فيغور مورتيس الفصل 109 — بلا عقاب

اقرأ فيغور مورتيس الفصل 109 — بلا عقاب باللغة العربية على مانجا تايم.

يصادف اليوم الذكرى السنوية الأولى لليوم الذي التهمتُ فيه أبي. إنه ليس بيوم مبارك لأجد نفسي أخيراً عند حافة الجزيرة. لا تنمو الغابة بالقرب من الحافة لأسباب أجهلها. وحين عثرت عليها أخيراً ترددت في مغادرة الأمان النسبي للأشجار. يمتد طريق بين حافة الغابة وحافة الجزيرة والطرق تعني البشر. حتى لو لم أؤذِ أحداً عن طريق الخطأ فسيكونون بالطبع مائلين إلى إيذائي. لا أريد ذلك مهما كان قدر استحقاقي له.

إذن على الرغم من الرعب الشديد من المألوف أصنع لنفسي تنكراً. بضعة أسابيع من المحاولة والخطأ تكفي لإيجاد طريقة عمل لتشكيل شبكاتي إلى شيء يمكنني ارتداؤه. رداء حريري مصنوع من شباك قفازات وحشوات سميكة لقدمي وبالطبع قناع البومة الخشبي الذي احتفظت به طوال هذا الوقت. مرة أخرى في هذه الذكرى البائسة أرتدي ملابسي وأخطو إلى عالم البشر. من المستبعد أن يكون تنكراً جيداً مثلما كان قبل عام.

أطول بنحو الضعف وجسدي نحيل لكنه ينمو ليبلغ أنوثة شبيهة بالبشر نوعاً ما... وهو ما يرحّب به جزء من عقلي بسرور لكنه في الممارسة العمليّة مزعج في الغالب. لماذا لديّ هذه الأشياء أصلاً! رأيت نساء بشريات يربطن الأطفال بصدورهن من قبل ولكن نظراً لأنني فقست من بيضة وبدأت فوراً في قتل أشقائي فلا أعتقد أنني أريد وضع أي جزء من جسدي قرب فم طفل فروثيزو. عليّ استخدام الشباك لربط تكتلات الدهون النامية على صدري وإلا تمايلت مسببة لي الألم مع كل حركة مفردة ومحملة عبئاً إضافياً على ظهر يبذل قصارى جهده لاستيعاب أربعة أكتف ستة أشواك بطول قدمين نامية حديثاً تبرز من جانبي عمودي الفقري.

أنا وبعبارة خفيفة موجوعة باستمرار. لست مصابة أو ليس حقاً على الأقل ولكن الطريقة التي يستخدمها جسدي لصف الأجزاء في أماكنها أقل من مثالية. ومع ذلك ومن حيث التنكر سيكون أكبر ما يكشف أمري هو قدمي اللتان لم يعد لي شبيه لهما حقاً. بل لدي مخالب. أجد نفسي منجذبة إلى المخلوقات السريعة ويفترض أن ذلك يعود لمدى جبني. لفترة من الوقت تغذيت على وحوش سحرية ذات ساقين تشبهان السحالي تصطاد في جماعات وتطارد الفرائس تماماً مثل الكاتزيل.

لكن قدمي شرعتا بعد ذلك في التمخض بشكل مقزز وثخنت أصابع قدمي وتحرك الإصبع الكبير إلى الخلف كالإبهام واستطالت مخالفي لتمزق أي شيء قد أُحاول الإمساك به بها. بدأ الطول الإجمالي لقدمي في الازدياد أيضاً وأظن أنه لو لم أتوقف عن أكل فريستي لوجدت نفسي عاجزة عن استخدام كعبي كأي شيء آخر غير الركبة. أنا لا... أحب ذلك. لا أريد أن أكون خليطاً مشوهاً من الأجزاء. أريد أن أكون شخصاً.

على الأقل يمكن ضغط الأشواك التي أنبتها بشكل مسطح على ظكري مما يجعل إخفاءها سهلاً نسبياً. كانت المخلوقات التي تغذيت عليها قبل إنباتها قادرة على تغطية نفسها بالظلام لتمتص الحرارة والضوء من المنطقة المحيطة. أكلتها في البداية لأنني لاحظت أن تلك المخلوقات لا تأكل شيئاً. كانت تحصل على قوتها بطريقة ما بطرق أخرى. كنت أمل في إيجاد بديل لجوعي الخاص لكن ذلك لم يجْدِ نفعاً البتة.

مع ذلك ومن خلال المحاولة والخطأ أظن أنني اكتشفت متى يغير جسدي شكله إن لم يكن كيف ولماذا. يجب توفر شرطين ليتغير شكلي: يجب أن أكل نوعاً واحداً من المخلوقات مراراً وتكراراً ويجب أن يتمتع المخلوق بنوع من السمات التي لا يمتلكها جسدي حالياً بسعة مساوية أو متفوقة. عندما أتغذى بالكامل على الثدييات الصغيرة غير السحرية مثلاً لا يبدو أن جسدي يتغير. وتصادف أن تكون هذه أيضاً أنواع المخلوقات التي تفتقر إلى الطعم المرضي تماماً وهو ما لا أعتقد أنه مصادفة.

ومع ذلك فهي تفي بالغرض وهذا هو المهم. على الرغم من تقلب مخاوفي غادرت الغابة للمرة الأولى منذ عام لأشقّ طريقي أخيراً نحو الحافة. ألقيت نظرة خاطفة على الجزر والضباب من تحتها والمسافة التي لا تُسبر غورها بيننا وشعرت... بخيبة أمل. مع ذلك فإن شيئاً من التجربة الجديدة الغامضة المتمثلة في التطلع إلى الأسفل بدلاً من الأعلى يشد انتباهي فأبدأ بالمشي على طول الحافة وجزء مني يأمل أن تتفتى الصخرة التي أقف عليها وترسلني هوية.

الذاكرة شيء طريف. لا أعدّ ثواني لذلك ليست لدي أدنى فكرة عفوية عن المدة التي قضيتها منذ أن بدأت المشي. لكن إن رفعت رأسي فقط أستطيع في لحظة مقارنة موقع الجزر حيث كانت آخر مرة نظرت إليها ومقارنة تلك الذاكرة بذاكرة طول اليوم قبل ثلاثمائة وثنل عشر يوماً ومعرفة مدى سرعة تحرك الجزيرة ومن ثم المدة التي مضت منذ آخر مرة تحققت فيها. بالطبع يتطلب ذلك جهداً ولم أكن دائماً أتحقق من الوقت في يوم معين قبل عام لكن كلما راودني الفول أستطيع عادة معرفة ذلك.

لست فضولية اليوم. أريد فقط أن أنظر إلى الأسفل وأدع المناظر الجديدة تشتت انتباهي عن أفكاري الخاصة لأطول فترة ممكنة. أنجح في الحفاظ على هذا الوضع لأيام قليلة. ليلاً ونهاراً أتقدم ببطء على طول الحافة وأصطاد أحياناً حيوانات صغيرة أشمّ رائحتها على طول الطريق وأكلها. إنها نزهة ممتعة نسبياً ومع الكثير مما يمكن رؤيته والكثير من التأملات العاطلة حول عواقب مجرد اتخاذ خطوة للخارج.

في اليوم الرابع يبدأ الضباب في الأسفل بالانقشاع. تعتلي محاليط ضخمة من اللحم فوقه وتتلوى بلا هدف واضح. وكلما زاد ما أراه من المخلوق وزادت محاليطه وعيونه وحجمه المستحيل الذي أشهده زاد شعور غامر بالثقل في صدري. إذن. هذا هو المَلِك إذن؟

قال صوت امرأة: "إذا سقطت سأشعر بانزعاج رهيب إن اضطررت إلى الإمساك بك".

تجمدت. كنت منغمسة للغاية في مراقبة المراقب لدرجة أنني لم ألاحظ رائحة قوية للغاية ولذيذة للغاية تقترب مني وتداعب رغباتي في الأكل. ومع ذلك فقد كنت خارجة على الطريق لفترة طويلة الآن. أترض حتمياً أنني كنت سأصطدم بشخص ما. ألقيت نظرة سريعة في اتجاه الصوت وشاهدت شخصية طائرة ترتدي درع كيتين أبيض براقاً من خوذة كاملة حتى أخمص القدمين دون كشف أدنى لمحة من الجلد. زي تمبلر رغم أن اللمسات الحمراء حول حواف الدرع تشير إلى رتبة أعلى.

مع ذلك لم يشرح لي أحد الرتب قط ولم أره تمبلر باللون الأحمر. هبطت التمبلر المفترض أنها امرأة -حكم来的 من الصوت نظراً لكونه كل ما أملكه حرفياً- بجانبي. إنها تجربة غريبة أن أكون بهذه القرب من إنسان بعد كل هذا الوقت. أدرك أنني نمت ولكن التحديق حقاً في وجه بالغ وجهاً لوجه دون الحاجة إلى مد عنقي للأعلى يبعث على الاضطراب أكثر من قليل.

سألت التمبلر المدرعة وهي تميل برأسها: "القط أكل لسانك؟ أم أن هذا شيء غامض؟ الوقت مبكر قليلاً في الموسم للأقنعة ولا أعتقد أننا سنحتفل بمهرجان سكايوب هذا العام بالنظر إلى الأحداث الأخيرة".

أخذت نفساً عميقاً ثم أخرجته محاولة إجبار نفسي على الكلام. لقد مضى وقت طويل جداً.

تمكنت من إخراجها بصعوبة: "آسفة. ليس عليك الإمساك بي إذا سقطت".

أطلقت المرأة ضحكة جافّة وأدارت جسدها لتنظر بعيداً عن الحافة معي.

سألَت باستهتار: "تفكرين في الانضمام إليه هناك في الأسفل أيتها الفتاة؟ سأعطيك نفس التحذير الذي أعطيه للجميع: السقوط أطول مما تتخيلين. الأرجح أن تموتي بالجفاف قبل أن تموتي عند الارتطام. إنها طريقة رهيبة للموت حقاً. أظن أنه يمكنك التصويب نحو جزيرة لكن ذلك لا يحمل نفس القيمة الرمزية أليس كذلك؟ وإذا أخطأت..."

