استيقظت أليسا على ضوء شمس ساطع يعمّي الأبصار، وسقف مجهول، وطبول حرب تقرع داخل رأسها. أغمضت عينها من دون أن تحرك ساكناً وحاولت إرادة الصداع أن يزول. لم ينفع ذلك. بل لعل الوعي زاد الأمر سوءاً. التصق لسانها بسقف حلقها الجاف بطريقة مزعجة. غطى العرق جسدها رغم شعورها ببعض البرودة. ومع تلك البرودة، كانت هناك حرارة في جانب جسدها، بينما بدا ذراعها اليسرى مثقلاً. بشخص ما. لم تفتح أليسا عينيها.
كلما طال إغماضهما، طالت قدرتها على تأجيل مواجهة الموقف الذي وجدت نفسها فيه. علاوة على ذلك، كانت ما تزال تشعر بالإرهاق. لقد مضى وقت طويل من النهار، ومع ذلك بدا وكأنها لم تنم قط. فقط... خمس دقائق أخرى. كان نفَس دافئ على عنقها كافياً ليمحو كل إحساس بالنعاس، على الأقل في الوقت الحاضر. رمشت محاولة حجب أكبر قدر ممكن من الشمس عن رأسها النابض، وأدارت رأسها ببطء إلى الجانب.
وما إن رأت من كان رفيقها في السرير، حتى أطلقت زفرة ارتياح طويلة. لم يكن الفرعون. لم تدر لمَ كان الفرعون أول ما خطر ببالها، لكن ربما كان للأمر صلة بامتلاكه حريماً. ذلك إلى جانب رقصها معه في الليلة السابقة. كانت تتذكر ذلك جلياً. بعد تلك الرقصة... صحيح... بدأ الأمر يعود إلى ذاكرتها الآن. لقد رقصت مع براكت. ثم رقصت مع كومبانيون لسبب ما. لقد رفض إيرولون عرضها —أيكون الأمل مفرطاً في أن ينسى إيرولون تماماً أنها طلبته؟— لكن كاسيتا قبلته بعدها بلحظات.
وبعد ذلك، رقصت مع براكت مجدداً قبيل انتهاء الاحتفالات. وهو ما لم يفسّر تماماً سبب وجودها في السرير معه، لكنه منحها ما يكفي من قطع الأحجية لتستطيع تذكر البقية على الأرجح ما إن يتوقف رأسها عن ذلك النبض. كانت هناك علاجات للمخلفات. لقد حضرت عدة منها أثناء عملها لدى تسهايتزا. كانت أكباد الجنيات الخضراء نادرة، لكن براكت ربما يملك واحداً بحكم كونه من العائلة المالكة. أغلب الزبائن الذين كانوا يلتقطونها إما أنهم أتوا من البيوت الكبيرة وإما أنهم تجار أثرياء.
والسؤال هو، أين سيحتفظ براكت بها؟ كانت هذه المرة الأولى التي تزور فيها غرفته قط. وقد كانت ساطعة جداً لدرجة أنها لم ترغب حتى في التطلع حولها. كان بإمكان أليسا إيقاظه، لكنه بدا هادئاً جداً أثناء الراحة لدرجة جعلتها لا ترغب في إزعاجه. و... لم يكن الاستلقاء إلى جواره مزعجاً. لو أنها أغمضت عينيها فقط وسمحت لنفسها بالانجراف... عودة... إلى النوم... حركة إلى جانبها هزت أليسا وأيقظتها، رغم أنها لم تثب واقفة أو ما شابه.
بل فتحت عينيها فحسب. وهو ما ندمت عليه فوراً. لم تكن الشمس ساطعة تماماً كما كانبت قبل قليل. ولم تستطع تخمين ما إذا كان ذلك لأن غرفة براكت تواجه شمس الصباح وأصبح الوقت متأخراً الآن، أم لأن مخلفات الخمر كانت تزول من تلقاء نفسها. ربما مزيج من الاثنين. على أي حال، كان براكت جالساً الآن، يدلك وجهه بيده. لا بد أنها قامت بحركة ما، لأنه توقف عن الحركة فجأة.
