تمر عشر الدقائق أبطأ بكثير حين ينتظر المرء حدوث شيء. خصوصاً عندما لا تتوكد أليسا تماماً من وقوع ذلك الشيء في الأصل. حين غادرَت مختبر إيرولون، وإن يكن بغير إرادتها، كان هناك حاجز سحريّ كسريّ يغلق الباب الوحيد للخروج. بعثت برسالة إلى كاسيتا تطلب منها هبوطاً مرتديةً قناع إيرولون لتصدر الأوامر لحراس القصر. لكن تلك الخطة فشلت برمتها في خطوتها الأولى إن عجزت كاسيتا حتى عن مغادرة المختبر.
ظل حراس القصر متصلبين في عنادهم. حام ديكوروس نحو البوابة الرئيسية وبدا كأنه يخوض نقاشاً حاداً مع الحراس. وقف الحارس ذو الدرع الأسود منتصباً وثابتاً، رغم أنه ورفاقه من الفرسان قد توتروا عند اقتراب ديكوروس للمرة الأولى. كان جلياً في لغة جسدهم أنهم يتمنون لو يرحل هذا الرجل وحسب. تحركت أيديهم نحو سيوفهم مقتربةً أكثر مما كانت عليه من قبل. أما قائد الحراس المركزي، الذي حمل على صدره شعاراً أرجوانياً صغيراً ليميزه عن البقرة، فقبض على يديه بقوة بقدر ما تسمح به قفازاته الحديدية.
وتقدم من كانوا في الخلف قليلاً لدعم رفاقهم إن دعت الحاجة. ولكن ليس بالقدر الذي يترك فراغات على طول الجدار. لم يبدُ على ديكوروس أي اهتمام بتحركات الحراس إن كان قد لاحظها من الأساس. كان تركيزه منصباً بأكمله على القائد. لم يكن يصيح أو يغضب على نحو ما يفعله بعض الزبائن خلف طاولة متجر تحسين المنازل، لكنه بوضوح لم يكن سعيداً. وكل بضع كلمات ينطق بها كانت تصاحبها حركة حادة بيده عبر خصره.
كان حارس القصر يمقته بالمقاطعة بين الحين والآخر، لكنه كان يفعل المثل بالقدر ذاته من التكرار. عجزت أليسا عن الفهم. فعدم السماح لأي مدني عشوائي بالدخول يبدو مفهوماً إلى حد ما. لو كانت هي مسؤولة عن الأمن لما رغبت في وجودها هنا أيضاً. لكن حراس المدينة؟ القصر يتعرض لهجوم. أو هكذا كان، لكنهم لا يدركون أن الجنية التي في حقيبتها قد دفعت بكل الوحوش للعثور على المسؤولين الفعليين عن هذا الهجوم.
كان الأمر أشبه بحكاية مجموعتين رئيسيتين تفترض أوسكار أن لهما أهدافاً متشابهة ظاهرياً لكنهما تختلفان جذرياً في بنيتيهما التنظيمية. فحراس القصر لا يستجيبون إلا للعائلة المالكة. ولا حتى لكل فرد فيها. فالعائلة المالكة تضم عدداً كبيراً من الأفراد على ما يبدو. لدى إيرولون ستة إخوة أكبر سناً، إضافة إلى أبيها. ثم لديها نحو عشرين أخاً وأختاً أصغر سناً، معظمهم أطفال ومراهقون.
ولم يكن الفرعون طفلاً وحيداً، إذ كان له إخوة وأخوات بدوره، ومعظمهم أنجبوا ذريتهم الخاصة. لكن حراس القصر لا يقبلون الأوامر إلا من الفرعون وسلالة عائلته، شريطة ألا يقل عمر أحدهم عن سبعة عشر عاماً. فإن لم يوجد أفراد صالحون من العائلة المالكة، يبدؤون بالتفرع. أولاً نحو الإخوة الأصغر، رغم أن ذلك يتوقف عند سن الثالثة عشرة على ما يبدو، فمن هم دون ذلك يُعدون أصغر من أن يدركوا اتخاذ القرارات.
