"أأنا ميّت؟"
مهما كانت التوقعات التي وضعتها أليسا، لم يكن هذا أحدها. طلبت من تينيبرائيل إخفاء إيرولون ومن التراكن إبقاء الصدمات في أدنى حد ممكن، ثم حاولت أليسا أن تبدو طبيعية قدر الإمكان. لم تركض نحو الحمام لتتزين بالدرع رغم رغبتها في الحصول على الحماية الإضافية. ولم تترك ثلاث زجاجات جعة فارغة ليراها. بل طلبت من تينيبرائيل مغادرة الغرفة لبضع دقائق، تحسباً لكونه قادراً على رؤيتها، وتفاجأت بعض الشيء عندما امتثلت الملاكة بلا تذمّر.
لذا، عندما كانت كلماته الأولى بعد تفحصه الغرفة ببلادة هي التساؤل عمّا إذا كان قد مات أم لا، عجزت أليسا عن الكلام. شملت توقعاتها الصراخ أو ربما الخوف من تعرضه للاختيار. أو ربما التقاط الشرطة له. أو سيارة إسعاف كانت قلقة بشأن صحته. ما الذي كان عليها قوله أساساً؟ واضح أنه ليس ميّتاً. لكنه، في الوقت نفسه، ميّت من نواحٍ عديدة. على الأقل فيما يتعلق بالبشر على كوكب الأرض.
بحلول هذه اللحظة، كانت الشرطة قد عرفت هويته غالباً إن وُجدت معه أي وثيقة تثبتها. بطاقة هوية عسكرية قديمة أو ما شابه. ربما كان عليهم انتظار مطابقة الأسنان، أو بصمات الأصابع، أو استدعاء قريب أو زميل عمل قديم للتأكيد، لكن مرجح أن لديهم فكرة ما. شعرت أليسا بوخزة مفاجئة من الذنب، متسائلة عما آلت إليه أمور عائلتها بعد مرور شهر على وفاتها الظاهرة. لكانت والدتها قد عادت إلى المنزل ووجدت جثتها.
مطعونة، إن كانت تينيبرائيل قد أعدت جثة تتطابق مع الطريقة التي مفترض أنها توفيت بها. هي... لم تفكر في الأمر حقاً. في البداية، ظنت أنها انتهت على الأرض ولن تواجه مشكلة كبيرة في إيصال رسالة على الأقل إلى والديها لتخبرهما أنها بخير. ثم، مع مرور الوقت، وجدت نفسها مشتتة بشكل متزايد بكل الهراء الدائر في العالم الآخر، مما ترك وقتاً قليلل جداً للتفكير حقاً في والديها وشقيقها.
الآن، وهي تحدّق في رجل يظن أنه ميّت، لم تستطع طرد صورة والدتها وهي تحتضن جثتها الهامدة من رأسها. كانت صورة شبيهة بشكل غريب بصورة اللص العجوز وهو يعانق ابنه الراحل. وماذا عن هذا الرجل؟ أكانت له أي عائلة؟ أكانوا سيفتقدونه؟ بالنظر إلى وضعه كشخص بلا مأوى، ربما لم يكن لديه أي شخص مقرب. لا أحد يمنحه غرفة إضافية في منزله، أو يقدر على إعطائه إياها. لم يعنِ ذلك بالضرورة أنهم لم يكونوا يهتمون لأمره.
شدّ ظهره، وخرخش كيس القمامة الأسود مع تحركه.
قال: "كلا"، وهو يطقطق عنقه ذهاباً وإياباً.
"يؤلمني كثيراً".
"أنت لست ميّتاً".
كان على أليسا أن تبدأ بهذا مباشرة بعد حديثه الأول. جاء السؤال بمثابة صدمة فحسب.
"مع أن حياتك كما عرفتها انتهت فعلياً".
ربما في يوم ما، متى وجدت أليسا سيلة للبقاء على الأرض دون التعرض لمضايقات المستمرة من الملائكة، يمكنه العودة معها. لا فائدة من إثارة آماله فوراً بشأن أمر يرجح أنه بعيد بعض الشيء في المستقبل. خصوصاً عندما لم تكن قد شرحت شيئاً عن العالم الآخر بعد.
"لست متأكدة تماماً كيف أخبرك..."
قال وهو يميل إلى الأمام: "أنت من هؤلاء التابعين للحكومة الذين يتحدثون عنهم همساً".
