لم تكد الباب تفتح بالكامل حتى كانت كرة جليد تسيطزا في الهواء. انزلقت من الفجوة الضيقة إلى الغرفة المظلمة. أمسك أوز بمقبض الباب وأطبقه بقوة. بعد نصف ثانية امتد الجليد فوق الباب بصوت يشبه تحطم الزجاج.
قال أوز بصوت سريع وواضح: "الأنوار مطفأة في الداخل. أتحطمت؟"
ردت تسيطزا وهي ترمي كرة أخرى: "صقيع العظم".
وهذه الكرة أمسك بها أوز.
"لكن عليك الاسراع".
أومأ أوز برأسه وضغط بإبهامه على القمة المعدنية الصغيرة للكرة. وبدل أن يرميها في الغرفة أيضاً هزها فحسب. انتشر الضوء حول أصابعه. وكأنها عصا إضاءة. واستخدم الحلقة ذاتها التي تعلّقها بحمالة تسيطزا ليعلقها بحزامه. وعندها فقط فتح الباب مجدداً ببطء هذه المرة. اندفع هواء جليدي متسبباً بظهور قشعريرة على أذرع الجميع. ما عدا كاسيتا. لم تستطع مدفأة الحطب الصمود أمام الضباب الزاحف على الأرض.
كافحت ألسنة اللهب للاستمرار في حرق جذوع الخشب غير أن الجليد تكوّن فوق الخشب بينما كان لا يزال يحترق. لم يبق محترقاً طويلاً. تحول اللهب الأصفر إلى أزرق باهت قبل أن ينطفئ تماماً. غطت بلورات الجليد كل سطح في المدفأة وحتى الأرضية. ومما يثير العجب، بغض النظر عن القشعريرة، لم تشعر أليسا ببرودة شديدة. بالتأكيد لم تكن برودة بالقدر الذي توقعته نظراً لأن النار تجمدت في مكانها حرفياً.
نأمل ألا تكون أعصابها قد تلفت وبدأت قضاضة الصدمة تسري. لم يبدُ على أوز أو تسيطزا قلق مبالغ فيه. أما إيرولون فقط عبست في وجه الضباب قبل أن تعيد نظرها إلى المدخل الذي يفتح ببطء. تحرك أوز إلى الداخل ببطء وحذر. لم يكن الضوء عند خاصرته جيداً كأنوار الغرفة الثابتة. ولمّا لم يرى أوتافيا واقفة في منتصف المكان أخذ وقته لتفحص الزوايا، خلف الباب والزوايا الأخرى للباب أيضاً.
وبما أنه لم يتفاعل فلا بد أن القاتلة لم تكن هناك. اكتفت أليسا بالمراقبة وشعور عصبي في معدتها. كيف يفترض به اقتحام غرفة بسيف غبي؟ الغرفة ضيقة للغاية. لو كانت أوتافيا في الزوايا فماذا كان ليפعل؟ لم يكن يستطيع تلويح السيف. وحتى لو كانت واقفة في المنتصف تماماً فإن تلويحه بسيفه سيصطدم على الأرجح بالجدران أو الرفوف قبل أن يصيب أي شخص آخر. سيتعين عليه الطعن ولن يجدي ذلك نفعاً على الأرجح.
وحتى لو كانت تتمتع بمهارة فائقة فإن أوتافيا تتمتع ببنية نحيلة. لربما استطاعت التحرك كلاعبة جمباز. ثم مرة أخرى، لم تكن تسيطزا ولا أوز يرغبان في قتل الأطفال كما ذكر أوز. أما اندفاع أليسا بأسلحة تطلق النار فلن يترك سوى جثة أخرى على ضميرها. طفلة فوق ذلك. كان بإمكانها تبرير قتل المقتحمين وتجار الرق ومثيري الحروب جزئياً على الأقل. وحتى لو كانت أوتافيا قاتلة قيد التدريب...
