⟦1〉 كان الاجتماع ينفرط على الطريقة المعتادة في الاجتماعات المزعجة، ببطء وبأطراف متآكلة. شددنا بعض التفاصيل وبدلنا التشكيلة خطوة هنا وخطوة هناك. وقف توم وجون وسيلين أخيراً. ذهبا لينشرا الخبر كي لا يتقوّل أحد غداً بأنه لم يدرِ أين ينبغي له الوقوف. تباطأت ماري. بدت وكأنها تريد قول شيء لكنها هزت رأسها في النهاية.
"ليلتك سعيدة يا إلياس".
قلت: "الوقت لم يتأخر بعد".
ابتسمت بابتسامة باهتة.
"تأخر بالنسبة لليوم".
"أنا أفهَم. ليلتك سعيدة يا ماري".
ثم مضت في طريقها. كنت على وشك الالتفات مجدداً إلى حالتي حين تذكرته. الرجل الذي كان يحوم حولي طوال النصف ساعة الماضية متظاهراً بالتحديق في الشرر وفراش النوم وجد الشجاعة أخيراً ليتكلم. اقترب حتى كشف الضوء عن هيئته بوضوح أكبر. طول متوسط، وبنية متوسطة. شعر بني، وعانان بنيتان، وجه تنساه بعد خمس دقائق من الالتفات عنه. إلا أنني لم أنسه. مع أنني نسيت اسمه. لكنه كان ذلك الرجل صاحب الطفل.
الطفل الوحيد. أخذ نفساً كمن يخوض في ماء بارد وتقدم نحوي.
قال بصوت متقطع ثم استقر: "إلياس.. هل.. هل يمكنني التحدث إليك؟".
هيأت نفسي لأي طلب قد يطلقه هذا الرجل.
"تفضل".
قال مندفعاً: "لا أعرف إن كنت تذكرني، أنا فرريك.. وأنا.. لست صانعاً. أخبرت الناس أنني كذلك لكنني لست كذلك. أنا مقاتل".
أمر مثير لاهتمام. ومزعج في آن، إذ لم تكن لدينا بعد أي وسيلة لمعرفة الفئة التي يحملها الآخرون. لا بد أن شيئاً في تعابير وجهي قد بعث فيه الأمل لأنه واصل الحديث بطاقة عصبية.
"لم أرد لأحد أن يعرف، لو عرفوا لتوقعوا مني أشياء. لأرسلوني. لأقحموني في الخطر".
شد على فكه.
"لدي ابن".
"أعلم".
جعله ذلك ينكمش لكنه أومأ.
"كايل. عمره ست سنوات. إنه ساحر. لكنني لن أجعله يقاتل. لن أسمح بذلك".
انكسر صوتة فجرع غصته.
"لكن بعد ما قلته اليوم.. لم أعد أعرف ما أفعله".
نظر إليّ كما ينظر الغريق إلى خشبة طافية.
قال: "أنا جبان. أعرف ذلك. لقد تجمدت في المرة الأولى التي تعرّضنا فيها للهجوم. شعرت بالذعر وكذبت. لكنني بحاجة لأن أكون قوياً. من أجله. وقد قلت إنك ستساعد الراغبين في القتال".
حنى رأسه قليلاً.
"لذا أنا أطلب ذلك. لا أعرف ما أفعله. لا أعرف كيف أستخدم هذه الفئة. أحتاج إلى.. إلى شيء ما. إلى توجيه، أو تدريب.. أي شيء".
انقبض صدري من الداخل لكن مصالحي في هذه الحالة كانت متوافقة مع هذا الرجل؛ أرادت اللعنة مني مساعدته وكنت أريده أن ينجح أيضاً. كان مقاتلاً. مقاتلاً آخر. لم أكن أعرف إن كان فريدريك قادراً على تلويح نصل كما ينبغي، لكن النظام قد منحه المهارات الصحيحة بالفعل. ومع دفعة في الاتجاه الصحيح يمكنه أن يصبح رصيداً. حامياً نظراً لرغبته في حماية ابنه. أومأت برأسي ظاهراً فحسب.
