تلاشى آخر وميض للضوء وراء الجبال. اكتسح ظل داكن الأرض بينما تناثر غبار النجوم متلألئاً في سماء الغسق. كانت الدنيا ساطعة كالنهار قبل لحظة. أمّا الآن، فما عادت كذلك. تحول النسيم اللطيف سابقاً إلى رياح باردة، تلسع وجه إليسا وعنقها. ما كانت تنوي البقاء خارجاً بعد حلول الظلام. عزمت عند انطلاقها على بدء رحلة العودة إلى... «منزلها» أو أياً كان ذلك المبنى إن تأخر الوقت كثيراً. لكن رؤية المدينة من بعيد أيقظت شوقاً ملحاً لتعود الأمور إلى نصابها. لم تبدُ بعيدة جداً من قمة التل. ظنت أنها ستصلها وقت الغداء ويبقى متسع من الوقت للعودة بعدها إن لزم الأمر. ولم يساعد الأمر أن هاتفها المحمول أكد أن الوقت لم يتجاوز السابعة والنصف مساء. كان المفترض أن يتسع الوقت قبل الظلام على أقل تقدير. ما يعني ببساطة أنها أبعد عن منزلها مما ظنت. وربما في منطقة زمنية أخرى حتى. شبكت إليسا يديها على ذراعيها، تفركهما صعوداً وهبوطاً محاولة التدفئة. حبذا لو حظيت ببعض مواقد اليد الكيميائية. كانت والدتها تفضل حضور مباريات كرة القدم في الكلية المحلية، وغالباً ما تقام في الشتاء. تذكرت إليسا امتلاكهما لنوعين؛ الكيميائي وتلك الإلكترونية الفاخرة القابلة لإعادة الشحن. كان وضعها في حقيبتها أمراً في غاية البساطة. لكنها لم تفكر في الأمر فحسب. خطأتان فادحتان ولم يمضِ يوم كامل بعد. السبب الوحيد لعدم أصابتها بالذعر حتى الآن هو قدرتها على إشعال النار. ستؤدي الفأس وأداة إشعال النار في حقيبتها الغرض جيداً مع الكثير من الأشجار التي مرّت بها. ربما. فقد يكون أي حطب تجمعه من الأشجار طرياً أكثر من اللازم ليلتهب بسهولة. مع ذلك، لا بد أن أغصاناً ميتة تنثرها الأرض حول الأشجار. "علاوة على ذلك،" تمتمت لنفسها وهي تنفخ هواءً ساخناً على يديها، "الجو ليس شديد البرودة بعد. لا بد أن المدينة قريبة." وبينما استطاعت رؤية الضوء فوق قمة التل التالي، تساءلت بمرارة عن عدد المرات التي كانت فيها هذه الكلمات آخر ما نطقت به ألسنة المتجمدين حتى الموت. تلٌ إضافي فحسب. إن لم تكن المدينة تقع خلف قمته، فستتوجه... ربما إلى التل الذي يليه. لم ترغب البتة في قضاء الليلة في العراء. فهي لم تحضر معها أي نوع من أكياس النوم أو الخيام. كا-كاو. كا-كاو. وتلك الغربان. استطاعت إليسا تمييز العيون الخرزية الصغيرة تراقبها، حتى في الضوء الشحيح الصادر عن القمر الرمادي. حملت كل شجرة مرّت بها غرابانً جائماً على أغصانها. لم ترها تطير قط ولم ترَ أكثر من واحد في المرة الواحدة. إما أنها تنتشر في كل مكان، أو أن واحداً منها يتسلل متتبعا خطاها. والأرجح هو الاحتمال الثاني. تشابهت جميعها بريشها الأسود الأملس وخصلتها الشيطانية أسفل مناقيرها. كان بإمكانها إضاءة مصباحها الكاشف وإخافة الطيور على الأرجح. غير أن وجود ضواري حقيقية في الجوار يجعل من النقطة المضيئة لافتة ضخمة لكتابة «بوفيه مفتوح لكل ما تحتسي وتأكل». اكتفى القمر بضوء كافٍ. للآن. وحال هبوطه تحت الأفق فلن تملك خياراً. لكنه لن يفعل قريباً. علق القمر عالياً في كبد السماء، منتصفاً إياها تماماً. وظلت الحلقات محيطة به كذلك. لم تكن متأكدة من كمية الضوء المنبعث منها، لكنه قدر لا باس به على أي حال. كلما مشت أكثر، داعب عطر أنفها. رائحة مألوفة، لكنها عجزت عن تحديد كنهها حتى اللحظة. النعناع. حقول النعناع الأخضر الطازج. أحد أحب أشياء إليسا إلى نفسها عند القيادة في الطرق الريفية. بالطبع، تضع السيارة مسافة فاصلة بينها وبين الحقول، حتى مع فتح النوافذ. أما