أطرفت أليسا عينيها فقط. عما يتحدث؟ لم يكن عجزها عن الكلام قبل قليل شيئاً مقارنة بالآن.
"تأتون، وتجدون شخصاً لم يتبقَ له شيء، وتتحولونني... إلى قاتل محترف؟ جاسوس؟ أم أنها مهمة انتحارية؟"
ضحك بصوت منخفض وبطيء.
"كنت أعلم أنكم يا قوم لن تتركوا وشأني. حسناً؟ هيا. ما هي المهمة؟"
"ما الذي—كلا. لا توجد مهمة. لست من تظنني أكون".
"بالطبع لست كذلك. وبالطبع لا توجد مهمة أيضاً".
مال إلى الأمام أكثر بقليل، غامزاً بمبالغة واضحة.
"رداء الحمام لمسة لطيفة. لم أكن لأتوقعها أبداً. لكني أظن أن الأفلام استهلكت البدلات السوداء والنظارات الشمسية أكثر من اللازم بحيث لا يمكن استخدامها في الواقع، أليس كذلك؟"
قالت أليسا وهي تضغط بيدها على جبهتها: "فقط... توقف".
يا له من تينيبرائيل. كان هذا الملاك الأحمق يضحك عليها الآن. استطاعت سماع التمتمة اللحنية القادمة من الممر. وهل... كان جيبها يضحك أيضاً؟
"انظر. أنت لست ميّتاً، لكن العالم يظن أنك كذلك..."
"بالطبع يفعلون ذلك".
"توقف عن الغمز! أوف".
ربما كان من الأسهل التخلي عنه للذئاب وليتدبر أم بنفسه. بناءً على مدى جنوحه بنظريات المؤامرة، وبدا واضحاً أنه كان مولعاً بها إلى حد كبير، فلعله كان سيفترض أن الانتقال إلى العالم الآخر هو نوع من التقدم التكنولوجي المحفوظ سراً عن عامة الناس. إطلاعها إياه على التراكن سيجعله يعتقد فحسب أنهما مشروع هندسة حيوية حكومي سري. إن كان مصراً حقاً على هذه الحبكة التي نسجها لنفسه، فلم تكن أليسا تدرك ما يمكنها قوله لإقناعه.
حتى القدر الوافر من السحر ربما كان سيُفسر كتكنولوجيا من قبل شخص راسخ القدمين في قناعاته.
"تينيبرائيل!"
استغرقت الملاكة لحظة، ربما لتكبح ضحكاتها، لكنها طفت في النهاية داخل الغرفة.
قالت: "ناديتِ؟"
قالت أليسا للرجل—الذي كانت تنوي سؤاله عن اسمه لكنها لم تنجح بفضل هذيانه: "أولاً وقبل كل شيء. أترى أي شيء هناك؟ في مدخل الممر".
نظر، صامتاً لحسن الحظ. وبّعينين ضيقتين، نهض وسار نحوها. راقبته أليسا بشعور هابط في جوفها. شعور تأكد عندما مرّ عبر تينيبرائيل مباشرة. تنهدت أليسا، وتلتها تنهيدة شبه متزامنة تقريباً من تينيبرائيل.
قالت الملاكة بنبرة محبطة قليلاً: "أخبرتك".
قالت أليسا، أملًا في صرف انتباهها عن حقيقة أن الرجل كان يتفحص طلاء الجدار الآن: "حسناً. أيمكنك منحه هاتفا محمولا برقمي؟ اتركيه في ليريا. يمكنه—"
كان الشفتان يحدقان بها الآن.
وتحركت قليلاً لتخاطبه مباشرة، فتابعت: "يمكنك الاتصال بي عندما تجد مخرجاً".
ردّت تينيبرائيل أولاً بتنهيدة خفيفة: "أظنني أستطيع ذلك. لكنه لن يكون مليئاً بالميزات كخاصتك".
"طالما أنه يستطيع الاتصال بهاتفي، فلا بأس".