حسناً، لربما ما كان عليها القلق حيال كونها طفلة - مراهقة. أقتلت بشراً؟ إن كانت فعلت فغالباً لم يكن ذلك دفاعاً عن النفس. وبالنظر إلى إصابات سيد وباكو لربما عذبت بشراً هي الأخرى أيضاً. ولربما كانت إصابات سيد وباكو من صنيعتها لا صنيعة الآخذ. أطبقت أليسا شفتيها شعوراً بارتياح مريض صادق لعدم قدرتها على استخدام أسلحتها في تلك اللحظة. فهذا يعني أنها لن تضطر لاتخاذ القرارات الصعبة.
أما تسيطزا وأوز فكان عليهما فعل ذلك. تسلل أوز بحذر فوق رف منقلب. قبضت تسيطزا على كرة خضراء باهتة في يد وكرة سوداء حالكة في اليد الأخرى. وبينما اتسمت حركات كليهما بتوتر معين بدت إيرولون متأملة بملل لا أكثر. تراجعت الأميرة خطوة للخلف لتستند إلى الجلوس على الجدار وهي تقلب صفحات مجلدها بلا مبالاة كأنه قائمة طعام في مطعم تعجز عن تقرير ما ترغب في طلبه فيه. وكاسيتا... كاسيتا...
إلى أين ذهبت تلك المقلدة الآن؟ لم يبق في الغرفة الرئيسية سوى ثلاثة أشخاص. كان أوز في غرفة التخزين وكاسيتا تفعل شيئاً أحمق على الأرجح. بعد وقت قصير من إصلاح شأنها أيضاً. لم تكلف أليسا نفسها حتى عناء البحث عن المقلدة. فلو لم ترغب في أن تُعثر فلن يستطيع أحد إيجادها. ما عدا إيرولون ربما. فقد ظلت كاسيتا تذكر أن للسحرة طرقاً لتحديد مكان المقلدين المتنكرين. ارتطم خشب ثقيل بالأرض في غرفة التخزين.
قفز أوز للخلف في الوقت المناسب تماماً لتفادي رف شبيه بخزانة كتب ضخمة يسقط عليه. انزلق جلد حذائه على الأرضية الجليدية أثناء تحركه. لم يقع لكن التعثر كان كافياً. قفزت أوتافيا من الظلال في أقصى مؤخرة الغرفة. رفع أوز سيفه. لا للضرب بل محاولة لصد طعنة من قبضتها. اصطدم المعدن بالمعدن. تراجعت أوتافيا لكن أوز تقدم ضاغطاً. مد قبضته الفارغة مسدداً لكمة قوية. التقت بصوت طقطقة مسموع.
تقدم أوز مجدداً مسدداً لكمة أخرى لكن هذه المرة بيد السيف. إما أن السيف جعله أخرق أو أن أوتافيا كانت أفضل مما ظن. صدمت مرفقها بمعصمه فسقط سيفه بصوت مكتوم على أحد الرفوف المنقلبة. وإذ توغلت في دفاعه صدمت أوتافيا قدما على قدمه وحاولت ضربه بشيء ما. برزت قطعة معدنية رقيقة بين أصابعها. لكن أوز أمسك بمعصمها وأحكم قبضته. وحين حاولت ضرب مرفق معصمها بمرفقها الحر أمسك به هو الآخر.
"الآن، لما لا نجلس جميعاً ونـ..."
تراجعت اوتافيا للخلف وصدمت رأسها برأسه بقوة. سقط اثناهما مبتعدين عن بعضهما. أفلت أوز قبضته عنها ليمسك برأسه بينما لم تستغل هي حريتها إلا للإمساك بجبهتها. أطلقا أنيناً وتأوها معاً. لو لم تكن أليسا متوترة إلى هذا الحد لضحكت. لم تضحك تسيطزا. تقدمت مندفعة مقتحمة الغرفة. على الرغم من أنها ما زالت مصابة قليلاً إثر سقوطها من مطل بريشن فقد تحركت بسرعة منزلقة مباشرة حول أوز لتعاود الانقضاض على أوتافيا قبل أن تستعيد القاتلة الطامحة وعيها.