قال بصوت لطيف ومؤدب بما يكفي ليجعله هامساً: "آسف".
"هل أزحمتك؟"
كذبت أليسا: "لا".
"استيقظت باكراً وكنت أرتاح بعينيّ فحسب. نبيذ التوابل ذاك..."
"لم يكن ليزوقك؟"
"أحببته. أكثر من اللازم. ألا تملك أي علاج لمخلفات الخمر بصدق؟"
"دعيني أخرج لك واحداً".
"شكراً".
ومع الوعد الوشيك بعودة رأسها إلى حالتها الطبيعية، شقت أليسا طريقها صعوداً إلى وضعية الجلوس. ولمحت فوراً فستانها ملقى كومة منكمشة على الأرض إلى جانب السرير. لقد كان... أمراً مؤسفاً. كان عليها أن تكون أكثر حرصاً. نأمل ألا يكون قد تلف. وفي حين كان بإمكانها بالتأكيد دفع ثمنه لمجرد خلق ذهب بلا حدود، إلا أنه كان فستاناً جميلاً. كان ينبغي احترام كل ذلك العمل الجاد الذي بُذل في صنعه.
عنى ذلك أيضاً أنها لم تكن ترتدي شيئاً. بدأت تغطي نفسها ببطانية من السرير قبل أن تقرر أن الأمر لا يهم في الواقع. فبراكت كان في حالة تقاربها من التعري على أي حال. ولم تمنع نفسها من مراقبته وهو يفتح درجاً بجانب السرير. كان... مفتول العضلات. ربما تفوقه أوز، لكنها لم تر أوز قط بدون قميص لذا فهو لا يُحتسب. كما كانت لديه عدة ندوب، أغلبها على ظهره وذراعيه، وبعضها على صدره أيضاً.
لا شيء ضخماً، فندوب تسهايتزا كانت أكثر تشويهاً بكثير. لقد جعلتاه يبدو خشناً فحسب، وكأنه رأى نصيبه العادل من القتال. وهو ما فعلة بالتأكيد، حسب اعتقادها. بعد أن بحث طويلاً بين عدد من الجرعات، التي تميزت أليسا معظمها بمجرد النظر إليها على أنها علاجية أو مرممة أخرى، أخرج قنينة صغيرة خضراء شاحبة وناولها لأليسا. ولم تستطع إلا أن تلاحظ وجود خمس قنينات متطابقة على الأقل مصطفة الواحدة بجانب الأخرى.
سألت أليسا وهي تنزع سدادة الجرعة: "أتحتاج هذه غالباً؟"
طعمها يشبه الفراولة... لكن ليس فراولة حقيقية، بل أشبه بالنكهة المستخدمة في السكاكر.
"كان علي وأنا أصغر سناً أن أتناول واحدة كل يوم، تقريباً. أحاول ألا أكون بحاجة إليها بهذا التكرار هذه الأيام، لكني ما زلت أبقيها مخزنة جيداً بحكم العادة".
ورغم قوله ذلك، فقد أخرج واحدة لنفسه وتجرعها بسرعة. هزت رجفة خفيفة جسده قبل أن يضع القنينة بعناية أعلى الطاولة الجانبية. لم تكن آثار الجرعة فورية تماماً. أولاً، شعرت أليسا وكأنها غطست في حوض من الماء المثلج، لكنها تدفأت بالسرعة الكافية. ومع تدفئتها، بدأ النبض في رأسها ينحسر. وبدأ صداعها يتلاشى، فألقت نظرتها الحقيقية الأولى حول غرفة براكت. كانت... ذات طابع تبسيطي. حيث يملك إيرولون رفوفاً ورفوفاً من الكتب، ومكاتب مغطاة بالأوراق وملاحظات البحث، وسريراً أكبر بكثير مما يجب السماح به لأي شخص، كان براكت يتمتع ببساطة هادئة في كل زاوية من زوایيا الغرفة.
