"مجدداً."
جزّت أليسا على أسنانها لكنّها أومأت. رفعت يديها بلا كلمة شكوى واحدة. وفي ومضة خاطفة من ضوء أبيض وأسود، استقرّ جسد بشريّ جديد تماماً على صفيحة معدنيّة مسطحة وعريضة. كان الشكل الأساسي مأخوذًا من إيرولون. بلغ طوله ووزنه المقدار نفسه تقريبًا، وحمل شبهًا عائليًّا واضحًا، لا سيما في الوجه. وبما أن جسد إيرولون قد شكّل موطن التنين لأكثر من عام، فقد بدا أن جسدًا شديد الشبه بها سيكون الأنسب.
مع أن التنين قد ذكر أنه سيكون سعيدًا بأي شيء بغض النظر عن الشكل أو الحجم. مع ذلك، لم يحمل الجسد وشوم إيرولون. وبدلاً منها، ظهرت حراشف خفيفة، تركّزت غالبيّتها على الخدين، والعنق، والذراعين، والساقين. وبعد نقاش حول التعقيدات المرتبطة بأيد وأقدام مخلّبة، آثروا عدم إدخال أيّ تعديلات إضافية سوى الحراشف. وقد وُضعت الحراشف ذاتها بناءً على طلب التنين لا إيرولون. على ما يبدو.
ومع تكلّم إيرولون نيابة عن التنين، بدا تعرّف الحقيقة أمرًا عسيرًا أحيانًا ما لم تصرّح صراحةً برغبة أحدهما. لكنّها شعرت بأن التنين سيفضّل شيئًا يبدو أكثر تشبّثًا بطبيعة التنين لأجل جسده الدائم. وبفضل جلسة تعليميّة قصيرة مع تينيبرايل، نجحت أليسا حتّى في اكتشاف طريقة دفع الحراشف نحو النموّ، غير أنّه بالنظر إلى طبيعتها المعدنيّة، بدا أن التنين سيخضع لنظام غذائيّ غير معتاد على الأرجح.
لقد كان مخلوقًا غريبًا. شبيهًا بالبشر لكنّه يشبه السحالي أيضًا. لا يشبه رجال السحالي ولا السمندل. لقد امتلك شعرًا بنيًّا مائلًا للسواد كشعر إيرولون، وهو ما لم تمتلكه وحوش السحالي الطبيعيّة على ما يبدو. على الأقل، لم يمتلكه أيّ منها ممّا رأتْه أليسا. وتوقّفت الحراشف على ذراعيه عند ظهر الكفين، تاركة الأصابع والأكف بلون بشرة بنيّ فاتح اعتياديّ. وحمل الجسد عنصرًا واضحًا آخر.
الطلاء. فقد اصطفّ الحبر الذي استخدمته إيرولون لصناعة بطاقات التعاويذ على طول الجسد، فوق الحراشف، وراسمًا الانحناءات، ومتموّجًا حول العينين. وقد حُلق الجانب الأيسر من رأسه — أو بدقّة أكبر، بدأ فارغًا حين صنعته أليسا — لتيسير رسم بضعة خطوط إضافية من الطلاء. وشابه التصميم تلك النقوش التي زُيّن بها إيشا قبل طقس مزامنة روحه من جديد. وبقدرة أليسا على صنع الأشياء فحسب، استطاعت تخطّي عمليّة الطلاء وصنع الجسد مطليًّا بالفعل.
سينجلي الطلاء ببعض الجهد، لكنّ المفترض أن يثبت بما يكفي للعمل خلال الطقس. مثّل الطلاء الأمر الأهمّ في هذه اللحظة. والأكثر أهميّة من أيّ شيء آخر عدا نجاح الجسد فعليًّا في البقاء حيًّا ريثما ينتهي الطقس. ونتيجة لذلك، تقدّمت إيرولون بخطى واسعة، متفحّصة كلّ شبر من الجسد بينما تراجعَت أليسا خطوة للوراء. كان هذا الجسد العشرين الذي تصنعه أليسا خلال الساعة الماضية. لقد تشابهت جميعها تمامًا.