بينما وصلت تينيبرائيل بيدها إلى ريشها—أهل كانت مستعدة لتسليم الهواتف المحولة؟—التقطت أليسا حقيبتها اليدوية من الأريكة وبدأت تبحث فيها. أخرجت بضع قطع نقود معدنية. لم تكن كثيرة، لكنها ستكفي للحصول على غرفة في مكان رخيص ونحو دزينة من الوجبات. أي شيء سوى ذلك سيتطلب منه إيجاد عمل. أو التوسل، مع أن أليسا لم تكن متأكدة من مدى نجاح ذلك في ليريا. قطعت المسافة وأسقطت العملات المعدنية مستطيلة الشكل في يديه.
وقالت قبل أن تشرح بسرعة إن العملات الذهبية هي الأكثر قيمة والبرونزية هي الأقل: "مال".
"لم أقط قط مالاً كهذا. وقد زرت كل الأماكن القذرة في العالم".
تمتمت أليسا: "أراهن على ذلك".
"بأي لغة كُتبت هذه الحروف الصغيرة؟"
عجزت أليسا عن الإجابة، فرمقت الجانب بنظرة جانبية.
قالت تينيبرائيل وهي تسقط هاتفا في يدي أليسا: "إينوكية".
لم يكن هاتفا ذكيا. بل قطعة صغيرة بشاشة خضراء وسوداء. كانت تشبه الآلة الحاسبة أكثر من كونها هاتفا. باستثناء أن الآلات الحاسبة التي استخدمتها في هندسة المرحلة الثانوية بدت أكثر تقدماً من هذه. حسناً. لا بد أن هذا ما قصدته تينيبرائيل بغياب الميزات. لم تكن تحتوي حتى على كاميرا. لم يبدو عليه التأثر عندما سلّمته إياه.
"هل ضربت تخفيضات الموازنة قسمكم أيضاً؟"
لم ترد أليسا، بل هزت رأسها بحزن بدلاً من ذلك.
"أظن أن هذا سيكون بمثابة جرس إنذار لك بعض الشيء. يمكنك اعتباره فرصة لحياة جديدة. أو قد ينتهي بك المطاف في الشوارع مجدداً. الأمر يعود إليك. أنقذت حياتك، لكني لست ملزمة برعايتك. وما تفعله متروك لك".
"ما الذي يعنيه ذلك؟"
"نصيحة: تجنب الأزقة المظلمة. وهنا، خذ هذا".
كانت تعتزم إعطاءه إحدى شطائر البرغر المغلفة كطعام مريح بينما يستوعب وضعه. لكن الأمور لم تسر وفق خططها. لذا أسقطت البرغر في يديه فحسب، لا يزال داخل علوبته.
"لعنه يكون الأخير الذي ستحصل عليه على الإطلاق".
جعل هذا ملامحه تتوتر، ولو قليلاً.
"الأخير؟"
ما الذي قالته تينيبرائيل؟
"أعدِّي نفسك، فهذا العالم ليس بطويل لك".
شعرت بوخزة في خاصرتها على الفور.
"عفواً؟ هذه جملتي".
بدت على تينيبرائيل أكبر عبوسة ممكنة على وجهها. عبوسة مزيفة، ومفتعلة بوضوح. استدارت، وبدأت عيناها تتوهجان بسطوع أكبر من ذي قبل. قلدت أظافرها عينيها بينما دفعت بيدها للأعلى. التفت أربع دوائر لولبية، مشكلة مثلثاً مع خطوط من النص تتدفق بين ثلاث من الدوائر. واستقرت الرابعة في المنتصف.
"كريس ألتراك. أطالب بك... بلا بلا، لا يمكنك حتى سماعي. الهدف: كريس ألتراك. تم حساب مسارات التهرب الاحتمالية. التهرب مستحيل. تم قطع رابط الفضاء-العالم الفوري—"
ما إن نطقت بتلك العبارة حتى اختفت تينيبرائيل. واختفى الرجل معها. وبصرف النظر عن هبوب ريح خفيفة حول أليسا لملء الفراغ الذي تركاه، لم يكن هناك أي دليل على وقوف أي منهما أمامها قبل لحظات قليلة. ولن يدوم الأمر طويلاً على الأرجح. ستعود تينيبرائيل لأجلها في غضون دقائق. كحد أقصى. وربما في غضون ثوانٍ.
قالت أليسا وهي تتجه مرة أخرى نحو الحمام، لصالح المقلد في جيبها أكثر من صالح نفسها: "من الأفضل أن أجهز الأمور. أنا متأكدة أنها ستود إعادتي فوراً".