وبعد ذلك، يتفرعون أخيراً إلى أعمام إيرولون أو عماته. أما حراس المدينة، من جهة أخرى، فكانوا يتبعون النبلاء. وغالباً ما كان النبلاء أصحاب أراضٍ وحكاماً لمدن وبلدات وقرى أخرى. وإن لم يكن جميعهم كذلك. فقد تمكن بعضهم من شق طريقهم نحو النبالة عبر الثراء الفاحش كتجار كبار وما شابه، ومنح القليل ألقاباً نظراً لأعمال جليلة أدوها هم أو أجدادهم في خدمة الفرعون. وغالباً ما كانت الفئة الأخيرة أقل تأثيراً على حراس المدينة لأنهم يسهمون بعدد أقل من الرجال، إذ يُستجنف معظم جنود حراس المدينة من فلاحي أراضي النبلاء.
ومن يسهم بأكبر عدد من العناصر والأموال يحظى بالتأثير الأكبر. مع ذلك، تمتع حراس المدينة بقدر أكبر بكثير من الاستقلالية. صحيح أن النبلاء يستطيعون إصدار الأوامر لهم، لكن معظم القرارات يتخذها القادة في الواقع. ورغم امتلاكهم قصوراً داخل المدينة، وهي المباني ذاتها التي تحيط بالقصر حيث تقف أليسا في هذه اللحظة، إلا أن معظم النبلاء يفضلون قضاء أوقاتهم في مقاطعاتهم الخاصة، يديرون شعوبهم وجيوشهم، ولا يقيمون في المدينة سوى لأيام معدودة في السنة.
ومن هنا جاءت تلك الاستقلالية. أثارت العداوة بين المجموعتين الحيرة في عقل أليسا. فحراس القصر يعرضون العائلة المالكة لخطر أكبر حين يرفضون السماح لحراس المدينة بالمساعدة. إنه أمر جنوني.
تمتمت أليسا لنفسها: "ألا يدركون ذلك حقاً؟".
توقفت تمتمات أوسكار فوق الخريطة على الطاولة حين رفعت رأسها. فمنذ أن غادر ديكوروس للتحدث مع حراس القصر، شرعت أوسكار في إلقاء التعاويذ على الخريطة. تعاويذ تعقب، استناداً إلى أسماء بعضها، رغم أن أليسا لم تكن تدري ما الذي تحاول العثور عليه. ربما أعضاء جمعية الظل المحترق. واستناداً إلى العبوس والنظرة الحادة، لم تكن جهودها تُثمر.
"أدركون ماذا؟"
"أوه فحسب... أنهم بحاجة إلى المساعدة لضمان سلامة القصر. كم عدد المتواجدين هنا؟ مئتان وخمسون شخصاً؟ جميعهم سيافجون مدربون. وكم قلتي إن لديهم؟ مئة؟ وهذا الرقم يشمل الحراس الذين كان مفترضاً تمركزهم حول القصر وداخله. أشخاص ربما لقوا حتفهم الآن".
قالت أوسكار وهي تومئ برأسها: "مرجح جداً".
"إذن كم شخصاً يقف هنا للحراسة؟ ربما لا يتجاوز العشرشرين شخصاً من يحاولون تمشيط القصر. إنه مكان ضخم للغاية!"
أصدرت أوسكار صخباً موافقاً.
"هم قلقون من أن نقوض السلطة الملكية بطريقة ما. فإن فقد الملوك نفوذهم، كسب النبلاء نفوذاً".
"لكنك لست بصدد فعل شيء كهذا... أليس كذلك؟"
قالت أوسكار، رغم أن أليسا لم تفوت نظرة عينيها اللتين التفتتا نحو ديكوروس: "لن أفعله. لكن الأمر لا يقتصر علي وحدي. فبين رجالي، يوجد ما لا يقل عن خمسة عشر نبيلًا من مختلف مراتب الحياة. وما دمت أراقبهم بعيني، فلن يحاول أي منهم فعل شيء. وأنا لا أؤمن أن أحداً سيحاول أساساً، لكن ثمة دائماً احتمالاً بأن تكون بيوتهم قد أصدرت لهم أوامر لا أعلم عنها شيئاً".
جزت أليسا على أسنانها. بدا الأمر وكأن حراس القصر محقون تماماً في منع حراس المدينة من الدخول. أسيقتتل هؤلاء القوم لو تعاونوا معاً؟ ربما.
"أنت أحجية حقيقية حقاً".
طرفَت أليسا ببصرها والتفتت لتلتقي عيناها بعيني أوسكار.
"ماذا؟"
"تبدين وكأن لديك عادة في العثور على التهديدات التي تهدد المدينة".
آه. هذا الأمر. لم تستطع أليسا منع نفسها من السخرية.
"ليس عن قصد أو اختيار، أؤكد لك ذلك. لو استطعت العيش حياة هادئة ولطيفة لا اضطر فيها للتعامل مع مسائل الموت والحياة كل يوم، لفعلت".
