قالوا مجدداً: "خطتنا هي بلوغ العرش، والسيطرة عليه، ثم تعطيل السيرافيم".
وجدت أليسا الأمر مضحكاً بعض الشيء؛ فهن يخططن لسطوٍ ما، أو ربما لانقلاب، أمام أولئك الذين سيقمن بالسطو عليهم، أو الانقلاب ضدهم. كانت السيرافيم تشكل التهديد الأكبر بلا شك، لكنهن كن واقفات فحسب. لم تكن لدى أليسا أيُّ مبرر للاعتقاد بأنهن سيتحركن على الإطلاق حتى تحاول إحداهن التقدم نحو العرش. حتى ارتباطهما به، هي وкаسيتا، لم يمثل مشكلة لهن. فهنَّ في النهاية مرتبطات به بالطريقة نفسها التي ترتبط بها الملائكة.
كنَّ بالنسبة إليهن مجرد ملائكة عاديات، أو هكذا بدا الأمر. ربما كانت التي هاجمتهن تتلقى أوداراً أوسع نطاقاً، وربما كان ذلك لكونها قائدة السلطة النجمية. أو ربما لم تكن تعبأ بالارتباط نفسه، بل بفعل اختراق الدفاعات فحسب. وأياً ما يكن الأمر، فلم تكن هنا الآن. لكن حتى جمهور الملائكة العاديين لم يبدُ مهتماً كثيراً بوجود اثنتين لا تنتميان إلى المكان بوضوح. لقد فعلت تينيبرايل شيئاً ما ليتسنى لهن إجراء محادثة خاصّة.
ومع ذلك، كانت متأكدة تماماً أنهن ما زلن مرئيات نظراً لتزايد عدد العيون الموجهة نحوهن. وبينما وضعت أليسا أجنحة مزيفة على ظهرها على الأقل، كانت كاسيتا ما زالت تقف بهيئة بشرية، وتتشبث بذراع تينيبرايل. لم تتعرض للهجوم بعد، لذا لم تكن أليسا تظن أن ثمة مشكلة مع الملائكة الأدنى رتبة. وخصوصاً إن استطاعت إصدار الأوامر لهن.
قالت: "أي أسئلة؟"
أشارت كاسيتا إلى نفسها وقالت: "أنا أفهم ما سنفعله في الخطوة الأولى".
كانت تبدو بحال أفضل بكثير، مع أنها ظلّت متمسكة بتينيبرايل. بدا أن بضع دقائق من الراحة قد أفادتها كثيراً.
"لكن كيف سنحقق الثانية فعلياً؟"
لم تكن لدى أليسا إجابة حقيقية للأسف. لقد فكرت في الأمر قليلاً، متساءلة عن مدى تعقيد الآلة التي تختبئ تحت واجهتها الشبيهة بالمقعد. ولم تتوصل إلى أي نتائج حتى الآن.
التفتت بنظرة إلى تينيبرايل وقالت: "أفضل ما لدي هو الجلوس عليه ببساطة".
قالت تينيبرايل: "تلك فكرة جيدة قدر أفكاري. بصرف النظر عن ارتباطي الفطري بالعرش، لم أتعامل معه قط".
هزت كاسيتا رأسها برفق وقالت: "يبدو الجلوس أمراً بديهياً مع عرش، لكنه يبدو بسيطاً للغاية بالنسبة إلى العرش. ظللت أسمع عن مدى أهميته منذ أن التقيت بأليسا تقريباً. أحياناً بشكل مباشر، وأحياناً لمجرد أنني كنت أتنصت على محادثات من طرف واحد. يبدو أنه ينبغي أن يكون... لا أعرف. أكثر من ذلك فحسب".
قالت أليسا: "أجل، أتفهم ذلك. إن كانت لديك أي أفكار، فأعلمينا بها".