سقط الاثنان على الأرض بقوة واوتافيا تحت تسيطزا الأكبر حجماً بكثير. مدّت تسيطزا ذراعاً تحت إبط أوتافيا فانقلبت الفتاة على بطنها وصدمت وجهها بالأرضية الجليدية. وبينما ثبتت يد رأسها للأسفل تمكنت اليد الأخرى من الإمساك بمعصمي أوتافيا كليهما. في غضون ثوان معدودة لم تستطع أوتافيا فعل شيء سوى ركل ساقيها بعجز في الأرض. وحتی ذلك سُلب منها حين تحركت تسيطزا محركة قدميها لتلجم قدمي اوتافيا.
وطوال ذلك الوقت وقف أوز جانباً يفرك رأسه.
"أتمانع مساعدة أيها الأحمق المعتوه؟"
"نعم، نعم"، قال بعد أنين خفيف.
"سأحض حبالاً".
وتحولت كلماته إلى تمتمات غير مفهومة.
"طفلة غبية لا تعرف حتى كيف تؤدي ضربة رأس سليمة".
"سلاسل طيفية".
التفت رأس أليسا جانبًا حيث كانت إيرولون تمسك بطاقة بين أصابعها. علت وجه الأميرة عبوسة عميقة. ولربما كانت الأكثر استياءً رأت إيرولون عليها على الإطلاق. انقضت قيود شفافة بإحكام حول هيئة أوتافيا قبل أن يستطيع أوز اتخاذ خطوة مبتعداً. وحالما تشكل الطرف الآخر من السلاسل في يدي إيرولون جذبتها جذبة حادة. لم تتحرك اوتافيا - فما زالت تسيطزا تعتليها - لكنها صرخت.
"يا، يا. ماذا لدينا هنا؟"
قطعت إيرولون خطوة واحدة للأمام مع كل كلمة. وبينهما كانت تجذب السلاسل محتفظة بها مشدودة فضلاً عن انتزاع أصوات ألم من اوتافيا. وبدأت تبتسم ببطء. لم تكن تلك قناعها، تلك الابتسامة اللطيفة المبهجة التي ترتديها أمام الآخرين. ولم تكن حتى تلك الابتسامة الحقيقية التي كانت ترتسم عليها أثناء شرح أليسا لمكان قدومها. انحنت شفتاها للخلف كذئب يكشف عن أنيابه استعراضاً للتهديد والبراعة.
توقفت إيرولون على مسافة خطوة واحدة من وجه اوتافيا.
أمرت: "انهضي عنها".
ترددت تسيطزا لكن ما تطلب الأمر إلا طرفة عين واحدة من عيني إيرولون مبتعدتين عن اوتافيا لتفلت الفتاة الأصغر وتتحرك جانباً. بطبيعة الحال منعت السلاسل أوتافيا من التحرك حتى مع زوال تسيطزا عن ظهرها. وكل ما استطاعته هو مدّ عنقها للوراء بالقدر الكافي لترى من يقف فوقها ممسكاً بسلاسلها.
بصقت أوتافيا: "السابعة. من الجميل رؤيتك مجدداً".
"أختي. أختي العزيزة. أهدافك عالية بعض الشيء. طالما قال أبي إنك خيبة أمل. يجدر بك وضع ذلك في الاعتبار حين تقدمين على أفعال تفوق مقامك بمراحل".
سخرت مطلقة نظرة عابرة باتجاه أوز.
"حتى وإن بالغ في تقدير قدراته الفائقة فلن يحظى فاشل. بائس قط بفرصة لهزيمته".
