العرش الشاغر الفصل 10 — المهرجان - عمل شاق

اقرأ العرش الشاغر الفصل 10 — المهرجان - عمل شاق باللغة العربية على مانجا تايم.

تستطيع أليسا الجزم بأنها تمقت حياة العصور الوسطى بكره أعمى. حاولت عبثاً أن تجد حسنة واحدة في أي شيء حولها. كان للطعام ثلاثة مذاقا فقط لا غير: العفن، والمجاري الخام، وما لا يؤكل بالمرة. لم تحضر قط أية محاضرة جامعية تاريخية حقاً حين كانت تسجل موادها. لحيازة الساعات الأكاديمية، أخذت تاريخ الفن. وتضمن قدراً ضئيلاً من التاريخ العادي سياقاً لفهم الفن لا غير، ولتدرك تحديداً لمَ كان الطعام بذلك السوء.

خاضت البشرية حروباً طاحنة على البهارات في كوكب الأرض. كان الذهب يعكس ثراء المرء، لكن البهارات كانت تمنح متعة الأكل التي يُحرم منها الفقراء ببساطة. على حسب خبرتها خلال الساعات الأربع والعشرين التي أمضتها في هذه البلدة، كان بإمكان تينيڤيل -كما علمت أن اسمها كذلك- أن تستفيد من حرب أو حربين. بالطبع، لم يكن الطعام شكواها الوحيدة. بعدما تلقت توجيهات إيزهمال، عرض عليها غرفة تمضي فيها الليل.

غرفة خشبية بسيطة تضم سريراً بسيطاً ومقعداً طويلاً محاذياً لأحد الجدران. وداخل تلك الغرفة، اكتشفت أليسا تماماً لمَ كانت أدوات التعذيب في العصور الوسطى مبتكرة ومرعبة إلى هذا الحد. لا بد أن تكون كذلك ما دامت ظروف المعيشة الاعتيادية بهذا السوء. لم تكن المشكلة الأولى عويصة جداً. منحها إيزهمال شمعة تستعين بها أثناء الاستعداد للنوم. لم يبلغ ضوء الشمعة من أول الغرفة إلى آخرها رغم قدرة أليسا على لمس الجدارين المتقابلين في آن واحد.

أخرجت مصباحها اليدوي. وهو من الأنواع التي تُشحن بالرج، لذا لم تقلق بشأن نفاد البطاريات. وما لبث ذلك أن كشف عن مشكلة أخرى. كان السرير مزوداً ببطانية صوفية رقيقة. وليست صوفاً عصرياً. كانت خشنة، وتخدش الجلد، وتزكم الأنوف برائحة العرق رغم قلة أوراق النعناع المتناثرة في أرجاء الغرفة. قررت أليسا النوم على المقعد. فلم يكن الخشب ليناً أكثر من السرير فحسب، بل قلّ احتمال تعرضها لتكاثر القمل والبراغيث على جسدها إلى حد كبير.

مع تقدم الليل، تحولت الغرفة من برودة خفيفة إلى تجمد قارس. ولم تستطع أليسا فعل أي شيء حيال الأمر. ولن تفيد البطانية الرقيقة كثيراً. ولا الشمعة أيضاً، فقد كانت أصغر من أن تفعل شيئاً. ولم تستطيع إشعال نار في منتصف غرفة خشبية. حين طرق إيزهمال بابها في ساعة مبكرة بشكل مبالغ فيه، شعرت وكأنها لم تنم سوى ساعة واحدة على الأكثر. وعندها اكتشفت مأساة أخرى من مآسي العصور الوسطى.

لم تكن لديهم دورات مياه. ارتجفت أليسا لمجرد تذكر المرحاض الخارجي حين حطت مكنستها جانباً. كنس أرضية ترابية، هكذا حدثت نفسها، رافعة يدها لمسح جبينها. دهشت أليسا من التباين الهائل في درجات الحرارة بين الليل والنهار. لم تفدها في دفع الحرارة قيد أنملة مهام جر الصناديق، وكنس كل غرفة، وجمع أوراق النعناع القديمة. كانت بقية الغرف مزودة بأرضيات خشبية. ولم تفهم لمَ خلت قاعة الحانة الرئيسية من أرضية ملائمة.