"ممم... وأفترض أنه ليست لدينا أي فكرة إضافية عن كيفية التخلص من السيرافيم إن نجحنا حقاً في السيطرة؟"
أضافت أليسا وهي تلتفت نحو تينيبرايل: "لا أعتقد أن ذلك سيشكل مشكلة كبيرة. إن كان العرش بقوة التي يصفونها لي، فلا أعظن الأمر يتعدى التلويح بأيدينا وتمني زوال ما لا نحبه. والسيرافيم هن المقصودات هنا. قد كنَّ قويات بما يكفي لخرق قلب كوكب مباشرة، لكن تلك مجرد نزرة ضئيلة من قوة العرش... أليست كذلك؟"
"أعتقد أن ذلك دقيق. أكرر أنني لم أتفاعل مع العرش بأي صفة حقيقية، لكنني لا أرى سبباً لعدم نجاح ذلك".
"جيد. والآن، هل هناك أي شيء آخر نحتاج إلى إضافته إلى تلك القائمة؟ أنا شخصياً لن مانع القدرة على التجول هنا دون أن تتفكك أوصالي. لكنني في الوقت نفسه لا رغبة لي في البقاء هنا أيضاً. أفضّل العودة إلى الوطن بأسرع ما يمكن..."
تلاشت كلمات أليسا وهي تدرك أنها قد تحتاج إلى توضيح ذلك.
"أعني العودة إلى نود".
بدا الأمر غريباً بعض الشيء، لكن... هذا ما كانت تشعر به. منذ وصولها إلى نود، وهي ترغب في العودة إلى البيت في الأرض، لكن أول ما خطر ببالها الآن كان ليريا. كانت هناك معركة ضارية دارت رحاها في غيابها وربما أدت إلى مقتل أصدقائها ورفاقها. كانت والدتها هناك أيضاً —مع أنها لم تكن متورطة بشكل مباشر في المعركة، فإن حدث المستحيل وفاز اتحاد جونو، فستُستدعى بالتأكيد بصفتها عضوة منتسبة إلى النقابة للدفاع عن المدينة.
لكن...
"أود زيارة الأرض أيضاً. والتعامل مع الناس هناك حقاً. يستحق أبي وأخي معرفة أن أمي وأنا ما زلتان على قيد الحياة".
قالت تينيبرايل: "يبدو ذلك أمراً أقل أهمية فورية. لا أستخف برغباتك، لكنك أمضيت شهوراً دون التواصل معهم. ولن يضر بضعة أيام أخرى. أتخيل أن هناك الكثير لتسويته فور السيطرة. مثل كيفية إزالة أي... برمجة، كما سمتها أنتِ. أفضّل ألا أجبر على فعل ما لا أريده".
كانت أليسا على وشك الاعتراض، بالقول إن تينيبرايل عاشت مع ذلك طوال حياتها، لذا لن يضرها بضعة أيام أخرى... لكن ربما لم يكن ذلك صحيحاً. إن جلست أليسا على العرش وأدى ذلك إلى تحفيز آلية دفاعية عميقة داخل تينيبرايل لا يمكنها تجاهلها، فسيكون إيقاف ذلك أمراً بالغ الأهمية لتجنب قتلها مع السيرافيم. لم يكن ذلك شيئاً فكرت فيه أليسا من قبل حتى، لكنه كان احتمالاً مؤكداً. احتمالاً جعلها قلقة بعض الشيء في حال كانت تينيبرايل هي من تتسلل متجاوزة السيرافيم وتستولي على العرش.
أرادت أن تظن أنه لا بأس من الوثوق بتينيبرايل... لكن خطر البرمجة ظل قائماً دائماً.
قالت كاسيتا قبل أن تتمكن أليسا من صياغة رد مناسب على تينيبرايل: "أود تجنب الانفصال".
وهزت ذراع الملَك مضيفة: "ولا أعني جسدياً فحسب. مع ألا تتركني في هذا المكان أرجوك. أظنني سأتحول إلى بركة من العصارة إن فعلتِ ذلك. بل أعني... لقد ذكرت هذا من قبل".
ونظرت مباشرة إلى أليسا.
"إياكِ أن تختفي، مهما حدث. تخيلي شكل وجه براكت. أو فيلا. أو إيرولون. أو أمي".
"أجل، أعلم..."
إن اختفت، فلن يكون ذلك لخيار اتخذته. لكن... حسنب، سيّد أمور لا تستطيع التحكم بها. من يدري. لم يكن أي منهن يعلم، ولا حتى تينيبرايل.