لم ترد كاسيتا، لكن أليسا لم تتوقع منها ذلك حقاً. كانت مجرد صخرة. مع أنها كانت تضحك قبل قليل. بعبوس مرح، ألقت أليسا بالرداء على الأرض وبدأت ترتدي درع التنين مجدداً. ومهما كان الرداء ناعماً وذا وبر، شعرت براحة أكبر بكثير مع الحراشف الرقيقة والقوية التي تشكل حاجزاً بينها وبين بقية العالم. ألقت نظرة في المرآة، وعدّلت البذلة. ربما لم تكن تبدو سيئة تماماً كما ظنت في القصر.
كانت لا تزال ضيقة بعض الشيء وتترك فجوة طفيفة عند الصدر، لكنها عكست حضوراً مهيباً إلى حد ما. كان مسدساها مفقودين. ذاك الذي تحت إبطها والآخر عند وركها. لم تحمل سلاحاً قط في حياتها اليومية على الأرض. باستثناء، بالطبع، المرات القليلة التي سحبت فيها إلى ميدان الرماية. لكن الحمل اليومي؟ أبداً. ومع ذلك، ورغم كل الحراشف السوداء التي تغطيها، شعرت بنوع من الضعف دونها. خصوصاً وأنها لم تملك حتى بطاقات تعويذات كدعم احتياطي.
تمتمت أليسا بعبوس: "من الأفضل لو أعادت تينيبرائيل كل شيء".
وتلك العصا. عصا أدرائيل. لم تكن أليسا متأكدة مما يجب عليها التفكير حيالها. لقد كانت سلاحاً صنعته الملائكة. وربما قادراً على إيذاء ملائكة آخرين، نظراً لأن أدرائيل أخرجتها عندما هاجمه إيوسيفائيل. لا تستطيع الملائكة—أو لا يُفترض بها—إيذاء البشر، لذا فلن تكون هناك حاجة لامتلاك أسلحة لقتالهم. زاد هذا من رغبة أليسا في امتلاكها. سلاح ملائكي. ومع ذلك، كان عليها الاعتراف بأن حملها في كل مكان لم يكن عملياً للغاية.
كانت كبيرة وغير عملية. وشكلها محرج أيضاً. تستطيع الملائكة إظهارها وإخفاءها حسب الرغبة. ستكون تلك خدعة لطيفة لتعلمها. وربما تكون تلك أول شيء ستعلمه إياها تينيبرائيل. لم تكن تعلم ما ستتضمنه تلك الدروس، لكن الفكرة جعلتها تشعر بالبهجة. لتجنب الهراء الفلسفي الناجم عن الإطالة في التحديق بالمرآة، التقطت أليسا الرداء وتوجهت مباشرة نحو المطبخ. فتحت الثلاجة على مصراعيها وحدقت فيها.
ماذا تأخذ... ماذا تأخذ؟ كل شيء. بدأت أليسا بحقيبتها اليدوية. نجحت في حشو ثلاث علب طعام صيني، وشطيرتي صبمارين، وعبوتي كولا. وإذ عجزت عن إدخال أي شيء آخر، بسطت الرداء على المنضدة وشارعت في تكديس الأشياء فوقه. كل شيء، من الجعة إلى قطع الدجاج. راكمت شيئاً تلو الآخر. شطيرة لحم مقدد وخس وطلاطم؟ أرادت بضعاً منها بالتأكيد. ضلوع المشوي؟ كيف فاتتها تلك قبل قليل؟ استقرت بيتزا كاملة تحت كل شيء آخر بسهولة تامة.
"هل تلهين؟"
انتفضت أليسا، مسقطة زجاجة خردل على الأرض. لحسن الحظ، كانت الزجاجة بلاستيكية؛ فلم تنكسر وتتناثر محتوياتها في كل مكان. ودون حتى النظر إلى الملاك الذي يقف خلف ظهرها، استمرت في نهب الثلاجة.
"لا أظنك ستفكمين إيزشا وتسمعينني بملء حقائب سرجها بالطعام؟"
"آسفة".
"نحف. ظننت ذلك. ستسمحين لي بأخذ كل هذا... أليس كذلك؟"
"إن استطعت حمل كل ذلك".