كان هناك رف كتب واحد ممتلئ بنصفه فقط بالكتب ومكتب بجواره بلا أوراق فوقه. وقد علقت على أحد الجدران سيوف قليلة، ولكن، رغم احتمال كونها قابلة للاستخدام، بدا وكأنها للزينة أكثر من الدفاع عن النفس. وهناك بعض التحف الأصغر، مثل نوع من خنجر حجر السج بجوهرة حمراءاقوتية في مقبضه مثبت على أحد الأقسام الفارغة لرف الكتب، وكرة زجاجية كانت تتوهج بضعف على زاوية مكتبه، وبضع أشياء أخرى من هذا القبيل.
كان السرير، رغم أنه ليس بحجم سرير إيرولون تماماً، مريحاً للغاية. وشعرت أليسا أنها تستطيع بسهولة الارتماء للخلف، والغطس في النوم فوراً، والبقاء على هذا الحال بقية اليوم.
"إذن..."
من خزانة ليست بعيدة عن الطاولة الجانبية، أخرج براكت طقماً من رداء الحمام. واحداً بالأحمر الأسود لنفسه، ارتداه بسرعة، ثم آخر أسود نقي أمدّه لأليسا لتأخذه.
"ملابس؟"
"شكراً، رغم أني أعتقد أنني أفضّل حماماً سريعاً أولاً".
"بالطبع. الباب على ذلك الجانب من الغرفة. سأطلب من خادم تجهيز الماء—"
قالت أليسا وهي تمد يدها: "لا داعي لذلك".
وسمحت لكمية ضئيلة جداً من الماء بالتجمع في راحة يدها قبل أن تمحوها.
"يمكنني العناية بالأمر بنفسي".
"صحيح. سأقوم أنا ببساطة..."
قالت أليسا: "مهلاً. لقد استمتعت بوقتي".
ولم تكن كذبة حتى.
"لا أعتقد أننا يجب أن نجعل هذا أمراً معتاداً، لكني استمتعت... بترك حذري يتهاوى، إن جاز التعبير. والأهم من ذلك كله، لا أريد أن يتصرف أي منا بغرابة حيال هذا. لا أعرف كيف تسير الأمور هنا، لكن هناك على الأرض... حسناً، سنتحدث لاحقاً عندما لا نكون نحن الاثنين شبه عراة. أو عراة تماماً. سأخذ حماماً سريعاً أولاً".
وقبل أن يتسنى لبراكت قول أي شيء، انلت أليسا بسرعة إلى الغرفة المشار إليها. وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب خلفها، شعرت بوجنتيها تحترقان. لقد كانت تلك خطوة إضافية تزيد عن الحد بعشرين خطوة، يا كومبانيون! لم تدر لماذا كانت تصرخ ذهنياً في وجه التنين الغبي، لكن ذلك جعلها تشعر بتحسن حقاً. لا يعني ذلك أنها كانت تشعرسوء. والآن بعد أن سرت الجرعة في نظامها، شعرت في الواقع بشعور رائع حقاً.
كانت... محرجة فحسب. مرتبكة. هذه الأنواع من الأمور لم تكن من اختصاصها. لعل علاقتها الحقيقية الأخيرة تعود لخمس سنوات خلت مع شخص تقابلته في أحد صفوف كليتها المجتمعية. لقد تفككت بعد فترة ليست طويلة من إقامة العلاقة الحميمة لأول مرة. ولم تكن ترغب في أن يحدث ذلك هنا. كانت تحب براكت. وأن تصبح الأمور مزعجة بينهما... هزت أليسا رأسها، وقررت ألا تفرط في التفكير في الأمور. هذا ما حدث المرة الماضية وسارت الأمور بشكل سيء.