"ما الذي يمنعك؟"
ابتسمت بابتسامة باهتة وقالت: "قوى خارجة عن إرادتي. رغم أنني أتطلع للسيطرة على تلك القوى، أو القضاء عليها، أو تجنبها بطريقة ما. بيد أنني لم أحظَ بالكثير من الوقت مؤخراً لإجراء الأبحاث حقاً. أمور كهذه لا تفتأ تظهر فجأة. تبّاً، أنا بحاجة إلى إجازة. وإلى غفوة".
قالت أوسكار وقد لان نبرتها الصارمة بطبيعتها قليلاً: "ممم. أستطيع أن أدرك منذ الآن أن هذه ستكون ليلة بلا نوم بالنسبة لي. رغم أنني أتساءل عما إذا كنا نضيّع وقتنا هنا".
"ماذا تقصدين؟"
"أرسلت لي رسالة قبل قليل. اثنتين في الواقع. واحدة تحذر من قتلة الظل، والأخرى عن المسخ. ربما غاب عن بالك، لكنني أتساءل كيف ستتمكن أختك من جعل إيرولون تنزل من قمة القصر بينما هي... مصابة بجروح بليغة، أكان الأمر كذلك؟"
"آه..."
تحركت أليسا في وقفتها.
"أقلت ذلك؟"
"قلتِ".
"آه. حسناً. ربما أرسلت الرسالة على عجالة قبل أن أدرك الموقف تماماً. فقد للتو انتهيت من الهروب مطاردة من قمسخ بعد كل شيء"، قالت أوسكار بضحكة متوترة.
"إذن الأميرة ليست مصابة".
"لم أقل ذلك. قلت فحسب إنها قد لا تكون مصابة بالسوء البالغ الذي قد توحيه كلمة بليغة".
"تطلبين من أختك مرافقجة أميرة مصابة عبر قصر قد يكون ملىء بالوحوش. ما مدى كفاءتها؟"
"آه..."
فركت أليسا مؤخرق رأسها. وأنقذتها حركة في طرف عينيها من الاضطرار للإجابة. انفتحت أبواب القصر الرئيسية على مصراعيها. وتقدمت إيرولون بخطى واثقة وكأن المكان ملك لها، ويكتنفها من الجانبين حراس القصر ذوو الدروع السوداء. التفتت أليسا لتواجه القصر، لكنها رمقت بـ طرفة عين أوسكار التي تجمدت تماماً الآن.
قالت بابتسامة: "يبدو أنها كفؤة للغاية".
لم ترد القائدة لأن الأميرة شرعت في الحديث، فاختارت التحديق بدلًا من ذلك.
"حراس القصر! انتبهوا!"
استدار كل حارس قريب باستثناء الاثنين اللذين يقفان بجانب إيرولون نحوها، ووضعوا ذراعاً عبر صدورهم، وركعوا على ركبة واحدة. تحركوا جميعاً بتزامن تام جعل أليسا تتساءل عن عدد ساعات التدريب التي أفرغت في أداء تلك الانحناءة. تحرك حراس المدينة أيضاً لإظهار الاحترام، لكنهم لم يصلوا إلى حد الركوع.
"عليكم الانضمام إلى حراس المدينة في تمشيط القصر وتطهيره من جميع التهديدات".
رفع قائد حراس القصر، الجاثي بجانب ديكوروس، رأسه.
"لكن أيتها الأميرة إيرولون، لدينا..."
تردد حين التقت نظراتهما، وتراجعت يده نحو سيفه.
"أنت لستِ..."
"ثغرة"، قطعت إيرولون كلامه بحدة قبل أن يفعل أو يقول المزيد.
واختفت بطاقة كانت بين أصابعها. ارتد القائد فجأة عائداً إلى وضعية الركوع الكاملة التي اتخذها قبل رفع رأسه. وبدأ يتحدث مجدداً، لكن كلماته تداخلت، فكانت تارة تخرج بعدة كلمات ملفوظة دفعة واحدة، وتارة يبدو الكلمات المفردة وكأنها سُجلت على اسطوانة معطلة. ثم ومض مرة أخرى، ناظراً هذه المرة بعيداً عن القصر بقبضتين مقبوضتين في الوضعية ذاتها التي اتخذها أثناء جداله مع ديكوروس.
أعيد ضبطه مرة أخرى، راكعاً. نظرت إيرولون حولها بعينين ثاقبتين، متمنية لو تجرؤ أي نفس أخرى على التحرك ضدها. لم يتحرك أحد.