سألت أليسا وهي تنظر إلى الاثنتين: "هل نحن جاهزات بما يكفي؟"
تنهدت تينيبرايل بارتياح طفيف وقالت: "لا أعلم كيف قد نستعد بطريقة أخرى. تعلمين، لم أكن أنوي حقاً القيام بشيء كهذا اليوم. ولم يخطر ببالي قط في جامح أحلامي أنني سأحاول شيئاً كهذا. سنموت بوحشية شديدة لدرجة أن الكون نفسه سينسى أننا وجدنا قط".
"ما أروع تفاؤلك".
"الواقعية، في رأيي".
"أياً يكن، ليس الأمر وكأن لدينا خياراً إلا إذا كنتِ تعتقدين أن تلك السيرافيم قد نسيت أمرنا".
"حتى لو نسيت، لا رغبة لي في الالتفات وراء ظهري باستمرار، قلقة من أن أُمحى من الوجود إذا أعيد تنشيط جانب ما منها لفترة طويلة تكفي لتفجيرنا إلى أشلاء. من الأفضل الانتهاء من الأمر الآن، أظن".
"أجل..."
فكرت أليسا بسخرية بالغة: متفائلة حقاً.
"كاسيتا؟"
قالت كاسيتا وهي تعدل ظهرها قليلاً: "كنت أفعل ما طلبتِه مسبقاً. أعني محاولة إيجاد طريق يتجنب السيرافيم. لقد قلت ذلك من قبل، لكن الأمر غريب حقاً هنا. يبدو الأمر وكأنني أستطيع رؤية السيرافيم تقفن حول العرش، ذراعاً بذراع بلا فجوات. ومع ذلك أستطيع رؤية أشياء أغرب بكثير في الوقت نفسه. هل تبدو السيرافيم فوق العرش أو تحته؟"
عقدت أليسا حاجبيها وهزت رأسها.
"لا أستطيع رؤية ما تحت العرش في الواقع. الأرضية تحجب الرؤية".
"بالضبط. هل توجد أرضية هنا أصلاً؟ لا أعرف!"
قالت تينيبرايل بنبرة واثقة وهي تهز رأسها...
لكنها بدت مترددة بعد ذلك مباشرة تقريباً: "أليست موجودة؟"
"أليسا. هل تلفين وجهك جانبياً ثم تخطوين خطوة نحوي؟ ارفعي ساقك عالياً عند الخطو، كأنك تحاولين تجاوز مقعد غير مرئي".
"خطوة واحدة؟"
"خطوة واحدة".
أخذت أليسا نفساً. لم يكن شعور التدمير وإعادة تكوين النفس ممتعاً للغاية، لكن ربما كان لدى كاسيتا سبب وجيه لتطلب منها التحرك. لذا، رفعت قدمها عالياً كأنها تحاول تجاوز مستشعر باب المرآب أثناء اندفاعها نحو شاحنتها بعد إغلاق الباب، ودون عجلة. تلاشت مقدمة قدمها إلى العدم، لكنها أصلحت ذلك بحين وضع قدمها على الأرض. تحركت بحذر أكبر قليلاً، ونجحت في تجاوز ساقها الأخرى لذلك الخطر غير المرئي لتتحرك بنجاح...
بعيداً عن الأخرى؟ عندما رفعت أليسا رأسها، وجدتهما على بعد اثنتي عشرة خطوة جيدة منها.
سألت بصوت اضطرت لرفعه قليلاً، متساءلة عما إذا كان ذلك ضرورياً حقاً: "هل فعلت شيئاً خاطئاً؟"
كانت متأكدة تماماً أنها لم تتحرك بالاتجاه الخطأ عن طريق الخطأ، فهل أصبحت قريبة من كاسيتا الآن لكن الأمر لا يبدو كذلك فحسب؟
لكن كاسيتا هزت رأسها ونادت بصوت عالٍ: "هذا ما أردت رؤيته تماماً".
"أوه..."
أزالت كاسيتا يدها ببطء عن ذراع تينيبرايل. كادت تسقط، لكن وميضاً من الثابت الكهربائي على جسدها جعلها تقف بشكل صحيح مرة أخرى. ثم خطت خطوة إلى الجانب. واختفت، لتظهر مجددًا قرب أحد رفوف المكتبة للحظة قبل أن تتقدم خطوة من هناك. ظهرت ثلاث كاسيتا في الغرفة، لكن للحظة واحدة فقط. وخطوت خطوة للأمام في آن واحد لتعود كائناً واحداً أمام أليسا مباشرة.