وكانت إيرولون قد وافقت مسبقًا على التصميم وأنماط الطلاء. وهي لم تكن سوى تتفقّد مدى التناسق في هذه المرحلة.
قالت وهي تتراجع خطوة: "مجدداً."
تحرّكت أليسا إلى الأمام. لم تكن كلمة مجدداً سيئة. فقد دلّت على أن إيرولون لم ترصد أيّ أخطاء واضحة. جثت عند الجسد ومحتْه سريعًا. وبعد لحظة واحدة، رقد جسد جديد في مركز دائرة الطقوس. لم تكن الدائرة ذاتها دائرة بالمعنى الحرفيّ. بل أشبه بـ... مخطّط فن. لم يوجد شيء في المنتصف، لكن تواجدت مواقع لكلّ من إيرولون والجسد في جانبي المخطّط. وكان عليهما الاستلقاء منبسطين على الأرض، بحيث يتواجه الرأسان.
ولن تستطيع إيرولون تفحّص الجسد الحقيقيّ المُستخدم في الطقس فعليًّا. كان على أليسا صنعه فور بدء الطقس.
"مجدداً."
أطلقت كاسيتا تثاؤبًا صاخبًا بينما دمّرت أليسا الجسد وأعادته. كانت هي، وبراكت، فيلا، وجميع الدراكنة يقفون جانبًا، جالعين تحت مظلة كبيرة صنعتها أليسا للمتفرّجين. سيُقام الطقس اليوم.
"مجدداً."
على الأرجح. تجمّع الجميع في الخارج، منتظرين بصبر قرب قمة التلّ الذي حُفر الكهف في جوفه. وبعدت منطقة المتفرّجين مسافة قصيرة عن منطقة الطقوس الرئيسيّة، لم تكن ببعيدة. قريبة بما يكفي لسماع كاسيتا بلا عناء، لكن بعيدة بما يكفي لمنعهم من التعثر بها إن نهضوا لمدّ ساقيهما. وهو حدث تكرر مرّات عدّة خلال الساعات القليلة الماضية. أمّا منطقة الطقوس ذاتها، فقد سوّتها أليسا. وضمنت الصفيحة المعدنيّة سطحًا أملس وغير متقطع للنمط الفعليّ المطلوب للطقس.
لقد كان يومًا غائمًا، وهو أمر جيد لإبقاء الصفيحة المعدنيّة باردة بما يكفي للمس، لكنّه جعل إيرولون قلقة قليلًا حيال احتمال هطول المطر. وقد تلاشت تلك الخخشية حين ظهرت تينيبرايل وأخبرتهما بأنه لا داعي للقلق إطلاقًا فيما يخص الطقس. وكان نسيم خفيف يثير الغبار بين الحين والآخر. بلا شيء يقلق إيرولون، مع ذلك. فما دامت الخطوط الرئيسية المنحوتة على الصفيحة المعدنيّة واضحة، فلن يعيق الغبار الطقس بتاتًا.
ولم يمنع هذا إيرولون من التجوّل بمذبة بين الحين والآخر، لتمسح غبارًا تيقّنت أليسا تمامًا من أنه وهميّ بالكامل. ولم تستطع أليسا لومها على إصابتها بقليل من جنون العظمة، لكنّها تمنّت في الوقت ذاته لو أنها صنعت سقفًا وجدرانًا فوق منصة الطقوس لتحييد هذا الجانب وحده على الأقل من كونِه عاملًا مؤثرًا.
"مجدداً."
إلى أيّ عدد وصلتا الآن؟ ثلاثون؟ لا يمكن أن يكون أربعين. ليس إلا إن احتسبتا استدعاءات اليوم وحده. لقد تدرّبت أليسا مرارًا وتكرارًا طوال الأيام القليلة الماضية. وفحّصت إيرولون كلّ تلك الأجساد بدورها... وبشكل أدق قليلًا. وحتى مع تنظيف أليسا لكلّ شيء عبر تدميره بأكمله، فقد بقيت فوضى عارمة حقًّا بين جلسات التنظيف. وفي هذه المرحلة، صنعت أليسا الجسد عدّة مرّات حتى بات طبعًا ثانياً.