أبعدت نظري عنها ناظرة إلى الأسفل مرة أخرى. كم يستغرق البشر للموت جفافاً؟ أربعة أيام أم خمسة؟ يمكنني الاستمرار لفترة أطول من ذلك.

اعترفت: "أنا قلقة بشأن النجاة من السقوط شخصياً".

سألت: "أهذا صحيح؟ هل النجاة من ارتطام بسرعته القصوى أمر يثير قلقك؟"

تخيلت نفسي أتحطم على سطح جزيرة أخرى وعظامي مكسورة والدماء تتسرب من كل مكان... لكنني لا أزال على قيام. ربما يرانى أحدهم أسقط وربما يتفقدون موقع الارتطام. وبين الجوع والإصابة هل أمتلك ضبط النفس اللازم لفعل أي شيء سوى التهام منقذي مرة أخرى؟ أم كنت سأقتلهم بمجرد أن أستطيع التحرك؟

أجبت: "لا أعرف. ربما. على الأرجح".

كان يجب أن أرحل لكن شيئاً في داخلي يتوق لمواصلة الحديث مع هذا الغريب العشوائي. أبقيت نظري مثبتاً على محاليط المَلِك المتلوية محاولة ترك عقلي يهيم بدلاً من التركيز على مدى الخطر الذي أضعها فيه من أجل نزواتي الخاصة.

سألت: "أهو تجديف ألا ينبهر المرء؟"

رفعت التمبلر رأسها وتحدقت في مجدداً قبل أن تطلق ضحكة أخرى. جلست متربعة عند حافة العالم.

قالت التمبلر: "لا لا أظن ذلك. غير عادية ربما ولكن لا عيب في ذلك. لا أعتقد أن مراقب الضباب يهتم كثيراً إن كنت منبهراً فهو لا يهتم إلا بنجاحك. إذن لا خطر هنا من التجديف ولكن إن قفزت... حسناً فهذه خطيئة لعين بالتاكيد. لا يمكنك الانسحاب فحسب وإلا فما فائدة التحدي؟"

أومأت برأسي كئيبة متوجسة قليلاً من بذاءة التمبلر. علمني أوغست دائماً ألا أقسم أبداً لكنني أظن أنه ليس مكاني بالتأكيد لتصحيح تمبلر.

اقتبست متذكرة اسم الفضيلة: "الاجتماع. يبتسم المراقب للمجتهدين والقويين والمبدعين والذين لا يكلّون. يجب على كل منا أن يقوم بدوره لتطوير أنفسنا ومجتمعنا إلى مجتمع يمكننا الفخر به".

قالت التمبلر وهي تومئ باستحسان: "يبدو أنك حضرت نصيبك العادل من الخطب. نعم علينا أحياناً في الحياة التخلي عن مهمة ميؤوس منها. لكن اعتبار نفسك ميؤوساً منه يعني الاعتقاد بأنك أعلم من مراقب الضباب ومن الكيان ذاته الذي خلقك. مهما كانت أعباؤك فهي أعباؤك وحدك لتحملها. لا يحق لك التخلص منها بالهرب نحو الموت".

تنهدت جالسة بجانبها ومدليتي قدمي فوق الحافة وحرصة على تسوية ردائي تحتي لكي لا يعلق على الصخر غير المستوي. قمعت رغبتي في مهاجمتها وأكلها. إنها موجودة دائماً لكن ليس عليّ الإصغاء. أريد تصديق ذلك. الثقة في أنني قست أعيش دون خوف من نفسي. أليست المسألة مسألة وقت فحسب؟ سأبقى دائماً الوحش الذي قتل أوغست والذي مُنح أعظم الطيبة التي يمكن لأحد أن يطلبها فدمرها كلها. كيف لي أن أثق بنفسي أبداً ألا أؤذي أحداً؟

قالت التمبلر: "يجب ألا تكوني وحدك. من الواضح أنك غارقة قليلاً في أفكارك لكن لا يمكنني أن أكون من يمنحك سبباً للعيش. لست واعية بل مجرد محاربة. ألديك مكان يمكنك الذهاب إليه؟"

أجبت: "لا. لا مكان".

أمرت التمبلر: "إذن اذهبي إلى الكنيسة. حتى أبغض الناس شأناً سيجدون المغفرة إن سعوا إليها في أذرع مراقب الضباب الكثيرة. لن تأتي دائماً بالشكل الذي ترغبين فيه لكنك ستجدينها. طالما كنت ترغبين حقاً في الخلاص طالما كنت مستعدة للعمل على تغيير نفسك فيمكنك ذلك".

أخرجت ضحكة خالية من المرح.

أجبت بجفاء: "أظن أنه إن كان هناك شيء واحد أجيده فهو إيجاد نفسي متغيرة".

أجابت التمبلر ببساطة: "جيد. إن التزمت بأمان الطرق فأول بلدة رئيسية على بعد يزيد قليلاً عن مئة ميل من هذا الاتجاه. مشية طويلة لكنك ما كنت لتصلي إلى هنا برمته لو لم تكوني صلبة بما يكفي للنجاة منها".

ابتلعت ريقي كارهة نفسي حتى على التفكير في الأمر.

سألت: "...وماذا لو لم أتبع أمان الطرق؟"

ضحكت.

أجابت واقفة وهي تشير: "ثمانية وعشرون ميلاً في ذلك الاتجاه. إنها قرية صغيرة وليست حتى بلدة. الطرق هناك نمت عليها النباتات عازلة إياها عن العالم الخارجي. لقد حاولت للتو حرق مسار لها لكننا لا نملك ما يكفي من الملح لإبقاء الأرض ميتة. إنهم منعزلون لكنهم عنيدون لعين لدرجة عدم التحرك. يمكنهم استخدام حامي إن كنت قوية بما يكفي للوصول إلى هناك".

علقت: "أنا عكس نوع الحماية تماماً"

ومع ذلك جذبت عيناها في الاتجاه الذي أشارت إليه.

قالت لي التمبلر: "حسن إنهم بحاجة إلى قاتل أيضاً. إنه نفس اللعين على هذه الجزيرة".

صاح صوت من أسفل الطريق: "التمبلر العليا! التمبلر العليا أرجوك عودي!"

ضحكت التمبلر العليا قائلة: "عفواً سيكون هؤلاء هم مراقبيّ. الأفضل أن أذهب!"

تحركت أصابعها في ضبابية سريعة من الحركة ثم ارتفعت عن الأرض مطيرة بعيداً. لا أملك إلا أن أكون غيورة من ذلك ولو قليلاً. أود تجربة أكل المخلوقات الطيارة لكنني أخشى أنه بدل الأجنحة سأحصل فقط على طفرة بائسة أخرى. لا أملك أي طريقة للتحكم في ذلك. آخر ما أريده هو استبدال فمي بمنقار وأجد نفسي عاجزة عن الكلام. ...لكن انتظري. لماذا يهم إن كنت قدرة على التكلم حين لا أستطيع حتى الوثوق بنفسي حول البشر؟

قبل أن أدرك ذلك ابتعدت عن الحافة متجهة نحو القرية التي تحدثت عنها تلك التمبلر. أتمنى أن تكون دقيقة من حيث الاتجاه الذي أشارت إليه لأنني أتبعه بدقة. لكن لماذا؟ فكرة التواجد مع البشر مرة أخرى... حسناً دعيني أقول فحسب إن ليس لدي أوهام بشأن القدرة على العيش كما كنت أفعل بالتأكيد لا توجد نية لأكون أي نوع من الحماة. كيف لي ذلك؟ كلا وإن كنت صادقة مع نفسي فلا يوجد سوى سبب واحد لذهابي.

أنا وحيدة حقاً حقاً حقاً. أفتقد أوغست. أفتقد شريف. أفتقد كل الأطفال الذين اعتدت اللعب معهم. حتى أنني أفتقد كلاريتا وفولفيا مهما كانت تلك الذكريات مؤلمة. لو أمكنني فقط الاعتذار... كلا. كلا فلن يكون هناك فائدة. رؤيتي مرة أخرى لن تؤدي إلا لجعل حياتهم أسوأ وستكون خطيئة أخرى. ومع ذلك فأنا أفتقددهم. أفتقد الجميع. بدا الحديث الذي استغرق خمس دقائق والذي أجرته للتو وكأنني أملأ حفرة حفرت عبر قلبي.

أحتاج شخصاً لأتحدث إليه وإلا فسأجن. هذا هو ما كنت أفتقده. آه أهذا ما قصدته يا فيتا؟

أستعطي "كوني إنساناً"

سبباً إضافياً لوضع البشر في الخطر؟ لا أستطيع إخراج تلك الكلمات من رأسي. استمتعي بكونك إنساناً. وكأن بإمكاني الاستمتاع بأي شيء بعد ما حدث في ذلك اليوم. ومع ذلك أشعر بتلك الرغبة في التواجد معهم تتفجر في داخلي. تواصل قدمي المشي في الاتجاه الذي أشير إليه. صار الجو مظلماً بحلول الوقت الذي شممت فيه رائحة البشر للمرة الأولى وعلى الرغم من خطوتي الهادئة يخفق قلبي بسرعة بينما أشق طريقي نحوهم.

الغابة هنا كثيفة والأرض رطبة وناعمة. تلتف الكروم بين قمم الأشجار وتتكدس الأشواك على الأرض بين الجذوع. أغطيتي الحريرية متينة ولا تلحق بها أضرار لكن التقدم لا يزال بطيئاً. غالباً ما يتوجب عليّ شق طريقي للأمام بمخالفي أو عضي. ومع ذلك فإن النباتات ليست مزعجة بحتة. أرى في أماكن عديدة على الأرض أزهاراً تتفتح رغم أنني لا أستطيع تمييز لونها بسبب نقص الضوء. نباتات جميلة ومرة وحلوة تذكرني بأسوأ الأخطاي في حياتي وتملؤني في نفس الوقت بالفرح الذي شعر به أثناء جمعها خلال ذلك الوقت.

