قالَت صَديقتي المهوَسَة بالكتب: "نعم، قرأتُها جميعَها، بل اشتريتُ الكثيرَ غيرها! عليك حقّاً أن تقتطع وقتاً لتردم هوّة جهلك بالمعارف السحريّة الأساسيّة".
كانَت ريا محقّةً، لكنّ التزاماتي الكثيرة تعني أنّ الجلوس لحشو عقلي بالنصوص السحريّة سيتوجّب أن ينتظر، وإن كان عليّ قراءة الأساسيّات المتعلّقة باللعنات عاجلاً لا آجلاً.
قلتُ: "سأفعل، سأفعل، أحتاج فقط لإيجاد بعض الوقت الفراغ، كيف تسير جلسات دراستك إذن؟ أتعلمتِ شيئاً مفيداً؟"
كادت تشرق من شدّة الحماس وهي تتابع السير بجانبي.
"أه، ليس لديك أيّ فكرة! بدأْتُ استخدَام الدوائر السحريّة قبل أسبوع كامل، أتذكّر؟ إنّها بالغة انعدام الكفاءة نظراً لعدم امتلاكي أيّ سمات موجّهة نحو هذا النوع من السحر! لكنّها تمنحني قدراً هائلاً من المرونة أثناء إلقاء التعاويذ، وفي الواقع هي ليست تعاويذ حقيقيّة، بل أشبه بمزيج بين مصفوفات التعاويذ الحقيقيّة والطقوس، ما زلت أحاول إيجاد طريقة لجعلها تعمل كطقوس وبالتالي جعل إنجازاتي وسماتي تؤثّر عليها... غير أنّ هناك شيئاً ينقصني".
قلتُ لها مبتسماً: "أنا متأكّد من أنك ستكتشفين الأمر".
سمعتُ أندريا تتمتم: "مهوسة..."
فردّت ريا بلا مهابة: "قد أكون مهوسة سحر لكنّني لستُ صاحبة حيلة واحدة على الأقلّ".
ما بالُ هاتين الاثنتين؟ لم تكن لتتسنى لهما قطّ هدنة من الشجار، اعتادت ريا أن تكون لطيفة ومُتفهمة، لكنّها تصرفَت مع تلك المرأة كأنّها عدوّة، وحين سألتُها عن الأمر أخبَرتني أنّني لن أفهم. النساء...
"ماذا قلتِ للتوّ؟!"
"قلتُ إنّكِ صاحبة حيلة واحدة، يمكنكِ إطلاق سهامك وفقط، أما مع سحري فأنا قادرة على فعل هذا".
انبثقتْ حولِي دائرة سحريّة باللون الأخضر الداكن، وادّركتُ أنّ السحر لم يكن هجوميّ الطابع، بل على العكس تماماً، كان مغذّياً، إن جاز التعبير لعدم وجود كلمة أفضل.
قلتُ وأنا أفحص نفسي: "جميل، أشعر بأنّني مستريح تماماً، كأنّني مستعدّ لخوض ثلاثة سباقات ماراثون".
هتفَ كوين ظاهرًا أمام ريا في لمح البصر: "هي هي! افعلي لي ذلك أيضاً!"
ظهرت دائرة أُخرى حوله.
"يا للجحيم! هذا شيء رائع حقّاً! هي، أيمكنكِ زيادة سرعتي كما فعلتِ من قبل؟ أريد اختبار شيء ما".
نظرَتْ إليّ ريا فهززْتُ كتفيّ، لم نكن قد وصلنا إلى الوحوش بعد، ولم تكن مستواها متدنيّاً لدرجة تحتاج فيها مئة بالمئة من مانا الخاصة بها للمعركة القادمة.
"حسنًا، أمنحني دَقيقة".
أمسكتْ ريا بذراعي وأغمضَتْ عينيها، وبأْت سلسلة من الأشياء تخرج من حقيبتها، لتطفو حول كوين بينما كان الفتى يمشي إلى الوراء، مُحدّقاً بها طوال الوقت.
قال وهو يهشّ ما بدا كخصلة شعر اقتربت أكثر من اللازم: "ما كلّ هذه الخردة؟"
أجابَتْ ريا وما زالت محتفظة بعينيها مُمَوّضتين: "ابقَ ثابتًا يا كوين! يكفي أنّ فعل هذا أثناء الحركة صعب بالفعل!"
"حسنًا حسنًا... يا للهول..."
قالَت أندريا: "مفيد للغاية حقّاً، لا يمكنها حتّى إلقاء التعاويذ أثناء التحرّك".
قلتُ: "حسبُكم".
لقد نفد صبرِي مع كلّ هذه اللمزات والإهانات.