ول بالكاد احتاجت للتفكير في الأمر بعد الآن. وهي الغاية من كلّ ذلك التدريب، حسب ظنّها.
"حسنًا."
جثت أليسا، ودمرت الجسد، وبدأت بصناعة واحد جديد كليًّا. أتمّت الجذع بأكمله في ثوانٍ معدودات قبل أن يعي دماغها ما قالته إيرولون. أدى التوقف المفاجئ إلى تلويث الصفيحة المعدنيّة ببعض الدماء، لكنّ تلويحة سريعة من يدها تكفّلت بالأمر.
سألت أليسا وهي ترفع غطاء رأسها لتتأكد ممّا سمعته: "حسنًا؟"
قالت إيرولون مجدّدًا: "حسنًا. هذا يكفي. أظنّ أننا جاهزون بالقدر الذي سنكون عليه أبدًا."
"أه... حسنًا."
تراجعت أليسا ببطء خطوة للوراء، باحثة فجأة شعرا بالفراشات تضطرب في جوفها مع فكرة انتهاء الاختبارات. لم تكن تتذمّر، لكنّها كانت ستكذب إن أنكرت شعورها بنموّ قليل من النفاد الصبر. أما الآن، فقد شعرت وكأنّها لم تتدرّب بما يكفي قطّ. أكانت تؤديه بشكل صحيح؟ أكانت الدواخل سليمة أم أنها غدَت متراخية أكثر من اللازم؟ ربّما احتياج الأمر لبضع عمليات تشريح إضافيّة. خالفتها إيرولون بالرأي جليًّا.
انسلّت خارج فستانها الفضفاض بينما جلست أليسا تقلق، مطويّة إيّاه على الأرض عند حافة الصفيحة المعدنيّة. وبدا جسدها، شأنه شأن جميع الأجساد التي أنتجتها أليسا، مغطّى بخطوط من الطلاء. لقد وضعت نوعًا من مساحيق الأساس الخافي لإخفاء الوشوم على وجهها، مخافة أن تتداخل مع بقية الخطوط. وكان عليها أيضًا حلق الجانب الأيسر من رأسها لترسم خطوطًا فوق أذن واحدة. وعلى ما يبدو فلن يهمّ بقية شعرها في الطقس شيئًا.
تقدّم براكت بخطوات بينما استلقت شقيقته على الجانب الأيسر من مخطّط فن — متجهة برأسها نحو المنتصف. وأمسك في يديه ورقة طويلة تفصل الكلمات الواجب نطقها. ومثل طقس إيشا، تطلب هذا الطقس على ما يبدو أن ينطق أحدهم بهراء بصوت عالٍ. هراء مُحتم لأليسا باعتباره طلائع لعبارات تفعيل التعاويذ، عدا عن كونها أقلّ دقة بكثير. وعرضت أليسا أن تنطق بالجميع، لكنّ إيرولون رفضت الأمر قطعًا.
شيء ما يتعلّق بتفاعل أليسا غير الطبيعيّ مع سحر معيّن باعتباره مصدر قلق. وهو ما ناسب أليسا تمامًا. وفي حين راحت تينيبرايل تحوم في الأعلى ذاكرة أنها ستصدّ أيّ سلطة نجميّة قد تُجذب نحو الطقس، فضّلت أليسا أخذ الأمور بيدها بكل تأكيد. وما إن يُصنع الجسد، حتّى تستطيع التراجع والمراقبة. ما دام صنعته بشكل صحيح. وعندما بدأت بعضّ شفتها، شعرت أليسا بدفء يتدفق في داخلها من الخلف.
دفء مهدئ ومريح. وحين التفتت قليلاً، وجدت تينيبرايل مسدلة فوق كتفيها عمليًّا. لم تكن الملاك ثقيلة — فقدمها لم تكونا تلامسان الأرض جليًّا، ممّا يعني انعدام تأثير الجاذبية عليها — لكنّ الدفء السماوي شكّل ضغطًا بحدّ ذاته.
