⟦1 وجدت جاك قرب الملاجئ يتدرب على إحدى مهاراته ويشع رأس رمحه. رفع وجهه حين رآني مقترباً وانطبعت على محياه ملامح غريبة قبل أن يمحوها ويعيدها إلى حيادها. كان الترس سليماً، وقد تخطّكت المعدن خدوش واستهلكته قليلاً نيران السحرة في اليوم الأول. وما زال يحمل حوله ضغطاً غريباً يجعل الهواء أثقل إن أمعنت التركيز.
قال قبل أن أنطق: "أهلاً إلياس. جربت الترس ولا بد أن أقول إنني لا أملك أدنى فكرة عن كيف نجحت في استخدامه من قبل، فالطنين كاد يجعلني أتقيأ فطوري".
ردبت بابتسامة خبيثة: "أعلم. ولهذا أنا هنا".
انحنيت أمامه وأخذت الترس بعناية. اللعنة ما زالت هناك، ملتفة بإحكام، عنيدة كقراد. قاومت على الفور حين امتددت إليها بإعادة ربط اللعنة، وتسلل الإجهاد المألوف إلى عمودي الفقري بينما حاولت نزعها عن مرساها.
أشفق جاك وسأل: "هل أنت بخير؟"
"أعطني ثانية".
حاربتني هذه بقوة. كانت جذور اللعنة متأصلة في المعدن، وخيوطها غارقة بعمق إثر الاستخدام المتكرر. لم ترد التحرك. ولم أرد الإفلات. لذا أجبرتها. اشتعل المانا بحرارة وأنا أسحب مشكلاً التعويذة بعناية وصبر. وتصبب العرق على جبيني بينما امتدت اللعنة وقاومت ثم انلت في النهاية محررة إحساساً أشبه بتمزيق قماش مبلل. صفعتها في عصا قريبة قبل أن تتمكن من الارتداد.
رمش جاك رافعاً الترس بتجربة وقال وبدأت الدهشة تتسرب إلى صوته: "لقد اختفت".
وطرق به على الأرض. لا طنين. ولا ضغط.
"اختفت حقاً".
قلت وأنا أتنفّس بصعوبة: "أردت تجربة أمر ما، حدس فحسب".
قال جاك بقدر غير قليل من الوجل: "فقط لا تضع ذلك الشيء في داخلي أرجوك".
"هاه! لا تقلق، هذا الشيء يعشق ذلك الترس".
ثم التقطت العصا وكسرتها نصفين. تدفقت اللعنة على الفور، وميض عكر يتلوى في الهواء، هائج، باحث. حامت لضربة قلب ثم تدفقت عائدة إلى الترس وكأنها جُذبت بلجام.
شتم جاك: "حسنًا. لم يدُم ذلك طويلاً".
لكنني لم أنزعج. كنت مفتوناً.
قلت: "مرة أخرى".
تردد: "إلياس..."
"ثق بي".
سحبت اللعنة للمرة الثانية وعضضت على كظي بينما قاومت بقوة أكبر الآن محبطة لازدواج نزوحها. كنت جاهزاً هذه المرة. دفعتها في عصا أخرى، أثخن وأجفّ. استقرت. بالكاد. اهتزت العصا بضعف في يدي لكن اللعنة بقيت في مكانها.
حدق جاك وقال: "إذن... وماذا الآن؟"
ابتسمت ببرود: "الآن أفكر في كيفية استخدام هذه، لكني أبحاث عن بعض المساعدة. جرّب ذلك الترس وأخبرني إن شعرت بنوع من بقايا اللعنة حسناً؟"
"حسناً..."
تركت جاك يختبر ترسّه وذهبت للبحث عن ماركوس. كان ما زال يعكف على مشروعه أياً ما يكن. نحت العظم وشكّله ليصير هراوة طويلة. سلاح جيد. وبالنظر إلى الطريقة التي تعامل بها ماركوس معه، بدت العظام أثقل مما متوقع.
قلت: "ماركوس".
همهم دون أن يرفع رأسه.
"أحتاج إلى معروف".
جذب ذلك انتباهه. أدار رأسه ببطء.
"يعتمد ذلك على الأمر".
سألت: "أتستطيع نحت الخشب في أغراض صغيرة؟ تماثيل. تمائم. شيئاً صغيراً سهل الحمل وذا خط صدع أو ما شابه يسهل كسره؟"
قطب حاجبيه وقال: "أستطيع. لماذا؟"
أوضحت: "أحتاج إلى أوعية، للعنات. أشياء لا أريد لعنها إلى الأبد. أمور قد أود كسرها لتحرير اللعنة ورميها على أعدائنا".
حدق في مطولاً ثم أعاد نظره إلى عمله.
"تريد قنبلة لعنات..."
"همم، أقل أو أكثر".
خرجت منه همهمة خفيضة قد تكون مرحاً.
"تلك فكرة سيئة".
"أعلم".
تمدد الصمت.
قال أخيراً: "...سأرى ما بوسعي فعله. بعد أن أفرغ من هذا".
أجبت: "هذا عادل. شكراً لك".
همهم مجدداً وهو ما صرت أعرفه موافقة وصرفاً. وما إن فرغت من ذلك حتى ذهبت للبحث عن توم. ولم أضطر حتى لمحاولات العثور عليه. كان يجمع الناس قرب مركز المخيم، قوام منتصب، ملامح مرهقة لكنها مصممة. ووقفت آليا بالقرب منه ومعها ماري، منصتتين. وتدفق آخرون قليلون وجعلهم الفضول يحتشدون. خطوت بجانب توم.
سأل بهدوء: "أجاهز؟"
أومأت برأسي. تنحنح ورفع صوتَه.
قال توم: "اسمعوا جيداً. علينا التحدث بشأن كيف نمضي قدماً".
