"تقتلونهم! كل الحجاج الذين يأتون إلى هنا، تقتلونهم!"
التفت يجمال لينظر إلى لازار. التفت لازار لينظر إلى يجمال. جزّت أليسا على أسنانها وهي تملي نظراتها على الشقيقين اللذين عادا والتفتا إليها. كانت غارقة في ذهول تامّ منذ انتهاء المراسم. ولمّا وجدها لازار جامدة في مكانها بينما كانت الجثث تُجرّ إلى مكان ما، رافقها ممشياً إلى النزل. وما إن أجلسها عند المنضدة وسكب لها يجمال كأساً، حتى أاقت أليسا من غيبوبتها أخيراً.
"ألم تكونا تعلمآن؟"
"بالطبع لم أكن أعلم!"
قالت أليسا وهي تضرب المنضدة بقبضتها وتحدق في من يُفترض أنه كاهن لمن يُفترض أنها ملاك. شبك لازار يديه معاً مستنداً بظهره إلى المنضدة من المقعد المجاور لها.
"من أين قلتِ إنكِ جئتِ أصلاً؟"
قالت من بين أسنانها المصطكة: "لم أقل".
"هذا أمر معروف للجميع. يسافر الناس من كل أصقاع الأرض ليضمنوا إيصالهم مباشرة إلى أحضان قداسة الملكة الدافئة".
لم تستطع أليسا إلا أن تسخر من ذلك. لقد كان ذلك الملاك يعامل المجرمين أفضل بكثير من معاملتها لتباعها. أو ربما كانت تستمتع بصحبتهم أكثر وحسب. وبينما هي تفكر في الأمر، تذكرت كيف كان تينيبرايل يتطلع إلى موتها المزعوم. موتاً مليئاً بالمعاناة والألم لفترة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وإن كان هناك ما يمكنها قوله عن موت الحجاج، فهو أنهم رحلوا بسرعة وألم أقل نسبياً. لم يكن أحد يصرخ من لوعة العذاب على أي حال.
"إن كان أمراً بهذه الشهرة، فكيف لم أكن أعلم به؟"
"لا يُناقش علناً في كثير من الأحيان. الموت موضوع مزعج للكثيرين".
تمتم يجمال بصوت خافت: "علاوة على ذلك، عقلك ثقيل بعض الشيء".
ومع ذلك، كان صوتاً عالياً بالقدر الكافي ليلفت إليه نظرة توبيخ من شقيقه.
"ماذا؟ إنها كذلك حقاً. هي جاهلة تماماً بأمور المال، ويبدو أن الطعام الجيّد يزعجها. اضطررت حتى إلى شرح طريقة تنظيف الإسطبلات لها، ومع ذلك أخطأت فيها واستغرقت وقتاً أطول بكثير مما ينبغي أثناء ذلك".
ومع حديثه، كان يعدّ النقاط واحدة تلو الأخرى بأصابع يده. أبعد لازار نظره عن شقيقه ليتأمل أليسا وهو يحكّ لحيته.
"إنها تحضر مرتدية ملابس غير عمليّة".
سكنت أصابعه لحظة وهو يختلس نظرة إلى خصرها.
ومتممًا وهو يعود والتفت إلى شقيقه: "ولا تسافر بأسلحة لائقة. ابنة نبيل منعمة قررت الهرب باحثة عن الحب والمغامرة؟"
"كنت أتوقع من ابنة نبيل أن تعرف ما هذا".
أخرج يجمال سبائك فضية وألقاها على المنضدة.
"أجرتك لهذا اليوم، أيتها الفتاة".
راحت تحدق في القطعة المعدنية. لم يضف إليها أي قطع نحاسية، وهو أمر كان يمكن أن تتذمر منه في ظروف أخرى. ولكن بعد تلك المراسم البلهاء، لم تكن قد عملت لساعات طويلة. وإذا كانت قد أفسدت تنظيف الإسطبل فعلاً، فربما كان الأجر أكثر من عادل. نهض متجهاً نحو الباب الخلفي الكائن خلف المنضدة.
"لدي عمل يجب أن أنجزه. عندما تنتهين، تحتاج غرفهم إلى التنظيف. أي ممتلكات تُركت خلفهم يجب أن تسلم إلى لازار".
رمت أليسا لازار بنظرة اتهام بينما غادر شقيقه الغرفة.
"تقتلونهم ثم تسرقونهم؟ أنتم مجرد نباشي قبور حقيرين. لكن بأكثر كفاءة ودون الحاجة للحفر".
أظلم وجه لازار وهو ينظر إليها من علٍ.