"أنتِ تقلقين أكثر من اللازم. سيصبح كلّ شيء على ما يرام. اصنعي الجسد كما كنتِ تفعلين. وإن احتاج أيّ تعديل، فلن أواجه مشكلة في ضبط الجسد أثناء صنعه. فهو في النهاية جسد فارغ بلا روح. ممّا يعني عدم مواجهتي لأيّ مشكلة في المساعدة. طالما تعلق الأمر بالجزء الأول من الطقس على الأقل. ليس وكأنني أتوقع احتياجه لتعديلات. لقد عملت بجدّ على هذا. افتخري بإنجازاتكِ، أيتها الحاصدة الصغيرة."
شعرت أليسا بتحسّن طفيف طوال ذلك الخطاب المشجّع. إلى أن وصل نهايته تمامًا. فرمت الملاك بنظرة داكنة لتتلقى ضحكة خفيفة بالمقابل.
هتفت إيرولون بعد لحظة من اتخاذ موقعها: "جاهزة."
قال براكت بلا أن يرفع عينيه عن الورقة: "جاهز أنا أيضًا."
منحت إيرولون إياه إياه في اليوم السابق، متوقعة منه حفظه. وسمعته أليسا يتدرب عليه في وقت متأخر من المساء وتلاه بلا خطأ — وهي عرفت ذلك يقينًا لأنها حفظته بدورها. والطريقة التي حدّق بها فيه الآن جعلتها تتساءل عمّا إذا كان الأمر عصيبًا وموترًا له بالقدر ذاته بالنسبة لها.
"إنهم بانتظارك يا أليسا."
جاء صوت تينيبرايل ناعماً، أقرب للهمس بالكاد. ومتمثلاً في الغالب بنفَس دافئ يداعب أذنها. داعبها بما يكفي لتصفع أليسا يدها بلا ارإديّ فوق كتفها كأنها تحاول إبعاد ذبابة. فاصطدمت يدها بوجه تينيبرايل مباشرة. انجرفت الملاك للوراء ببطء، رغم أنها لم تبدُ منزعجة للغاية من الضربة المفاجئة. فظلّت ابتسامتها هادئة كعادتهما. تحرّكت أليسا سريعًا نحو الجانب الأيمن لمخطّط فن، خارج الخطوط لكن قريبة بما يكفي لتأدية معجزتها.
فقالت: "أنا جاهزة أيضًا."
قالت إيرولون: "أيها الأخ. إن أفسدت هذا، فسأجعل أليسا تحجب روحي عن عناق تينيبرايل فترة كافية لأعرضك للسخرية حتى عار لا يُستعاد."
لم تمتلك أليسا أدنى فكرة عن كيفية نية إيرولون إيصال سخريتها وهي روح، لكنّ براكت بدا مأخوذاً بالتهديد بجدية. فأومأ برأسه مرتين.
قالت إيرولون: "ابدئي."
"عزم، حارسة، عذراء، عباءة سوداء..."
تجاهلته أليسا. فالكلمات قلّت أهمية عن الإيقاع الذي تصنعه، لكنّ ذلك لم يعنِ أليسا شيئًا أيضًا. لقد امتلكت عملها الخاص لتنجزه. ومثلما فعلت ألف مرّة طوال الأيام القليلة الماضية، صنعت أليسا جسدًا. عظامًا، ولحمًا، وجلدًا، وحراشف. والتفّ الطلاء حول الجسد ليبدأ بالإشراق فورًا. وما إن استقر الجسد في الجانب الأيمن لمخطّط فن، متّجها برأسه نحو المركز، حتى رمت أليسا نظرة خاطفة نحو تينيبرايل.
لتتلقى أكثر إيماءة مطمئنة في حياتها بالمقابل. مطلقة تنهيدة ارتياح، وجّهت أليسا عينيها نحو الطقس برمّته. أشرق كلّ شيء الآن. ليس فقط الطلاء على جسد التنين الجديد. بل طابقته إيرولون، رغم انعكاسه على جسدها. وحتى النقوش في دائرة الطقوس ذاتها بدت وكأن أحدهم سكب عصارة عصا مضيئة داخل الشقوق. إن كانت العصي المضيئة تضيء بلون تينيبرايل الأسود والأبيض المخيف. ورغم أنه كان في منتصف النهار، فقد جعل التوهّج الغريب كلّ شيء يبدو كبرنامج تلفزيونيّ قديم بالأبيض والأسود.
