"تريد منا أن نحارب أولئك؟"
سألتْ كلوي بدهشة.
"نعم، ستشكل تحدياً جيداً، لكني أثق بكم جميعاً تماماً، ومتأكدة من أن الجميع سيكونون قادرين على التعامل معهن بمفردهم بعد أن نحارب بضعاً منهن معاً ونكتشف ما قادرات عليه."
استدارت كلوي نحوي، ثم إلى المسوخ شبه المغمورة في المستحقع الذي وجدنا أنفسنا فيه، ثم عادت والتفتتْ إلي مجدداً، وعجزتْ بوضوح عن صياغة ما تدور به خلدها حول الأمر، ورغم ذلك، بدا جلياً على محياها رأيها فيه.
"كلوي، نحن الطليعة، أنت وتوم لم تأتوا معنا قط في الماضي كأعضاء في الفريق، وأعلم أن هذه تجربة أولى من نوعها بالنسبة لك، لكن حين كنا في المعسكر هناك بالغابة قرب الغور، شققنا الدرب للأمام، وواجهنا الألدريين حين لم نكن نعرف تقريباً أي شيء عنهن سوى أنهن خطيرات، هكذا سرت أمورنا، وانظري حولك،"
أشرتُ لها لتراقب البقية، "هل ترين أحداً خائفاً هنا؟ نحن جميعاً نعرف الأخطار، لكننا نواجهها على أي حال، لأنه إن لم نعلُ، سنبقى عالقين هنا في هذا المكان ولن نبلغ المنارة أبداً."
لم تكن تلك الأسباب الحقيقية وراء فعلي هذا، بل الأسباب الأوضح فحسب، لكني احتجتُ منها أن تركز ذهنها في اللعبة، فإن أرادت السير معنا، وتكون عضواً محورياً في نقابتي، فسيتعين عليها أن تكون قوية بالقدر الكافي لمواجهة الأخطار التي يتطلبها موقعها. إذ استحال أن يتجنب أي شخص في المراتب العليا لنقابتنا أي خطر، وإن عجزت عن مواجهتها فسأضطر لإيجاد شخص يمكنه تولي موقعها وخفض رتبتها إلى دور إداري بحت، دور لا يتطلب مستوى كبيراً من القوة، لم أرد فعل ذلك، لكني سأفعله إن ثبت أنها غير كفء بما يكفي.
أخذت نفساً عميقاً لتهدئة نفسها، ثم صلب نظرتها.
"حسناً، حسناً، لنفعل هذا."
أخرجت قلماً جديداً من جيبها وأمسكت به بين أصابعها الثلاثة، مستعدة لكتابة سحرها.
"كفى تلكؤاً، إن أردنا التعامل مع تلك الوحوش،"
بدأ توم كلامه، "فعلينا اختبارها أولاً، ماذا نعرف عنها؟"
كان ماركوس هو من أجاب.
"إنهن على عتبة المستوى مئة، شديدات التحمل، وواتهن أموات، ولا يشعرن بالألم ولديهن هجمات سحرية بعيدة المدى يطلقنها من أفواههن."
كانت تلك معلومات جيدة حقاً، أكان قد تعامل مع بعضهن بالفعل؟
"أفلحتَ في إسقاط واحدة بمفردك بالفعل؟"
سألت أندريا، وجاء سؤالها صدى لأفكاري. تمتم ماركوس.
"واحدة فقط، عبر اختراق دماغها برمح، وتلقّت الثانية الضربة ذاتها وكأنها لم تكن مزعجة حتى."
حسناً، كانت لدي فكرة عن الأمر، لكن عقلاً آخر يفكر في المشكلة لن يضر.
"كوين، ألديك أي فكرة عن السبب؟"
سألتُ الفتى.
"غالباً امتلكت الثانية نواة، بينما خلت الأولى منها."
كان الصبي يفكر في المشكلة بجدية، ويقدم حلولاً حقيقية، كانت تلك علامة جيدة، فقد بدأ يتصرف بمهنية أكبر، على الأقل حين كان الخطر حقيقياً.
"أثمة سبي للتمييز بين ما تمتلك واحدة وما تخلو منها؟"
سألت الجميع.
"في الواقع ينبغي أن تشعر بكثافة أكبر للطاقة السحرية وهي تتركز في البقعة حيث تقع النواة إن وجدت،"
قالت ريا، "لكن الأمر ليس شيئاً بمقدور أي كان فعله، وعادة ما تستطيع الفئات السحرية ذات الحواس الجيدة وحدها، وفي حالة الموتى الأحياء ينبغي أن تكون النوى والأجسام ملوثة بطاقة نخرية، لذا سيبدو الأمر مختلفاً عن المعتاد."
"يمكننا ضرب الدماغ وحسب، وإن لم تكن ميتة فنضرب النواة ألا يمكن؟ لمَ نجعل الأمر معقداً إلى هذا الحد؟ لا داعي لتحسس النواة بالسحر، فأي مهارة لاستهداف نقاط الضعف ستمنحك مكانها وحسب."
ردت أندريا معارضة. رأيت ريا تضيق ذرعاً بالانتقادات المتواصلة من المرأة الأكبر سناً.
"لن ينجح الأمر، النواة ليست نقطة ضعف في الوحوش، في الكائنات العنصرية والكائنات المجردة من الجسد؟ بالتأكيد، لكن نوى الوحوش أصلب من أجسامها، وإن أردتم قتلها، خصوصاً الموتى الأحياء، فينبغي أن نستخرج النواة قسراً، وإلا فلن تكف عن محاولة قتلنا."
"مثل زعيم الغور؟"
سأل كوين.