أدى الكنس والمشي المتواصلان إلى دك التربة لدرجة انحدار الأرضية أسفل باب المدخل، مما يسمح بتسرب شريط ضئيل من ضوء النهار باستمرار عبر الحافة السفلية.

قال إيزهمال مقبلاً من خلفها: "إليكِ الأمر يا فتاة".

وألقى بسلة خوص كبيرة على طاولة مجاورة. امتلأت بالخضرة لدرجة تدفق الأوراق على الطاولة وأرضيتها المكنوسة حديثاً.

"انثري هذه فور زوال الأوراق القديمة. وبعدها، لكِ أن تحظي باستراحة قصيرة حتى حلول الظلام. تجولي، نامي، افعلي ما شئت".

همّ بالانصراف قبل أن يرفع إصبعاً متذمراً ظاهرياً.

"آه صحيح"، قال عائداً إلى السلة.

وبجانبها مباشرة، أسقط مجموعة عملات معدنية اصطدمت ببعضها محدثة رنينًا ثقيلاً.

"أجرتك عن هذا اليوم. سأمنحك العصيدة لوجباتك مجدداً بلا مقابل، لكن إن أردت شيئاً أفضل...".

نقر إبعُه على النقود بضع مرات قبل أن يغادر مجدداً.

قالت أليسا باحترام بينما كان يتوارى في الغرفة الخلفية: "شكراً لك يا سيدي".

قد لا يروق لها أي جانب من وضعها الحالي، لكنها تظل وظيفة وكان لطيفاً معها حتى الآن. لا طائل من قلة الأدب. هبطت على ركبتيها، فجمعت أوراق النعناع التي كنستها وألقت بها في سلة مشابهة لتلك التي على الطاولة. لم يكن هناك احتمال يذكر لخلطها بغيرها. امتلأت السلة الجديدة بأوراق خضراء ناضرة، تكاد تفيض. أما الأوراق القديمة فكانت مسطحة، ومضغوطة تحت وطأة أقدام المسافرين والسكان المحليين على حد سواء.

زالت منها الألوان فغدت باهتة، ومائلة للبنّي الباهت. وربما يعود جزء من ذلك إلى الأتربة. حين انتهت، ذهبت لتفقد أجرتها. وكما توقعت، لم تُدفع بعملة تعرفها. لم تكن عملات معدنية حتى. لقد افترضت ذلك من نظرة خاطفة ومن الصوت. كانت قطعاً عريضة. ثلاث منها إما من البرونز أو النحاس -ربما نحاس أصفر باهت، لكن أليسا رجحت البرونز. وليست لها خبرة سابقة في علم المعادن. بدا كل قطاع منها بطول خنصرها، وبالمقاس ذاته تقريباً عند إيقافها رأسياً.

ووسط قطع البرونز الثلاث، توقفت عند قطعة فضية وحيدة. كانت بنفس الطول تقريباً، لكن حيث احتوت قطع البرونز على أربعة جوانب واضحة، اقتصرت الفضة على ثلاثة. وحمل كلا النوعين نقوشاً متتالية من الرموز نفسها التي رأتْها في دفتر الملاك. رموز دقيقة صغيرة، بعضها مربع وبعضها مستدير، عجزت عن فهم كنهها. لقد رأت الحروف الإنجليزية الحديثة خارج النزل مباشرة. لافتة كبيرة معلقة فوق المدخل تحمل رسماً لسرير وكلمة 'نزل' بجانب رسم سرير لمن لا يحسن القراءة.

لذا لا بد أن للرموز المسمارية معزى خاصاً. كانت كل النقود -أو القضبان أو أياً ما سُميت- مشوهة قليلاً. كأنما ضُغطت في قوالب مختلفة غير متطابقة. بلغت كتلة القطعة الفضية تقريباً مثلي إحدى القطع البرونزية، لكنها ظلت جميعاً مقبولة الحمل. إذن بحوزتها نقود. ماذا تفعل بها؟ ليس طعاماً بالطبع. صرح إيزهمال بنفسه بأنها ستتلقى وجباتها. وما إن دخلت المطبخ ورأت ما يتاح له استخدامه، حتى تيقنت أن أياً منها لا يستحق إنفاق المال لأجله.