وطغى على جميع الألوان الطبيعيّة. ومع استمرار براكت في الترانيم، بدأت الأمور بالحدوث. وأحاط توهّج رقيق بإيرولون. ومرتديَة إغماض عينيها، راقبت أليسا الحرب بين الروحتين وهي تتوقف. ليس طواعية. فقد بقيتا تحاولان تسديد لكمات مجازيّة لبعضهما. لكن الطقس مزقهما إلى كيانين متميزين تمامًا. ومع فتح عينيها مجددًا، راقبت أليسا ما عجز أيّ شخص آخر عن رؤيته بينما تدفقت إحدى الروحتين عبر خطوط دائرة الطقوس الملتوية.
لم تدرِ أليسا إن وُجد سبب لعدم انتقالها مباشرة من إيرولون إلى الجسد الجديد، لكنّها بدأت تشعر بقليل من التوتر. سيحلّ تلف الدماغ بعد دقائق معدودة فحسب. ولن يعيش الجسد لفترة أطول بعد ذلك. ليس في أيّ حالة قابلة للاستخدام على أيّ حال. ولا شكّ أن إيرولون قد حسبت حساب ذلك. ما لم يكن أمر ما يسير بشكل خاطئ. لم تبدُ إيرولون مرتاحة في هذه اللحظة. انكمشت عيناها بشدة وشُدّت أسنانها في تجهم محكم.
حافظت على ثبات جسدها، لكن بدا الأمر كمعركة. وصلت الروح المرئيّة، تلك التي تواجدت خارج جسد إيرولون، إلى الجانب الأيمن لمخطّط فن. وفي خضم فعلها ذلك، لاحظت شيئًا. تواجد جُلّه في كتلَة ضخمة واحدة. وهو أمر اعتياديّ تمامًا بالنسبة للارواح. فاعتادت البقاء مجتمعة في كتلة كبيرة داخل جسد أحدهم. لكن هذه الروح طليقة الطفو حملت شيئًا شبيهًا بالذيل. وبدا مسارها المتعرج من جسد إيرولون إلى الجانب الأيمن لدائرة الطقوس واضحاً للعيان.
لقد خلّفت أثراً وراءها. لم تفعل أيّ روح أخرى رأتْها أليسا شيئًا كهذا، وسواء داخل جسد أم خارجه. وحين استخدَمت أليسا المنجل لانتزاع أرواح البشر، خرجت الأرواح كقطعة واحدة ضخمة. وحتى بعد تمرير يديها عبرها أو تحريكها بأيّ شكل، لم يتغيّر ذلك. مغمضة عينيها للتحقق مجددًا، اضطرت أليسا للعبوس. عسر تحديد أين تنتهي روح وأين تبدأ الأخرى بدقة، لكنها وثقت بأن روح إيرولون تواجدت خارج جسدها جزئيًّا على الأقل.
بينما تمركزت الكتلة الكبرى في قطعة واحدة، امتد أثر رفيع متصلة بما ظنّت أليسا أنه روح التنين. ومع مراقبة أليسا، أنهت روح التنين التنقل عبر متاهة دائرة الطقوس. وبعد تحليقها فوق الجسد للحظة فحسب، انغست في اللحم. فتحت أليسا عينيها فجأة لمراقبة الواقع مجددًا. وتوقفت ترانيم براكت بعد كلمتين. وبدأ رماديّ المشهد الطبيعيّ يعود لطبيعته مع خفوت الطقس. لم يتحرّك أيّ من الجسدين على دائرة الطقوس.
ولم يبدُ أن أيهما يتنفس، على حدّ علمها. وبقيا متصلين بتلك الخصلة من الأرواح. أظهر فحص سريع برؤية الأرواح الكتلة الرئيسية للروح في كلّ جسد نشطة للغاية ومغايرة تمامًا لما رأته في البشر القريبين من الموت. لكنهما لم يكونا يتنفسان. حامت تينيبرايل في الأعلى، مراقبة. ولم تبدُ قلقة. لكن أليسا لم تثق بها لفعل أيّ شيء حتى لو ساءت الأمور لدرجة كارثيّة. تقدّم براكت خطوة للأمام بتردد.
