عُدنا إلى المعسكر، وكان الجميع يسألوننا عمّا جرى وعن نوع الغنائم التي ظفرنا بها، سيّما بعدما رأوا السيوف وقطع الدّروع القليلة التي أتينا بها. كان عليّ الإجابة عن أسئلة كثيرة كنت لأتجنّبها بكل سرور. أمر واحد لم نبحه؛ امتلاك ماري لم يكن شيئاً ينبغي لهم معرفته، فقد كانت المرأة مضطربة بما يكفي وحدها، ولن يجلب ذلك لها المتاعب فحسب، بل سيزعزع الثقة والتلاحم الهشّين القائمين بيننا أساساً.
لقد مات الروح في القناع، ولم يبقَ في ماري شيء، والقناع الذي أُحضر لم يكن يحوي سوى نوع من اللعنة المتحوّرة. لم أكن لأرتديه، وربّما أبداً، لكنّ ذلك الشيء سيظلّ بحوزتي ومخفيّاً قبل العودة إن تحدثنا في الأمر وقرّرنا ألا نتركه هناك ليجده أيّ كان، لا سيّما بعد أن انفتح الباب الآن والخطة التي وضُعت للعودة بمزيد من الناس لاستخراج بركة الشفاء وما تبقي من الغنائم. وبحديثنا عن ذلك...
"جلبرت، أحتاج إلى رأيك".
قلتُ ذلك للنجّار العجوز؛ فقد ارتفعت مستوياته من القتال الذي دار طوال اليوم وبدا متعباً للغاية بكل المقاييس، غير أنّ طاقة عصبيّة ما ظلّت تتأجج فيه أبداً؛ يداه لم تقرّرا السكون لحظة. تنّهد وهو يلتفت ليحدّق بي.
"أنا متأكّد من أن الأمر لا يتعلق برأيي حول كيفية المضي قدماً، ولكن بالطبع، تفضل بالسؤال".
"في الواقع يتعلق الأمر بذلك تماماً بطريقة ما. لقد رأيت الدروع والأسلحة التي أحضرناها، أليس كذلك؟ هناك ما يقرب من خمسين طقماً من الدروع وما يناهز المائة سيف، ثمانية وثثمانون إن أردنا الدقّة. ليس هذا فحسب، بل وجدنا بركة حرفيّة من جرعات الشفاء، أو ما يُعدّ مكافئاً لها. لقد جربتها بنفسي، وفعلت العجائب، أفضل بكثير من تلك التي حصلنا عليها في اليوم الأول. يمكننا استخدامها لأنفسنا، وما يفض عن حاجتنا سنبيعه لمتجر النظام؛ وسنقسم العائدات بين المجموعة. والآن... أريد جلب أكبر قدر ممكن من الغنائم التي كسبناها معنا. والسؤال هو، كم من الوقت سيسغرقه صنع عربة أخرى وبعض البراميل؟"
حدّق بي وفي عينيه وميض. لا أدري أهي آفاق العمل بشيء يألفه، أم الحديث عن المال أم شيئاً آخر، لكنه وقع في الشرك جليّاً.
"يمكن للجميع حمل سيف أو سيفين، لذا يمكننا شطر وزن تلك النصف؛ والدروع كذلك. أنا متأكّد من أن الجميع سيرتديها، لا أقول إنها ستكون أعظم حماية على أي حال... السؤال الحقيقي هو، كم تمثل بركة صغيرة بالنسبة لك؟ من دون معرفة ذلك سيكون من الصعب تكوين فكرة".
التقطت عصاً من كومة الحطب القريبة للنار، ثم شرعت أرسم حدود البركة على الأرض. كان ذلك أفضل ما أمكنني تفكيره.
"هذا هو الحجم، خمسة أو ستة أقدام عمقاً ومقعرة، هذا كل شيء تقريباً، إذن؟"
أخذ يملس لحيته الرمادية وهو يفكر، عليّ حليقة اللحية أنا الآخر؛ فقد بدأت الشعيرات القصيرة تزعجني، أو لعلّي أترك لحيتي تنمو أيضاً؟
"سيتطلب الأمر الكثير من العربات والبراميل لنقل كل ذلك إلى الخارج؛ وحتى بتقدير متواضع، نحن نتحدث عن ألف فما فوق إلى أكثر من ألقي غالون. بحالنا الراهنة، سيستحيل جلب كل شيء معنا، ولكن. يمكننا صنع عربة تحوي السائل وحده؛ بوسعنا جعلها مقاومة للماء وجعلها متينة. سيستغرق ذلك كل الصباح على الأقل إن خطّطنا للأمر الليلة. لا تصنع هذا الوجه، يا بني؛ فحتى مع السحر، يتطلب شيء كهذا وقتاً، سيّما إن كنت لا تريدها أن تنكسر وتُريق الجرعة بأسرها في كل مكان. وحينها ستأتي لتتذمّر علي لكونها لم تكن متينة بالقدر الكفي!"
بعد ردّه، شعرت بتمزق في داخلي؛ كنا بحاجة للمضي قدماً، لكن القيمة الكامنة للجرعة كانت جنونية. لقد دفعنا مائة نقطة مقابل الجرعة الواحدة في المتجر؛ وكانت أقل شأناً بوضوح مقارنة بهذه، وكانت الكمية قارورة. كم سيبلغ الثمن إن نجحنا في بيع ألف غالون من هذا الشيء؟ كان بإمكاننا حقاً تجهيز أنفسنا بشيء جيد، شيء يجعل الرحلة أسهل أيضاً...