قلت: "لقد اتخذت القرار الصحيح بالاعتراف. غداً سيحصل كل من يريد القتال على فرصته. وهذا يشملُكَ أنت".
لمعت عيناه بشيء خام ويائس.
"حقاً؟".
"حقاً. ولن تضطر لاكتشاف هذا وحدك".
ألتفت برأسي نحو الجانب المظلم من المعسكر.
"تعال. هناك شخص أود أن تتعرف عليه".
مشينا معاً عبر متاهة الخيام والحرائق المتقافزة، وإن يكن هناك ما لا نقص فيه فهو الخشب. لاحظت ابنه كايل، ظلاً صغيراً يحوم في مكان ما خلفه. لا يتكلم قط. ارتفع صوت الضوضاء كلما اقتربنا من زاوية المعسكر. يبدو أن قومي قد قرروا التكتل حتى عند تناول العشاء. كان جيروم في كامل وضعيته الاستعراضية، ذراعاه مفرودتان وصوته يجلجل.
"ثم قلت لميليسا: انظري إلى هذا، أليس كذلك؟ فاخترقت ثلاثة منهم ككبش محرقة، والدماء تملأ المكان..."
قاطعت ميليسا بحدة: "لم يحدث ذلك أبداً".
أسكته جيروم بحركة غير خفية بتاتاً.
وهمس بصوت عال كفى ليسمعه أي أحد: "أيتها الفتاة، لا تعبثي بالقصة...".
كان مارس جائعاً بالقرب ينحت قطعة خشب بتركيز منهجي. وانحنى آليا وماركو وابتسامتان تعلو وجهيهما. واسترخى كوين على مرفقيه مستمتعاً بالأمر برمته كمسلسل تلفزيوني. حين وطأنا دائرة الضوء لمسني كوين فوراً.
"يا رجل! أحيح أنه شغل الوحوش كلها لتعيش لحظة رومانسية ثنائية مع شجرة؟".
لوحت ريا بيدها وهي تضحك.
"لا تستمعوا إلى ما يقوله هؤلاء الحمقى".
أمعن جيروم في ادعائه.
"كانت شجرة حميمة للغاية، وأرادتني بكل جوارحها".
أطلق ماركوخخرة. ضحكت آليا. وحتى ميليسا ابتسمت على كره منها.
وأضاف كوين: "سمعت أنك بعثت إليها بقبلة سحرية فذابت من أجلك وحدك".
قال جيروم بوقار: "إنه الإغواء الخالص".
انفجر الجميع ضاحكاً وأطلقت ضحكة خفيفة أنا الآخر. لكن فريدريك لم يفعل. وقف هناك متصلباً وضائعاً، قابضاً على جاكيت ابنه كحبل نجاة، متملقاً هؤلاء المجانين جزئياً وهم يمزحون بشأن أشياء لم يرها من قبل. لم يفهم شيئاً. لكن لو سار كل شيء على ما يرام فسيففعل. أطلقت خخرة ورمقت جيروم بنظرة جانبية، ثم نظرت إلى العصا التي كان ما زال يحملها معه.
قلت رافعاً يدي استسلاماً زائفاً: "مهلاً. لم أكن أنا من يلوح بعصاه في كل مكان نحو الوحوش مستمتعاً بوقته".
مرت هنيهة. تجمد جيروم ونظر إلى العصا التي بيده ثم التفت إليّ.
"مهلاً، هذه الفتاة تمتلك مدًى طويلاً".
تدخل كوين: "أراهن أن لديك مهارة ما لاستخدامها باستمرار، أليس كذلك؟".
غطت ميليسا وجهها بكلتا يديها: "يا للهول، أرجوك لا.. ليس ذلك.. ليس نكات الآباء أرجوك".
تابع جيروم: "لديها بالطبع. تمنحني طاقة أساسية في الواقع، ويمكنني تلويحها طوال اليوم".
قالت آليا: "أتعوض فترات التبريد؟".
انفجر الجميع ضاحكاً. انحنى ماركو من شدة الضحك. وصفع كوين الأرض بيده. وحتى مارس توقف عن النحت وقتاً كافياً لهز رأسه ممتعضاً.