وقد أدرك جليًّا وجود خطب ما أيضًا. اندفعت أليسا أمامه بلا أيّ تردد في خطواتها. لم تخطط لهذا. ليس تمامًا. لكنها حضرت نفسها. خمسون ومئة مقطع مصور، شاهدت معظمها مرارًا وتكرارًا، عنت عدم حاجتها لإضاعة أيّ وقت في القلق أو المخاوف. معتذرة ذهنيًّا للتنين عن أولوياتها، جثت أليسا بجانب إيرولون. امتلكت نبضًا، وهو أمر جيد. ولم يبدُ حتى ضعيفًا. لكن التنفس... عن قرب، تأكدت أليسا تمامًا من أن إيرولون لم تكن تتنفس.
ومؤشرة على جسد التنين، نادت براكت: "تنفس نيابة عنها!"
لم يشاهد مقاطع مصورة بالقدر الذي شاهدته أليسا، لكنّ الميكانيكا بدت بسيطة. وسيفهم. ودون مراقبة للتأكد، انحنت أليسا وبدأت بالتنفس نيابة عن إيرولون. اعتادت الأفلام، والتلفزيون وما شابه، إظهار الإنعاش القلبي الرئوي كأمر ساحر. أشبه بالقبلة. ولم يكن الواقع كذلك. فلم تتضمن القبلة عادة التقيؤ، أو كميات هائلة من المخاط، ولا حتى الهواء في الواقع. ولم يقتصر الأمر على الهواء فحسب.
بل كان هواءً ساخنًا ومستهلكًا. ولم تنفذ أليسا روتين الإنعاش القلبي الرئوي الكامل، والذي بدا أن التنفس الاصطناعيّ جزء منه حصريًّا فقط إن كان أحدهم محترفًا مدربًا. ولأن إيرولون عانت من توقف التنفس لا السكتة القلبية، فقد تجاوزت ضغطات الصدر تمامًا وتنفست بينما تابعت المراقبة مع توسّع صدر إيرولون مع الشهيق وتقلصه طبيعيًّا مع خروج الهواء. أربع أنفاس. خمس أنفاس. ست أنفاس.
على مقربة، بدأ براكت مع التنين بعد مراقبة أليسا تفعل ذلك مرات عديدة. وبدا أكثر ترددًا وحيرة، لكنّه نفّذ الأمر. أطلقت إيرولون شهيقًا مباغتًا قرابة النفس العاشر. وشهقت بمفردها تمامًا، منفتحة عيناها فجأة. وفي اللحظة ذاتها، شهق التنين أيضًا. ووضع التنين يده على صدر براكت ودفعته. لم تعتقد أليسا أنها صنعت الجسد أقوى من البشر بكثير، لكنّ براكت انتهى به المطاف خارج الصفيحة المعدنية وفي التراب.
أقرت أليسا بقلقها للحظة من احتمال عدم ودّية التنين بالقدر المفترض، لكن التنين لم تواصل هجومها. وسقطت ذراعها بجانبها بينما ركّزت على التنفس لنفسها فحسب. وبالنظر لعدم اهتزاز براكت كثيرًا حيال الأمر، شعرت أليسا بالرضا للاسترخاء. تنفس الاثنان. وفتحت عيناهما — إيرولون بعينين بنفسجيّتين والتنين بعينين سوداوين وبيضاويّتين، رغم صنع أليسا للجسد بعينين بشريّتين طبيعيّتين تمامًا.
قالت أليسا وهي تنظر للأسفل: "إيرولون؟"
ظلت الأرواح مرتبطة معًا بذلك الشريط الرفيع بينهما. ولم تستطع منع نفسها من ملاحظة، بالتنقل ببصرها بينهما، أن تنفسهما قد تزامن. وبدا الأمر... مزعجًا بعض الشيء.