"لا مانع لديّ من بعض المزاح الخفيف، لكنّ هذا بات سخيفاً، أنتِ امرأة راشدة، تصرّفي بما يليق بذلك".
"حسنًا، ربّما لو لم تتفاخر بسحرها المتفوّق ثمّ تظهر هذا العرض المثير للشفقة لمنحتها مزيدًا من الاعتم—"
انبعث وميض ضوئي من الأشياء التي تطفو حول كوين، فانفجرت تلك الأشياء ذاتها متخذة شكل لهب وتصل بعضها ببعض بخطوط من الضوء، ثمّ انكمشت الدائرة السحريّة لتخترق كوين.
"وااوه! زيادة بنسبة واحد وعشرين بالمئة في السرعة! هذا مذهل! ريا أنتِ الأفضل! هذا أفضل بكثير من البداية!"
كان كوين يهتزّ طرباً وهو يمدح سحر ريا، مسكتاً أندريا بحماسته العارمة.
قالت ريا وهي ما زالت متمسكة بذراعي: "لو أتيح لي الوقت لإعداد طقس ملائم لكنتُ قادرة على فعل ما هو أكثر، ربّما بلوغ ثلاثين بالمئة، لكنّ رفع التأثيرات المبنية على النسب المئوية شاق حقّاً، إذ يصبح أصعب بشكل أسيّ بعد عتبة خمسة عشر بالمئة، وقرأتُ أنّه سيزداد صعوبة في وقت لاحق أيضاً".
"مهما يكن، أنا بحاجة لبعضٍ من ذلك السحر أيضاً! أيمكنكِ إعداد بعض الطقوس للاستخدام الفوري ثمّ تركِي أفعّلها عند الطلب؟ سيكون ذلك حارقاً!"
كان كوين يثب على قدميه.
"هي! انظر إلى هذا!"
التفتَ مشيراً إلى وحش بعيد للغاية، على بُعد ثلاثمائة ياردة على الأقلّ. عزّزتُ رؤيتي فرأيتُ أنّه كان أشبه بتهجين بين دجاجة وديناصور فيلوسيرابتور، وبصرتُ بتيارات من الهواء تعين الوحوش الكبيرة، التي بلغ طول الواحد منها قامة إنسان على الأرجح، على القفز والغطس بسرعات فائقة. اختفى كوين، وبعد ثانٍ ظهر من جديد للحظة قرب الوحش الأقرب، قاطعاً رأسه بضربة واحدة من سكينه، ثمّ اختفى مجدداً ليعود للظهور قرب وحش آخر، خارقاً دماغه، ومكرراً العمليّة عشراً أو يزيد.
اختفى مرة أخرى، لكنّه لم يواصل المذبحة، فشعرتُ باضطراب جهة اليسار والتفتُّ لأراه يظهر مجدداً من العدم، مفزعاً أندريا وكلوي وتوم. وبين شتائم الآخرين وتوبيخهم اكتفى بالتبسّم.
"أرأيتَ ذلك! هذا ما أقصده! لم تكن مستوياتهم سوى في الخمسينيات لكنّ الأمر واقع! هذا جنون، لو واصلتُ هكذا فسأبلغ سرعة الصوت يا عزيزي!"
قالت أندريا، وبدت واضحة الانزعاج ممّا سبق: "أيها اللعين الخبيث، خفّض حدّتك، حسنًا أنت سريع، تهانينا. أيمكننا متابعة رحلتنا الآن؟"
"كوين، أنت تعرف دورك، فلنكن محترفين حيال هذا، نحن ذاهبون لصيد وحوش عالية المستوى. أندريا، توقفي عن استفزاز الجميع وساعدي في المراقبة. ريا، أودّ معرفة مدى قدرات تعزيزك، لنتمكّن من اتخاذ أفضل القرارات في المعركة".
نظر إليّ توم حين أنهى كلامه، فأومأتُ له. هذا هو السبب تحديداً الذي جعلني أريده معنا، ليتولّى قيادة الميدان ويقدّم خبرته في القتال المشترك، فضلاً عن تعزيز المجموعة بمهارته. لقد كان جنديّاً مخضرمًا، وتخصّصه مصمّم نحو القتال وقيادة المقاتلين الآخرين، كنت أرجو أن يرتفع مستواه ويحوز المزيد من الإنجازات، أردت له أن يغدو أقوى مع جعل مجموعتنا أقلّ هواية. كان لدي الكثير لأتعلمه من كيفية إدارته للعمليّات في الميدان، ومع أنّني بقيت القائد الفعليّ، فسأفوّض القيادة إليه في حال اندلاع معركة، بينما أتحرك أنا كيفما شئتُ.