"هناك الكثير من الحفر. لا بد أنكِ رأيت المقبرة. نحن لا نأخذ سوى ما يتطلبه الأمر لإقامة علامة. وما تبقى يُدفن مع الحجاج كدليل على الاحترام. وإذا افتقر الحاج إلى الأصول المالية لدفع أجرة النحات، فأنا أنحت علامته بنفسي يدوياً لأضمن تخليد ذكاره بالشكل اللائق. هذا أمر ليس معروفاً للعامة، وسأكون ممتناً لكِ إن لم تنشريه بين الناس".
استند إلى الخلف والتفت بجانبه نحو اتجاه المقبرة، رغم عدم وجود نوافذ يطلّ النزل منها عليها.
"أنا متأكد من أن هناك ما يكفي مدفوناً هناك لينافس خزائن الفرعون العظيمة".
من نبرة صوته الهادئة، لم تجد أليسا مبرراً للشك في صدق كلماته. وهو ما جعل هذا سراً خطيراً للغاية يبوح به بهذه العفوية. تسرب هذه الأنباء يعني أن قطاع الطرق والغزاة –الذين يجوبون هذا العالم القروسطي في جماعات على الأرجح– سيهجمون على البلدة نهباً وسلباً. بل إن حتى المواطنين المحترمين خلاف ذلك قد تداعبهم غريزة الجشع ليأتوا وينبشوا أكبر عدد ممكن من القبور في ليلة أو ليلتين قبل أن يُطردوا.
مع ذلك...
"لم تكوني لتضطري للقلق بشأن ذلك لو لم تقتليهم في المقام الأول".
عيناه اللتان كانتا تفيضان مرحاً في كل مرة رأتهما فيها أليسا، تحولتا إلى الحزن. لم يكن ذلك الحزن الخاص بفقدان عزيز، بل حزن مليء بالشفقة على الآخرين.
"بعد شهودكِ لما رأيتِهِ، ألا تؤمنين بتينيبرايل؟"
"أنا أؤمن بتينيبرايل يقيناً. أنا فقط..."
أدركت الحقيقة. طرفت أليسا عينيها، وبدت مرتبكة للحظة وهي تجمع قطع اللغز معاً.
"الأمر كله يتعلق بالإيمان، أليس كذلك. ستة أشخاص في العام يُمنحون فرصة رؤية تينيبرايل، يتحدثون عنها وربما يصفونها في بعض السنوات. لكن الأمر لا يتعلق بهم، بل بالحشد. ستة أشخاص ضحوا بحياتهم للتو لتأكيد معتقدات مئات قليلة من البشر".
"أكثر من مئات قليلة. يكاد يكون كل الحاضرين من غير أهالي تينيفيل".
استدار لازار ملوحاً بيده في أرجاء الحانة.
"معظم الذين يشاهدون المراسم هنا ليسوا من هذه القرية. سيزولون غداً. سيغادرون ومعهم هذه التجربة، مؤمنين بها حتى يوم مماتهم. وسينقلون هذه التجربة طوال حياتهم، مؤكدين معتقدات أولئك الذين لا تستطيع أقدامهم السفر".
أدارت أليسا وجهها بمرارة تامة.
ومع ذلك، لم تستطع كبح نفسها عن السؤال: "ما الذي تجنونه أنتم من وراء ذلك؟ عائدات للكنائس في شتى أنحاء البلاد؟ أم مبيعات الجعة؟ أم لا..."
تمتمت بها لنفسها أكثر مما وجهتها لازار.
"أنتم تمنحون الجعة مجاناً، ولو كنتم تهتمون بالمال لنبشتم المقبرة وحسب".
تقنياً، لم يمنح يجمال الجعة مجاناً. فالزبائن دفعوا ثمنها. ولكن إن ارادوها بالمجان، فكل ما عليه فعله هو الخروج والبحث عن لازار. بدا الأمر أشبه بدفعهم ثمن المأوى والدفء والرفقة والخدمة. التفتت نحوه وراقبته، مترقبة ما سيقوله. هذا إن قال شيئاً على الإطلاق. أخذ لازار نفساً عميقاً. ثم ابتسم. لم تكن ابتسامته الأكثر بهجة، بل ابتسامة تفوح منها المسكنة.
"الأمل".
"الأمل".
لم تصدق أليسا ما تسمعه أذناها.
"هذا كل ما في الأمر. تقتلون الناس لتأكيد معتقدات الآخرين لأجل ذلك الإيمان فحسب".