نظرت أليسا من فوق كتفها، فانكمشت ملامحها. قد... تضطر إلى إعادة بعض الأشياء. كان رداء الحمام طويلاً، ويمتد من الكتفين إلى الكاحلين، لكنها لم تكن متأكدة مما إذا كانت قادرة على طي القماش فوق كومة الحاويات بذلك الارتفاع. تنهدت، وبدأت في إعادة بعض الأطعمة الأقل شهية إلى الثلاجة. بوتين؟ بماذا كانت تفكر؟ بينما كانت تعمل، رفعت نظرها إلى الملاك. كانت تينيبرائيل تبدو مثالية للغاية، كعادته.
"كيف تقبل إلقاءه في عالم جديد كلياً؟"
"لا يمكنني التأكد. صدرت الكثير من الألفاظ البذيئة من فمه. خذي ذلك كما شئتِ".
"وماذا عن كتابك؟ أحدث ليضمّه إلى الأحداث المستقبلية؟ أم أنه نقطة فارغة أخرى مثلي؟"
قالت وهي تصل يدها إلى الخلف لتسحب الكتاب من أجنحتها الريشية: "كان هذا أول ما تفقدته".
فتحته عند الصفحة التي بها العلامة، وقلبت بضع صفحات للأمام.
"لا شيء هنا بعد، لكنه قد يزال يحسب الاحتمالات المستقبلية. سأراقبه".
"إنه احتمال ضعيف، لكني لا أظن أنك قادرة على تزويدي بننسخة إنجليزية من تلك الكتب، أصحابي؟"
إن القدرة على معرفة المستقبل ستساهم بشكل كبير في تجنب المواقف المزعجة. الخاطف وضع فخاً حول الزاوية التالية؟ سيء الحظ بالنسبة له. يمكن لأليسا ببساطة سلوك طريق مختلف.
"صُنعت هذه من قِبل الفضائل. تفتقر إلى المعرفة اللازمة لابتكارها".
"لكنكِ كنتِ ستفعلين لو استطعتِ؟"
"لا أعتقد أن نسخة إنجليزية ستنجح أيضاً. فحرف واحد من اللغة الإينوكية ينقل معلومات تكفي لملء بضع مئات من الكتب. لضغط مفكرتي في لغة غير فعالة مثل الإنجليزية... لكان حجم الكتاب بحجم مجرة. تقريباً".
"يا له من أمر".
بدا الأمر وكأنه رد ضعيف، لكن ماذا بوسعها أن تقول غير ذلك؟ ستكون صفحة واحدة مستحيلة الاستخدام، ناهيك عن كتاب كامل. لم تستطيع تصور الأمر بالشكل الصحيح حتى. كان أكبر من أن يُتخيل. حتى لو خُزّن رقمياً... لظل كبيراً إلى حد ما. على الأرجح. لم تكن أليسا تعلم الكثير عن تخزين البيانات سوى أن لديها عدة كتب على هاتفها، لكنها على الأرجح لم تكن كتباً بحجم مجرة في حالتها الطبيعية.
لتجنب محاولة استيعاب أمر تعجز عن تخيل تخيله، شرعت أليسا في لفّ الطعام داخل رداء الحمام. لقد شاهدت مقاطع فيديو على الإنترنت حول تحويل الملابس إلى أدوات حمل. للأسف، كانت من نوع المقاطع التي شاهدتها مرة، وظنت أنها رائعة، ثم نسيتها فوراً. تطلب الأمر استخدام كلتا اليدين للقبضة على كل زاوية وكم من الرداء، لكنها نجحت في رفع الطعام عن المنضدة دون أن تنثر محتوياته في كل مكان.
"أجاهزة؟"
قالت أليسا: "أظن ذلك".
كان لديها الطعام، ودرعها، والحقيبة المعلقة على كتفها، ووكيت في جيبها، و... هذا كل شيء. أخذت تينيبرائيل كل ما عدا ذلك قبل وصولهما.
"نعم. جاهزة متى شئتِ".
"الأهداف: أليسا ميدوز، إيرولون، إيزشا، موسكا. حسابات التهرب غير ضرورية؛ أهداف راغبة وغير قادرة على الحركة. تم قطع رابط الفضاء-العالم الفوري. تأكيد وجود أكوان متعددة. تم تأكيد الإيماءة. البدء في نقل نطاق التجمع الضيق عبر المتجه السماوي ثلاث-خمس-تسعة".
