تسلل الصباح بهدوء. رشح الضوء عبر الغطاء النباتي بخيوط باهتة لطخت الأرض بذهب ناعم وظلال. استيقظت قبل أن يبتلع الشمس وجه السماء بالكامل. بقيت ساكناً لنبضات قليلة. أنصت. وقع خطوات. تمتمات. احتكاك خشن للخشب بالتراب. كان الناس يتحركون بالفعل. لم يسهر الجميع حول النار مثلنا. ترددت في البداية. لكن في مكان ما بين النكات والنقاشات حول الفئات، والمداولات شبه الجادة بشأن النظام وآلية التدريب، لان شيء ما.
غدا التعرف على رفيقي أكثر إمتاعاً مما ظننت. وظلت لعنتي هادئة. تلك وحدها كانت هدية الليلة. نهضت عن فراشي واتجهت للخارج أتمطى. استقبلني هواء الغابة المنعش. أزاح آثار النوم الأخيرة. أمعنت الفكر. فهمت لِمَ التأم شمل هذه المجموعة بالذات. لم يخلو أحد منهم من ندوب. استمر جيروم في استخدام النكات ليخفي صدمته. حملت آليا غضباً عارماً لأمر حدث لها بوضوح على الأرض. أخفت ميليسا صدمتها خلف حاجة للسيطرة.
ضحك كوين. لكن تحسّ حِدّة تحت الضحكة. حِدّة تولدها الحاجة المستمرة لتفقد الكتف والأعداء خلفه. من بين الجميع، أعتقد أنه كان أكثرهم معاناة. كان سعيه للقوة محكوماً بخوف متأصل. لكن من أنا لأحكم على دوافع الآخرين؟ أخفيت دوافعي مثلهم. بين ما جعلنا نتكتل، بدا أمر واضح للعيان. من خلال القصص والأسئلة، أدركنا أننا بلا مراسٍ تعود بنا إلى الأرض. لا. كنا أولئك الذين ينظرون إلى الأمام فقط لسبب أو لآخر.
وربما لهذا السبب تاقلمنا أفضل من الآخرين. تحدث البعض عن إيجاد عائلاتهم أو أحبابهم. عن العودة إلى ما لم يعد له وجود. لم يضيّق رفاقي وقتاً في ذلك. لم تنظر أعينهم سوى للأمام. خطف انتباهي وميض حركة. التفت إلى الجانب. لمحت امرأة تحدق بي. أشاحت بصرها متأخرة نبضة كاملة. ثم لاحظت شخصاً آخر يحدق. ثم آخر. آه. طأطأت بصري أتفحص نفسي. صدر عارٍ. قدمان حافيتان. لا إزعاج البتة رغم لفحة الهواء البارد لجلدِي.
اعتنت إحصائياتي بالأمر بهدوء. لم أنتبه حتى. كان كوين محقاً. كنت أعامل جسدي كملحق لسحري. لم يكن ذلك ذكياً. رغم أني لم أستثمر قط في الإحصائيات الجسدية سوى الجرعات، لم أكن هشاً بأي حال. رفعت يدي ملوحاً بكسل لأحد المتفرجين. الأرشفية الشابة، إن خانتني الذاكرة. احمرّ وجهها وهربت خلف خيمة قريبة. انتهى أمر ذلك. علق قميصي على غصن قريب نظيفاً مرتقاً. رتق الشقوق بإتقان شديد حتى كادت تختفي.
عمل سيلين. ارتديته وفتلت عضلاتي مرة. راضياً. ودوّنت في ذهني أن أشكرها مجدداً. باتت الملابس مشكلة. كانت إحدى الموارد العديدة التي تفتقر إليها. ساعد النهر، لكن ثمة حد لما يمكن غسله بلا صابون. بدأ الناس تفوح منهم روائح. تثاءبت ثم ذهبت أبحث عن توم قبل أن تقرر لعنتي غير ذلك. وجدته قرب طرف المخيم يتحدث مع جلبرت. الحرفي العجوز من الليلة الماضية. انحنى الاثنان فوق عربة خشبية خشنة بينما دحرج آخرون براميل إلى مكانها.
كانت العربة قبيحة بكل ألواحها الخام وأوتادها الغليظة، لكنها متينة بطريقة غريبة. أثارت حكة في حواسي الغامضة. تعزيزات. مهارات بسيطة نُسجت في الخشب أثناء خلقه. أدركت أنها فجة لكنها فعالة. مسح جلبرت العرق عن جبينه.
قال: "أؤكد لك أنها ستصمد".
صلب توم ذراعيه متشككاً.
قال: "تُجر يدوياً".
رد جلبرت رافعاً ذقنه: "أحقاً؟ أترى أي خيول هنا؟ لدينا إحصائيات، وأنا أعمل بالخشب منذ خمسين عاماً. أفتظنني أبني شيئاً يتهاوى عند أول مطب؟"
نقر توم جانب برميل. كان ممتلئاً بالماء.
"حسناً، لكن كم من الوزن تطيق حمله؟ هذه الأشياء ليست خفيفة".
نخز جلبرت بصوت خشن: "بالربطات التي أضفناها؟ ألفا رطل بسهولة".