باستثناء اللحم ربما. غير أن اللحم لابد أنه أغلى ثمناً بكثير من أي شيء آخر. وحتى في تلك الحالة، استبعدت أن يكون شهياً إلى هذا الحد. هذا ناهيك عن جهلها بأسعار الأشياء في هذا العالم. قد تكون الوجبات باهظة الثمن بصورة مروعة مقارنة بالسلع الأخرى. وربما يجدر بها شراء معطف فرو أو ما شابه. شيء تدفأ به ليلاً. وشيء يندمج بصریاً بصورة أفضل من سروالها وسترته. يتجاهلها الناس حالياً لتوقعهم قدوم حجاج بملابس غريبة كالشعب ذي العباءة البنفسجية، بيد أن هذا الحال لن يدوم للأبد.

في الوقت الحالي، دست النقود في جيبها. كانت معدنية، وعليه، ستظل صالحة لاحقاً إن احتاجت إليها. التقطت سلة النعناع الطازج، وراحت تجوب النزل كفتاة زهور، تنثرها في كل مكان من الأسرة إلى الأرضيات. في الطابق الثاني من المبنى، توقف نشاط أليسا كفتاة زهور خارج إحدى الغرف. تسلل دخان رمادي خفيف بكثافة عبر شقوق أحد الباب. ولفّ الممر ضبابٌ رقيق مع طبقة من الدخان لصقت بالسقف المائل.

ظنت في البداية ضرورة الإسراع للداخل وإخماد أي حريق قبل أن يأتي على النزل بأكمله. لكن الدخان لم يحمل رائحة الدخان المعتادة؛ فقد توقعت لرائحة نزل خشبي محترق أن تشبه نار المخيم. أشبه بدخان سجائر، سوى أنه لفح أنفها بعبير حلو ومقزز. وممزوج بنفحات زهرية أيضاً. مخدر، بلا شك. حضرت الرائحة ذاتها في أجواء الحانة الليلة الفائتة، غير أنها لم تكن بتلك القوة. أبقى النعناع الروائح الأخرى خافتة.

وهنا في الممر، لم يتواجد الكثير من النعناع باستثناء الأوراق التي في سلتها. ومع ذلك، إن استعر حريق خارج السيطرة، فعليها إيقافه على الأرجح.

قالت أليسا وهي تطرق الباب المليء بالدخان: "أوه، خدمة الغرف؟".

لم يجب أحد بعد وقوفها للحظات، فدفعته لتفتحه. وترجعت فوراً واضعة كمّها على فمها. استحال عليها الرؤية وسط الدخان الكثيف الذي ملأ الغرفة. مالت بجانبها، فأخذت شهيقاً عميقاً من الهواء الأنقى نسبياً قبل أن تقتحم الغرفة بعينيها المضيقتين. كانت هناك نافذة تقابل الباب مباشرة فتحتها بلكمتها. افتقرت النوافذ للزجاج، مكتفية بمصراع خشبي. وساعد هواء الخارج على طرد الدخان. لم يكف ذلك.

اندفعت راجعة عبر الغرفة قبل نفاد أنفاسها إلى الغرفة المقابلة، لتفتح نافذتها هناك. وأطلت ببروز تأخذ شهيقاً عميقاً من الهواء النقي. بدأ الهواء ينجلي بفضل تدفق الهواء الإضافي من فتح النافذة. وما هي إلا لحظات حتى التفتت أليسا عائدة إلى الغرفة المدخنة لتجد ضباباً خفيفاً يحجب رؤيتها بدل الغيوم الكثيفة. وفي الداخل على الأرض، مستلقية بجانب كومة أعشاب متفحمة، كانت الفتاة ذات الشعر الأخضر التي التقت بها الليلة الفائتة.

كانت عازفة الروك بوجهها على الأرض ولا تتحرك.