مررت بحذر عبر الأزهار الفاتنة ومضيت في الاقتراب من رائحة البشر. يشابه التحدوا في المستوطنة البشرية بشكل مدهش رؤيتي الأولى لتالسي الجديدة وإن كان أقرب بكثير. مثل المدينة التي عاش فيها أوغست تقع هذه القرية في مساحة مقفرة مفاجئة بشكل لا يفسر مكان لا تجرؤ النباتات لأي سبب على النمو فيه. البشر بالطبع لا يهتمون وجنسهم يزدهر في هذا النوع من البيئة. تجلس المباني الحجرية بعشوائية حول بعضها البعض ويتوهج واحد أو اثنان بهدوء من نار داخلية لكن معظمها مظلم والناس بداخلها نيام.

لا أملك الشجاعة لدخول تلك المساحة المقفرة لكنني أراقبي وأنتظر. طوال الليل. يأتي الصباح عاجلاً بما فيه الكفاية وتسرع خمول الخاص بي من إدراك للوقت. ومع بدء البشر في التحرك أتراجع عنهم مشغولة بإعجاب بالأزهار (التي تصادف أن تكون بألوان صفراء وبرتقالية زاهية) واصطياد إمداد طازج من القوارض لضمان أنني مسيطرة قدر الإمكان. لا بأس! سيكون كل شيء على ما يرام! لن أؤذي أحداً. عليّ فقط الذهاب إلى هناك وإلقاء التحية ثم...

لا أعرف! وبعد ذلك سأفعل شيئاً آخر! البكي والهرب ربما؟ لقد مت مئات المرات في الغابة محاربة وحوشاً تعادل حجمي عشرة أضعاف ولم أرد الصراخ قط أكثر مما أريد الآن. لذا أنا فقط... أراقبي. يبدو أن البنية الأقرب إليّ منزل امرأة بالغة (امرأة بالغة أقصر مني وهو ما يزال غريباً) وثلاثة أطفال ولدين وبنت. أراقبهم وهم يمارسون يومهم بينما أتطلع من بين الأشجار متوقفة لتحيتهم. الأطفال متقاربون في الطول لدرجة أنني أفترض أن الفارق بين كل منهم عام واحد فقط وأن الأكبر منهم يبدو أكبر ببضع أعياد ميلاد فقط من شريف.

الفتاة وهي الصغرى تتبع والدتها بينما تقوم المرأة بالأعمال المنزلية من تعليق الملابس لتجف إلى تقطيع حطب التدفئة من شجرة ميتة شبه سليمة يبدو أنها قُطعت حديثاً وجُرّت بجوار المنزل. يلعب الصبيان معاً بداية اليوم لكن أمهما تصرخ فيهما بعد ساعة أو ساعتين لطهي الطعام. يعملان معاً للقيام بذلك فيتجه الأكبر للداخل ويبدأ النار بينما يركض الآخر إلى مكان آخر في القرية عائداً بحرن مليء بالخضروات وكيس رائحته كاللحم الميت.

على غير هدى ينظر مباشرة إليّ قبل دخول المنزل ونتشارك الاثنان لحظة من الرعب المتجمد قبل أن أقفز إلى الوراء متراجعاً إلى الغابة وقلبي يخفق بسرعة. لقد رآني! تفحصت قناعي ورداء وسائقي الأخرى مرتين وثلاث مرات... كلها في مكانها. لم يرَ ما أكونه. لكنه بدا خائفاً جداً! ولكن لماذا؟ هل هناك خطأ ما بي؟ أهذا قناعي بخير؟ بعد التأكد من أنني متوغل بعيداً جداً في الأشجار بحيث يصعب اللحاق بي جلست بجانب رقعة زهور وأزلته بيدين ترتجفان.

يبدو كما كان دائماً سليماً كاليوم الذي اخترته فيه للمرة الأولى. تنفست الصعداء وضعته بإحكام على وجهي ونهضت واقفة مرة أخرى. لا يستغرق الأمر سوى بضع ساعات لأجد نفسي أراقب من الغابة مرة أخرى. أراقب نفس المنزل حريصة على التراجع إلى الأشجار إذا بدأ أي شخص في الالتفاف نحوي. يأتي قرويون آخرون من حين لآخر فالكبار يثرثرون مع الأم ويتبادلون معها التجارة والأطفال يلعبون مع أطفال المنزل.

مأخوذة يستمر تحديقي حتى يضرب شبه ظل جزيرة ويبدأ النهار في التحول إلى ليل. تعود العائلة إلى منزلها ويلتفت الصبي الذي رآني قبل قليل نحو مكان اختبائي قبل أن يتجه للداخل -لكنني سريعة أسرع بكثير من أي إنسان واختفيت قبل أن يلمحني مرة أخرى. عندما يختفي الضوء في ذروة الليل أتكور على أرضية الغابة وأبدأ خمول حتى النهار على الرغم من أن عضلاتي وجسدي يصرخان للتحرك والصطاد طوال الليل.

يحصل جسدي على أمنيته حيث تملأ رائحة خطيرة منخرَيَّ بعد ساعتين من الغسق. يقترب وحش زميل قوي لدرجة تجعل أنفي يرتجف وفمي يسيل لعابه. في البداية أردت تجاهله لكن كلما اقترب من القرية زاد قلقي: أسيهاجم؟ أسيطلب طعاماً هناك؟ بعد بعض المداولة نهضت مزيلة قناعي وردائي. على الأقل لن أستطيع الدخول في خمول بشكل صحيح بينما أقلق بشأن ذلك. اصطدت وبعد دقائق قليلة كان الوحش ذو الأطراف الخمسة والدروع ميتاً لتغذيني لحومه ودماؤه طوال الليل.

...وكذلك روحه ربما. لا أعرف على وجه اليقين بالكاد أفهم ماهية الأرواح لكنني سمعت الكلمة وحسب ما فهمت فهي مهمة للغاية وفريدة للأحياء. تبدو ملاحظاتي الخاصة تشير إلى أن جزءاً مني يتغذى على الزائل وشيء ما بشأن الموت يجعل استهلاك الجسد غير مستساغ. وكأن وجودي بحاجة إلى أن يكون مرعباً أكثر. لا يوجد ما أفعله حيال ذلك حتى لو كان الأمر كذلك. لقد حاولت مسبقاً وفشلت في التوقف عن الأكل كلياً ولم يعد ذلك ممكناً لمجرد أن نظامي الغذائي أكثر توحشاً.

قبل الموت جوعاً أصل إلى حالة أسوأ. الفشل في الأكل لا يجعلني أكثر جوعاً بل يقلل فقط من ضبط النفس لدي. يمضي عشران أيام هكذا. أراقب القرويين خلال النهار وغالباً المنزل الذي يضم أماً وثلاثة أطفال لكنني أتخذ العديد من نقاط المراقبة من حول محيط القرية وأتشرب بشوق الرفقة البديلة. أنا متأكدة تماماً من أنني رصدت عدة مرات أخرى لعجزي عن مراقبة كل شاهد محتمل في وقت واحد لكنني لم أتعرض للمطاردة قط.

بُنيت القرية في مساحة مقفرة شبه دائرية تماماً ومن أي مكان تقريبا يمكن رؤية المسلة الغريبة في وسط تلك الدائرة البارزة نحو الأعلى مثل إبرة عملاقة. ليس لدي أدنى فكرة عما تكون ولا شجاعة لدخول القرية للتحقيق. عندما تقترب المخلوقات القوية أقتلها وأكلها أحياناً عندما أضطر للقتال بأسناني. من الممكن دائماً أن أنبت جزءاً جديداً ومروعاً من جسدي ولكن طالما لم تجتزح القرية نفس النوع من الوحوش مراراً وتكراراً فسأكون على ما يرام آملة.

للمرة الأولى منذ وقت طويل أنشأت عُشاً وفخوخ شباك وأنظمة إنذار مبكر تسمح لي بحراسة الغابة المحيطة بالقرية بفعالية.

قالت جيه إحدى رجال القرية وهي تتحدث إلى ميون: "في هذه المرحلة أتمنى حقاً أن نهاجم من قِبل شيء ما فقط لقطع هذا الترقب اللعين".

كنت أستمع إلى محادثة بين اثنين من رجال القرية يدعيان جيه وميون. سمعي جيد جداً بعد كل شيء ورغم أنني أعرف أن التجسس وقح إلا أنه يبدو أقل وقاحة من فرض نفسي على القرية وربما أكل شخص ما.

قال جيه: "إنه لأمر غريب جداً الحصول على هذا القدر من السلام من الغابة لكنك لن تسمعني أشتكي منه. ربما فعلت التمبلر العليا شيئاً لعيناً حقاً ألن يكون ذلك رائعاً؟"

يمتلك أهل القرية لهجة غريبة بعض الشيء لكنني لا أجد تفسيرها صعباً جداً على أي حال.

انبرى ميون بحدة: "يا فتى! من الأفضل أن تحترم التمبلر العليا يا جيه. لقد جاءت طوال هذا الطريق من أجلنا وهذا أكثر مما اعتقدنا أن أحداً سيفعله. خاصة مع وضع العاصمة كيف هو".

تأوه جيه بصوت خشن: "حسن إما أن التمبلر العليا قد فعلت شيئاً ما أو أنه ذلك الشبح الذي لا يزال ابن أون يثرثر بشأنه".

حركت أذني قليلاً عند ذلك.

أون هو اسم الأم العزباء لثلاثة أطفال التي أراقبها كثيراً مما يعني أن "الشبح"

هو... أنا على الأرجح.

"ممم. لا أعرف أي نوع من الأشياء رأى ذلك الصبي لكنه ليس الوحيد. هناك شيء يتسلل حول غابتنا رغم أن الواعظ العجز يصر على أنه لا يمكن أن يكون شبحاً".

"وماذا يعرف هو عن الأشباح؟ لقد رأيت أشياء أغرب في الغابة".

حسن إليك ما أعرفه عن الأشباح: لا شيء على الإطلاق. لم أسمع الكلمة حتى قبل اليوم لذلك لست متأكدة حقاً مما يعنيه كل هذا. ومع ذلك ينتزعني صوت طقطقة هادئ للغاية بعيداً عن تلك الأفكار وسرعان ما ألوي رأسي لأرى أحد خيوط الإنذار المبكر الخاصة بي متدلياً برخاوة. يبدو أنه وقت الصنط. لا أشم شيئاً وهو ما يطابق ما تخبرني به خيوطي وتحديداً أن الوحش يقترب من الجانب الآخر للقرية.