قالت بابتسامة أكثر ثقة: "هكذا".
طفَت تينيبرايل مباشرة نحوها.
وقالت وهي ترمق كاسيتا: "حركتك غريبة. لا أستطيع حتى تتبع الطريقة التي وصلتِ بها إلى هنا".
"أوفو~"
لم تكن تلك قهقهتها المعتادة. بل أشبه بتنهيدة محبطة وبالنبرة نفسها التي للقهقهة.
"أنتِ من تتحركين بغرابة. أظنني أبدأ في إدراك كيف يرتبط هذا العالم ببعضه تماماً".
شعرت أليسا بعدم جدوى مطلقة فجأة وقالت: "رائع. أنا الوحيدة التي لا تستطيع التحرك بحرية".
ربما إن استطاعت معرفة كيفية القيام بعملية الترجمة تلك التي نجحت فيها سابقاً. في هذه المرحلة، كانت متأكدة تماماً من أنها كانت محض حظ أكثر من أي شيء آخر عندما انتهى بها المطاف حيث كانت.
"ابقي قريبة مني. وتجنبي السفر مع تينيبرايل. يبدو أنها تتجاهل جزئياً الطريقة التي ينقسم بها العالم".
"أظن أن هذا ينجح... لكن هل يساعدنا ذلك في شيء؟"
"أعتقد أنه قد يفعل. تماماً مثل ذلك المكان الذي تطلقين عليه اسم الانجراف، أعتقد أن هناك أماكن يجب أن تتواجد فيها السيرافيم لكنها ليست موجودة. قد لا يكون شق طريق نحو تلك النقاط أسهل شيء في العالم، لكن..."
"ليس لدينا خيار".
قالت تينيبرايل بنبرة محبطة: "لست متأكدة من أنني أستطيع اللحاق بكم".
حتى أجنحتها هبطت قليلاً.
أومأت كاسيتا لنفسها بثقة متزايدة وقالت: "قد نحتاج إلى إلهاء. لا أعتقد أن السيرافيم ساكنات كما تبدو لكما. أو ربما هذا العالم هو الذي لا يسكن. من الصعب الجزم. وفي كلتا الحالتين، قد يكون فتح ثغرة أوسع في دفاعاتهن أمراً ضرورياً".
"إذن ماذا، ألكم إحداهن في وجهها؟ ثم أفر بأسرع ما يمكن؟"
"ونصل نحن إلى العرش ونعطلهن قبل أن يمسكن بك".
"هذه الخطة هي الأسوأ على الإطلاق فيما سمعته طوال وجودي".
وافقت أليسا على ذلك نوعاً ما. كان من الغريب بعض الشيء الاعتراف بذلك لنفسها تماماً، لكنها لم تكن ترغب في اختفاء تينيبرايل حقاً. على الرغم من... الخشونة التي بدأت بها علاقتهما، فقد أصبحت مولعة بالملَك إلى حد ما.
"أليس هناك شيء يشبه إنذار الحريق يمكنك سحبه في مكان ما ليدفعهن للتحرك إلى أي مكان، إن لم يكن نحوك مباشرة؟"
"إنذار حريق؟ في الامتداد اللانهائي؟"
"كانت فكرة فقط".
"لا يوجد شيء..."
توقف تينيبرايل، متلاشية في الكلام. نظرت حولها ببطء لحظة قبل أن تومئ لنفسها.
"تحمي السيرافيم العرش. أتسااءل عما إذا كانت الأرشيفات تُعد جزءاً منه".
"هل ستذهبين لإسقاط بضع رفوف؟"
قاطعت كاسيتا قبل أن تتمكن تينيبرايل من الإجابة.
"ليس الآن. لا تفعلن شيئاً بعد. يجب أن تتخذ أليسا وميضاً موقعيهما أولاً".