قالت إيرولون وهي تشير بإصبعها نحو حارس قصر عشوائي قرب القائد الذي يعيد ضبط نفسه باستمرار: "أنت. ما اسمك؟"
أطرق الفارس برأسه، ناظراً إلى الأرض.
"أو-أوڠدن".
"مبروك يا أوڠدن على ترقيتك. وقبل أن ترتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه سلفك، اسمح لي أن أحيطك علماً ببعض الحقائق: لقد قضيت يوماً سيئاً. وأنا واثقة من أنك لا تحتاج إلى أن أشرح لك السبب. ولست في مزاج يحتمل أي عصيان للأوامر. وكل ما تحتاج إلى معرفته هو أنه كلما انتهت هذه الفوضى أسرع، عاد الجميع أسرع إلى حياتهم الطبيعية. أتعرف عدد الغرف الموجودة داخل القصر؟"
"لا يا س-سيدتي".
"ثلاثة آلاف ومئة وسبع وثلاثون غرفة. ومع تقسيم حراس القصر إلى ثلاث مجموعات، وافتراض أن بحث كل غرفة يستغرق خمس دقائق فقط، أتعرف كم سيستغرق تمشيط كل غرفة داخل القصر بالكامل؟"
"لا يا سيدتي".
"سيستغرق ذلك ثلاثة أيام وأربع عشرة ساعة وثلاثين دقيقة. هذا بافتراض عدم وجود استراحات أو قتال. ومن الواضح أن هذا أمر غير مقبول. ولتحقيق هذه الغاية، سيتم تقسيم حراس المدينة. سيكون هناك حارسا قصر كحد أقصى لكل مجموعة. وينبغي توزيع حراس المدينة بالتساوي بين حراس القصر. أوامركم هي تطهير القصر بأكمله من أي تهديدات عدائية. قد توجد وحوش داخل القصر. وهناك حتماً امرأة في الداخل. كانت ترتدي عباءة ذات قلنسوة، لكنها قد تكون متنكرة الآن في زي خادمة، ولذا، يجب احتجاز جميع الخدم حتى يتم التحقق من هوياتهم. أأوامري واضحة يا أوڠدن؟"
رفعت إيرولون بطاقة سحرية أخرى.
"أم أنني بحاجة إلى العثور على شخص آخر يستطيع الإصغاء إلى توجيهات بسيطة".
"ل-لا يا سيدتي... أعني نعم يا سيدتي. أعني... حالاً يا سيدتي!"
"أوفو~ حسنٌ. هذا ما أود سماعه. يمكنكم البدء".
اخترقت إيرولون الرجل بنظراتها بينما وقف على ساقين ترتجفان. رمق أوڠدن الرجل الذي حل محله بنظرة واحدة قبل أن يستدير.
"سمعتم الأميرة! لنتحرك".
وشرع يشير نحو الأشخاص، سواء من حراس القصر أو حراس المدينة، وبدأ يطلق الأوامر بصياح. كان حراس المدينة أكثر تردد بكثير في الانصياع، وغالباً ما كانوا يلتفتون إلى ديكوروس أو أوسكار، لكن أياً منهما لم يبدُ معارضاً لأوامره. رغم أن ديكوروس بدا جلياً وكأنه يرغب في ذلك. فقد استقر وجهه في عبوس عميق، لكن نظراته المتكررة نحو حارس القصر الواقع تحت تأثير الثغرة كانت كفيلة بإلجام لسانه.
نادت إيرولون عبر الباحة: "أليسا، إليّ".
"آه. حسناً، سررت بالحديث معك أوسكار. من الأفضل ألا أحتجز الأميرة..."
هوت يد مرتدية قفازاً على كتف أليسا قبل أن تبتعد خطوة كاملة. سحبتها أوسكار إلى الخلف ووضعت شفتيها مباشرة بجانب أذن أليسا.
همست أوسكار بصوت خفيض للغاية بالكاد تستطيع أليسا سماعه رغم قربهما: "تلك ليست إيرولون. الرجل الذي سحرته بالتعويذة كان أحد القلائل القادرين على كشف ذلك. ما هذه التعويذة؟"
تشكلت غصة في معدة أليسا فور سماع كلمات أوسكار. بطبيعة الحال، كانت أليسا تعلم أن إيرولون هذه هي كاسيتا. لكن لم يكن مفترضاً بأحد غيرها أن يدرك ذلك. هذا كل ما في الأمر. الأمر الذي طالما قلقت بشأنه كاسيتا منذ أن التقت بها أليسا لأول مرة. فأوسكار قادرة على كشف المقلدين. وكان على أليسا نزع فتيل توترها قبل أن تشير إليها أمام أي شخص آخر.