"هل أنتِ بخير؟"
"رائع."
"رائع."
تكلّم الاثنان في ذات اللحظة. ورفع الاثنان يديهما اليمنيّتين، ممسكتين بهما فوق رأسيهما. وحرك الاثنان أصابعهما بتزامن مع بعضهما وحركا يديهما في ذات الوقت للنظر من أظفارهما إلى أكفهما. ارتعشت أليسا، متذكرة الوقت الذي صنعت فيه إيرولون استنساخات كسريّة لنفسها.
"همم."
"همم."
"أسيصبح هذا أمرًا معتادًا الآن؟"
لراحت أليسا، قالت إيرولون وحدها: "أمرًا معتادًا؟"
قال التنين: "اسألي عن أرواحنا. ألا تزالان في صراع مع بعضهما؟"
"يمكنكِ سؤال نفسك. أنتِ تمتلكين فمك الخاص."
"همم."
رمش التنين مرتين، تاركة يدها تسقط إلى وجهها حيث بدأت بالضغط وتدليك شفتيها.
"إذن أفعل."
قالت أليسا وهي تغلق عينيها: "تبدو أرواحكمابخير. وأعني بذلك أنهما لا تمزقان قطعًا من بعضهما. بل يبدو أنهما تتفاعلان مع بعضهما، وتتشاركان أجزاء منهما كما تفعلان مع أيّ شخص. باستثناء أمر واحد. أرواحكما... متصلة. مجرد خيط رفيع صغير يربط بينكما."
أخذت إيرولون نفسًا عميقًا، مغمضة عينيها هي الأخرى في هذه الأثناء.
قال التنين محاولة الجلوس قبل أن تقرر أنه سيمثل جهدًا أكبر من اللازم في هذه اللحظة: "لقد نجح الأمر."
"شكرًا لتحملك طلبي الأناني."
"التحدي هو ما يجعلنا أفضل. لكان هذا الأمر أقلّ تسلية بكثير لو سلكنا طريقًا أسهل."
عبست أليسا. فقد علمت برغبتهما في فعل شيء يحافظ على عقولهما مجتمعة، لكن لم يُخبرها أحد ببقاء أرواحهما متصلة.
"إذن هذا الخيط مقصود؟"
قالت إيرولون، محاكية محاولة التنين للجلوس لكنها نجحت فعليًّا بعد بذل جهد إضافي بسيط: "يكاد يصعب عليّ قول كيف قد يبدو لكِ. لكنّي أفترض أن كلّ شيء سار وفقًا للخطة."
سألت أليسا ناظرة هذه المرة إلى تينيبرايل: "ولن يتسبب هذا بأي مشاكل مستدامة؟"
أجابت إيرولون أولاً.
"إن حدث ذلك، فقد صُمم بحيث يكون من السهل قطعه. زوج طقسيّ من المقصات، إن صحت تشبيه الخيط، وسنصبح كيانين مستقلين تمامًا."
"وحيد."
لم ترد أليسا على أيّ منهما، لكونها مشغولة للغاية بالنظر لأعلى لمعرفة ردّ فعل تينيبرايل على كلّ هذا. فحتى الآن، حافظت على ابتسامة بسيطة. لكنّ عينيها تغيرتا. وبدتا مغلقتين كأنهما في أبسط درجات الارتباك. وبعد لحظة، هبطت محلقة، مباشرة بين الاثنة، وبدأت بالنظر إلى خيط الروح الرفيع. ومررت أصابعها فوقه، وهو ما لم تلحظه إيرولون ولا التنين. وبعد لحظة، هزّت كتفيها.
اعترفت تينيبرايل: "هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها شيئًا كهذا."
ومحولة رأسها من إيرولون إلى التنين، هزّت كتفيها مجددًا.
"لكن أرواحهما تبدو مستقرة الآن."
عاقدة ذراعيها بعبوس، نسخت أليسا هزات كتفي تينيبرايل في النهاية.
"لا فكرة لدى خبيرة الأرواح المقيمة عمّا يجري. رغم أنها تظن أنكما بخير."