المشي فعلياً بين النباتات التي تصل إلى الركبتين فيشبه حشر زجاجة من خلاصة النعناع داخل أنفها. أقل راحة بكثير، لكنها افترضت وجود روائح أسوأ في الجوار. ظربان مدهوس على الطريق، مصنع تعبئة اللحوم، وحتى مزرعة الأبقار التي تحيط بها دائماً سحابة كريهة من الروث. وفّضلت النعناع بمراحل في هذا الصدد. بلغت إليسا قمة التل التالي وتسمرت في مكانها، فتبددت تماماً كل أفكار الروائح من رأسها. استقرت المدينة عند قاعدة المنحدر الهادئ مباشرة. لقد وصلت. ومع ذلك... لم يتماشَ لفظ المدينة مع ما رأته. حتى كلمة بلدة بدت ضخمة. قرية؟ ربما. تشبه مستوطنة أكثر. لولا أن المباني بُنيت من أحجار الرصف حتى منتصفها ثم الخشب والأردواز في سقفها، لظات أنها تعثرت بطريق الخطأ في نوع من القبائل الرحل. بدا معظمها لا يتجاوز حجم غرفة نوم والديها. وربما كان بعضها أصغر حجماً. شُيّد مبنيان أكبر حجماً على أحد جانبي القرية الرئيسية. قد يكونان حظيرتين بفضل جدارنيهما العريضين وأسقفهما المائلة. امتد رخام أسود شامخاً نحو السماء خلف القرية، متطاولاً فوق الأكواخ الضئيلة. كادت تخطئه بسبب اندماج ظلاله مع العتمة. وحدها استعارتها للشكل عند رؤيتها الأولى للقرية وملاحظتها لحجب الحلقات في السماء دفعتاها لتأمله بما يكفي لرؤيته. وما طابق القرية أبداً. بصرف النظر عن مادته، بلغ ارتفاعه ستة طوابق على الأقل، أي ثلاثة أمثال ارتفاع أكبر حظيرة. ناهيك عن أبراج جرسها. تُوجت الزوايا الأربع بقمم قوطية حادة ذات حواف مسننة، وخامسة في الوسط تماماً، أعلى من البقية. لمعت النوافذ الطويلة في الظلام، وكل منها ينتهي بقوس حاد في أعلاها. وقفت إليسا تحدق في المبنى المزعج. ربما لو حظي ببعض الأضواء المنيرة للأبراج والنوافذ، لما بدا بهذا السوء. لكنه خلا منها. وحدها أنوار القمر أضاءت سطوحه المائلة والمعتمة. وما زاد الأمر إثارة للرهبة، مقبرة امتدت خلفه مباشرة. استطاعت تمييز آلاف الشواهد الصغيرة، بأسلوب عمودي موحد تتوسطه قمة مثلثة مدببة. لا بد أنها بمساحة القرية على الأقل. وربما أكبر. وازدحم سكانها بكثافة تفوق بكثير منازل البلدة الصغيرة. هبت هواء باردة، دافعة إليسا للتحرك. فحتى لو كان أشد المباني إخافة التي رأتھا يوماً يرافقها مقبرة ضخمة بجانبها، فلا يمكنها الوقوف طوال الليل فوق قمة تل. على الرغم من التأخر الظاهر للوقت، لم تغطِ المدينة في النوم قط. استعرت نار مخيم ضخمة في وسط المدينة بألسنة تكاد تلامس ارتفاع الحظائر. رقص الناس واحتفلوا من حولها. استطاعت رؤية أشكالهم الضئيلة تتحرك بانتظام حول النار، وتغوص جميعها أحياناً دفعة واحدة لترفع أيديها فوق رؤوسها في الخطوة التالية. وهي تشق طريقها نزولاً، شعرت إليسا ببهجتها تخبو مع ملاحظتها لمزيد من التفاصيل حول القرية. أو سكانها بالأحرى. وخلال عبورها شوارع التراب، مرّت بمجموعات مجتمعة من الناس. شرب الجميع وضحكوا، ولوّح عدة أشخاص وابتسموا لها. يبدون كجموعة ودودة بحسب المظهر. لكن ملابسهم أصابت إليسا بعدم الارتياح لمجرد النظر إليها. بدا القماش خشناً ورديئاً. ربما ليس رديئاً، بل مصنوعاً يدوياً. بالكامل. وكأن أي آلة حديثة لم تتدخل في أي مرحلة من مراحل حياكة أزيائهم. ارتدى الرجال جميعاً قمصانًا طويلة الأكمام وفوقها نوع من السترات. وتنوعت ألوان السترة بين الأسود والبني، والقميص بين الأبيض والبني. وارتدت النساء فساتين طويلة بالكاد تلامس الأرض. وشمل كلا النمطين من الملابس طبقة وفيرة من الأتربة. وربما كانت بعض القمصان البنية بيضاء في فترة ما. وغطى