"ح-حسناً... هذه... إنه حارس القصر. سيعود إلى طبيعته خلال عشر إلى عشرين دقيقة".
غاصت أصابع أوسكار في كتف أليسا.
"فسري".
"الثغرة. شرحت لي إيرولون أمرها ذات مرة. ستبقيه حبيساً في زمن مشوه حتى تنتهي صلاحية التعويذة".
"هذا طويل جداً. وبدونه، إن أمرت الأميرة المزيفة حراس القصر بمهاجمتنا، فسيفعلون".
"من الأفضل إذن التصرف وكأن شيئاً لم يكن، أليس كذلك؟ أعتقد أنني سأكتفي بـ..."
حاولت أليسا الابتعاد، لكن قبضة أوسكار الحديدية لم ترتخِ.
"الأميرة المزيفة ليست مصابة بأذى بتاتاً. كنتِ تعلمين ذلك. وتعرفين أنها ليست إيرولون الحقيقية".
انقبض العقد في معدة أليسا بقوة حين شعرت بشيء حاد يغرز في ظهرها. في الوقت ذاته، وضعت كاسيتا يديها على خاصرتها.
"أثمة مشكلة يا أليسا؟"
نادت أليسا بصوت مرتعش قليلاً: "ل-لا"، واجفلة بخفة حين ضغط الخنجر بقوة أكبر.
"لحظة واحدة".
اتسعت عينا كاسيتا الأرجوانيتان، مدركة على الأرجح ما يدور. وتقدمت إلى الأمام، لتتوقف فجأة حين لوحت أليسا بيدها. بطريقة ما، وجب على أليسا نزع فتيل هذا الموقف دون أن تأمر كاسيتا حراس القصر بمهاجمة حراس المدينة. والعكس صحيح في حالة أوسكار. بدت الحقيقة بداية جيدة. إذ بدت أوسكار من النوع الذي يستجيب بشكل جيد لإخباره بكل شيء. والمشكلة الحقيقية تكمن في ما إذا كانت ستصدق الحقيقة أم لا.
طريقة واحدة لمعرفة ذلك.
"إيرولون التي هناك هي مقلدة".
غاص الخنجر في ظهر أليسا بعمق أكبر قليلاً، لذا شرعت تتكلم بسرعة أكبر. دون أن ترفع صوتها أكثر مع ذلك. فكلما قل عدد العارفين بهذا الأمر، كان ذلك أفضل.
"إيرولون الحقيقية تقبع في قمة البرج تحت تعويذة ركود. وهي مصابة لدرجة أنه إن زالت التعويذة، ستموت خلال خمس دقائق تقريباً".
توقف أليسا لتأخذ نفساً. واعتبرت علامة جيدة ألا يكون الخنجر قد غاص أكثر في جلدها، إذ كانت تحاول طرد صور أمعائها وهي تتناثر تحت يدي السارق.
"أعلم أنك قد لا تصدقين ذلك، لكننا نحاول فقط إنقاذ حياة الأميرة إيرولون".
عضت أليسا على شفتيها وانتظرت. استطاعت سماع أوسكار تطحن أسنانها ببعضها. أكان ذلك جيداً أم سيئاً؟ سيئاً على الأرجح. بتردد دام لحظة واحدة، حاولت المشي قدماً. ولمفاجأتها، سقطت يد أوسكار عن كتفها. والتفتت أليسا لتحدق وشعور فظيع يتصاعد في جوفها. بدت المرأة... وكأنها تعرضت للخيانة.
قالت أليسا: "أنا آسفة. لكن إيرولون ظلت في حالة ركود لعدة ساعات بالفعل. ولا يمكنني المخاطرة بعدم وجود المزيد من المشتتات التي تؤخرني أكثر".
"إن... إن كانت قصتك صحيحة، فيجب أن نطلب المعالجين".
أطلقت أليسا ضحكة حقيقية على ذلك. وأثار الصوت بعض النظرات، لكن معظم الحراس كانوا منشغلين جداً بالتنظيم وفقاً لأوامر حارس القصر الذي رُقي حديثاً لتوقفهم عن التحديق طويلاً. وبسبب نبرتها الهادئة هي وأوسكار في الحديث، فلن يسمع أحد حتى لو راقبوهما.