رمقت أليسا الاثنتين باتساع عينيها. أخت؟ أسمعت صواباً؟ بالتقدم بضع خطوات للحصول على نظرة أفضل... لم تكن لتر أي شبه حقاً. كان لهما نفس العينين البنفسجيتين لكن إيرولون امتلكت ملامح حادة ولون بشرة أدكن بينما بدا وجه اوتافيا مستديراً وشاحباً أكثر. ولم يتطابق شعراها أيضاً فالأولى امتلكت شعراً بنيّاً والأخرى أشقر مغبراً. بطريقة ما وبحماقة ربما تمكنت أوتافيا من حشد ما يكفي من قوة الإرادة لفرض ابتسامة.
وقد رسخ ذلك في ذهن أليسا حقيقة أنهما أختان أكثر من أي شيء آخر. إذ ارتدت الاثنتان ذات التجهم الشبيه على وجهيهما.
"على الأقل لم تكن أمي..."
جذبت إيرولون السلسلة للأمام منقضة بقدمها في الوقت ذاته. ركلت أوتافيا بقوة كافية لقلبها على ظهرها.
"ها أنت تفعلينها مجدداً فتكونين فاشلة".
تقدمت إيرولون خطوة قبل أن تهبط اوتافيا تماماً ضاغطة بقدمها على صدرها.
"حين تعجزين عن الوقوف بناءً على جدارتك تشعرين بالحاجة لزج أمهاتنا في الأمر. تماماً كما كنت حين كنت طفلة. من الواضح أنك لم تنضجي على الإطلاق منذ ذلك الحين، أليس كذلك؟"
أمهات. بصيغة الجمع. وفسر ذلك اختلاف مظهرهما الجذري. كم زوجة أو سرية كانت لأبيها؟ وبينما كان محتملاً أن يتزوج مجدداً استبعدت أليسا ذلك. فالفراعنة لا يرجح اقتصارهم على واحدة. في الواقع، أكانت الوحدانية الزوجية شيئاً حقيقياً في هذا العالم أساساً؟ لم تستطع تذكر شخص واحد التقت به وكان متزوجاً. ومع تفكيرها في الأمر لم يقدم شخص واحد نفسه باسم عائلة.
قالت إيرولون دون أن تحول عينيها البنفسجيتين عن أختها: "الآن، أعتقد أنني أملك نصف القصة وحدها، لكن يمكنني جمع السياق معاً بشكل أفضل من أي شخص آخر. أنت يا أختي العزيزة خائنة للأبي وللمدينة بانحيازك إلى عناصر إجرامية منحرفة".
أطلقت أوتافيا سخريتها بضحكة ساخرة مبصقة كتلة دم أخرى.
"أنت لا تعرفين حتى نصف القصة. امضي قدماً أيتها السابعة. ارمي بي في زنزانتك المظلمة. فلن أمكث فيها طويلاً. لدى شارع ووترز خطط كبرى. أكبر مما يمكنك تصوره بكثير. سأكون أنا من يجلس في قمة البرج. لسنت أنت!"
"انقلاب إذن؟ هاهاها".
انطبقت فم أوتافيا فجأة بصوت طقطقة حين ركعت إيرولون على ركبة واحدة.
وقالت بصوت بالكاد يعلو على الهمس: "أيّاً كان من أخبرك بأي شيء فهو أحمق أكبر منك أنت نفسك. ممم. ما لم يقصدوا القبض عليك لتقديم معلومات مضللة. فهذا شيء قد أفعله أنا".
وبعبوس تفكير انحرفت رأس إيرولون جانباً.
"أي ميزة ستجنى من تورط شارع ووترز بما يتجاوز كونهم مجرمين لمجرد الانقلاب؟ إبهام؟ إلهاء؟ منافسون؟ تدخل أجنبي؟"
وبينما كانت إيرولون تتمتم ارتعشت عيناها ذهاباً وإياباً متلألئتين أحياناً لوضعهما الأسود والأبيض. ومع ميل رأسها جانباً لم تستطع تسيطزا ولا أوز رؤية ذلك. أليسا وحدها استطاعت. أليسا وأوتافيا.