لم تستطع التصرف وكأن شيئاً لم يكن، لكن الأمر لم يكن كحدث يغير مجرى العالم ويهز أسئلة الواقع. كان الناس يمارسون الجنس طوال الوقت ولا يصابون بالذعر بشأنه. فلماذا تفعل هي؟ بينما كانت تملأ الحوض بالماء الساخن، أدركت شيئاً واحداً. أنا بالتأكيد ما زلت أفرط في التفكير في كل شيء. وقررت أنه سيكون من الأفضل ايجاد شيء تلهي به نفسها، فانشات أليسا أخيراً بملء الحمام. كان الماء ساخناً، لكنه أقل بدرجات قليلة من درجة الغليان.
لقد تطلب الأمر الكثير من الممارسة لضبط درجة الحرارة بالشكل الصحيح. ففي المرة الأولى التي حاولت فيها خلق ماء ساخن، انفجر في يدها أساساً. لحسن الحظ، كانت قطرات قليلة جداً ولم تسبب أي ضرر دائم، لكنها ظلت صدمة. الغطس في الماء جعل معظم الأمور أفضل. يمكن للحمام الجيد أن يغسل الهموم بالسهولة التي يغسل بها الأوساخ والقاذورات. مرت دقائق مباركة قليلة حتى تجعدت أصابعها. ربما كان ذلك وقتاً أطول مما ينبغي قضائه في حمام شخص آخر، لكنها قررت أنها لا تهتم بذلك أيضاً.
أظهر فحص سريع لحواس الأرواح أن براكت جالس فيما يُرجح أنه مكتبه. يأكل، حُكماً من الحركات. ربما كانت قد أكلت أكثر من اللازم بقليل في الوليمة؛ فلم تشعر أليسا بالجوع بتاتاً. وقررت أنها تستطيع البقاء في الحمام لفترة أطول قليلاً نظراً لأن براكت بدا مشغولاً، فاستقرت أليسا بعمق أكبر في الماء، مائلة إلى الخلف حتى صار مستوى الماء أدنى من أنفها بقليل. كان حمام براكت مطابقاً تقريباً لحمام إيرولون، وهذا يعني أنه كبير بما يكفي ليكون بمثابة مسبح صغير.
وعميق أيضاً بما يكفي. ويمكنها الطفو على ظهرها إن أرادت. لكن حان الوقت للخروج على الأرجح. وبقدر ما تمنت لو أنها تستطيع الجلوس وعدم فعل أي شيء طوال اليوم، إلا أن لديه أموراً ترغب في إنجازها. أمور تتجاوز التحدث مع براكت. مثل التحدث إلى إيرولون، وكومبانيون، وكاسيتا. وكلهم مرشحون للتعليق على الوضع الحالي. سيكون من الأفضل التخلص من تلك التعليقات عاجلاً لا آجلاً حتى يعود كل شيء إلى طبيعته، أقل أو أكثر.
رغم أنه قبل أن تغادر الحمام، قامت أليسا بسرعة بتدمير الماء ثم ملأت الحمام مجدداً بماء ساخن ونظيف. وما إن فعلت ذلك، حتى أخذت نفساً عميقاً، ورسمت ابتسامة، وعادت بخطواتها إلى غرفة براكت، مرتدية ردائه.
قالت وهي تشتم رائحة المرق في الجو: "شوربة؟"
استدار براكت، وحدق لحظة قبل أن يومئ.
" مجرد شيء خفيف. القليل من الشوربة والخبز. لست جائعاً جداً بخلاف ذلك. وهناك القليل لك أيضاً"، قال مشيراً إلى وعاء خشبي آخر موضوع على المكتب ولفة خبز لم تُمَس ربما كانت من بقايا الليلة السابقة.
قالت: "شكراً"، وشعرت بابتسامتها تصبح أكثر صدقاً بكثير مما كانت عليه.