"أنا أحاول إنقاذها، لا تعريضها لموت مؤلم على مدى أسبوع".
"وكيف تنوين تحقيق ذلك يا ناقلة الأخشاب؟"
قالت يدها وهي تقترب قليلاً من حقيبتها: "أملك جرعة تجديد".
أزحلت أليسا يدها إلى الداخل، حريصة على إبقاء الغطاء مغلقاً بيدها الأخرى. التفتت أصابعها حول زجاجة الجرعة، لتخرجها بالقدر الكافي الذي يسمح لها بإشهارها أمام أوسكار كدليل. لسوء الحظ، كانت تلك الجنية مختبئة بجانبها مباشرة، لذا لم تستطيع فعل الكثير دون الكشف المحتمل عن الوحش. ربما كان جلب الجنية خطأ بالنظر إلى الوراء. فقد ظنت أن الجنية ستساعدها في حمايتها من أي وحوش قد تصادفها، لكن كل ما صادفوه كان بشراً.
لكان الأفضل لو أنها سلمت الجنية للمسخ وطلبت منها إخراجهما معاً من المدينة، مع جلب كل الوحوش الأخرى معها إن أمكن. المقلد شيء آخر. فلو لم تكن كاسيتا تقلد أميرة في تلك اللحظة، لما بدت أوسكار مستاءة إلى هذا الحد على الأرجح. فمن واقع وقتها في ليريا، تعلمت أليسا بعض الأمور. المقلد يُعامل معاملة الآفات لا التهديدات الحقيقية. مجرد إزعاجات ينبغي طردها بعيداً. وليست بشيء يثير الخوف.
أما الجنية، من ناحية أخرى، فيمكنها السيطرة التكاملة على الشخص. وإن لمح القبطان الجنية، فسيكون الجميع في خطر جسيم. بعد أن مررت عينيها نحو زاوية الجرعة البارزة من الحقيبة، أومأت أوسكار برأسها. واسترخت قليلاً فقط، لتصدق على ما أملت أن تصدقه مما قالته أليسا. استدارت برأسها إلى الجانب وأطلقت أمراً. أو اسماً بالأحرى.
"إيبو".
اخذ الحارس المعني الأمر بوضوح كأمر بالاقتراب. وهو ما فعله دون تردد، تاركاً خلفه مجموعة حراس كان جزءاً منها.
وقال وهو يقترب: "القائد؟"
"عليك الالتحاق بمجموعة ديكوروس".
تحدثت أوسكار بذات النبرة الخفيضة التي استخدمتها مع أليسا.
"راقب عن كثب، لكن لا تتحرك لمنعه إن حدث أي أمر غير مستحب. لا أثق بأنه لن يجد سبباً لإخراسك. أنتظر تقريراً كاملاً عندما أعود".
"أعود؟ من أين؟"
"ممم..."
اقتربت أوسكار منه وشرعت تتحدث بصوت أخفض من أن تسمعه أليسا. لكنها أومأت برأسها نحو حارس القصر الحبيس في الثغرة، وبعد بضع كلمات أخرى، التفت إيبو بسرعة ليرمق أليسا بنظرة قبل أن تغرز أوسكار مرفقها في جنبه. وانتهت محادثتهما بإيبو وهو يرفع نظره نحو إيرولون المزيفة. ومما لم يكن مفاجئاً، استدارت أوسكار نحو أليسا بينما مضى إيبو في اتجاه ديكوروس.
"سأرافقك. ولن أقبل الرفض كإجابة".
أومأت أليسا برأسها، بعد أن قالت أوسكار تماماً ما توقعت منها قوله. وبصراحة، لم تستطع القول إنها غير راضية عن الوضع. فلدى أوسكار مجلد تعويذات سميك ممتلئ على الأرجح بكل أنواع التعويذات الممتازة التي ستأتي في وقتها المناسب إن حدث خطأ ما. كما منحها ذلك وقتاً إضافياً لنزع فتيل التوتر. لكانت ترغب حقاً ألا تكرهها أوسكار للأبد. ومن المفترض أن تساعد إيرولون الحقيقية في ذلك، بافتراض أنها ستنجو حقاً إلى ما بعد العد التنازلي لتينيبرايل.
"لنذهب إذن. لا أود أن ينفد ركود إيرولون قبل أن أصل إلى هناك بهذه الجرعة".
قالت أوسكار بصوت بارد كالثلج: "تقدمي".