أطلق توم صفيرة منخفضة. وفعلت مثله في داخلي. لشيء بُني بالفؤوس بوصفها أدوات بالغة التطور، كان الأمر مثيراً للإعجاب. إن كان هذا التدريب يتعلق ببناء المستوطنات عوض القتل، لكان الحرفيون ملوكاً.
قلت مقترباً: "صباح الخير".
التفت الرجلان.
استقبلني توم بالقول: "إلياس".
بينما اكتفى العجوز بهمهمة.
سألته: "كم مر حتى ننطلق؟"
نظر إليّ ولحظة ظننت أنه سيحييني كضابط عسكري. ثم استرخى قليلاً.
"سنكون جاهزين بمجرد تفكيك الخيام".
قلت: "جيد. سأحزم خيمتي. أريد استغلال أكبر قدر ممكن من ضوء النهار".
"أخشى ألا يكون ضوء النهار هو ما يمنعنا من التقدم. لكنك محق. التحرك مبكراً أفضل".
بينما أنهى توم كلامه، تمم جلبرت بشيء لم أتبينه تماماً.
سألته: "مشاكل؟"
بدا على الحرفي الذهول لبرهة، ثم قالها ببساطة: "لا شئ. فلنحرّك الجميع. إن كان لزاماً عليّ الموت، فأريد الفراغ منه قبل الغداء".
ثم استدار ومضى في شؤونه. تركته. وبعد أن تجهم توم في وجهي، عدت إلى خيمتي. بعد دقائق، حشوت كل شيء في حقيبة الظهر. كنت أمقت تلك الحقيبة. كانت تجرّ كتفاي وتفقدني توازني. في القتال، كانت عبئاً. احتجت إلى حل. وستفي العربة بالغرض الآن. حولي، كان المخيم يستيقظ بجد. الخيام تُفك. النيران تُطفأ. انتشر الناس هنا وهناك يتحركون بطاقة متوترة. ضربني الرعب عندها. ضغط حاد ومألوف خلف صدري. زفرت خلاله وتقدمت.
نظرت حولى فرأيت كوين منغمساً في تفكيك خيمته بحماسة لا يملكها سوى مراهق مجبر على أداء الأعمال المنزلية.
التقطت عموداً قبل أن يقع وقلت: "أتعلم، تلك الأشياء صُممت لتفك".
ابتسم كوين: "هي تعلم ما فعلت".
عملنا جنباً إلى جنب دقيقة، وملا الفراغ دون جهد.
قال بصوت منخفض لكن متحمس: "تحدثت طويلاً مع فريدريك البارحة. يملك الرجل إمكانات. إمكانات حقيقية. مهارات مضاعفة الضربات. تصلب الجلد. وخاصية تعزز الأداء البدني بأسره. تلك توليفة كريهة إن أحسن استخدامها".
رددت: "إن".
هز كوين كتفيه: "العمود الفقري هو المشكلة. لكن يمكن إصلاح ذلك".
أملت أن يكون على حق. لا تكون القوة مفيدة إلا إن طاقت نفسك على استخدامها. انتهينا سريعاً وتقدمنا. نصبت ريا وميليسا خيمتيهما جنباً إلى جنب. وهو ما فسر الفوضى بأثر رجعي. كانت الأعمدة في كل مكان. التوت القماشة كعلم مهزوم. رفعت ريا بصرها مع اقترابنا بشعر شعث ويدين مليئتين بالحبال.
قالت: "لا تحكم".
كذبت: "ما كنت أفعل"، وأنا أهوي على وتد قبل أن يطعن أحدهم.
انزلق كوين لمساعدة ميليسا. وأبدى فجأة اهتماماً مذهلاً بحزم الخيام جعلها ترمش ببصرها وتضحك ريا بهدوء. طن المخيم حولنا. ذهبت أساعد حيث أستطيع. وبعد أقل من نصف ساعة، كان الجميع في الساحة مستعدين للرحيل. توفرت عربة مليئة ببراميل الماء وزوج من الذبائح، ما يكفي ليومين على الأقل إن لم يفسد اللحم أولاً. وضع المقاتلون البدنيون حقائبهم على العربة. وفعلتُ مثلي. بينما نال حرفيان نصيب الأسد – وكلاهما استثمر في القوة بما يكفي – واختير لمهام الجر.
لكن ستكون هناك مناوبة، مساواة بين الجنسين وما شابه. تأكدت أنا وتوم من وجود الجميع في مكانه الصحيح. ثم أومأت إلى الكشافة: كوين، مارس، وفيل. وتقدموا إلى الغابة أمامنا. ستكون مهمة المجموعة الرئيسية تغطية الأواني والخلفية. بعد إلقاء نظرة أخيرة على الناس، تقدمت الطليعة. لا سبيل لأن ألقي خطاباً أو أي هراء من هذا القبيل.
"لننتقل! ابقوا متيقظين واصرخوا إن رأيتم وحشاً. تعرفون أدواركم".
مع تحرك المجموعة إلى الغابة، بدأنا نسمع أصوات هدير بعيدة في الأفق. ابتسمت. جيد. امتلكت أفكاراً عديدة لأختبرها بفضل دردشتي مع الفتيات البارحة. واهتاج الجميع هنا لبعض التدريب. سيكون اليوم ممتعاً.