كنتُ بلا شكّ أقوى من أغلب رفاقي، حسنًا، بات الأمر أقلّ وضوحاً الآن، لكنّني لن أقاتل بمعيّتهم طوال الوقت، وكنت أريده أن يحسّن الطليعة. غيّر تشكيلنا الآن وقد صرنا نتحرك نحو الوحوش الأقوى، ووضعنا قواعد الاشتباك، بحيث يقتل المقاتلون بعيدو المدى ما لا يزيد عن ثلث الوحوش تاركين البقية تقترب كي يتمكّن مقاتلو الاشتباك القريب والمتوسط من كسب الخبرة هم أيضاً، وذلك كي لا نُهدر مواردنا جميعها، وعلى رأسها المانا.
بدأنا نتحرك بخطى أسرع، قاضين على أي وحش أو بهيمة تعترض طريقنا، وفي الحقيقة لم تقع سوى حالة خطر واحدة حين التقطت مجموعة من الكروم كلوي، لكنّ ماركوس كان هناك في لحظة، قاطعاً إياها بسكين عظميّ ثمّ أطلقت أندريا سهماً متفجّراً على الفتحة في الأرض بينما أرسلت آليا نصل هالة قضى على الكائن، وبدا أنّه كان كائناً من نوع كاليري بمستوى واحد وسبعين، وهو شبه وحش يبدو كفتحَة في الأرض، مموّهة تماماً، وذات كروم سامّة وفم عملاق مستعدّ لمضغك فور تمكّنه من جَرك إلى الداخل.
كانت كلوي تشتم بألفاظ غليظة بينما حاولت ماري تهدئتها ومعالجة السم، فرأيتُ المعالجة وماركوس يتبادلان نظرة، وعبر شيء ما بين الاثنين، غير أنّني لم أدر ما هو، وفي كلّ حال كان علينا توخي مزيد من الحذر، فحتى كشافتنا فشلوا في ملاحظة هذا النوع بالذات، لذا تقدّمتُ نحو الأمام، بين كوين وماركوس. ومع أن إحصاءاتي كانت أخفض بكثير من إحصاءاتهم، تمكّن حسّي الأقصى وهالتي من رصد الكائنات فاستخدمناها كخبرة قابلة للتوزيع، وإذ كانت الوحوش ثابتة في أماكنها، تمكنت حتى ماري من قتل أحدها، عبر استخدام مقلق بصراحة لسحر الشفاء، فمع كونه مستنزفاً للغاية بدا أنها قادرة على فرط شفاء الهدف، وفي حالة الوحش جعلت الكروم المكوّنة له تنتفخ في الحجم، فبدت كأنّها ورم متورّم، آخذة في النموّ حتى خنقت الوحش، قاطعة مجرى الهواء، ليموت اختناقاً في الأساس.
كان الأمر أرعب مما أودّ الاعتراف به. وفي الوقت عينه جعلني أفكر في كلّ أنواع السحر واستخداماتها، وأكثر من ذلك كنت أفكر في الدفاعات التي يتعيّن على المرء امتلاكها لمقاومة شيء كهذا، وظننتُني محميّاً بما يكفي، فهالتي وحدها كانت ستلتهم السحر، نظراً لأنّ الأمر استغرق المعالجة دقائق لتنمو الكروم بما يكفي، في حين استغرق موت الوحش وقتاً أطول، ومع ذلك لم تكن هي الوحيدة ذات السحر الخطير، بل كانت الأقل خطورة في الواقع.
تستطيع ريا إعداد طقس داخل غرفة، واستدراج أحدهم لقتله بسهولة مع كفاية الإعداد، وكنت أستطيع لعن أهداف تفوقني بمراحل مع تأثيرات خبيثة للغاية حقّاً، أمّا كوين فكان شبحاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واستطاع قتل أي شخص في المجموعة بسهولة إن أراد. وكانت الفئات البدنية تلك التي تقلقني الأقل، غير أن قوتها الخام لم تكن لتُستهان بها. كانت ريا محقّة، كنت بحاجة لتردم معارفي السحريّة، بل معارفي عن الفئات والمهارات أيضاً، احتجت لأن أكون مجهّزاً على نحو أفضل من مجرد هذا، وسيتوجّب عليّ إضافة جلسات حشو إلى جدولي.
ظننت أنني خلفت الجامعة ورائي، لكن بدا أنها لحقت بي.
نبّه ماركوس: "هناك، أراهم".
فركّزتُ في وجهته فرأيتهم. حسنًا، ستمنحنا تلك التنانين الصديّة تحدياً بكل تأكيد. يا ترى كم بلغت ضخامة التنانين الحقيقية؟