"أيتها المسخ".
أرجعت إيرولون رأسها إلى أوتافيا وقد عادت عيناها طبيعيتين مجدداً.
"لغز يُجمع لاحقاً. أما الآن فالتعامل مع أختي الخائنة".
لفت إيرولون السلسلة حول معصمها ثم أطلقتها. لم تتبدد الحلقات الشفافة كما حدث مع تابع بيرسيلك. بل ظلت ملفوفة بإحكام حول أوتافيا مما ترك إيرولون حرة في تقليب صفحات مجلدها مجدداً. اختارت إحدى بطاقاتها وسحبتها بحرية من بقية الكتاب. من زاويتها لم تستطع أليسا رؤية المرسوم على البطاقة. ولم ينطبق الأمر ذاته على أوتافيا. اتسعت عيناها حين رأت ما كان على الوجه.
"م-ماذا تفعلين بذلك؟"
"أنت تعلمين جيداً ما يحدث للخونة. زنزانة مظلمة؟ لا تجعليني أضحك".
"أنا أميرة. لن يدع الأب..."
"أنت خائنة. لقب يطمس كل ما عداه. ويجب التعامل مع الخائن كما يستحق الخائن".
رفعت البطاقة موجهة تصميمها بالكامل نحو اوتافيا. وفتحت فمها لتتكلم...
اندفعت أليسا صارخة غير قادرة على كبح نفسها: "انتظري!"
تقدمت خطوة لتتراجع خطوة حالما التفتت إيرولون ببطء. باستثناء تلك الخطوة ثبتت مكانها ضاغطة على أسنانها.
"لا يمكنك قتلها هكذا فقط".
"لماذا؟"
"لماذا؟ ماذا تقصدين لماذا؟ ألا تحظى بمحاكمة؟ أو ما شابه".
لم تكن أليسا تدري حتى سبب تفوهها بالكلام. ولربما لأن كل ذلك كان بذنبي. لولا ثقتها بسيد وباكو، ولولا إنقاذها للوحوش، ولولا استغلالها لثقة تسيطزا للحصول على مكان للمبيت، ولولا إلقائها تعاويذ تدنيس حول كاسيتا، ولولا ركضها نحو الشخص الوحيد الذي أمكنها التفكير فيه طلباً للمساعدة... كان ذلك يثقل ضميرها. كانت خطة أوز أفضل بكثير. دع أوتافيا تخضع لإعادة تأهيل عبر خدمة مجتمعية لدى النقابة.
أو ما شابه. لا القتل. قتلت أليسا ما يكفي من البشر بالفعل. وأولئك الذين قتلتم كانوا بالغين راشدين فرشوا فراشهم بما يحلو لهم. وما كانت إلا مساعدة الناس على الاضطجاع فيه.
"إنها مجرد مراهقة. المراهقات حمقاوات! أنا أعلم. كنت إحداهن!"
أصدرت اوتافيا هسيراً: "لست..."
صرخت أليسا في وجه الفتاة الغبية قبل أن تسوء الأمور أكثر: "أخرسي!"
بدا وكأن كل شخص آخر في هذا العالم بأسره يفتقر إلى شيء حيوي للعمل بشكل طبيعي. ابتداءً من تينيبرايل وصولاً إلى قرويين عشوائيين احتفلوا بوفاة المكتئبين انتحارياً. انحنت إيرولون والتقطت قطعة معدنية ضيقة وصغيرة. لربما كانت قطعة من زي أوتافيا أو مشبكاً صغيراً من أحد الرفوف الساقطة. قربتها من أنفها وأخذت تشمها برفق.
"مستخلص سم الميدوسا".