تناول القليل من الطعام سيكون مفيداً لها على الأرجح على أي حال، حتى لو لم تكن تشعر بالجوع الشديد في الوقت الحالي.
"لقد تركت الحوض ممتلئاً، إن كنت ترغب في أخذ حمام. يجب أن يكون الماء لطيفاً وساخناً. لقد أنعشته بعد انتهائي".
قال: "سأفعل ذلك"، رغم أنه لم ينهض للذهاب فوراً، مفضلاً إنهاء شوربته أولاً.
لم يبق منها الكثير. ولم يكن هناك سوى مقعد واحد حول مكتبه. لذا التقطت أليسا الوعاء وجلست على حافة سريره.
"ألديك أي شيء تفعله اليوم؟"
"كنت أنوي التوجه عائداً إلى إيلونا، لكن يمكنني تأجيل ذلك قليلاً".
"لا بأس".
كانت الشوربة جيدة. غنية بالنكهة للغاية مقارنة بأغلب الشوربات التي جربتها أليسا. وشكت في أنها صُنعت من مرق الوليمة.
"لديك واجباتك. ولدي أبحاث لأقوم بها... وأريد الذهاب للاطمئنان على ذلك الاختراع الذي ابتكره جيسون وجيليم. وينبغي لي أن ألقي التحية على تسهايتزا أيضاً".
"آه. ينبغي أن تكون تسهايتزا في القصر، في الواقع. علمت ليلة البسة أنها هنا مدفوعة الأجر كمراقبة لأوكتافيا".
"حقا؟"
لم تكن قد فكرت في الأمر في الواقع، لكن أوكتافيا رُجّح أن تكون قد استُدعيت إلى الحفرة مع جميع المصابين الآخرين عندما هاجمتها السلطة النجمية. وبسبب ابقائها تحت قفل ومفتاح، لم تكن قادرة على الذهاب على الأرجح. ولكن...
"هل... ساعدت تسهايتزا أوكتافيا بأي شكل؟"
"هذا ما قاله والدي. لكني لم أرها بنفسي بعد. بالنظر إلى أنها حاولت قطع رأسي آخر مرة رأينا فيها بعضنا البعض وقطعت أنا أطرافها... لست متأكداً حقاً من أن التفاعل سيكون فكرة جيدة. لكنها، كما يُزعَم، تشعر بتحسن؟"
هز براكت كتفيه وتابع: "كنت أتخطط لمعرفة المزيد قليلاً عن الوضع قبل الاقتراب. وأوصيك بفعل الشيء نفسه. وحسب ما أذكره، كانت لديك مواجهة أقل ما يقال فيها إنها غير ممتعة معها أيضاً".
ربما كانت تلك فكرة جيدة. لم تكن أوكتافيا تستمتع بصحبة أليسا قبل إصابتها. وبعدها، حاولت أوكتافيا قتلها هناك في حقل الذرة.
"قد أسأل حول المكان وأرى ما إذا كان بإمكاني التحدث إلى تسهايتزا بدون وجودها هناك حينها... لكني قد أؤجل ذلك إذا كانت تسهايتزا مشغولة للغاية".
بإيماءة، تجرع براكت آخر ما تبقى من شوربته. وما إن وضع الوعاء حتى نهض.
"سأنعش نفسي إذن. خذي راحتك في..."
وتوقف عن الكلام وهو يتلفت حوله.
"التجول في المكان، أظن؟ أخشى ألا أملك مكتبة واسعة كإيرولون. وأعلم أنك لست مهتمة بالأسلحة إلى هذا الحد، لكني أملك ترسانة صغيرة قبالة غرفتي في الممر".
أطلقت أليسا ضحكة خفيفة على مدى شعوره بالإحباط وهزت رأسها.
"لا بأس. سأنهي شوربتي ثم أتوجه على الأرجح إلى غرفة إيرولون. فلا تقلق إن لم تستطع العثور علي هنا في الأعلى".