تلك بعض المتاعب بغض النظر عن سرعتي. تراجعت عن موقع تجسسي وبدأت أركض بسرعة حول محيط القرية متجهة مرة أخرى نحو عُشي الرئيسي. أشم رائحته أبكر بكثير مما توقعت سامعة تحطم الفروع وبعد فترة وجيزة صراخاً. ملأني الذعر فاندفعت عائداً نحو حدود الأشجار لأرى وحشاً أسود قطرانياً بحجم يشبه البرميل المشوه يندفع بغباء نحو القرية. يبرز منه أربعة قرون متلوية من رأس أصغر حجماً بشكل غير طبيعي بالنسبة لحجمه ويركض على أربعة أطراف غير متناسبة بالمثل: حوافر في الأمام وأقدام شبيهة بالإبر في الخلف وكلها أصغر بكثير بالنسبة لكريمة بهذا الإطار الضخم.

تغطي ظهره أشواك حادة وتغطي بطنه دروع كيتينية ويواري وجهه فرو داكن. حتى قبل أن أراه يفتح فمه كاشفاً عن أسنان سوداء منحنية من السهل بما يكفي التعرف على أقاربي. فروثيزو. وهو يندفع مباشرة نحو القرية وهدفه الأول امرأة لم أتقابل معها قط لكنني رأيتها كثيراً. أون. بصراحة لا أعرف ما كنت أتوقعه أيضاً من حياتي. مع ثثني لقدمي انفجرت مخالفي حرة من أغطية القدمين التي قيدتها بها وغرزت المخالب الخبيثة بعمق في التراب الناعم بينما دفعت نفسي للأمام.

لقد ذكرت سابقاً أنني سريعة. حتى عندما كنت نصف حجمي الحالي كنت أستطيع قطع المسافات بطريقة لا تفعلها أسرع البشر الذين عرفتهم. والآن؟ الآن أنا في سرعات تفقدني أي قوة إضافية لساقي لتكون ميزة أقل مما لو كنت أصغر حجماً فقط. أكاد أضطر للانحناء للأمام وأنا أركض وجسدي منخفض إلى الأرض لتقديم أقل مقاومة ممكنة للهواء. هذه ليست تقنية علمتها ولا شيئاً رأيت شخصاً آخر يفعله فحفظته.

هذا درس تعلمته من المحاولة والخطأ من الشعور بالرياح نفسها تحاول سحقي عند ذروة سرعي. أنا على الجانب البعيد من القرية عن هدفي مع ذلك لكنني قطعت المسافة كالسهم قافزة متجاوزة المرأة الصارخة التي تهرب بما قد يكون توقفاً تاماً بالنسبة لي. وفي منتصف طيراني نحو عدوي أدركت أنني ما زلت مزينة بردائي وقناعي وهو التنكر الذي يعيق بعضاً من أعظم أسلحتي. لكن ليس سرعتي. ما زلت في منتصف الهواء ففففت ذراعي حول رأس أخي الأصغر حجماً وأمسكت بإحكام بينما حملني الزخم إلى الأمام بلا توقف.

كورْت جسدي محولة ذلك الانتقال في السرعة إلى حركة دورانية وشعرت بالصوت المقرمش المرضي بينما لوي رأسه بما يكفي لكسر عموده الفقري. دوت صفقة مدوية خلفي عندما توقفت فجأة وأخيرًا لحق الهواء نفسه باندفاع حركتي المفاجئ. ثم عضني لأن إصابة بسيطة ككسر العمود الفقري تكاد لا تكون كافية للقضاء على فروثيزو. أصدرت فحيحاً بغضب بينما انزقت أسنانه عبر ردائي وذراعي سارقة قطعة بحجم ملحوظ من لحمي حيث اختفت فوراً أسفل حلقه الملتوي.

غرست مخالفي بعمق في كتفيه قبل أن أرفسه منطلقاً لأسقط على ثلاثة أطراف في الوقت المناسب لأراه يندفع مباشرة نحوي متناسياً البشر. زأر أخي بغضب وشعرت بزئير خاص بي يتصاعد في صدري فأطلقته بينما نزعت قناعي وواجهته سناً بسن. المعارك بين أقاربي فوضوية. قد تكون لقمة من اللحم كل ما نحتاجه لتجديد الضرر الذي لحق بأجسادنا وشوق الدماء الأعمى الطبيعي فينا يميل إلى تفضيل الهجوم على الدفاع.

ونتيجة لذلك تميل معارك الفروثيزو المتعددة إلى الرقص في دورات شبه محارم من الولائم وتجديد النشاط بينما يتهاوون فوق بعضهم البعض بجوع محموم. مع ذلك لست غبية لذا قفزت متجاوزة إياه وقضمت كلا من ساقيه الخلفيتين مستخدمة سرعتي المتفوقة لأضمن أنني لن أقع أبداً في مدى فمه. بَلَّل الدم الأسود حلقي بينما انزلق اللحم المجيد لأسفل منه رغم أنني أفضّل سنجاباً على هذا المسخ من السمات المتباينة غير المتوافقة.

قد يكون قوياً لكن أي وجبة ستكون أفضل من أحد أقاربي. ليس لأي عاطفة في غير محلها أو وازع ضد أكل لحوم البشر بل لحقيقة بسيطة مفادها أن الفروثيزو الزملاء لا طعم لهم جيد حقاً. ومع ذلك اللحم لحم. يتطلب الأمر عضات كثيرة لشعور واحد أخيراً بطعم الرماد ثم ينتهي الأمر. التفت رأسي نحو القرويين فوراً دافعة بغريزتي عيناي للبحث عن وجبتي التالية. لمحتهم متجمعين معاً وأسلحتهم موجهة طريقي والأطفال أبعدوا بعيداً عن ساحة المعركة.

بحذر شديد جداً قاومت الرغبة في التهامهم جميعاً. أغمضت عيني وأخذت نفساً عميقاً ونهضت بهدوء وقطرات سوداء تقطر من ذقني. راقبوني بوجوه صلبة وكل عضلة في أجسادهم متوترة ومستعدة للقتال من أجل حياتهم. حدقت فيهم. وحدقوا فيّ. بدا أن بعضهم يشم رائحة قوية للغاية حقاً لكنها ليست قوية بما يكفي لتشكل لي أي تهديد حقيقي. استناداً إلى النظرة على وجوههم أعتقد أن بعضهم يعرف ذلك.

أخرجت بصعوبة: "آ-آسفة".

لا رد. يحاول جسدي الاحمرار لكن جلدي ودَمي بلون واحد لذا لا يظهر ذلك أبداً. يا له من أمر فظيع. لا أصدق أنني خلعت قناعي. لم أكن أعتقد ببساطة أنني سأكون قادرة على الفوز بدون... آه! قناعي! نظرت بسرعة حول غامرة إياي موجة من الارتياح لرؤية قناعي سليماً على الأرض. اندفعت منحنياً ووضعته بيدين ترتجفان.

تمتمت مرة أخرى لست متأكدة مما يجب قوله سواه: "آسفة. آسفة".

مخالفي ظاهرة. هناك ثقب ضخم على شكل فم في ردائي كاشفاً عن زوجي الإضافيين من الأذرع. يمكنهم رؤيتي. إنهم يعرفون ما أكون. لقد أفسدت الأمور وأفسدت كل شيء. تجمعت الدموع خلف الخشب الذي يغطي وجهي فاستدرت وركضت عائدة إلى الغابة تاركة القرويين المذعورين ورائي. ركضت وركضت وركضت لانهار أخيراً بجانب حلقة من الزهور الحمراء. أنا فقط... أنا غبية جداً! كان بإمكاني القتال بدون أنيابي والابتعاد عن رأسه لكنني فقط...

تلك المرأة كانت قريبة جداً من التعرض للأكل ولم يكن لدي أي وقت للتفكير وكان عليّ إبعادها عنها و... وأنا متأكدة تقريباً أنها على قيام. إنها على قيام. لقد أنقذتها. هذا... هذا يستحق العناء أليس كذلك؟ لا يهم إن كانوا يكرهونني ولا يهم إن لم أستطع التحدث إلى أي شخص أو امتلاك أصدقاء مرة أخرى أبداً. لقد أنقذت حياة بدلاً من إنهاءها. لقد... فعلت شيئاً جيداً. ارتعشت مطلقة المزيد من الدموع نازعة ردائي وأغطيتي لأتمكن من مد ظري الموجع.

مددت أشواكي بشكل عمودي على عمودي الفقري دافعة إياها للاهتزاز وشعور بالحرارة يتدفق في جسدي مراقبة الضوء يلتوي بشكل غير طبيعي ليجعل كل ما أراه مشوهاً وملتوياً. كانت الحرارة مهدئة وبلسماً على مجموعات العضلات المتداخلة المتقاطعة تحت جلدي. مددت أذرعي الأربعة جميعها مدورة كتفي ببطء بينما باعدت بين أصابع قدمي. سأكون على ما يرام. لم يصب أحد بأذى سواي وشقيت طريقي بالشفاء فوراً.

إنه انتصار. تخيلت في رأسي أوغست يبتسم لي مخبراً إياي أنني أبليت بلاءً حسناً. بدأت بالبكاء مرة أخرى. في اليوم التالي وجدت نفسي متجهة نحو القرية مرة أخرى ضد حكمي الأفضل. أنا فقط... أحتاج لمعرفة أنها على قيام. أحتاج لرؤية ذلك بعينيّ وأنه لم يكن عبثاً. تطلع من نقطة مراقبتي المعتادة لتفاجئ لا برؤية أون وأطفالها أحياء وبصحة جيدة فحسب بل بوجود سلة صغيرة مباشرة بجانب حافة الغابة.

بتردد وحين تأكدت أن أحداً لا يراقب أمسكت بها رافعة القماش المنسدل فوقها للتحقق مما بداخلها. مجموعة متنوعة من اللحم المجفف والمملح وبضعة خضروات وفطر جُمِع من الغابة. لا أفهم لماذا يترك أحدهم هذا هنا. في تلك الليلة اندفعت سريعاً نحو منزل أون تاركة السلة على عتبة بابها ومتراجعة نحو عُشي. في اليوم التالي وجدتها عند حافة الغابة مرة أخرى محملة هذه المرة بأنواع مختلفة من اللحم والخضروات.