رؤوس الجميع دون استثناء نوع من القبعات. "مهلاً، أيها المسافر!" انتفضت إليسا، مدركة أن أحدهم يخاطبها. رجل طاعن في السن، ومثله كمثل معظم رجال المكان، حظى بلحية كاملة من الشعيرات المتشابكة المتدلية من ذقنه. أمسكت إحدى يديه باسترخاء بزمام حمار يتبعه مباشرة، جاراَ عربة ممتلئة ببراميل تصدر صريراً متقطعاً مع كل خطوتين. اقترب بابتسامة طيبة تخفيها لحيته. "أأعرض عليك شراباً؟" سأل، منتقلاً إلى جانب عربته ومستخرجاً قدحاً خشبيّاً سميكاً من الخلف. "لا!" قالت قبل أن يبدأ ملأه من إحدى البراميل. وإدراكاً منها لمدى فظاظة ردة فعلها ورغبة في عدم إهانة الرجل بينما تحتاج لمساعدته، أضافت بسرعة: "أعني، لا شكراً. ربما لاحقاً. في الواقع، أنا أحتاج... كنت أتمنى..." تلاشت كلمات إليسا، وهي تلتفت برأسها نحو الناس وملابسهم والمباني، وأخيراً القمر الغريب والحلقات في السماء. ومع تنهيدة، نظرت مجدداً إلى الرجل. "ألا تظن أنك تعرف مكان أمريكا؟" "أمريكا،" ردد، ممرراً أصابعه الغليظة في لحيته. "لا أزعم معرفة أحد بهذا الاسم. أرفيق سفر لك؟" "شيء من هذا القبيل،" قالت إليسا وهي ترخي كتفيها. كان ذلك تقريباً ما توقعته. فما بين السماء، وكيفية ومكان استيقاظها، وهاته القرية، تكون لديها شعور جازم بأنها لم تعد على الأرض. وما هذا إلا تأكيد إضافي. على ما يبدو، مستشعراً إحباطها، وضع الرجل يداً على كتفها ومنحها ضغطة مواساة. "لا تقلقي. ستودين مراجعة يزهمال في النزل. لا يتوقف أحد في البلدة دونه." "ربما أفعل ذلك،" تمتمت وما إن شق صفير حاد الهواء. قفزت إليسا، مطرقة ببصرها حولها حتى لاحظت أثر الشرارات في السماء فوق نار المخيم. وبصوت فرقعة قوية، امتلأت الأجواء بشرارات ملونة. وانطلقت عدة أصفرار أخرى، ترافق كل منها فرقعة ثم أضواء في السماء. صفق الرجل الذي التفت لمتابعة الألعاب النارية بيديه مرتين وأحنى رأسه. وما إن رفع رأسه أخيراً —إذ لم ترغب إليسا في مقاطعته— حتى تنحنحت قائلة: "نوع من المهرجانات الجارية؟" "ألا تعلمين؟" التفت مجدداَ، مبتسماً لكن الابتسامة لم تصل لعينيها الداكنتين. "أنا آسف. ظننتك أتيت هنا في حج. يقصد الكثيرون الحج للمشاركة في ميسيس فيسبيري." ويبدو أنه لاحظ نظرتها الخاوية فاستطرد. "نحتفي لثلاثة أيام بجمال ونعمة تينيبرايل السماوية في حفل ختامي مهيب أمام معبدها عند حلول الظلام في اليوم الثالث." "تـ-تينيبرايل، فهمت،" قالت إليسا، مجبرة نفسها على الابتسام رغم مزاجها المتأزم باطراد. منطقي، أن ينتهي به المطاف في بلدة مفعمة بمتملقي تلك الملاك السادية. "أتدرين عنها؟ جيد، جيد!" مجددا، بلغت ابتسامته عينيه. "يمكنك قول ذلك." "إذن تعالِ! واشربي! وافرحي! فالليل يافع وما بدأنا إلا توّاً!" رفع البقية في الشارع كؤوسهم وهتفوا بصيحة بهيجة. شعرت إليسا بأن ابتسامتها تزداد تكلّفاً. لم تكن ترغب في إهانتهم. لا سيما بأي أمر قد يُعد هرطقة ضد «تينيبرايل السماوية» الخاصة بهم. لم تبدُ مواجهة غوغائية غاضبة أمراً صحياً جداً. وفي الوقت ذاته، لم تكن تحبذ المشاركة في الاحتفال بكائن شنيع كهذا. "في الواقع، إن لم تمانع، أترشدني إلى ذلك النزل؟ أخشى أن أسفاري جعلتني شديدة التعب." سقط وجهه، لكن للحظة واحدة فقط. "بالتأكيد،" قال. "ربما تحتفلين في الغد." "نعم. يبدو ذلك رائعاً،" قالت، متمنية أن يبدو صوتها الفاتر مقنعاً بما يكفي.
العرش الشاغر الفصل 8 — عالم جديد بالكامل - مدينة..؟
اقرأ العرش الشاغر الفصل 8 — عالم جديد بالكامل - مدينة..؟ باللغة العربية على مانجا تايم.