التفت نظرتها باحثة في الغرفة. وخطت خطوة مبتعدة عن أوتافيا لتركع أمام جرة صغيرة محطمة.
"من هنا. حيازة المادة غير قانونية وتؤدي إلى غرامة ووقت في المشنقة"، قالت ناظرة إلى تسيطزا.
قالت تسيطزا ببطء ووضوح: "أملك تصريحاً".
"مم. لو تسرب هذا إلى مجرى دم أحدهم لتحول إلى حجر. وربما جزئياً فقط في حالة أحد الأطراف، لكنها كانت تحاول بوضوح ضرب وجهه".
أومأت إيرولون برأسها نحو أوز.
"إضافة إلى ذلك فقد اعترفت مسبقاً بالتخطيط لانقلاب. والغاية الوحيدة للمحاكمة هي تأخير ما لا مفر منه".
"لا. لقد قلت إنهما تخططان لانقلاب. هذا ليس سوى تخمين لا غير. وكل ما قالته هو أنها ستخرج من السجن عما قريب. ولربما ظنت أن شارع ووترز سيخرجها. أو الفرعون. لقد قلتِ بنفسك فور الاشتباه بانقلاب إنه ليس انقلاباً لكون أحداً لن يكون أغبى من إخبار ذلك الأحمق بشيء مهم حقاً..."
أخذت أليسا نفساً بعد أن نفد هواء كلامها. جعلها ذلك النفس تفكر للحظة.
"لما أخبرها أحد بشيء مهم"، قالت ببطء.
"لكن ماذا لو اكتشفت شيئاً مهماً آخر؟ شيئاً لم يرد شارع ووترز أن يعلمه أحد. وإذ علما أنها مصدر خطر أخبروها بشيء أكبر كالإنقلاب لتهذر بشأنه عوضاً عن ذلك. إن عوقب الخيانة بالإعدام الفوري فستكون ميتة قبل أن يتسنى لها التحدث عن أي شيء آخر..."
ابتسمت إيرولون. لم تكن ابتسامة بهجة. ولم تكن شريرة. اتسعت عيناها ببراءة وانضغطت شفتاها في تلك الابتسامة الفارغة البليدة التي ترتديها في العلن.
"مم. يبدو تخميناً بالنسبة لي. لكن..."
اتسعت ابتسامتها حين ضاقت عيناها.
"...يسرني أن إيماني بحدتك الذهنية لم يكن في غير محله تماماً. أوافقك".
"لا يمكنك..."
طرفت عيناها.
"أأنت موافقة؟"
"ربما لست موافقة على سيناريو رسمته. فهو معقد للغاية. وعرضة للفشل تماماً. ومع ذلك، هناك شيء يقر به أي شخص التقى بها: الثامنة حمقاء تفوق الوصف".
بدأت أوتافيا تطحن أسنانها ببعضها بصوت يسمعه الغرفة بأكملها.
"أنت هكذا دائماً. دائماً متغطرسة. دائماً هكذا... لهذا السبب يكرهك الجميع. أخواننا الكبار... إخوتنا الأصغر... آب... آه! آه-آه!"
تقدمت أليسا خطوة وضغطت بقدمها على أصابع أوتافيا.
همست وهي تنحني: "أحاول إبقائك على قيد الحياة".
وازدادت كلماتها هدوءاً مع اقترابها من أذن أوتافيا أكثر فأكثر.
"أتريدين الموت؟ أتدارين ما يحل بك حين تموتين؟"
لم تمنح القاتلة المحتملة فرصة للإجابة.
"ليس ما لقنوك إياه. لن تُسحبي إلى السلام والسعادة. بل ستُنتزع روحك من جسدك وتُلتهم كقطعة خبز رخيصة".
وفي النهاية لم تكن متأكدة حتى إن كانت أوتافيا تسمع صوتها لهدوئه الشديد. كانت شفتاها تكادان تلامسان أذنها.