لست متأكدة حقاً مما يجب فعله حيال هذا لكنني على سبيل النزوة قطفت بعض أزهاري المفضلة ووضعتها في السلة ثم أعدتها تلك الليلة تاركة كل ما كان بداخلها في مكانه كما هو. في اليوم الثالث تقف أون والسلة في يديها عند حافة الغابة وحدها. حتى ابنتها التي تبدو دائماً وكأنها متمسكة بحاشية فستانها تنتظر بجانب المنزل مع ولديها. إنها خائفة مني لكنها تبحث عني أيضاً. وأنا بالطبع أراقبها من جزء مختلف تماماً من المساحة المقفرة محاولة معرفة ما يجب فعله حيال ذلك.

نادت أون في الغابة: "مرحباً؟ هل أنت هناك؟ أتهمني؟"

نعم ونعم وليس لدي أي نية لقول ذلك.

قالت مرة أخرى: "مرحباً؟"

ثم خطت إلى داخل الغابة. أوه اللعنة. اندفعت حول حافة المساحة المقفرة. لدي الكثير من الشباك المنصوبة هنا لكنها لا تصطاد كل شيء. إن علقت ثم جاء شيء آخر فستموت.

كررت ما قاله: "مرحباً؟"

تماماً عندما قفزت أمامها مقاطعة تقدمها إلى الغابة. قفزت مفاجئة بينما وقفت ناظرة إليها من الأعلى.

قلت لها: "راجعي. ابقي خارج الغابة وتوقفي عن ترك تلك السلات لي".

أون امرأة مشرقة ذات شعر أسترالي مجعد بإحكام ونمش متناثر بسخاء. اتسعت عيناها حتى صارتا بحجم الصحون وهي تحدق بي مما جعلني سعيدة لارتدائي قناعي وردائي بإحكام.

لاحظت بدهشة: "يمكنك التكلم".

تلعثمت: "أ-أقصد نعم يمكنني التكلم؟ الأمر ليس آمناً هنا. أرجوك ارحلي؟"

قالت المرأة: "أحتاج إلى شكرك. ليس لدي الكثير لكنني فكرت في أنني قد أجد شيئاً تعجبين به. ولكن بعد ذلك... أتركت لي تلك الأزهار؟ أتاكلين الأزهار؟"

تمكنت من قول مذهولة: "ماذا؟ كلا. انظري لا يمكنك إعطائي أي طعام أنا لا... آه. أيمكنك الخروج من الغابة فحسب؟"

سألت: "لماذا كنت تراقبينا؟"

"أنا... لا أعرف لأنني مخيفة!"

ارتفع جداه قليلاً عند ذلك ثم شخرت ضاحكة فجأة.

قهقهت قائلة: "تلك إجابة مضحكة جداً! انظري لقد رأينا جميعا لفترة طويلة ويبدو وكأنك تساعدين؟ لم تنقذيني وحدي فحسب أليس كذلك؟ أنت سبب عدم تعرضنا للهجوم مؤخراً".

تراجعت قليلاً وقلبي يخفق بسرعة ألف ميل في الساعة.

"أنا... لقد كنت أقتل الوحوش نعم. لكن انظري أنا خطيرة يا أون أنا..."

سألت: "أتعرفين اسمي؟"

ابتلعت ريقي بتوتر.

أوضحت: "لدي سمع جيد جداً".

أصرت أون متقدمة خطوة للأمام: "حسناً ربما كنت مخيفة قليلاً لكن ما زلت أريد التعويض لك! هيا أرجوك؟ أعرف أن الأمر أناني قليلاً لكنني لن أشعر بالرضا ما لم استطع فعل شيء من أجلك".

أصررت: "فقط... اخرجي من الغابة. أرجوك؟"

نقرت على ذقنها.

"ممم... حسناً ولكن فقط إذا جئت معي. أولادي يريدون حقاً مقابلتك".

أرمشت. انتظري ظننت أنها تريد التعويض لي لا تقديم المزيد من الطلبات!

"أنا... ماذا؟"

"هيا! سيكون الأمر على ما يرام. ألديك اسم؟"

"أنا... لارك. اسمي لارك".

قالت المرأة مبتسمة وممدودة يدها للمصافحة: "سررت بلقائك يا لارك!"

بحذر وبتردد مددت يدي الخاصة وضممتها إلى يدها. قبضت عليّ بحزم وبدلاً من المصافحة رفعت يدي قريباً من وجهها وبدأت تنقر على أطراف أصابع.

"أوووه! لديك مخالفي أليس كذلك؟ رائع. كدت أظن أن الرجال كانوا يضعون الشمع في أعينهم عندما أخبروني".

تجمدت غير راغبة في جرحها عن طريق الخطأ. ومن خلفها وعودة في القرية شممت رائحة قطيع من سكان القرية الأقوياء يقتربون في اتجاهنا.

صاح صوت رجل: "أون! أهو جيه على ما أظن. مرحباً! أأنت هناك؟ ماذا تفعلين أيها المرأة الحمقاء؟"

قالت أون باشراق: "أوه! هيا لنذهب لنعرفك!"

استطعت قول: "انتظري-"

لكنها كانت تجذبني بالفعل نحو المساحة المقفرة. كان بإمكاني إيقافها لكنني لم أفعل. خرج اثنتا معاً من الغابة ملتقيتين بأربعة رجال وامرأة أخرى من القرية والأسلحة مشهرة جميعها.

قالت أون بابتهاج: "لا تقلقوا يا جماعة! أنا بخير تماماً! يجب أن تقابلوا جميعاً لارك!"

انبرى جيه بحدة: "أثداء مراقب الضباب المتدلية يا أون هذا هو الفروثيزو اللعين! ابتعدي عنه!"

أرمشت. يا لها من شتيمة قوية. أنا... متأكدة تماماً من أن مراقب الضباب لا يملك تلك.

"لا تجعل ذكرك يلتوي يا جيه إنها بوضوح ليست كذلك. أترين هذه السيدة تحاول عض حلقي؟"

"لم تريه يحارب يا أون تلك ليست سيدة لعين! تعالي إلى هنا!"

تمكنت من قول: "أم آسفة هل لا بأس أن أتحدث عن نفسي؟"

حدق المحاربون المتجمعون بي بدهشة بينما ابتسمت أون بغرور.

"أخبرتكم يا حمقى! ربما لست إنسانة لكنها ليست فروثيزو!"

قلت: "أنا أم... في الواقع. فروثيزو أعني".

ضحكت أون بتوتر ناظرة إلى للأعلى.

مجادلة تلاشى بعض من ذلك المرح من صوتها: "حسناً حسناً فكاهة غريبة لكنك لست كذلك بوضوح. خاصة مع كل الحديث والأزهار وعدم قتل أي أحد. إنها ليست مزحة ذات ذوق رفيع أتعلمين؟ لقد واجهنا الكثير من المتاعب مع تلك المخلوقات السوداء مؤخراً".

أخبرتها: "أم إنها ليست مزحة. آسفة".

رفعت يدي نحو وجهي ويداي ترتجفان قليلاً بينما أزلت قناعي وغطائي. ما فائدة محاولة إخفائه؟ لقد رآني الكثير منهم بالفعل وليس الأمر وكأنني سأكون قادرة على الاستمرار في الحيلة. الكذب خطيئة على أي حال وينبغي عليّ أن أكون صادقة على الأقل بشأنه. حركت أذني المثلثتين محركة إياهما لتنتصبا بالكامل الآن بعد أن تحررتا من طغيان غطائي. وبدون القناع أستطيع الرؤية بشكل أفضل بكثير رغم أن رؤيتي جيدة بما يكفي بشكل عام بحيث لا يحدث ذلك فرقاً.

جالت عيناي على القرويين والمحاربين متوترين للوثوب إلى العمل بينما أون... كانت تحدق برعب. كنت أتوقع هذا لكنني ما زلت أشعر بالدموع تهدد بالتكون في عينيّ. أفترض أنهم سيطردونني وهو أمر منطقي فحسب. ما كان يجب أن أكون هنا أصلاً. كان يجب أن أركض في اللحظة التي عرفوا فيها ما أكونه. كلا... ما كان يجب أن أقترب من هذه القرية في المقام الأول وما كان لي أن أضعهم في خطر الاقتراب من أنيابي.

تراجعت أون فخمة بعمل الشيء الذكي أخيرًا وتراجعت ببطء نحو محاربي قريتها. ...رغم أنها لم تفعل الشيء الأكثر ذكاءً بالهرب فحسب.

زمجر جيه: "أتصدقينني الآن يا أون؟"

كان يحمل فأساً صغيرة في كل يد وهو ما بدا غريباً بعض الشيء بالنسبة لي لكن محارب الفأس الوحيد الذي رأيته لم يبدو بارعاً حقاً فيها لذا ربما يكون الاثنان هو الحل.

تنفسفت أون قائلة: "أه... لكنها أنقذتني. لقد أعطتني الأزهار يا جيه! يمكنها التكلم!"

على الرغم من احتجاجاتها إلا أنها لا تزال تتراجع خلف البقية.

"إن سألتني فهذا يجعل هذا الشيء أكثر خطورة لا أقل. ماذا تريدين منا يا وحش هيفروك؟"

أجبت: "أنا... لا شيء. أنا لست... لن أأكلكم أو أي شيء من هذا القبيل إن كان هذا ما تقصدونه".

أو على الأقل لا أريد أكلكم. من يدري إن كنت سأفعل.

"إذن ماذا تفعلين هنا؟"

"أنا... أنا فقط اه..."

ضممت أذراعي الاثنتين المخفيتين إلى صدري محاولة الظهور بمظهر أصغر بينما كانت يداي الأخريين تعبثان بقناعي. ما كان لي أن أكون هنا. أعرف ذلك. كنت أعرف ذلك ومع ذلك...

"...أريد فقط شخصاً أتحدث إليه"

اعترفت بهدوء.

انبرى جيه في وجهي: "حسناً لقد تحدثنا. الآن اتركوا قريتنا وشأنها. لا نريدكم".

أصر صوت من خلف المحاربين: "الآن يا جيه لا تتحدث نيابة عن الجميع".