لمحت أليسا وميض شيء يلمع مخفياً في طيات كم أوسكار. إنه الخنجر، بلا شك. واستقرت يدها الأخرى على مجلد التعويذات، تداعب صفحة رغم إغلاق الكتاب. ومجمل ذلك بعث بقشعريرة في عمود أليسا الفقري. وشعرت بأنها قد لا تحظى بألطف الليالي إن وجدت أوسكار شيئاً لا يعجبها. ومع إبقاء يدها بقوة على غطاء حقيبتها لضمان بقاء الجنية مختبئة، بدأت أليسا المشي نحو كاسيتا.
"إن انتهيتِ يا سمو الأميرة، فوقتي ليس بلا نهاية. أنا لا أقدر إبقائي في الانتظار".
تبّاً. كانت كاسيتا تبالغ في التمثيل حقاً. وليس هذا ما يحتاجونه الآن بالضرورة. وقبل أن تستطيع أليسا منعها، انتقلت عينا كاسيتا الأرجوانيتان إلى أوسكار.
"لا أذكر أنني طلبت حضورك، القائد أوسكار".
قالت أليسا بأسرع ما يمكن: "هذا خطئي يا أميرة إيرولون. طلبت من القائد مرافقتنا. نظراً لذكاء تعويذاتها، فبالتأكيد يمكنها المساعدة في كشف الوحوش التي قد تكون مختبئة في القصر قبل أن تباغتنا".
تصلبت كاسيتا على الفور. استمر ذلك للحظة واحدة، لكن أليسا كانت واثقة من أن أوسكار لاحظت ذلك. ولعل السبب الوحيد لعدم تحركها كان حارسي القصر اللذين يحيطان بإيرولون.
"حسناً جداً، إن أصررتِ. علينا الإسراع قبل أن يحدث أي خطأ آخر الليلة".
واستدارت للتوجه نحو القصر، ليرفع أحد حارسيها يداً.
"أيتها الأميرة، اغفري لي وقاحتي، لكنك آمنة هنا. والعودة إلى الداخل قبل أن يرتاد القصر..."
"أنا مقدرة لقلقك أيها الحارس. بيد أن لدي تجارب حساسة للوقت تدور. وإن سُمح لها بالاستمرار دون صيانة لفترة طويلة، فأخشى أن ينهار البرج بأكمله. أوقفني إن اضطررت، لكن حذارِ، فإنك ستعرض باقي عائلتي لخطر جسيم".
تردد حارس القصر، رامياً بنظرة نحو رفيقه. وحين لم يلقَ سوى هزة كتف رداً، تنحى جانباً وسمح لكاسيتا بالمرور. همهمت كاسيتا بابتسامة بلاستيكية تشبه تماماً تلك التي ترتديها إيرولون الحقيقية في المرصد. كان أمراً مرعباً بعض الشيء مدى براعتها في تقليد الأميرة، لكن تلك كانت مهنتها بالنهاية.
"إلى القمة إذن. آمل ألا تكون تعويذة انكماش الفضاء على السلالم قد تلاشت. فقد نفدت مني تلك التعاويذ في الوقت الحالي".
لم تتلاشَ. شع وكأن درج السلالم الذي قادتهما إليه كاسيتا مجرد درج واحد، ومع ذلك وجدا أنفسهما صعوداً حتى مساكن الخدم، غير بعيد عن المطبخ. وفي طريقهما، اكتشفت أليسا أن مورغان قد فرت بالفعل.
قالت كاسيتا مشددة على كلامها بطريقة جعلت أليسا تظن أن إيرولون هي من توصلت إلى ذلك الاستنتاج: "أعتقد أنها ما زالت داخل القصر. لقد كان تأمين التجربة أمراً مزعجاً للغاية حتى لا تعثر عليها مورغان أثناء غيابي عن الغرفة".
"لكنك أمنتها حقاً؟"
"ستريْنَ حين نصل إلى هناك. أولاً..."
توفت كاسيتا عند السلالم المؤدية من طابق إيرولون إلى الطوابق العليا واستدارت نحو حارسي القصر.
"واصلا الصعود إلى الطوابق العليا. عثرا على إخوتي الكبار وأمناهم، إن أمكن. ولا تقلقا بشأني"، أضافت قبل أن يعترضا.
"بين مهاراتي السحرية، ومواهب أليسا، والحضور غير المتوقع للقائد، لا المفترض أن يكون ثمة ما يشكل خطراً عليّ هنا".
عبس ذات الحارس الذي تحدث مع اعتراض كاسيتا سابقاً في اتجاه أوسكار. وحافظ القبطان على وجهه جامداً بعناية، تماماً كما كان منذ انتهاء حديثها مع أليسا.