اختفى براكت في الحمام بإيماءة مقتضبة أخرى. شعرت أليسا بشعور غامر خفيف في معدتها، وأطلقت زفرة رضا. لقد كانت تلك محادثة طبيعية تماماً. تماماً مثل تلك التي كان يمكن أن يخوضاها من قبل. شعرت وكأن لا يزال لديهما بعض الأمور للحديث عنها، لكن لم تكن هناك حاجة لإجراء تلك المحادثة في هذه الثانية بالذات. بدت الأمور... جيدة. ولم تشعر بأي إحساس بالغرابة. وكلما زادت مظاهر الحياة الطبيعية، قل الشعور بالارتباك عندما يتحدثان عن علاقتهما حقاً.
بالطبع، لن يكون أخذ بعض الوقت لمعرفة ما تريده بالضبط من العلاقة أمراً سيئاً. أحياناً صديق؟ أم علاقة عابرة بين الحين والآخر؟ أم لا شيء على الإطلاق سوى صداقة حميمة؟ لم تكن أليسا متأكدة بنفسها بصراحة. ولم تكن متأكدة مما قد يرتضيه براكت أيضاً. ولم تكن تعلم إن كان يعلم هو نفسه. لقد كانت هذه خطوة تفوق العشرين خطوة بالنسبة لها، ولعله كان الحال بالنسبة له أيضاً. كان هناك شيء واحد مؤكد: لا مزيد من نبيذ التوابل في الوقت الحالي.
وبعد أن التقطت الفستان من على الأرض، رغم عدم يقينها التام بما يجب فعله به حقاً، توجهت أليسا إلى غرفة إيرولون. ورغم أن الوقت اقترب من منتصف النهار، إلا أنها كانت تتوقع تماماً أن تجد إيرولون نائمة عند دخولها. ولم يكن الأمر كذلك. كان كومبانيون مستلقياً على وجهه فوق جبل من الوسائد، لكن إيرولون كانت جالسة ببساطة على شرفتها مع كاسيتا. وتوقفت محادثتهما العادية فجأة عندما تسللت أليسا عبر الباب.
كانت كاسيتا أول من استدار في الواقع، رغم أن إيرولون التقطت الحركة في الوقت نفسه تقريبا. وحدق اثنتان منهما لفترة أطول قليلاً مما ينبغي ليكون مريحاً. وابتسمت كاسيتا قريباً.
"أوفو~ هل استمتعت؟"
"إن كان لزاماً عليك أن تعرفي، فنعم. لقد استمتعت".
لم تبد إيرولون مقتنعة.
"أتحتفظين بأي ذكرى عما حدث ليلة البارحة من الأساس؟"
"نعم. غالباً. ربما... تسعون بالمئة من الأمر كله".
مكتفة ذراعيها بأفضل ما يمكنها دون زيادة تجعيد الفستان الذي بين يديها، ألقت أليسا نظرة غاضبة خفيفة ومرحة على إيرولون.
"لم ترقصي معي".
"وما زالت أصابع قدمي تشكرني على رفضك".
احتفظت أليسا بنظرتها الغاضبة لثوانٍ أخرى. ورغم أن قهقهة كاسيتا جانبها جعلت الحفاظ عليها صعباً. وسرعان ما وجدت أليسا نفسها تبتسم عريضة أيضاً، رغم أنها لم تكسر التواصل البصري مع الأمير. أدى التحديق فيها إلى إنعاش ذاكرة. لم تكن شيئاً ضخماً. وقد فوجئت بأنها تتذكر على الإطلاق. ولكن...
"قولي يا إيرولون..."