تجمع المزيد من الناس عن قرب. بعضهم حذر. وبعضهم آمل.
وتابع: "لا يمكننا الاستمرار في التخبط بهذا المكان عميانًا. لقد أثبت الأمس ذلك. خرج إلياس والآخرون وطهروا تهديداً رئيسياً. نحن أنصع أماناً اليوم بسبب ذلك".
سرى تمتمات عبر المجموعة.
وقال توم: "لكن لا يمكننا الاعتماد على الحظ. نحتاج إلى هيكل".
ألقى نظرة نحوي ثم عاد لينظر إليهم.
"نحن نشكل فرقة متقدمة. نؤلف مجموعة صغيرة للمضي قدماً، وتمهيد الطرق، واستطلاع الخطر، وتقليل التهديدات قبل أن يتبعنا بقية".
استراحة قصيرة.
سألت امرأة متوسطة العمر لم أتعب نفسي بتذكر اسمها: "من سيضطر للذهاب؟"
أجاب: "هذا تطوعي. لا أحد يُجبر. لكن افهموا هذا: البقاء خلفاً لا يعني البقاء في أمان إلى الأبد".
تقدمت عندئذ بصوت هادئ: "ستواجه فرقة التقدم أكبر المخاطر. غايتنا التحرك بسرعة وفتح الطريق. وكلما طهرنا مساحة أكبر واجهتم وحوشاً أقل. وكان لديكم وقت أطول للارتقاء".
تركت الفكرة تغوص في نفوسهم.
صاح رجل، وحرفي إن لم أكن مخطئاً: "لماذا نحتاج لفعل هذا؟ أليس أفضل أن نمضي جميعاً معاً؟ القوة في الأعداد وما شابه؟"
تابعت: "إن كنا سنبلغ المنارة في الوقت المناسب، فنحن نحتاج إلى التحرك أسرع بكثير، وإن مضى الجميع بالسرعة ذاتها فلن نبلغها قط في الوقت المناسب. هذا هو اليوم الثالث، وقد خيمنا فعلاً في مكان أبعد عن المنارة مقارنة باليوم الأول. لا تفهموني خطأ، أعتقد أننا نحتاج إلى هذه الأيام الأولى لنقف على أقدامنا، لكننا بحاجة إلى مجموعة مستعدة لمواجهة تحديات هذا المكان وجهاً لوجه؛ ومن أجل سلامة الجميع نحن بحاجة إلى أشخاص مستعدين لاقتحام المجهول ومواجهة وحوش هذا الدرس التمهيدي للسماح للآخرين باللحاق بنا. نحن بحاجة إلى أن نصبح أقوى بكثير مما نحن عليه الآن. وإلا فسنهلك جميعاً".
أومأ توم برأسه وقال متابعاً: "وهو ما يقودني إلى الجزء الثاني. من اليوم فصاعداً، ستكون فرق الارتقاء إلزامية. تناوب. اشتباكات منضبطة. الجميع يخرج. الجميع يتحسن".
تحرك القلق. لكن دون تمرد صريح.
قال توم بصراحة: "لقد نجونا بالأمس. حتى دون وجود فريق إلياس هنا. يخبرني ذلك أننا قادرون على فعل هذا. معاً".
أشار بيده: "الآن. ودون إطالة، من يتطوع لفرقة التقدم؟"
لم أكن أتوقع الكثيرين. تقدمت آليا على الفور وبيدها الفأس وفكها مشدود. وتبعها كوين مبتسماً كأنه كان ينتظر الإشارة. تحرك ماركوس دون مراسم.
فاجأني جاك بهز رأسه وقال: "سأبقى. يحتاج أحدهم إلى حمايتهم هنا بأمان".
ترددت ماري ثم أومأت بر لنفسها وتقدمت. جيد، سرني ألا تغير معالجتنا رأيها أيضاً. ثم تقدمت ريا.
رمشت عيني مستغرباً: "ريا؟"
هزت كتفيها بتوتر لكن بعزم: "أريد دفع نفسي، إن قبلتموني".
قلت لها بابتسامة: "بالتأكيد، ستلحقين بنا بحلول نهاية اليوم".
تبعتها ميليسا بهدوء لكن بحزم مماثل. فاجأني ذلك أكثر. لكن قبل أن أتمكن من التعليق انضم إليهم شكل آخر. ماركو. عرفت اسمه لأنه كان الرجل ذاته الذي جادل آليا بالأمس، والرجل ذاته الذي هرب في اليوم الأول.
نفخ صدره قليلاً وقال بصوت أعلى قليلاً مما ينبغي: "أستطيع التدبير لنفسي".
رمقته آليا بنظرة حادة كافية لقطع الحجر. لم أقل شيئاً. أومأت بأدب فقط.
"أهلاً بك على متن السفينة إذاً".
كنت واثقاً من أن هذا الرجل سيمثل مشكلة؛ سنرى... تفقد توم المجموعة ثم بقية المخيم.
وحين لم يتحرك أحد آخر، خاطب الجميع مجدداً وقال: "إذاً فقد حسم الأمر. فرقة التقدم تمهد الطريق أماما. والبقية يتبعون مع الارتقاء بالتناوب. لا استثناءات. علينا التكيف أو نموت".
لم يعارض أحد. ليس علناً على الأقل. ومع ذلك، أبدى عدد كبير من هؤلاء الأفراد عدم رضاهم عن الترتيب الجديد. ليست مشكلتي. حين انفض الاجتماع، شعرت بذلك مجدداً. ذلك الطنين الهادئ في صدري. كانت اللعنة... راضية، وسار التجمع أفضل مما توقعت. رغم أنني كنت متسائلاً الآن عن مدى استمرار ذلك.