"نعم، هكذا."
أجابتْه.
"ما اللعنة التي يمثلها الغور؟"
تمتعت أندريا.
"لن أسبح في الأقذار مجدداً، شكراً لك."
نظرت آليا حولها، متحدية أياً كان ليعيدها إلى سيرة الماضى.
"اهدؤوا جميعاً، بعد النظر في الوحوش التي استُطلعت، اخترت هذه لأنها بارعة في تلقي الضربات، إنها مقاومة ولا تلين، وهو أمر سنحتاج لمجاراته. وبناء على ذلك، توم، أترك القيادة لك."
خطا إلى الأمام.
"مثلما قال إلياس، سنهاجم الوحش جميعاً أولاً، ومعاً سنتعلم نقاط قوته وضعفه، ثم نمضي لمواجهته بعدد أقل من الناس حتى نواجه كلاً منها بمفردنا. والآن ليأخذ الجميع مواقعهم، كوين، أنت مسؤول عن إزعاج الوحش، اقطع الأوتار واعمِهِ وأصمَّه إن استطعت، وسيحافظ فريدريك وآليا على اشتباكه في القتال القريب، وسيكون ماركوس وأندريا مسؤولين عن الضرر بعيد المدى، اضربا الرأس أولاً، رجاءً دون إصابتنا. ريا وماري، ستكونان مسؤولتين عن دعمنا إلى جانب إعداد طقوس كفخخ بدياط، كلوي وإلياس، اضعفا الوحش لتجعلاه أكثر عرضة لهجماتنا."
"وماذا عنك أنت؟"
سأل فريدريك. كان الرجل هادئاً عادة لذا فاجأني أخذه لزمام المبادرة.
"سأبقى في الخلف الآن، وأعزز طاقة الجميع وأنسق هجومنا."
أنهى كلامه. التفتت عيون كثيرة نحوي، وكأنها تؤكد كلماته، كان ذلك جيداً، فسيصبح توم جنرالنا ومستشارنا الحربي، لكني كنت القائد.
"سمعتم الرجل، اتخذوا مواقعكم."
تحرك الجميع وفقاً لذلك، وتحدثنا عن التشكيلات بالفعل في الطريق إلى هنا، وقف فريدريك وآليا في المقدمة، بيد أن كوين وماركوس كانا على وشك التقدم أولاً، بينما كانت كلوي وأندريا على الجانبين، وفي المنتصف كانت لدينا ريا وماري وتوم بينما بقيت أنا في الخلف لحماية مؤخرتنا وتقديم الدعم إن لزم الأمر. تحدثت مع الطليعة وأوضحت أنه لن يكون ثمة تحدٍ يذكر إن شاركت أنا بحماس شديد في القتال، ورغم أن هذا لم يكن صحيحاً بالنظر إلى حالتي الحالية فلم أرد لأحد معرفة وضعي الحقيقي، لذا كذبت بكل ما أوتيت من قوة، وكنت أفكر في كيفية جعل دوري في التعامل مع الوحوش يبدو عملاً يسيراً.
بينما رسمت ريا دوائرها وأعدت الطقوس، ثبتُّ ذهبي، فلم يكن السوار لينجلي عني، فالألم وإحساس الضعف العام كانا يشتدان، لكني تماسكت، للآن.
"كل شيء جاهز."
أعلنتْ ريا.
"جيد، كوين، احضر لنا واحداً إذن، لنرَ كيف نتدبر أمرنا ضده."
"علم، أيها الجنرال!"
أدى الصبي تحية عسكرية ساخرة لتوم واختفى. أصبحت قدراته أصعب فأصعب في التتبع، ولولا قوة الحياة التي استطعت استشعارها لما تمكنت من الإحساس به وهو يتحرك حوله، فقد غاب سحرياً، وانخدعت الحواس العادية بأسرها بمهارة امتلكها، فلم أستطع سماعه أو رؤيته، ولم أدر شيئاً عن حاسة الششم، فقد تتمكن بعض الوحوش من تتبعه لكنني بالتأكد لم أستطع بأنفي البشري الممل. بعد ثوانٍ معدودة هز زئير غليظ الأجواء ورأينا أحد أقرب الوحوش يرتطم بأرض جافة بمعظمها بعد قفزه خارج المستنقع.
وبدَت الوحوش المحيطة منزعجة للغاية من الضجة فتبع أحدها مثال التنين الأول، مندفعاً بحثاً عن مصدر الإزعاج. ظهر كوين أمام الاثنين وأدى حركة فظة بينما كان ينطق بكلام واضح للوحوش، ثم استدار وانطلق هارباً. كان يتحرك ببطء شديد مقارنة بسرعته القصوى، لكن ذلك أدى الغرض تماماً بالنسبة لنا. بدأ توم يصرخ بالأوامر.
"أندريا، ماركوس، محاولا إسقاط واحد، ركزا على الرأس! فريدريك وآليا، استعدا لاعتراضهما."
أعددت سلسلة من اللعنات لإلقائها على الوحوش بينما استعد المقاتلان بعيدا المدى بأسلحتيهما، وأعاد ماركوس رمحه العظمي إلى غمده، بينما ظهر قوس أندريا في يدها مع سهم متوهج ببريق ساطع عند طرفه، وستطعت استشعار كل سحرها وهو يتركز هناك. كنت فضولياً حقاً بشأن قدراتها القتالية، والآن بات بإمكاني رؤيتها أخيراً قيد الفعل ضد عدو جاد.
"كوين، ابتعد عن الطريق!"
صرخ توم وهو يشير للصبي. فور تحرك كوين جانباً أصدر الأمر.
"اطلقوا النار!"