أشار جيروم بالعصا نحوي عاتباً: "انظر ما فعلته، هناك أطفال هنا".
مسحت ريا دموعها وانحنت إلى الأمام.
"إذن؟ هل تركوك تتنفس أخيراً بعد قنبلة غد سنزحف؟".
قلت مستقراً قرب النار: "نوعاً ما".
اختفت ابتسامة ماركو كأن أحداً ضغط زر إطفاء.
"رائع. نحن جالسون لحراسة الأطفال إذن".
واجهت نظراته الحادة بلا تلجلج.
"هذه إحدى الطرق للتعبير عن الأمر".
قال محتدماً: "لم أتطوع لأجر أوزاناً ميتة عبر أراض تعج بالوحوش. تطوعت لأكون في الطليعة".
قلت بهدوء: "وستكون. إن شئت فيمكنك تولي المقدمة غدًا".
تلجلج.
"حسنًا، هذا.. أنت تعرف ما أعنيه...".
تدخل كوين: "على الأقل سنتوقف عن الدوران في حلقات مفرغة. كم مرة تريد العودة إلى هنا؟ لا أعرفكم جميعاً لكنني أريد التقدم حقاً. لا خطأ فيما أقول، لقد تحسنا كثيراً منذ اليوم الأول. واللعنة، أنا سريع كسيارة رياضية في الغاب! لكنني ما زلت أريد النجاة في النهاية".
فرقعت النار. وتسلق الشرر الظلام. أومأت آليا ببطء.
"لديه نقطة. البقاء في مكان واحد لا يعدو كونة رسماً لهدف على ظهورنا".
فرك ماركو وجهه وشد فكه.
"هذا لا يعني أنني أحب ذلك".
قلت: "ولا أنا. لكنه الخيار الأفضل المتوفر لدينا، هذا أو التخلي عن الجميع والمتابعة بمفردنا، لكني واثق من أن أحداً لا يريد ذلك حقاً، أليس كذلك؟".
تلا ذلك جوقة من نعم وصحيح وبضع تمتمات بالاستياء.
"جيد، نتفق على هذا كارهاً مجبراً على الأقل".
مالت ريا برأسها.
"وهل تظن حقاً أن الصناع قادرون على مواكبة الأمر؟".
قلت: "سيتعين عليهم ذلك. ثلاثة أيام في هذا المكان كانت هدية. مستويات، إحصائيات، مهارات. أنا متأكد تماماً من أن النظام سيمنحهم بعد جعلهم يقاتلون مهارات متعلقة بالقتال أو وسائل للدفاع عن أنفسهم على الأقل".
تشابكت ذراعع ميليسا وبدت مفكرة.
"بصدق، بعد رؤية ما يمكننا فعله بالحواجز وإضعاف الخصوم والكشافة الذين يحذرون من التهديدات مبكراً.. قد نجح فعلاً".
تمتم ماركو: "قد.. ربما يبدأون التحسن ويصمدون، أو ربما يُبادون في غضون يومين...".
أجب لاحقاً: "هذا أقصى ما يمكننا فعله. لا شيء هنا آمن، لا التوقف ولا الحركة. وبالتأكيد ليس تجنب المعارك".
جلت بنظري حول النار، نحو ابتسامة جيروم الماكرة وتركيز مارس الهادئ وإحباط ماركو وعيني كوين الحاسبتين. لم يكن أحد سعيداً بهذا الوضع لكن لم يكن لدى أحد فكرة أفضل في الوقت عينه، لذا سنزحف غداً، وانتهى الأمر.
"لتغيير الموضوع، لدي شخص أود أن أقدمه لكم".
أشرت بيدي إلى جانبي.
"هذا فريدريك، وهذا الصغير هنا هو كايل".
"سينتهي بهما المطاف بالانضمام إلى الفريق غالباً؛ لدي إحساس جيد حيالهما".
تحولت كل الأعيُن نحوهما.
"م.. مرحبا، يسرني لقاؤكم جميعاً".
كان فريدريك يرتجف تماماً في هذه اللحظة، لم تكن تلك انطباعاً أولياً جيداً، لكننا سنرى...