هتف صوت كاسيتا المفعم بالمرح: "إن كانتا بخير، فهذا يعني أن بإمكاننا تقديم أنفسنا؟"
"أنا على دراية بهوياتكم، رئيسة الجواسيس كاسيتا."
ضيقت أليسا عينيها نحو التنين للحظة فحسب قبل رمي نظرة على كاسيتا. فقد اتسعت ابتسامتها لدرجة هددت رأسها بالانفجار. ومع كاسيتا، كان احتمال انفصال رأسها حقيقيًّا حرفيًّا.
"حسنًا بالطبع أنكِ تعرفين من نكون. فمن الصعب تفويت رئيسة جواسيس عظيمة مثلي. وأنا واثقة أنكِ على دراية بفيلا، المحاربة الأسطورية، وبراكت... أوفو~ أنتِ على معرفة حميمة به، لقد لاحظت ذلك."
هذه المرة، اضطرت أليسا لتدوير عينيها. فقد شاهدت كاسيتا جليًّا عددًا أكبر من اللازم من الأفلام خلال الأيام القليلة الماضية.
"معذرة، يا شقيق إيرولون، لكنك كنت تجعل التنفس بمفردي أمرًا عسيرًا."
تمتم قائلًا: "آسف."
وفتح فمه ليقول شيئًا إضافيًّا. قاطعته كاسيتا.
"لكن! نحن لا نعرف اسمك، أو أي ألقاب خياليّة لا بدّ أن يمتلكها التنين."
مبسّطة ذراعيها بجانبها، أمالت التنين رأسها بما يكفي للنظر إلى كاسيتا.
"يؤسفني خذلانك. لا أملك اسمًا. ولم أملك اسمًا قط. لم تكن هناك حاجة لشيء كهذا بالنسبة لتنين. اكتفت إيرولون بالإشارة إليّ كرفيقتها. رغم أنني أظنّ أنه سيكون من غير المريح المتابعة بلا معرّف. ستفي كلمة رفيقة بالغرض."
تلاشت ابتسامة كاسيتا.
"رفيقة؟"
"نعم، يا كاسيتا؟"
"لا، أعني... هل تريدين تسمية نفسكِ بـ 'رفيقة'؟"
"إنه اسمي. لقد قررت هذا."
"لكن..."
"أهناك خطب ما؟"
"أظنّ لا؟"
"همم."
أدارت التنين، رفيقة على ما يبدو، رأسها بعيدًا عن كاسيتا. ومع فعلها ذلك، تلمّست أدنى تلميح لابتسامة ركن شفتيها الأبعد. وبزاوية لم تستطع أليسا وتينيبرايل رؤيتها سواهما. وكان ينبغي على كاسيتا رؤيتها أيضًا بالنظر لقدرتها على استشعار كلّ ما يحيط بها، لكنّها كانت مشغولة للغاية بالعبوس مع نفسها، متوقعة بوضوح شيئًا أضخم قليلًا من التنين. وقبل أن تستطيع أليسا تأمل تلك الابتسامة الصغيرة أكثر، نظرت إيرولون.
وقالت: "أليسا. احضري لي العصا. هناك عمل —"
قاطعتها أليسا: "أوه لا. إياكِ والتفكير في الأمر. لا مزيد من الأبحاث. لا تجارب. لقد أنهيتِ للتو طقسًا لا يعلم عواقبها سواه. ستخلدين للراحة. ستسترخين. كليكما،"
أضافت ناظرة إلى التنين. ضيقت إيرولون عينيها. وللححظة، حافظت على تلك النظرة الحادة. وببطء، أغمضت عينيها الضيقتين بالفعل بالكامل. وسقطت إيرولون للأمام، مرخية جسدها مع فعلها ذلك. توترت أليسا. وظهر براكت بجانبها في لمح البصر. وأغمق التنين، رفيقة، عينيها هي الأخرى. وظل الاثنان يتنفسان. وبدا نبض إيرولون ثابتًا. وآملة في كون هذا مجرد إرهاق ناتج عن الطقس، قررت أليسا نقلهما للداخل إلى سرير يستطيعان النوم فيه طالما احتاجتا لذلك.