استمرت الوحوش في التدفق، وتحطمت الأجسام عبر الجذور الميتة، وخدشت المخالب الجذوع الخالية من لحاء، واهتزت الأرض تحت أقدام كثيرة. بقيت ثابتة؛ لو تخلّيت عن موقعي، لحُوصر الآخرون وقُطّعوا. سمعت ريا تصرخ، حادة وملحة.
«دعي ذلك الإلديريّ يمر!»
لم ألتفت. كان حسّي السحريّ قد امتد على آخره، جلداً ثانياً فُرد فوق ساحة المعركة. شعرت بكل شيء. الحواجز تتأجّج وتتمطّط من خلفي. صرخات جيروم وهو يهوي بعصاه. أداء ميليسا الثابت والمنضبط وهي تشكّل المانا موانعَ مثالية بوجه أعدائنا. تركيز ماري كان محكماً ومضبوطاً. وشعرت بالإلديريّ الذي كانت ريا تتحدث عنه. تسلل عبر ثغرة في الخط، بسرعة. شعرت به يتسارع، إشارة حادة تشقّ الفوضى، متجهة مباشرة نحو موقع ريا.
حولت انتباهي بالقدر الكافي لأبقي الإلديريّ في نطاق وعيي، مستعدة للتدخل. كنت سأمنحها مساحة، لكنني ما كنت لأدعها تموت سدًى إن فشلت خطتها. كان الآخرون في الخلف مشغولين أيضاً. شعرت ببعض الوحوش تنفصل، محاولة سحق الفتيات وجيروم، وتتحسس بحثاً عن ثغرة. مع ذلك، كانت جُلّ الحشود فوقي. انبثقت موجة أخرى من الأمام. كانت المانا الخاصة بي منخفضة. ليست فارغة، لكنها بالتأكيد أقل من الخمس.
لم أكن بحاجة إلى رقم لأعلم ذلك، حتى لو كان من الجميل توفره. لذا مددت يدي مجددًا، ليس بحثاً عن المانا، بل عن حياتها. تشبثت بالجذور المترابطة عبر الوحوش، والشبكات الطفيلية التي تغذيها، وشحذت الجذب بقوة. انسلّت قوة الحياة ممزقة، خاماً وعنيفة، لا تشبه البتة سريان المانا النقيّ. راحت تحرقني بينما أجبرتها على اتخاذ شكل. انطلقت حواجز ذهبية فجأة حولي، متداخلة، متأجّجة بسطوع بينما ضربتها المخالب والقرون.
فجّرت الطاقة المخزنة نحو الخارج في سلسلة من الانفجارات السحرية، فتطايرت الأجسام، وتكسرت الجذور كخشب متعفن. أكان بإمكاني فعل ذلك؟ من كان يعلم؟ تلتها السهام، الواحد تلو الآخر، وكلّ منها مشكّل من قوة الحياة المضغوطة والإرادة. اخترقت الجماجم، والقلوب، وعقد النمو الملتوية. سقطت الوحوش في منتصف هجومها، منهارة كأكوام قبل أن تتمكن حتى من الصراخ. دفعت انفجاراً سحرياً آخر للأمام، واسعاً مجدداً، دافعاً بمجموعة من الوحوش بعضها نحو بعض، لأشتري لنفسي نصف ثانية.
نصف ثانية كانت كافية. كان رأسي ينبض بعنف. لم يكن استخدام قوة الحياة هكذا نظيفاً. تصاعد الإجهاد بسرعة، ضغط هائل خلف عينيّ، وملزمة تعتصر صدغاي بينما احتجت هياكل التعويذات. بدا الأمر وكأن المانا صُممت لكي تُشكّل. بينما كان حتمياً فرض السطوة على قوة الحياة بدلاً من ذلك. امتلاء المرج بنور ذهبي وأجسام متمزقة. ماتت الوحوش يمنة ويسرى، وتلطخت الأرض بالسوائل والجذور المتناثرة.
تلك التي لم تمت أُجبرت على التراجع، وانعكس الزخم بفعل انفجارات غذتها وفيات رفاقها. خلال ذلك كله، أبقيت جزءاً من تركيزي مقفلاً على ريا. شعرت بدقات تنبيه رسائل النظام، من القتلى ومن ترتقاء مستويات المهارات؛ ربما أنال إنجازاً جديداً بعد القتال. رفعت يدي واستدعيت سهماً آخر، وشفته بأكبر قدر ممكن من الطاقة المسروقة وجهّزته بانفجار سحرّي. كان رأسي يفتك بي؛ كنت أؤدي شيئاً يكاد يكون مستحيلاً بالمانا على ما يبدو، إلا أنني استخدمت النوع الخاطئ من الطاقة.
كان السهم الذي بحجم الساعد ذي يوم يتجاوز الآن مترين طولاً، مشعاً ببريق كالشمس. غدا فيه نوع من الجاذبية التنويمية؛ كانت دوامات الطاقة داخل مصفوفته جميلة ومرعبة في آن. قبضت عليه بيدي اليمنى ووجهت الهدف. لم تكن هذه المعركة لتطول، لكن الحجم الهائل للتعويذات التي ألقيتها ألقى بثقله عليّ؛ كنت سأنهيها. بكل ما أوتيت من قوة، جسدية وسحرية، ألقيت ابتكاري العملاق الشبيه بالرمح نحو قلب جذور الشجرة، إلى داخل النور القرمزي المنبعث من نواته الملتوية.
