني مجبرة إياي على التقاء نظراتها.
"لا بأس بأن تكوني من أنت يا لارك"
وعدتني.
"افعلي ذلك جهاراً وبحيوية. قد يكرهك بعض الناس لأجل ذلك، لكن كونك فروثيزو يظل في النهاية هو ذاته ما يمنحك أكبر قدر من القوة للمساعدة".
"الفروثيزو يأكلون البشر"
همستُ.
"بعضهم يفعل"
وافقت بينيلوبي.
"ليس عليك ذلك".
"لقد فعلتُ بالفعل!"
ابتسمت لي وكأنها تتذكر طرفة قديمة.
"هاه"
قالت.
"حسناً، توقفي عن فعل ذلك إذن".
"أنا... أعني أنني فعلت ذلك أيضاً! من البديهي".
"إذن نحن متصالحان"
أجابت، هازة كتفيها. رمقتها بنظرة غاضبة بينما كانت تضحك مع نفسها، الوحيدة التي تفهم أيّ مرجع كانت تشير إليه.
"ليس الأمر بهذه البساطة حقاً، سيدتي"
تململت.
"أظنّك ستجدين أنه بهذه البساطة تماماً"
خالفتها بينيلوبي.
"المشكلة تكمن في أن كون الأمر بسيطاً لا يجعله سهلاً البتة. على الأقل لمعظم الناس".
تنهدت من أنفي، وما زلت منزعجة.
"...بلا غضاضة سيدتي، لكن ماذا إن كنت مخطئة؟ ماذا إن وجدت ذريعة لفعل ذلك مجدداً، لحظة توقفي عن كراهية نفسي لما ارتكبته؟"
تأملت ذلك للحظة، ناقرة ذقنها. وفي النهاية تنهدت، تاركة تعبير خيبة أمل مرغمة يمرّ وجيزاً على وجهها قبل أن تنطق كلماتها التالية.
"إن جاز لي الرد على سؤالك بسؤال"
قالت، "فلماذا يجعل حارس الضباب منك فروثيزو إن لم يكن ذلك ما يبتغيه لجلبك إلى خدمته؟"
آه. تبّاً. اتسعت عيناه لإدراكي أن الأمر برمته يشبه مسألة الانتحار تلك مجددًا. اضطر المبشر غريغوري لدفع ذلك الدرس الذي لقنتنيه غالدرا في جمجمتي السميكة. مُنحت الحياة لأن مفترضاً بي العيش. وتمني الموت يوازي تمني إبطال غاية حارس الضباب من وجودي. ومن المنطق ذاته، تمني إبطال جسدي...
"يبدو أن ذلك وصل إليك، على الأقل"
قالت بينيلوبي، وعبوس خافت يرتسم على وجهها.
"أنا... ربما"
اعترفت.
"لا أزال لا أعرف تماماً كيف «أحتضن نفسي»، لكن..."
"ستكتشفين ذلك"
صرفتني بينيلوبي.
"أنت استثنائية يا لارك. لا تدعي صغارك يسحبونك إلى مستواهم. وإن ارتكبت بضع هفوات على طريق تقبلك لذاتك، فحسناً..."
ركعت، مبعثرة بداخل دلو أجزاء جسدي المبتورة قبل أن تسحب إصبعاً. وناهضة، راحت تتدلى به عالياً في الهواء، مبتسمة باهتة وهي تحدق بإصبعي الأسود ذي المخالب.
"...تناول إصبع أو اثنين ليس بالأمر السيء للغاية".
فتحت فاها وأسقطته في حلقها.