"هذا أمر غير معتاد البداهة".
ردت كاسيتا قائلة: "أتمنى أن يكون كذلك. لا أرغب في تجوال الوحوش حولي بانتظام في منزلي".
فتح الحارس فمه، وتوقف، وأغلقه بإحكام مع هزة رأسه. وصعد هو ورفيقه الدرج بعد أن صرفتهما كاسيتا تلويحة من يدها. بعد فترة قصيرة، تلألأ شكل كاسيتا. وفي ثوان معدودات، وجدت أليسا نفسها تهم بتأمل نفسها. أو بالأحرى، بهيئة تشابهها بشكل ملحوظ لكنها ليست متطابقة تماماً. كان الشعر أطول، والصدر أكبر، والعينان أكثر حدة.
قالت أوسكار مباغتة وهي تفتح مجلدها: "الأخت؟"
ضغطت أليسا على أنفها وتأوهت.
"لماذا غيرت مظهرك؟"
"ظننتك قلتِ إنها تعلم".
"قلت إنها تعلم أنك لست إيرولون، لا أنك... أنتِ. لماذا تبدين بهذه الهيئة أصلاً؟ وأين صورتك الطبيعية؟"
نظرت كاسيتا إلى جسدها بتمعن وهي تمرر يديها من كتفيها إلى خاصرتها: "أعجبني هذا. التمسك بجسد واحد طوال حياتي سيكون أمراً مملاً للغاية".
وشعرت برغبة في ارتطام رأسها بالحائط، فدحرجت أليسا عينيها. لا يهم حقاً، حسب ظنها. فقد بدت أوسكار متبرمة، تفكر بوضوح في استخدام أية تعويذة أخرجتها من مجلدها. ولا رغبة لها في اكتشاف ما هي، فغيرت أليسا الموضوع.
"أين إيرولون؟"
قالت كاسيتا وهي تتبختر في الممر نحو مختبر إيرولون: "تعالي. حين اختفيتِ، اختفى الحاجز أيضاً. وبدأت إيرولوناتان تخبرانني بكل أنواع الأمور، مثل عدد الغرف في القصر وأنه يجدر بي استخدام التعويذة على أول حارس قصر يرد عليّ. لم يكن أي من ذلك منطقياً حينها، لكنني أظنه كذلك الآن. تسلل قاتل ظل للداخل فوراً بعد ذلك، وحاول ققتل، وقتل إحداهن، وحاول ققتل، ومرة أخرى، وأصاب الأخرى..."
أول ما لاحظته أليسا عند دخول المختبر كان الفوضى. كومة كبيرة من... اللحم المكدس في أحد الزوايا تنبعث منها رائحة تشبه مصنع تعليب اللحوم المحلي. ضغطت على أنفها وهي تواصل تفقد الغرفة. فقد تضررت عدة أقفاص هياكل عظمية. وكذلك أحد أسابيع العمليات. أما الجدار البعيد، فقد جعل أليسا تعبس.
"أين أوتافيا".
"—ومرة أخرى... أوتافيا؟ أه. صحيح. ربما-عن-خطأ-ربما-عن-قصد حررتها أثناء محاولتها قتلي. وهربت في خضم كل ذلك. لا أعرف إلى أين".
طبقت أليسا شفتيها بعضهما على بعض، لكنها أومأت برأسها. لم يعجبها وقع ذلك.
"وماذا عن الأخرى؟ قلتِ إن إحداهن ماتت..."
وأثناء حديثهما، مرّت أوسكار متخطية إياهما، متفرسة في الغرفة بعينين مضيقتين. وكما سبق، ضمّت عدداً من الجثث. ليس فقط جثث قتلة الظل. كادت أليسا تسأل كاسيتا سؤالاً آخر، لكنها لمحت القائد من طرف عينيها. كانت تقف فوق جثة فتاة صغيرة ذات شعر داكن والعديد من الوشوم تحيط بعينيها المغمضتين.
"أيتها الأميرة؟"
امتصت أليسا نفساً واتسعت عيناها.
وتلفظت باستهجان: "أين الحقيقية؟"
بدأت كاسيتا في قول شيء ما. فات الأوان. التفتت أوسكار نحوهما بسرعة وبطاقة سحرية في يدها.
"إخضاع!"
وللمرة الثانية هذا المساء، اندفعت موجة من الضوء البرتقالي الملتهب نحو أليسا.