"تينيبرايل مسخ أسوأ من أي مسخ سواه".
للاقتراب من أوتافيا بهذا الشكل كان عليها الركوع على الأرض. ومع ذراع مكسورة ويد لا تزال مصابة استغرق الأمر بعض الجهد للوقوف مجدداً لكنها نجحت. كان كل من في الغرفة يحدق بها. أوز وتسيطزا وبالطبع إيرولون. لم تقابل أليسا أياً من نظراتهم. أسيشكرها أوز وتسيطزا على محاولتها إنقاذ حياة الفتاة؟ فقد حاولت قتلهما ودمرت على الأرجح قدراً لا بأس به من مال مجايل الجرع. لكنهما قالا إنهما لا يحبان قتل الأطفال.
أما إيرولون... بصراحة لم تكن أليسا تملك أدنى فكرة عما تفكر فيه الأميرة. ففي لحظة كانت على وشك ذبح أختها أمام الجميع مباشرة. وفي اللحظة التالية كانت... تثني على أليسا لمنعها؟
"افتحي فمك مجدداً ولن أرفع إصبعاً لمساعدتك. عليّ التحدث معها على أي حال".
فور تفوه أليسا برقت عينا إيرولون. ليس حرفياً. فلم يكن هناك سحر يدور فيهما. بل كانت هناك فكرة فضولية معينة خلفهما جعلت أليسا تطبق فمها متمنية لو أنها لم تضف تلك اللحظة الأخيرة. كانت إيرولون بارعة للغاية في تركيب أدلة صغيرة معاً لرؤية الصورة الأكبر. وحتى لو رسمت صورة خاطئة تماماً عن أليسا في البداية فلم تكن بعيدة عن المسار كلياً. والسبب الوحيد لامتلاكها الفكرة الخاطئة هو كون أليسا آتية من عالم مختلف كلياً بعيداً عن السياق الذي تستطيع التفكير فيه حتى لكأن الأمر مستحيل.
وحالما عرفت تلك اللفتة الصغيرة فمن المرجح أن تصبح تخميناتها أقرب فأقرب إلى الهدف كلما تفاعلتا. ولحسن الحظ لم تبدأ إيرولون في إلقاء النظريات. وبعد ذلك البريق الخفيف في عينيها التفتت مجدداً نحو اوتافيا.
قالت إيرولون وقد تحولت ابتسامتها إلى بشعة مجدداً: "بغض النظر عما تقوله أليسا، فأنت يا أختي العزيزة خائنة. ولكن نظراً لاحتمال معرفتك - حتى وإن بغير علم - بما يتجاوز ما تقولين، أتخيل أن الأب سيود التحدث معك قبل اتخاذ أي تدابير عقابية. لذا فقد حققت وقفة تنفيذ حتى عودته من تفقد باندورا".
أطبقت أليسا شفتيها غير متأكدة البتة مما يمكنها قوله. إن كانت أوتافيا متورطة في نوع ما من الانقلاب فالفرعون بحاجة للمعرفة حقاً. ما لم ترغب أليسا في نجاح الانقلاب وهو ما لا تريده - حتى وإن اختلفت مع العبودية وأمور أخرى يدعمها الحكومي ففكرة إدارة عصابة للأمر بشكل أفضل تثير السخرية في أفضل الأحوال. وإن اختار الفرعون قتل ابنته فلا شيء بوسعها فعله. وكل ما فعلته هو إنقاذ أوتافيا من الموت على يد أختها فوراً.
لربما إن أخبرت بما تعلمه ستمنح شيئاً من الرأفة لكنها فكرة بعيدة المنال مع شخصيتها. وكما قالت إيرولون كانت أختها حمقاء.
قالت إيرولون: "إضافة إلى ذلك، لا تكتفي الإعدامات العلنية بكونها رادعاً للخونة الآخرين بل تكون أكثر متعة دائماً".