"امم؟"
"قبل فترة، عندما كنا نسافر من ليريا إلى تينيفيل، تحدثت أنا وانت ذات أمسية. وبعد لمحة سريعة نحو براكت، قلت لي 'لا' رغم أني لم أكن قد سألت في الواقع عن أي شيء. ما الذي يعنيه ذلك؟"
لم ترد إيرولون فوراً، وبدت كأنها تستعيد الأفكار بذاكرتها. وقبل انفصالها عن كومبانيون، كانت تمتلك ذاكرة مثالية. ولم تكن أليسا متأكدة مما إذا كان ذلك لا يزال قائماً، لكنها فيما يخص هذا السؤال بالذات، هزت رأسها بعد لحظة أو لحظات.
"آه. صحيح. سوء تفاهم من جانبي، غالباً. لقد كانت إجابة عن أي سؤال أساسي قد تطرحينه بخصوص براكت وعلاقة ما. لقد أخذت خطأً صداقتكم الناشئة على أنها اهتمام أعمق بكثير مما أظهرته بوضوح في الرؤية اللاحقة. أو ربما كنت مهتمة، نظراً للأحداث الأخيرة؟"
قالت، وهي ترفع حاجباً. لم تستطع أليسا سوى هز كتفيها.
"ما زلنا صديقين حقاً فقط... أظن".
"أم... على أي حال، كان بعض الأسئلة هو، 'هل لدى براكت مخطوبة؟ هل أبدى براكت اهتماماً بشخص آخر قط؟ هل يحب براكت البشر حتى؟ هل يقبل براكت وحشاً سحلّياً لو أتيحت له الفرصة؟ أأملك 'فرصة' مع براكت؟' وما إلى ذلك".
"يبدو أنك كنت خاطئة في بعض تلك الأمور".
"لقد مرت أشهر. الأمور تتغير".
"وحقاً؟ ألن يقبل وحش سحلية؟ يصعب علي تصديق ذلك".
ولم يكن الأمر صعباً في الواقع. لقد باتت تعلم الآن أن براكت كان... أكثر اهتماماً بهن أكاديمياً؟ ربما كانت الكلمة الخاطئة، لكنها قريبة بما يكفي. وحتى مع معرفتها بذلك، فقد اعتقدت أنه قد تكون هناك فرصة واحدة على الأقل. لم يكن عدم اليقين تعبيراً طبيعياً بالنسبة لإيرولون. وعبست كأنها أدركت ذلك بنفسها، ثم هزت إيرولون كتفيها في النهاية.
"لقد كنت مخطئة بشأن تلك الأمور الأخرى".
قالت أليسا: "على أي حال"، مقررة عدم التعمق أكثر في ذلك الموضوع بالذات، "لست متأكدة مما يجب فعله حيال هذا الفستان. وعليّ إحضار بعض ملابسي الخاصة".
بعد قضائها الأيام القليلة الماضية في غرفة إيرولون، كان لديها بعضها هنا.
قالت إيرولون وهي تلوح بيدها نحو بقية غرفتها: "اتركيه على السرير".
"سأجعل تيس تعتني به لاحقاً".
استدارت أليسا، لكنها توقف فجأة عندما هبطت يد على كتفها.
قالت كاسيتا وابتسامتها عريضة للغاية على وجهها: "دقيقة واحدة فحسب".
"بصفتي أختك الرسمية، أريد التفاصيل. هل عوملتِ جيداً؟ هل عاملتِه جيداً؟ القول إنك استمتعت ليس كافياً بالنسبة لي، أيتها الاخت الصغرى".
"منذ متى كنت أنا الـ..."
"لا تغيري الموضوع مجدداً. كل التفاصيل".
أغمضت أليسا عينيها، وتنهدت. وأجرت مسحاً سريعاً لكل الأرواح من حولهن، وتمنت باعتدال أن يكون هناك جيش يلوح في الأفق أو قتلة يختبئون في الغرفة. لكنها لم تحظ بمثل هذا الحظ في الوقت الحالي. ومع ذلك، وبالتفكير في الأمر، قد يساعدها التحدث مع كاسيتا في معرفة ما تريده بالضبط. إذا كانت تريد شيئاً من الأساس.
قالت أليسا: "حسناً".