بينما كانت تنطق بتلك العبارة، توسعت دائرة السحر المثلثة من يدها الممدودة. وبسبب افتقارها لهاتفها، لم تستطيع أليسا فعل الكثير سوى محاولة حفظها عن ظهر قلب. للأسف، تحركت هذه الدائرة السحرية. فقد تدفق النص، والنص الملاكي الذي يمكنه حمل معلومات تفوق كتاباً من النصوص الإنجليزية، بين الدوائر. ولم بدا الأمر وكأنه يتكرر أيضاً. ما لم تلتقط مقطع فيديو للدائرة السحرية، لم تجد أليسا طريقة جيدة لإعادة إنتاج التأثير.
ولن ينجح رسم كل شيء ببساطة على قطعة ورق. ربما سيكون ذلك أحد دروس تينيبرائيل. طريقة لإلقاء السحر باستخدام خطوط متوهجة مرسومة في الهواء كالتي استخدمتها الملائكة. قد تكون الإينوكية هي السبب بالضبط وراء عدم بدو تينيبرائيل قلقة للغاية بشأن احتمال تعليم أليسا أسلوبها في السحر. إن عجزت عن استيعاب كل ذلك النص سريع الحركة، فلن تشرع على الأرجح في رحلة فردية إلى الأرض. لم تكن التعويذات الأصغر التي استخدمتها بعض الملائكة متحركة.
بل كانت ثابتة كثبات بطاقات التعويذات. وإن أمكن أليسا إلقاء تلك التعويذات دون بطاقة، لكان الأمر يستحق العناء حقاً. تلاشى الشقق المحيط بالأليسا إلى العدم. وذهب الهواء المكيف معه. التقطت أليسا نفساً عميقاً بينما تسلل القلق إلى صدرها، قلقة من أنها لن تستطيع التنفس على الإطلاق. لكن هواء منعشاً ملأ رداعها. لقد كان الهواء المنعش لبرية خالية من التلوث أو التجمعات البشرية.
"الوجهة المحلية: ثلاثة. واحد. واحد. واحد. ثمانية. سبعة. اثنان. تسعة. خمسة. ستة".
تدفق الهواء البارد مبتعداً في عاصفة هوجاء. وحلّ حر خانق ليملأ الفراغ. اضطرت أليسا إلى تقطيب عينيها هرباً من ضوء الشمس الساطع وهي تبدأ في الإغداق عليها.
"تم العبور دون حوادث. أهلاً بك مجدداً، أليسا ميدوز، إلى عالمي".
"أوف. لا أظنك قادرة على تعديل مُنظّم حرارة الصحراء".
استغرق الأمر بضع إطرافات لتعود عيناها وتتكيف مع الضوء المفاجئ. وعندما تمكنت من الرؤية أخيراً، وجدت نفسها واقفة في المكان الذي تركته فيه تقريباً. كان موسكا وإيرولون في الموضع ذاته الذي طعنا فيه. وكانت إيزشا إلى الجانب قليلاً، بالقرب من المبنى المنهار. كان الوقت قد مضى بوضوح. لقد كان ليلاً أثناء هجومهما. جعلت لمحة سريعة بعينيها نحو الشمس تدمعان، لكن الضوء المبهر أخبرها أنه كان قبيل الظهيرة.
وكانت نظاراتها الشمسية في الكهف مع حقيبتها الظهرية. أوف.
قالت تينيبرائيل، مما جعل أليسا تلوي رأسها للخلف نحو الملاكة: "عتادك. هاتفك، مسدساتك، تعويذاتك، وهدية صغيرة".
كان كل شيء ملقى على طاولة مغطاة بقماش أسود بين الملاكة وأليسا. وكان هاتفها مثبتاً وكأنه معروض في متجر. وكان المسدسان يشيران بعيداً عن أليسا—وبدا وكأنهما قد مُسحا بالزيت وصُقلا مؤخراً، فقد اختفت كل الأوساخ والقاذورات تماماً. بالمقارنة، بدا كومة البطاقات وكأنها أُلقيت على الطاولة كفكرة ثانوية. كانت عدة تعويذات منحنية وبدا وكأنها سُحبت عبر الوحل. وكان سفر إيرولون أنظف، إذ استقر بجانب المجموعة المسروقة مباشرة، لكنه احتفظ بوضوح ببعض الأوساخ جراء إسقاط أليسا له.