"افعلها؛ فالعائد الكامن عظيم للغاية. خطط للأمر برمّته الليلة وابنهِ في أسرع وقت ممكن، مع مراعاة الجودة بالطبع. والآن إن عذرتني، فسيتعين علي التحدث مع توم وتنظيم الأمر بأسره".
مدّ يده نحو ذراعي، ليوقفني. كانت غريزتي الأولى هي إزاحته بعنف، لكني تمالكت نفسي.
"نعم؟"
سألته بأدب ممكن.
وبابتسامة تعلو وجهه، قال: "تمهل لثانية يا بني؛ علينا أن نتحدث في التجارة أولاً... كما تعلم، نحن نقوم بكل العمل هنا. من دوننا، لن تكون قادراً على نقل هذا الشيء، لذا لن يدرّ عليك أي شيء، أليس كذلك؟ أليس كذلك، لذا أُريد النصف – النصف لي ولفريقي".
إنّ نظرة الرضا عن النفس التي كان يرميني بها كانت تجعلني حقّاً أرغب في سحق تلك البعوضة الصغيرة هنا والآن؛ سيكون الأمر في غاية السهولة... لقد كان ضعيفاً للغاية، وكان بإمكاني استخدام هالة لي لأضغط عليه قليلاً؛ سينطوي كورقة ورق. لا، لماذا استخدام القوة وزعزعة استقرار المجموعة بأكملها حين أمتلك الأداة المثالية رهن إشارتي؟ لكن كان عليّ خوض هذه اللعبة بذكاء؛ فأصدقاؤه كانوا يراقبونه.
لا، معظم الناس حولنا كانوا يراقبون... رفعت يداً.
"انتظر، أتقول لي إذن إنك وخمسة آخرين تريدون الاستحواذ على نصف الموارد لأنفسكم؟ أنا أتفهم أن دورك في بناء وسائل النقل ذو قيمة، لا تفهمني خطأ... لكننا قتلنا أربعة وأربعين وحشاً تفوق مستوياتهم الستين وبطلاً بمستوى ثمنين، وكل ذلك مدعوم بروح كاهن قديم أو ما شابه. ما هي النسبة التي تظن أننا نستحقها؟ فبعد كل شيء، خاطرنا بحياتنا من أجل تلك الغنائم... أتحارب بحياتك أنت أيضاً في هذا المسعى؟ أم ربّما... نظراً لأننا سنلعب جميعاً دوراً في هذا، جلب الغنائم، بناء وسائل النقل وإيلاء العربة إلى المنطقة الآمنة التالية لبيعها. ربّما ينبغي لنا جميعاً الحصول على حصة، بالتساوي، لكي نحافظ على الأمور متكافئة؛ فبعد كل شيء، ستكون نقاطاً كثيرة، ونحن جميعاً في سفينة واحدة. دعنا لا نكن طماعين للغاية؛ ما رأيك؟"
بدأ الجميع من حولنا في التمتمة؛ وافقني البعض، وذهب آخرون للقول إنه يجب علينا أخذ حصة أكبر، وشعر آخرون بالارتباك، قائلين إنّ الحرفيين لعبوا دوراً كبيراً أيضاً. لم أكن أفعل هذا من أجل النقاط؛ كان جلبرت محقّاً؛ فمن دونه لم أكن لأحصل إلا على القليل، لكن من دوني لم يكن ليحصل على شيء، والمنطقة الآمنة التالية كانت لا تزال بعيدة، على الأرجح، لذا كان من مصلحته الفضلى البقاء في حظوة المقاتلين.
وبينما كنت أنتظر إجابته، بدأت في شحن دمية الندم؛ وكنت على بعد لحظة من استخدامها. وحين كسا وجهه ملامح عدم الارتياح، تراجع.
"أجل... أنت محق. لقد جاش بي الحماس قليلاً. كما تعلم، في مجالي عليك دائماً المساومة قليلاً على السعر، لكن هذا ليس الموقف المناسب. كنت أظن أنك تريد الاحتفاظ بمعظمها لنفسك، إن كان لزاماً علي الصدق... لكن يمكننا العمل معاً في هذا وأكثر إن احتجت إلينا".
تركت اللعنة تهدأ مرة أخرى؛ فلم تكن هناك حاجة إليها في النهاية. نظرت إلى الرجل؛ وبدا على وجهه مظهر أكثر شوقاً، كطفل يحاول إقناع أخيه الباكي بأن الصفعة لم تكن مؤلمة إلى ذلك الحد قبل أن تدرك أمّه ما حدث. مددت يدي للمصافحة.
"بالطبع يمكننا ذلك، بلا ضغينة. وبما أننا في هذه الحفرة الجهنمية معاً، فينبغي لنا دعم بعضنا البعض، ألا ترى ذلك؟"
قبض على يدي بيده الخشنة، بقبضة قوية، من رجل عمل بجدّ طوال حياته على الأرجح، لكنّ يدي لم تتحرك. لم أكن متكاسلاً أنا الآخر، وقد جعلتني الإحصائيات خارقاً. أدرك هو الآخر فارق القوة من دون أن أضطر للعصر أو أي شيء.
أومأ برأسه وقال: "نعم، سيكون ذلك أفضل".
وحين استدار نحو الحرفيين، محاولاً التوصل إلى أفضل تصميم للعربة، اقتربتُ من حفرة النار حيث كان معظم فريقي وتوم يراقباننا؛ فجلست معهم.
"لقد سار الأمر مثلما توقعت تماماً، أليس كذلك؟"