"في بعض الأحيان، كل ما يتطلبه الأمر هو بصيص أمل. تأملي أولئك الذين يحرسون حصن باندورا –أفترض أنكِ على دراية به– إلى أي مدى سيكونون مستعدين للموت على أيدي وحوش شرسة لأجل ليرا إن لم يؤمنوا بوجود من ينتظرهم بعد مماتهم؟"
لم يكن من حق أليسا الحطّ من شأن الجنود لأجل أي قضية قاتلوا من أجلها. ولا سيما الجنود المدافعون عن أوطانهم. قد تكون بعض القضايا جديرة بالنقد، لكن القتال لحماية الآخرين ليس منها. قبل أن تتقاعد والدتها وتعمل حارسة أمن، كانت ضمن القوات المسلحة. لم تسأل أليسا قط عن السبب. وربما ستفعل إن رأت والدتها مرة أخرى. رغم أنها تتوقع تماماً إجابة تدور حول كونه لأجل المال دون وجود أي عمق حقيقي وراء ذلك.
أكان ذلك ينطبق هنا؟ هل يتقاضى الجنود أجوراً في هذا العالم؟
"إن سمحتِ لي بالسؤال، قلتِ إنكِ تؤمنين بقداسة الملكة يقيناً. ومع ذلك، لا تؤمنين بغاية المهرجان؟"
عضّت أليسا على شفتها. ربما كان الإفصاح عن إيمانها بتينيبرايل خطأً. والقول بأنها رأت الملاك شخصياً قد يكون أموراً سيئاً. فما عساه يفعل كاهن متملق إن رأى ملكه؟ لذا فقد تجاوزت ذلك الجزء تماماً.
"أعتقد أن المضي قدماً نحو الموت أمر خاطئ، لا..."
"ولا أنا أيضاً".
"ل-لكنك قتلتهم".
تحرك على المقعد متجهاً نحوها وقال متنهداً بأسف: "تكررين قول ذلك. ما من حاج شارك في مراسم خلال حياتي إلا وكان على علم تام بما تنطوي عليه المراسم. أسأل كل واحد منهم على حدة للتأكد من عدم وجود أي سوء فهم. فهم من يتناولون الشاي في نهاية المطاف".
نهض وعبر الغرفة نحو الباب، وبدا راضياً تماماً عن حديثه.
قالت أليسا قبل أن يغادر: "كيف تدرين أنها تكترث؟"
أصدر صوتاً خافتاً مردداً: "آه".
ثم التفت مبتسماً باتساع.
"هذا أسهل سؤال يمكن الإجابة عليه في الواقع. كل حاج يرى قداسة الملكة تُسجل أقواله وأفعاله. يختلف المحتوى، لكن يمكننا استنباط ردود أفعالها. أحياناً يكرر الحاج كلماتها بحذافيرها. أما اليوم، فأنا متلهف لمعرفة ردها على سؤال عزيز. فقد شكرها عليه حقاً".
أرادت بشدة أن تخبره بطريقة تصرفها؛ فكل من أفعالها قبل المراسم وكيف تحولت فجأة إلى تقديم استعراض مقدس بينما كان الحجاج يحتضرون أمور تستحق الذكر –ناهيك عن حقيقة تذمرها من خطابه أيضاً. مجرد الصراخ بوجهه لتبين له كم كان مخطئاً. لكنها ظلت حذرة من إخباره بأنها قادرة على رؤية تينيبرايل. وبدل ذلك، تنفست الصاعقة وغيرت الموضوع، محاولة منع المتملق من معرفة الكثير عنها.
"لا أظن أنك رجل سيء، يا لازار".
قال محيياً بقبعة رأسه: "شكراً لكِ".
تابعت قائلة، وهي تستحضر كلمات تينيبرايل عن البحث عن كاهن أعظم جديد: "وإن كنت مشبوه الأخلاق. لكن هذا الدين خطير. قد تكون شريفاً، لكنك لن تدوم للأبد. كم سيستغرق الأمر قبل أن يستغل أحدهم المراسم؟ وقبل أن ينبش كاهن أعظم جديد ثروات المقبرة ويستغلها؟ وقبل أن يبني أحدهم كنائس في شتى أنحاء البلاد، زاعماً أن تينيبرايل تحتاج مالاً ليجمعه لحسابه الخاص؟"
وللمرة الأولى، لم يجب لازار. انقلبت تعبيرات وجهه إلى ملامح متأملة بينما نهضت أليسا.
قالت بتنهيدة خفيفة وهي تتجه نحو السلم: "أظن أن عليّ الذهاب لتنظيف أغراضهم".
ليلة أخرى. وبمجرد طلوع الصباح، ستغادر أليسا. لم يعد بإمكانها البقاء في هذا المكان دقيقة إضافية. ربما لن يكون أي مكان آخر أفضل، لكنه بالكاد سيكون أسوأ. بدت ليرا وجهة جيدة، وإن ربما تخللتها استراحة في منزلها لجمع بعض الإمدادات الإضافية.