تطلب اتخاذ المواقع قفزات عدة أخرى فوق مستشعرات باب المرآب، والانحناء تحت حواف غير مرئية، والالتفاف جانبياً والتسلل عبر زقة ضيقة غير موجودة، وغيرها من مآثر الألعاب الهوائية. كانت أليسا سعيدة للغاية لأنها كانت رياضية تماماً. جعلها الأمر برمته تشعر وكأنها في نوع من أفلام الإثارة والتشسس حيث يتعين عليها التسلل عبر شبكة ليزر تترك مساحة مناسبة لجسم بشري لتمر عبره بدلاً من حجب المسار بالكامل بالليزر.
أصبحت بعض المنعطفات والانحناءات لغزاً لتجاوزها تقريباً. ومع ذلك، كان من الجيد أنها تستطيع استبدال ساقها أو ذراعيها أو حتى رأسها في حال تعثرت. وقد فعلت ذلك أكثر من مرة. وفي إحدى المرات، قررت عمداً السماح بتدمير ذراعيها لمجرد أن كتفيها كانا أعرض من أن يمررا عبر ممر معين قادتها إليه كاسيتا. في نهاية المطاف، أوقفت كاسيتا تقدمهما. إن كان يمكن تسميته تقدماً. من منظور أليسا، كانت قد ابتعدت عن العرش في الواقع.
ومع ذلك، وبسبب الطريقة الغريبة التي عمل بها هذا العالم، شعرت أيضاً أنها اقتربت أكثر. لكن ذلك كان مجرد شعور. وربما كان مجرد خيالها الذي يثيره قول كاسيتا إنهما تقتربان. بدا المسافة الجسدية بينها وبين السيرافيم أكبر، أياً كانت الحقيقة.
نظرت كاسيتا إلى تينيبرايل التي تبعت الطريق طوال الوقت، متجاهلة كل القفزات الغريبة التي كان على أليسا القيام بها للتحرك وقالت: "حسناً. دعيني أشرح لأليسا بدقة كيف ستتحرك. بعد ذلك، ابدئي في إحداث أي فوضى تستطيعينها".
"أنا متأكدة تماماً أن لدي ما يسمى البشر بالفراشات".
"الفراشات؟"
قالت أليسا: "في معدتها. هذا يعني أنها متوترة".
"لا أعتقد أنني سمعت هذا المصطلح من قبل. وقد أمضيت وقتاً طويلاً مع البشر".
"قد يكون شيئاً يخص الأرض. لكن فكري في الأمر هكذا. بطريقة أو بأخرى، لن نضطر للقلق بشأن السيرافيم أو العرش بعد الآن".
"أجل... صحيح".
"أحاول حقاً ألا أفكر في أي شيء بشكل عام. فقط تقدمي إلى الأمام وتجاهلي حقيقة وجود كائنات شبيهة بالملوك هناك مباشرة صُممت على ما يبدو لقتل أمثالي. هذا كل ما في الأمر. وبمناسبة التقدم للأمام... كاسيتا؟"
أومأت الميمك برأسها مشيرة بالاتجاه العام للعرش.
"هناك مسار لا ينبغي أن يستغرق سوى ثلاث خطوات. بعد ذلك، أعتقد أنك ستكونين فوق العرش مباشرة. غالباً. بعد ذلك... حسنب، أمل أن تكتشفي شيئاً. سأتخذ مساراً مختلفاً قليلاً"، أشارت إلى الجانب.
"إنه أطول قليلاً، لكنني أظن أن محاولتين لوصول إحدانا إلى هناك أفضل من محاولة واحدة".
"لا أختلف مع ذلك على الإطلاق".
قالت كاسيتا وهي تبدأ في شرح خطوات تجاوز التصدعات في واقع هذا العالم: "إذن إليك ما تحتاجين إلى فعله".
ربما اقتربتا أكثر من اللازم عقلياً. وربما أدى شرح كيفية الاقتراب إلى تحفيز دفاع كامن. وربما اتصلت السيرافيم في نود بالوطن لترى ما إذا كان أي شخص آخر قد لاحظ غياب أهداف سخطها. أياً ما يكن الأمر، لم تصل كاسيتا إلى الخطوة الثالثة من الشرح. التفتت السيرافيم الأقرب إلى مجموعتهن برأسها. لم يغب ذلك الفعل الطفيف عن أي أحد على الإطلاق. كل ملَك في الغرفة، من أدنى الحراس إلى الفضائل على طول الجدران، أسقط كل واحد منهم ما كان يفعله.