التفتوا إلى الوراء لامحين الرجل المسن يقترب منا. رؤيته وحدها تجعلني أفكّر في أوغست وهو أمر أقل من ممتع لكنني ما زلت أتعرف فوراً على القبعة المميزة على رأسه المطبوعة بالعين البشرية. انحنيت برأسي باحترام.

تمتمت: "...مرحباً أيها الواعظ".

قال الواعظ العجوز مومئاً بالمثل قبل مخاطبة البشر الآخرين: "تحياتي أيها الشاب".

"أيها الأصدقاء لا أرى وحشاً أمامي. وإن كنتم ترونه فأعينكم أسوأ من أعين رجل عجوز. يأتي الناس في كل الأشكال والأحجام. أهذه المرة الأولى التي تتحدثون فيها جميعاً إلى شخص ليس إنسانياً؟"

أطلقت بوعي قبل أن يستطيع أحد غيري تفجيرها: "إ-إنهم على حق. أنا خطيرة. ينبغي لي... ينبغي لي أن أذهب فقط".

مكتفاً يديه خلف ظهره ابتسم الواعظ ابتسامة خفيفة للغاية.

"لا أحد يمنعك. ومع ذلك فأنت ما زلت هنا. أخبريني ما عمرك أيها الطفلة؟"

شعرت باحمرار وجهي مرة أخرى لكن الكذب على واعظ لن يجدِ نفعاً.

أجبت بصدق: "أنا... أنا تجاوزت عاماً بقليل سيدي".

يحصل ذلك بالتأكيد على جولة من الدهشة. معظم البشر في عمري ما زالوا يزحفون في الحفاظات بينما أنا أطول من نصف الناس هنا.

"حسناً أنت بالتأكيد أهدأ شابة في عمرك التقيتها على الإطلاق. ما اسمك؟"

"أنا... شكراً لك سيدي. إنه لارك سيدي".

كرر: "لارك. اسم جميل. ألديك أي فائدة من واعظ عجوز يا لارك؟"

بللعت ريقي. أأنا أفعل هذا حقاً؟ أأنا أرتكب هذا الخطأ مرة أخرى؟ أأعرض هؤلاء الناس للخطر؟ ومع ذلك... هذا ما طُلب مني فعله. وثق أوغست بالكنيسة. بدلاً من ارتكاب خطأ ربما هذه أنا أستمع أخيراً.

أجبت: "ت-تمبلر التقيته على الطريق أخبرني أن أبحث عن واحد. أم... ظنت أنني إنسانة لكن... بدا ذلك نصيحة جيدة على أي حال أعتقد".

أومأ الواعظ بلطف: "كل الناس مرحب بهم في حضن مراقب الضباب. بغض النظر عن مدى بعدك أو مدى غرابة مظهرك. تعالي معنا".

ضغط جيه قائلاً: "جريجوري أرجوك"

رغم أنه والجميع ما زالوا يتنحون جانباً بينما أقتربت من الواعظ تقريباً في حالة غشية.

"لا يمكنك إحضار ذلك... أقصد أن الأطفال جميعهم..."

أصر الواعظ جريجوري: "بخير تماماً ومن المرجح أن يبقوا كذلك. أخبرتكم أنه لم يكن هناك شبح. والآن نرى أنها مجرد شابة أمضت بالفعل عشرين يوماً معنا دون أن تؤذي أحداً قط. بل العكس في الواقع. كنيسة مراقب الضباب ترحب بالجميع يا جيه".

بدا أن ذلك أنهى المحادثة إذ لم تكن هناك المزيد من الاحتجاجات بينما اتبعت بصمت الواعظ جريجوري نحو مركز القرية. وهناك بجانب المسلة الدائمة الحضور يوجد مبنى خشبي كبير يكفي بسهولة ليكون الأكبر في البلدة. ليس من الصعب تخمين السبب بالنظر إلى زخارف المحاليط المنحوتة: إنها الكنيسة المحلية وهي مصممة لتستوعب القرية بأكملها بداخلها في نفس الوقت. أخذني الواعظ إلى الداخل وتفاجأت قليلاً بمدى اختلافها عن الكنيسة الوحيدة الأخرى التي دخلتها في حياتي.

إنها متواضعة للغاية وتضم القليل جداً بخلاف الجدران الخشبية والمقاعد ومنصة وغرفتين جانبيتين لا أستطيع إلا تخمين محتوياتها. فقط بمجرد دخولنا وإغلاق الباب خلفنا خاطبني الواعظ مرة أخرى.

سأل: "إذن ما الذي أتى بك إليّ يا لارك؟"

لم تكن لدي إجابة لذلك ليس حقاً لذا بقيت صامتاً بينما غرق الرجل المسن ببطء في أقرب مقعد مسترخياً بشكل ملحوظ وهو يريح عظامه العجوزة. ظللت واقفة لست متأكدة حقاً مما يجب فعله سوى محاولة التحكم في ارتعاش أشواكي العصبي. آخر ما أحتاجه هو أن تُمزق ظهر ردائي. وهو ما تستطيع فعله تماماً على الرغم من قوة شباكي. حقيقة ممتعة أخرى عن أشواكي: فهي تجعل الجلوس ألماً في المؤخرة حرفياً تقريباً.

عليّ أن أباعد بينها قليلاً وإلا فإنها تنخس كل ما أجلس عليه.

بدأ جريجوري يلاحظ ترددي في الإجابة لذا وبعد صمت محرج بعض الشيء تحدث قائلاً: موافقاً: "أوقفيني إن كنت تعرفين هذا مسبقاً فالواعظ لديه واجبات عديدة. الأولى بالطبع هي توجيه مجتمعهم ككل. نقود الخطب والتجمعات وما إلى ذلك. نتولى شؤون الكنيسة في أماكن مثل هذه حيث نكون صغاراً بما يكفي ليقوم رجل واحد بالعمل. وهذه الأمور هي ما يفكر فيه معظم الناس عندما يفكرون في الواعظ. لكن بالنسبة لي أعتقد أن هناك واجباً أهم نمتلكه. لست مجرد شخص يعظ بل نحن شخص يستمع. مهمتنا هي التوجيه لا الحكم. أية خطايا تعترفين بها داخل هذه القاعة لا تُغفر يا لارك لكنها لن تُحسب ضدك أيضاً".

بقيت هادئاً لبعض الوقت لكن جريجوري هذه المرة لم يقدم أي كلمات أخرى لملء الفراغ. وهو... ما أحتاجه. لأنني أعرف مسبقاً ما يجب قوله. أعرف ما يريده أوغست مني فعله. عليّ فقط التوقف عن كون جبانة وفعل ذلك.

قلت برقة: "واحدة من الفضائل الخمس هي المغفرة".

وافق الواعظ: "هذا صحيح".

مضغت كلماتي لبعض الوقت قبل أن أبوح بها.

قلت بحزم: "يبدو ذلك خاطئاً بشكل مروع بالنسبة لي. أعرف أن هذا... أعرف أنني لست حتى في وضع يسمح لي بالتشكيك في تعاليم مراقب الضباب لكنني فقط... لا أستطيع أن أرى كيف يكون ذلك صحيحاً. لا أستطيع أن أرى لماذا يجب أن يكون صحيحاً. هناك أشياء كثيرة لا ينبغي لأحد توقع أن يغفروا لي عليها! إنه خطأ. إنه خطأ التفكير في حقيقة أن هؤلاء الناس يمكنهم مقابلتي في مكان مفترض أنه مثالي إذا أنا فقط... ماذا؟ تعلمت درسي؟ بذلت جهداً كبيراً؟ تلك ليست مثالية. إنه أمر غير عادل بالنسبة لهم. أنا لا..."

تلاشت كلماتي وضعت قناعي مرة أخرى بدافع الغريزة أكثر من أي سبب حقيقي. كنت أريد قول المزيد لكن الكلمات هربت مني. ينتظر الواعظ جريجوري بصبر للتأكد من أنني انتهيت ثم يجيب.

سأل: "لماذا؟ لماذا يعد غير عادل توقع غفران الناس لك؟"

حدقت فيه مباشرة مستعدة نفسي لذلك.

اعترفت له: "لقد قتلت ثمانية أشخاص بالتهامهم. تضمنت طريقتي في ذلك عض أطرافهم أولاً في محاولة لإبقاء أحياء لأطول فترة ممكنة أثناء قيامي بذلك. كان اثنان من ضحاياي زوجين. لديهما ابن في السابعة من عمره. أجبرت الرجل على مشاهدتي أقتل زوجته ببطء قبل أن أكلها هي أيضاً. ضحية... أخرى كان رجلاً أحبني كابنة خدعته للاعتقاد بأنني شخص لست إياه بينما كنت أقتل أشخاصاً عرفهم. تمكنت من إبقاء شخصين آخرين على قيام لأن إحداهما كانت باحثة أحياء قادرة على تجديد الأطراف. احتجزتها أسيرة مع ضحية أخرى وأكلت ذراعيها وساقيها وانتظرت لتعودا للنمو ثم أكلتها مرة أخرى على مدار عدة أشهر".

راقبته طوال شرحي مسمرة عينيّ على وجهه. الواعظ العجوز بارع في عدم إظهار العواطف لكن زلات منها تتسرب. الخوف. الاشمئزاز. إنه اعتراف تمرنت عليه من قبل في رأسي محاولة معرفة أفضل طريقة للتأكيد على الطريقة التي أرى بها جرائمي الخاصة. حظاً موفقاً في محاولة عدم احتساب هذا ضدي. ومع ذلك ظل صوته هادئاً ومقاساً عندما عثر عليه أخيراً.

سأل: "وهذا تنوين فعل هذه الأمور هنا؟ لماذا تعترفين لي بهذا؟"

"لأن الاثنين الأخيرين لا يزالان على قيام. ولا أستطيع التفكير في شيء أكثر روعة وعدم استحقاق من فكرة أنه قد يُتوقع منهما غفراني. أنا... لا أفهم ذلك".

على الفور يلين وجهه.

"...فقط في عامك الأول قلت؟ حسناً دعني أسالك إذن. لماذا فعلت ذلك؟"

عبست. ما أهمية السبب؟ لقد تم الأمر على أي حال.