كانت الهدية مغطاة بقماش آخر، يحيط به تطريز أبيض على حوافه. وما إن وقع نظرها عليها، حتى مدت تينيبرائيل يدها وسحبت القماش للأعلى مباشرة.
"بندقية الصيد خاصتي؟"
راحت جالسة هناك، بصقل يماثل المسدسين، مثبتة بطريقة تمكنها من رؤيتها بالشكل الصحيح. كانت السبطانة سليمة مرة أخرى. ولم تكن هناك حتى خدش صغير حيث كادت شفرة السيف تقطع الطرف. لكانت مدت يدها لالتقاطها وتفقد مدى إصلاحها تماماً، لكن يديها كانتا لا تزالان ممتلئتين برداء مليء بالطعام. ومع سعادتها لرؤية بندقية الصيد سليمة وما بدا أنه بضع علب من الخراطيش إلى جانبها، لم تستطع إلا أن تعبس.
كان هناك شيء مفقود من الطاولة.
"أين العصا؟"
عبست الملاكة. فتحت فمها، لكنها تردد في الكلام فعلاً. وبعد إطلاق تنهيدة خفيفة، مدت يدها بشكل أفقي فوق الطاولة. انبثق الحلزون الذهبي من كلا طرفي يدها، ليصبح طويلاً وحاداً عند أحد الطرفين بينما يبدو قصيراً مع كرة ياقوتية عند الطرف الآخر.
قالت ببطء: "فكرت في عدم إعادتها. إنها قطعة أثرية مقدسة، بعد كل شيء، وليس مخصصة لأيدي البشر. وإذا كانت في حوزتك، فقد تحاول أدرائيل استعادتها. قد لا أكون موجودة لمنعها ويحتاج إيوسيفائيل إلى العودة إلى الأرض لفترة لمواصلة مهامه هناك. ليس وكأنه قام بالكثير من الخير هذه المرة، لكنه أشغل أدرائيل لبضع دقائق. أمتأكدة أنك تريدينها؟"
ضغطت أليسا شفتيها ببعضهما. كانت عودة أدرائيل احتمالاً مخيفاً. ربما تتسلل بينما كانت أليسا نائمة وتأخذها مجدداً، وربما لا. لقد أظهرت الملاكة بالفعل قدرة على إيذاء البشر. قد لا يستحق تعريض نفسها للخطر لمجرد الاحتفاظ بالعصا. وفي الوقت ذاته، كانت تلك العصا صلة وصل رئيسية بالملائكة. سلاح استخدمته الملائكة ضد الملائكة. إن تركتها تفلت من بين أصابعها، فقد لا تصادف واحدة مثلها مرة أخرى.
ومع وضع ذلك في الاعتبار، هزت أليسا رأسها إيجاباً.
"حسناً جداً. لا أعرف ما تتأملين فعله بها، لكنني لن أمنعها عنكِ. فهي ليست ملكي حتى. وإن لم تكن أدرائيل تريد أن تمتد أيدي البشر القذرة إليها، فما كان لها أن تلقي بها نحو أحدهما".
باستخدام كلتا يديها، أنزلت تينيبرائيل العصا ببطء على الطاولة. وبطولها، امتدت خلف جميع العناصر الأخرى، واصلة من طرف إلى آخر كما لو أنها وُضعت هناك لتعرض بهذا الشكل دائماً. خطت تينيبرائيل خطوة للوراء. أم طفت للوراء؟ في كلتا الحالتين، نشرت أجنحتها على مصراعيها.
"أود البقاء والدردشة أكثر، لكني بحاجة حقاً للعثور على إيوسيفائيل. أحتاج لتتبع أدرائيل إن أمكن. أحتاج لإيجاد روح مناسبة لرحلتنا الاستكشافية في غضون سبعة أيام. فضلاً عن كل مهامي الأخرى. مشغولة مشغولة. أراكِ قريباً".
لم تنطق أليسا بحرف. لم تكن تثق بنفسها في ألا تطلب من تينيبرائيل الاحتفاظ بالعصا. كان الاحتفاظ بها خطيراً حقاً. لكن وقت اتخاذ القرار انقضى قبل أن تتمكن من التفكير في الأمر أكثر. تلاشت أجنحة تينيبرائيل السوداء في الهواء، محجبة الرؤية عن الملاكة لفترة كافية لتختفي.