حرفياً، في بعض الحالات. سقطت الكتب على الأرض. انزلت جواهر الروح من الأصابع المرتخية. حدقت الملائكة وأفواهها فاغرة.
دوى صوت كالرعد في أرجاء الغرفة: "دخ... ل... لاء..."
لم تنتظر أليسا حتى ينتهي. وباندفاع، انطلقت على طول المسار الذي حددته كاسيتا. حلقت تينيبرايل فوق الرؤوس، ولم تكن واضحة إلا كخط من ضوئها الأسود والأبيض. كانت سريعة لدرجة أنها كان يجب أن تصل إلى العرش في أقل من ثانية، ومع ذلك كانت السيرافيم أمامها بالفعل. لم تكن أليسا قد رأت هن يتحركن حتى، لكن إحداهن مدت يدها. ارتدت تينيبرايل عنها، منعكسة كشعلة ليزر مقابل مرآة. صعدت عالياً إلى السقف المقبب قبل أن تصطدم بالجدران المتقزحة.
لم تطارد السيرافيم تينيبرايل. ربما كانت ميتة. وربما كن لا يرين فيها تهديداً كبيراً مثل أليسا. وأياً ما يكن الأمر، رفعت الاثنتان الأقرب رماحاً ذهبية. لم تكن أليسا تعلم ما حدث. لم ترَ تلويحة. لم ترَ طعنة. لم ترَ السيرافيم تتحرك. ومع ذلك، وبالنظر إلى الأسفل، كان رُمحان، كل منهما بطول ذراعها، مغروسين بعمق في صدرها. ويمكنها أن تشعر بسحب. بتمزيق في روحها. لم يكن مؤلماً. كان دافئاً.
شبه جذاب. تساءلت عما إذا كان هذا هو شعور أجنحة تينيبرايل وهي تتقاطع فوق جسد شخص محتضر. لكن أليسا لم تكن لتتموت هنا. لم تكن لتسمح لنفسها بأن تُحصد من قبل ملوك تشبه الآلات. أو آلات تشبه الملوك. بكل الخبرة التي اكتسبتها في عبور كروح عبر أرض الانجراف، انتزعت أليسا نفسها عن تلك الرماح. بقي جسدها وراءها، ويمكنها ملاحظة ذلك، لكن لم يكن ذلك مشكلة. فكرة بسيطة خلقت جسداً جديداً.
وجدت نفسها أقرب إلى العرش الآن. خارج حلقة السيرافيم، ولكن بعيداً عن المسار الذي رسمته لها كاسيتا. حاولت التحرك نحوه، لتجد نفسها تبتعد أكثر وذراعها وساقها مفقودتان. كانت المزيد من السيرافيم تصبح نشطة أيضًا. وحولها، راقبت ثلاثاً منهن وهن يستلون رماحهن. مرة أخرى، ضربنها قبل أن تتمكن من الضرب. ثلاثة رماح. هذه المرة من ثلاثة اتجاهات مختلفة. كل منها يسحب، ويمزق روحها في ثلاثة اتجاهات.
حاولت أليسا الابتعاد مرة أخرى، لاكتساب بعض المسافة والوقت للتفكير. وعندما فعلت، شعرت أنها تتجه نحو أحد الرماح. التوقف وتغيير الاتجاه لم يؤدِّ إلا إلى اتجاهها نحو رماح أخرى، لتُسحب إلى تلك الدفء الملائكي الذي بدأ يتحول إلى حرارة حارقة. سحبت نفسها أكثر داخل جسدها، محاولة الابتعاد عن الرماح الذهبية بالختباء داخل نفسها، وفعل كل ما في وسعها للحفاظ على نفسها قطعة واحدة.
من طرف عينها، راقبت رمحاً رابعاً يظهر في يدي سيرافيم.
دوى صوت ملائكي في أرجاء قاعة العرش، قادمًا من روح واحدة متمسكة بذراع العرش: "توقفي!"
وتوقف الكون بأسره عند حدٍّ تامّ.