أجبت على أي حال: "حسن في البداية كانت غريزة. كنت جائعة. لكن بعض ضحاياي الأوائل علموني كيف أتحدث ومن تلك اللحظة فصاعداً... ليس لدي عذر. كنت أعرف أنهم أشخاص وأنهم قادرون على التفكير وأنهم يمكن أن يؤذوا لكنني لم أكن أهتم ببساطة".

أكد الواعظ: "ومع ذلك تفعلين الآن".

ابتلعت ريقي.

"أفعل. لكن الأوان قد فات. لا أستطيع التراجع عما فعلته".

"لا أحد يستطيع. لكن يمكن لأي شخص أن يفتدى. أنت ترتكبين خطأ شائعاً يا لارك الشابة. لقد تعرض ضحاياك لأضرار لا يمكن إصلاحها منك لكن المغفرة التي تسعين إليها ليست من ضحاياك. المغفرة التي يجب عليك كسبها هي مغفرة مراقب الضباب. قد يكرهونك حتى نهاية الوقت وهذا حقهم. لكن لا يزال بإمكانك أن تغفري مع ذلك".

تنهدت من خلال أنفي.

"أنا لا... أنا لا أستحق ذلك رغم ذلك".

هز رأسه وتلك الابتسامة الخافتة لا تزال على شفتيه.

"يا لارك. أنت تفهمين طبيعة المغفرة خطأ. إنها ليست رحمة تمنح لك لكي تكفي عن الندم على ماضيك. إنها ليست مجموعة أوزان يمكنك الحصول عليها بأعمال صالحة ووضعها على ميزان. وعد المغفرة هو التزام مفروض عليك وتوقع بأنك ستكسبين خلاصك على الرغم من إخفاقاتك. اتباع مراقب الضباب ليس بلسماً على جروحك بل هو واجب من المحتمل أن يمنحك المزيد منها. إنه يتعلق بالعمل ويتلق بالصراع ويتلق بالطحن في هذا العالم المظلم الذي مُنحنا إياه حتى نتمكن من جعله أكثر إشراقاً قليلاً. تلك هي المغفرة في عيون مراقب الضباب. أنت قوية أيتها الطفلة. من قوتك بنيت أهوالاً وقبوراً لكن إن كنت ترغبين في المشي في طريق جديد فستختبر تلك القوة إلى ما بعد المدى الذي جهدته شرورك. أهذا ما ترغبين به؟"

كنت أعرف إجابتي قبل أن يطرح السؤال.

همست: "نعم".

ابتسم أكثر متعمقاً التجاعيد حول عينيه بينما تفتح التعبير على وجهه.

"إذن مرحباً بك في مجتمعنا يا لارك".

لم تُقابل تلك الكلمات بالاستحسان عندما شُرِكَت مع باقي القرية لكن لم يتم نقضها أيضاً لدهشتي. طوال الأيام القليلة التالية كنت حزمة مستمرة من الذعر خائفة من الاقتراب من أي شخص أو التحدث إليه. حضرت الكنيسة وبعد الكنيسة تراجعت إلى الغابة. قتلت الوحوش التي اقتربت معازلة نفسي حتى اليوم التالي والمرة التالية التي اجتمع فيها جميع القرويين في تلك الغرفة الواحدة واختبرت قدرتي على تجاهل غرائزتي.

وأنا... أخشى خداع نفسي بالغرور لكن في تلك الأوقات بالكاد شعرت بها على الإطلاق. إنها موجودة دائماً في مؤخرة جمجمتي لكنني لا أفكّر في الأمر. ليس عندما يتحدث الواعظ ولا عندما تحدق خطوط من الناس بي أثناء خروجهم من مكان العبادة الخشبي ولا طوال الليل وأنا أحرص القرية النائمة جالسة بجانب المسلة في المركز لأتمكن من شم رائحة تهديد مقترب من أي جانب. المسلة بنية غريبة جداً تبدو ملساء وصلبة للمس مثل الفخار المصقول أو الكريستال.

في الليلة الخامسة لا أشم تهديداً لكنني أشم شيئاً لم أتوقع أبداً اقترابه مني. طفل أون الأوسط الصبي الذي رآني قبل أي شخص آخر يتسلل من منزله. هيون هو اسمه إن تذكرت بشكل صحيح وأنا أفعل دائماً. ناقشت المغادرة لكنني... لم أفر. مرة أخرى. يمشي مباشرة نحوي رغم أنه يحافظ على مسافة صلبة تبلغ ثمانية أقدام. وهو أمر مضحك بالنسبة لي تقريباً بالنظر إلى مدى عبثية هذا الحذر لو كنت أنوي حقاً إيذاءه لكن حتى مجرد التفكير في نية إيذائه يكفي لتدمير أي تسلية.

سألته: "أتعرف أمك أنك هنا؟"

ينكمش قليلاً عند السؤال لكنه ينفخ صدره بسرعة لتقديم حجي المضاد.

يؤكد: "أنا في عمر خمسة منك. إن كنت في عمر يسمح لك بالخروج من المنزل ليلاً فأنا كذلك أيضاً!"

وافقت مبتسماً خلف قناعي: "أظن أن ذلك منطقي. لكن دفاعاً عني أنا لا أملك منزلاً تماماً".

قال: "أوه".

امتد صمت محرج بيننا لفترة من الوقت لكن الصبي لم يلبث أن تفوه بما جاء من أجله بفظاظة أقدرها تماماً.

قال: "قتل أبي بواسطة فروث. العام الماضي".

أومأت ببطء.

سألت: "أأمسكوا به؟"

"هاه؟"

وضحت: "أقتل الناس فروثيزو الذي قتل أباك؟"

قال: "أوه. نعم".

قلت: "جيد".

مرة أخرى امتد الهدوء بيننا ولم يقاطعه سوى الحك السلبي العرضي لحذاء هيون مقابل التراب على الأرض.

قال في نهاية المطاف: "أنت فروثيزو أليس كذلك؟"

أكدت: "نعم".

"إذن... لماذا ترين أنه من الجيد أننا قتلنا واحداً؟"

أجبت: "حسناً لو قتل إنسان أباك أكنت تريدهم أمواتاً؟"

عبس مفكراً.

حسم أمره: "نعم".

أخبرته: "إذن هكذا إذن".

مرة أخرى تحدق كل منا في الآخر لفترة من الوقت. رفعت بصري ليس وكأن هناك ما يمكن رؤيته بالصخر الصلب للجزيرة فوقنا مهيمناً على المنظر. الليل أكثر ملابسة بكثير من النهار. كنت على وشك قول شيء آخر عندما دغدغت رائحة خطيرة أنفي مشيرة إلى أن لدي عمل للقيام به.

أخبرت الصبي الصغير -الذي يكبرني بخمس مرات- بينما نهضت مستعدة للاندفاع وقتل الوحش الذي راوده الحظ السيء بالتجوال قريباً جداً من هذه القرية: "مهلاً يجب أن أذهب".

تفوه هيون: "شكراً لإنقاذ أمي. ظننت أنك مخيفة عندما رأيتك لأول مرة لكنك لست كذلك حقاً".

ابتسمت له ثم استدرت وركضت بعيداً. بدأت الأمور تتصاعد من هناك. أصبحت... أكثر جرأة بقليل. بعد أيام قليلة كان بعض الرجال يأخذون الفؤوس إلى الأشجار في محيط المساحة المقفرة لإسقاطها. تبدو عملية طويلة وحذرة من مظهرها وراقبتهم لفترة من الوقت قبل أن أجمع الشجاعة لفعل شيء ما. وعندما أخذ اثنان منهم استراحة لشرب بعض الماء اقتربت من الشجرة ومنحنية وعاضضت عبر الجذع. من الواضح أنني لا أستطيع أكل الأشجار وطعمها فظيع.

لكن أسناني تنزلق عبر اللحاء والخشب بسهولة انزلاقها عبر اللحم وسرعان ما أمتلك كتلة كبيرة من هذا الهراء عديم الطعم في فمي لأبصقها آخذة قضمة أخرى بسرعة. وفي جزء من الوقت تصبح الشجرة جاهزة للسقوط وخفضتها بحذر بين ذراعي قبل الشروع في تقليم الفروع. بقيت حطابو الخشب بفاغر الفم طوال العملية بأكملها وهو ما لم أستطيع إلا الاستمتاع به قليلاً. وببطء على مدار أشهر تبدأ سمعتي في التحسن.

يبدأ الناس في الاعتياد عليّ. وأنا... أبدأ في الاعتياد عليهم. ما زلت أرتدي ردائي وقناعي في كل مكان تقريبا لكن لدي ملابس عادية أيضاً ولا يتفاعل الناس دائماً بالخوف عندما أزيل تنكري. وعندما أصطاد الوحوش لا أقتلها فحسب وأخذ الجثث أعمق في الغابة بل أحضرها إلى القرية سامحة للجزار بإعداد ما تبقى للآخرين. يمكنني الاصطاد كثيراً طوال اليوم والليل إن شئت مما يتيح لي بناء فائض من الطعام لقرية عانت دائماً من ذلك.

تعتذر لي أون خجلة من الخوف ومع مرور الوقت أسمح لنفسي بتصديق أنها صديقة. صديقة سخيفة جداً تعمل بجد لتربية أطفالها وحدها بشكل أو بآخر وتصر مراراً وتكراراً على سحب غطائي للأسفل للعب بأذني وركلت جيه مرة في خصيتيه لقوله أشياء وقحة عني. وهو... كان محرجا في الغالب وكنت أتمنى لو أنها لم تفعل لكنه بالتأكيد ساحر بطريقة أونية جداً. تستمر الشهور في الانقضاء وبعد أن أصبحت جزءاً من القرية لأكثر من عام قاتلتهم المتحولة إلى حامية استشعر واحدة من أقوى الروائح التي شعرت بها على الإطلاق...

وهي مألوفة. وبموجب موجة من الحرارة الحارقة تختفي دزينة من الأشجار لتتحول إلى رماد أمام عينيّ. تمشي تمبلر عليا إلى القرية وخلفها أكثر من ثلاثين تمبلراً آخرين وضعف هذا العدد من العمال مسيرة مع عربات تاركة الحجارة والملح والسم لإيقاف أجزاء الغابة المدمرة من العودة من جديد. إنه طريق. مسار واضح عبر الغابة الخطيرة وجسر بين هذه القرية وبقية العالم. إنه أمر مرعب أكثر ما كان يمكن أن يحدث لي.