ألقت كل الوحوش الواقعة بيني وبينه بنفسها في مسار التعويذات؛ مُحي عشرون منها على الأقل قبل أن ينفجر السحر في لهيب آسر من النور الذهبي ليأخذ معه المزيد من الوحوش والبشريين اللذين سيطرت عليهما الجذور. حين تلاشى النور، انتصب أمامي ممرّ دمار انتهى بمنطقة انفجار يبلغ قطرها عشرين قدماً على الأقل؛ الجذور، لسوء الحظ، ظلت حية وتتحرك، نظراً لأن الوحوش لم تتوقف عن القدوم نحونا.
لكنني آلمتها، وليس بقليل؛ فقد نُسفت جذور الشجرة أساساً لتنفتح، وكان النور القرمزي يتسرب من نوع ما من الأعضاء الشبيهة بالقلب، ضخًّا بطيئًا لوحل أسود على الأرض. بدأ صوت صرير يُسمع من العدو، وشرعت الشجرة في التحرك، تفعل الملك وحده يعلم ماذا، لكني لم أمتلك رفاهية التركيز على ذلك؛ المزيد من الوحوش كانت تقترب نحونا من كل حدب وصوب. أخذت نفساً؛ كنت أعرّق وألهث بخفيف الآن.
تلك التعويذة أثقلت كاهلي. لكني كنت أبتسم للقوة التي أصبحت أتحكم بها؛ ومع ضحكة، قويت وعززت وألقيت المزيد من نزف الملعونين. لم يكن هناك سوى ثلاثة وحوش في المدى، وهو مدى ظل يتسع منذ أن وجدت الطريقة لاستخدام المهارة دون اتصال مباشر. هوت الوحوش إلى الأرض صارخة، مضيفة إلى الفوضى حولنا. شعرت بالإلديريّ خلفي، تلك التي استهدفتها ريا، تموت، وبقيت هي على قيد الحياة، لذا افترضت أنها نجحت في أيا كان الطقس الذي أعدته.
فتاة صالحة. علمت أنها شخصية جديرة بالرعاية. لاحقاً، قلت لنفسي. لم ينتهِ الأمر بعد؛ مزيد من الطاقة كان يتدفق إلى داخلي، وحول الوحش الأصلي، لم يبقَ حولنا أكثر من عشرين، لكن المزيد كان يتوافد باستمرار من الغابة. كم كان هذا المخلوق قادراً على السيطرة؟ شرعت في إطلاق المزيد من السهام، أصغر حجماً هذه المرة، أقرب إلى حجم إبر الحياكة من السهام السابقة، لكنني شقيتها بالانفجار السحري.
إن كان بمقدور ماركو اللعين توريتي إطلاق سهام متفجرة، فلا أرى سبباً يمنعني من فعل المثل. إلا أن سهامي كانت أشرس بكثير. أطلقت العنان لست إبر صغار، ووجدت كل منها أهدافها. شعرت بالوحش يموت بعد أن اخترقت التعويذة أجسادهم ودمر الانفجار أحشاءهم. لم أكن حتى أراقب أين أطلقتهم؛ كنت أراقب جذع الشجرة وهو يقلع جذوره من الأرض. لم يكن ذلك يبشّر بخير. لكنني واصلت إطلاق الإبر الذهبية بينما شرعت في استنزاف الوحوش خلفي، تلك التي كان الآخرون يهاجمونها.
لم تعد هناك وحوش قادمة نحوي مباشرة؛ بل تجمعت كلها حول الشجرة التي أصبحت منتصبة الآن. أعادت تشكيل نفسها حول النواة، والتوت الجذور وتداخلت حتى شرعت تشبه عملاقاً بلا رأس مصنوعاً من أشرس جذر وُجد قط؛ فتحة في صدره، إن جاز وصفه بصدر، بثّت نوره القرمزي، وأطلقت صوتاً جعلني أرغب في تمزيق أذني. زأر الوحش وانتصب عالياً؛ ربما تجاوز ارتفاعه ثلاثين قدماً الآن، وبد واضحاً أنه كان يمتص الوحوش الأخرى بطريقة ما.
سقطت جثث تلك التي تطفل عليها من قبل ميتة، قشوراً محرومة من أي حياة، رمادية كالتتر الذي نقف عليه. بينما حبت البذور التي زرعها فيها داخل صدره وجعلت النور القادم من جوف الشيء يزداد سطوعاً بسطوع. قضينا على آخر الوحوش حولنا. أخبرت الآخرين ألا يقتلوا الأربعة الأخيرة التي كنت استخدمها كبطاريات، ثم أعدت التركيز على ما يجب فعله. أنهى الجذر امتصاص كل الوحوش التي لا تزال حية؛
لم تكن قوية، لكنها لم تكن قريبة من العدد الذي كان في البداية. بدا جسمه متخمًا الآن، بارزاً ومحاولاً إعادة التشكيل حول كل النسل الذي امتصه. ماتت الوحوش الأخيرة التي كنت أمتصها، وهكذا شرعت أتقدم للأمام؛ كانت الطاقة بداخلي قوية بشكل مسكر، كالعادة، وتطلبت إطلاقاً. لذا شكّلت تعويذة، صُنعت بحياة مسروقة نقية وكل نواياي السيئة. لم أعد بحاجة إلى التركيز على محيطي بعد الآن؛
لم تكن هناك وحوش أخرى سوى ذلك الواقف أمامي، لذا صببت جلّ تركيزي وإرادتي في إلقاء التعويذة. كانت جاهزة، وكانت جميلة. استطعت رؤيتها بحواسي في راحتي كفي. لم أبتكر شيئاً كهذا قط؛ بدت حية. وقفت مسماراً للحظة، ورنّ جرس في مؤخرة رأسي، ثم رفعت نظري إلى الوحش بابتسامة.
«تعلم، سيكون الوقت مناسباً الآن لبدء التوسل...»
وأطلقت التعويذة.