بتنكري بالكامل وغطائي مرفوع وقناعي مثبت بإحكام كنت أول من رحب بالتمبلر العليا جزئياً لكوني أول من علم بقدومها. لوحت مع اقترابي وتجمع عدد قليل من القرويين الآخرين خلفي.

حيْتني التمبلر العليا: "حسن مرحباً! أنت فتاة قناع البومة. أرى أنك لم تغيري ذوقك في الأزياء على الإطلاق في العام الماضي".

أخبرتها: "القناع ذو قيمة عاطفية. تحياتي أيتها التمبلر العليا".

تمتمت أون متسللة خلفي: "انتظري قليلاً! لم تخبريني قط أنك تعرفين جالدرا المبيدة!"

أقول لنفسي لم أخبرك أنني أكلت عشرة أشخاص أيضاً. ظل ذلك بيني وبين الواعظ طوال الوقت الذي قضقته هنا. أي شخص يعرف شيئاً عن الفروثيزو يمكنه على الأرجح النظر إليّ ومعرفة أن نظامي الغذائي كان غنياً بالبشر لفترة من الوقت لكن... لا أحد هنا يعرف ذلك وإن كان يعلم فإنه يبقيه هادئاً. رغم أنه في هذه الحالة أملك عذراً جيداً لإبقائه هادئاً.

قلت بصدق: "ليس لدي أدنى فكرة عمن تكون جالدرا المبيدة. لكنني التقيت بهذه المرأة على الطريق مرة واحدة".

ضحكت جالدرا: "نعم وفعلت عملي الصالح لهذا اليوم بإثنائك عن القفز من على الحافة! وأنت على ما يبدو فعلت عملك الصالح للعام بإبقاء هذه القرية حية! بصراحة عندما غادرنا تخيلت أن كل شخص هنا سيتوفى في غضون أسبوع".

زمجر جيه: "عفواً. نحن بخير بوضوح وكنا سنكون بخير بدونك أو بدون أليفك".

انبرت أون: "ما كنت لأكون كذلك".

تذمر: "أنا أعني فقط ما الذي تفعله تمبلر عليا هنا الآن إن كانت تعتقد أننا ميتون يا لعين؟"

تجعدت أنفي تحت قناعي متوجسة قليلاً من اللغة الثقيلة. ومع ذلك لم تحصل التمبلر العليا على فرصة للرد على البذاءة إذ عرجت إجابتنا قريباً لتقديم نفسها.

حيى جريجوري بحرارة وذراعاه ممدودتان: "جالدرا".

"أرى أن طائري قام بالرحلة بعد كل شيء".

خلعت جالدرا خوذتها كاشفة عن وجه أصلع مسن وألواح من المعدن المشغول تتألق في جمجمتها حيث كان الشعر سيوجد لولا ذلك. قبلت العناق المقدم مبتسمة مباشرة لواعظنا.

"فعل حقاً. لقد قرأت رسالتك حتى بعد أن عبثت القيادة بها لشهرين. إنها اللعنة الكبرى للتمبلر العليا أن الناس يصرون دائماً على أن لدي أشياء أفضل أفعلها من الذهاب لتحية صديق قديم".

سأل جريجوري: "ما هي أخبار سكايوب؟"

"حسناً لا تزال كعكة محلاة لكن بعد ما يقرب من عامين بدأنا نجمع شتاتنا. أسوأ حالاً مما كنا عليه قبل بالطبع لكن لدينا أخيراً الأساس الموضع لتحسين الأمور حقاً في فالكا. ومن ثم... الطرق الجديدة. مرحباً بك مرة أخرى في العالم الأوسع أيها القرية غير المسمى التي لا تظهر على خريطة واحدة".

لا أقول شيئاً بينما يستمر التبادل متسائلة عما سيصبح عليه حياتي الآن. عادة ما أتنكر فقط لأن ذلك يجعل الناس أكثر راحة لكنني أستطيع غالباً الاستمتاع بالقدرة على مد أذراعي الأربعة جميعها عندما يحين المزاج. وقدمي حسناً تلك تميل إلى أن تكون واضحة ما لم أربطهما بشكل مزعج كما فعلت الآن. ومع الطريق مع ذلك يمكن للغرباء دخول القرية في أي لحظة. أشخاص لا أعرفهم أشخاص سيكرهونني بحق بمجرد الرؤية وإن كان هؤلاء الأشخاص مهمين فقد يضر القرية أن يعرفوا أنه مقبولة هنا على الأقل في الغالب.

قالت جالدرا بعد المزيد من الثرثرة مع جريجوري: "حسناً. حول نهاية رسالتك. أهذه هي التي كنت تتحدثين عنها؟"

لرعبي التام وحيرتي أجد أنها تشير إليّ.

أكد واعظي: "هي كذلك بالفعل أيتها التمبلر العليا".

"نعم إنها تشعر بالتأكيد بأنها كذلك".

توتر جسدي كله. أأخبرها؟ طوال هذا الوقت هل كانت تنتظر فرصة لتقديمي للعدالة؟ أظن... أظن أنني لا ألومه. أليس كذلك؟ لا أستحق ما مُنحت إياه هنا ولا شيء مما فعلته يعوض عن أي شيء. ومع ذلك أنا لا... لا أريد أن أموت! لا أريد الاضطرار لقتال أحد! لماذا لماذا ينتهي الأمر دائماً هكذا؟ لم أفسد حتى هذه المرة! على الأقل ليس بعد!

سألت أون: "أم آسفة ماذا تشعر لارك بأنه؟"

أجابت جالدرا مبتهجة بنفس الابتسامة التي وضعتها على وجهها منذ خلع خوذتها: "مرشحتك للتمبلر. إنها قوية لعينة لتكون واحدة بالتأكيد يمكنني معرفة ذلك القدر".

أرمشت. ماذا؟

أكد الواعظ جريجوري: "إنها كذلك. والأهم من ذلك أنني أضمن شخصيتها. منذ لقائها لم أجد في لارك سوى الحذر والفهم والذكاء والعقل الأخلاقي".

...ماذا؟

أصرت جالدرا متجاهلة احتجاجات جيه الغاضبة: "ستحتاجين إلى فصل موضوع هنا لحمايتك إن رحلت".

"حسناً لن أرفض وجود تمبلر أو اثنين حول المكان كما يليق بكنيسة في فالكا".

قالت جالدرا: "سيكون لديك خمسة. وأحضرنا فريق أبحاثك. أؤكد لك أن هذه القرية ستعتنى بها جيداً".

قال الواعظ جريجوري مومئاً بأدب: "خالص شكري".

أطلقت: "عفواً عفواً أيمكننا إبطاء السرعة ثانية واحدة؟ ما الذي يحدث؟"

سألت جالدرا باستهزاء: "بماذا يبدو الأمر؟ أنت تدعين رسمياً لتكوني تمبلر يا فتاة".

ماذا؟!

"لكن... لماذا؟ أتعرفين أنني...؟"

قاطعتني جالدرا: "أققل بكثير من الحد الأدنى للسن الطبيعي؟ نعم لكن يمكننا إبقاء ذلك لطيفاً وهادئاً متخذين استثناء معقولاً لظروفك... الفريدة".

غمزت لي. تمبلر عليا للتو... غمزت لي.

زقزقت أون رافعة يدها لفرك قمة رأسي بحماس: "آه يا لارك هذا رائع! ستكونين تمبلر؟ من الأفضل أن تكتبين!"

...لكن لا أحد منا يعرف القراءة.

قال لي الواعظ جريجوري: "أخبرتك يا لارك. مراقب الضباب يقبل كل الأنواع. يقع في سلطتي ترشيحك لهذا المنصب وأعتقد أنه الطريق الذي ستفعلين فيه أكبر قدر من الخير".

"لكنني-"

قاطعمي جريجوري بلطف لكن بحزم: "يا لارك. لقد كنت هنا لمدة عام. أتحقق أي من مخاوفي؟ أاقتربت بشدة قط؟"

أغلقت فمي. إنه على حق. لم يقترب من ذلك أبداً. لكن...

"لقد كنت حريصة على ألا أبقى بلا أكل أبداً. وألا أصاب بجروح خطيرة أبداً. تمبلر-"

"يا لارك ستكونين على ما يرام. وإن حدث ما تخافينه حقاً فأي مكان أفضل من أن تكوني محاطة بمن هم الأرجح قادرين على إيقافك؟"

تلك نقطة جيدة في الواقع. لكن... لا أريد المغادرة. لقد عثرت أخيراً على مكان أشعر فيه بالراحة تقريباً. حتى مع الطريق يجب أن أكون قادرة على التدبير. يجب أن أكون قادرة على المساعدة أكثر مما أؤذي. لماذا يجب أن يتغير كل ذلك الآن؟ ...كلا أعرف إجابة ذلك مسبقاً. الأمر ليس متعلقاً بي. ليس بالأمكان الذي سيجعلني أسعد. ما يقوله الواعظ جريجوري هو أن هذا ليس كافياً. إنه ليس نوع الخير الذي أستطيع أو ينبغي أن أفعله.

يجب أن أكون أكثر من هذا. التمبلر هي حيث يعتقد أنني سأفعل أكبر قدر من الخير. وعليّ فعل الخير. أدين للعالم بأكثر مما يمكنني رده. أنا... يجب أن أفرخ فخر أوغست.

سألت التمبلر العليا: "إذن؟ لن أجرك بعيداً إن لم ترغبي في المجيء لكن لدي الكثير من المحطات للتوقف عندها قبل العودة إلى سكايوب وأتمنى التحرك. أأنت في الداخل أم الخارج يا مرشحة التمبلر لارك؟"

ابتلعت ريقي ناظرة بفراغ إلى الأمام. أعطتني أون دفعة خفيفة بوركها وعلامة إبهام للأعلى لكنني بالكاد لاحظت ذلك. كنت مرتبكة ومخفوقة ومغمورة. لكنني أجبْت.

أخبرتها: "أنا في الداخل".

والشيء التالي الذي أعرفه هو أننا متوجهون إلى سكايوب.