غادرت المدينة مشياً على الأقدام. نعم مشياً. بغض النظر عن رغبتي في ألا يعرف أدريان المزيد عن قدراتي، وهو أمر لن يدوم طويلاً على الأرجح في ظل لسان رفاقي السليط، خصوصاً عندما يسكرون، فلم أكن أستطيع الطيران داخل المدينة حرفياً حتى لو أردت ذلك. كانت هناك صيغة سحرية ما تمنع الطيران، وهو إجراء قياسي حسب ما أخبرني به أحد عنصريي الطباع العابرين. يبدو أنه في الأكوان المتعددة، تفرض معظم الأماكن تقييداً على الطيران داخل المدن والأماكن الآمنة.
إذن، كان المشي خياري الوحيد. استطعت الركض، لكنني لم أكن راغباً في ذلك ببساطة، وظلت الأنظار موجهة إلي، كنت أستطيع استشعارها. كم بلغ حجم شبكة معلومات أدريان؟ لاحظت بعض الأشخاص الذين لم أتقاطع معهم من قبل وهم يتبعونني، وإن كان بطرق خرقاء. في الواقع، جعلني تقييد خصائصي أكثر انتبااه، كأنني عدت إلى أيامي الأولى. أبقيت الحاسة الخفية نشطة على الدوام، لكنها لم تكن تعمل في الخلفية فحسب، بل صرت أستخدم المهارة بنشاط لأحلل كل ما أستطيع، وبالتزاوج مع بصري تمكنت من جمع معلومات أكثر بكثير مما ظننت.
تجنبت خلط الهالة ببقية مهاراتي في الوقت الحالي، لكنني سأبدأ الصيد والتدرب فور ابتعادي عن الأعين. هل ستجعل مهارة المشي سفري أكثر سهولة؟ عدت إلى تلك المهارة الغبية مراراً. لا أعرف السبب، لكنها ظلت كحكة على حافة أفكاري كلما فكرت فيما يجب شراؤه وكيفية تطوير نفسي ومهاراتي بأفضل شكل. كان علي سؤال مفلين أو بعض العناصر عن الأمر، بل لعلني استطعت سؤال أدريان. على أي حال، بعد عبور الجسر الغربي، حدثت نفسي بغطسة في البحيرة الليلة.
لقد افتقدت حقاً سباحتي الليلية، فهي إحدى الأنشطة القليلة التي احتفظت بها لنفسي والتي أبقتني عاقلاً طوال كل هذه السنين. كيف تغيرت الأمور بهذه السرعة؟ في غضون أسبوعين فحسب، انقلب عالمنا، عالمنا نحن، رأساً على عقب. نحو الأفضل، هكذا كنت لأقول، على الأقل بالنسبة لي. لكنني أعرف أن معظم الآخرين لا يشاركونني الرأي. بالنسبة لهم كانت نهاية العالم. انفصلوا عن أحبائهم، وتدمّرت حياتهم، ووجدوا أنفسهم في مواجهة وحوش خرجت من كابوس.
استطعت تفهم أولئك الناس على مستوى نظري. الخلاصة هي أنني لم أكن أبه. الوحيدون الذين عنوني هم أولئك الذين أظهروا الولاء لي وملكوا الدافع للمضي قدماً. كوين، أليا، ماركوس، ماري، كلوي... ريا. بصدق، لم أكن متأكداً بشأن الآخرين، لكننا سنرى. أخيراً. استغرق الأمر مني نحو عشرين دقيقة اقتربت خلالها من منطقة وحوش. ينبغي لي إيجاد وسيلة تنقل أفضل من قدمي هاتين. كان هذا إهداراً للوقت، لكنه سمح لي على الأقل بالتأكد من أنني وحدي.
لم يكن هناك أحد سواي هنا. رأيت من بعيد العشب الأخضر اليانع يتحول إلى أرض محترقة. كانت حدود تلك المنطقة الموبوءة بالوحوش واضحة إلى درجة يصعب معها تخطي ملاحظتها. سبق لفيل أن واجه هؤلاء الوحوش وأكد أن قتالهم في عقر دارهم يمثل عقبة بالغة الصعوبة بالنسبة للنقابة. أولاً، لأنهم يعتمدون على النار، ليسوا عناصر حقيقيين، بل وحوشاً ذات قوى عنصرية، وانعكس ذلك على أراض بطبيعة الحال.
بطريقة ما، اكتسبت الأرض صفاتها، ومن يخطو داخلها يشعر كأنه يقف في فرن. ليس هذا فحسب، بل تفلت ألسنة اللهب من تشققات الأرض، وحتى بعض الصخور أو الأشجار الواقفة التي ما زالت متفحمة كانت تشتعل تلقائياً من دون أن يبدو أنها ستستهلك قريباً. أمر غريب، لكن حين يدخل السحر على الخط... أما الوحوش نفسها، فتلك كانت حقاً شيئاً أستطيع وصفه بأنه خارج من الجحيم مباشرة. لأنها بدت كشياطين.
ضخمة، أضخم من البشر، بجلد رمادي، وعضلات مفتولة وجسد منحْن، ومخالب في الأيدي والأرجل، وقرون تتدلى إلى أسفل من جانبي الرؤوس، وأعصان وفم متقدان بالنيران. ظهرت على بعضها رقع من النيران على أجسادها بشكل عشوائي ظاهرياً، داخل الساق، في أسفل الظهر، بينما احترقت رأس أحدهم بالكامل... بدا الأمر كأنه يخلو من أي منطق أو سبب، حسناً، ربما سأعرف قريباً. لم تكن لدي أي فكرة عن مستواهم، لكنني لم أكن قلقاً للغاية.
على الرغم من حالتي المتراجعة، كان ينبغي أن أكون قادراً على الفرار على الأقل لو تحول الأمر إلى مشكلة، وكانت هلالتي في الواقع بكامل قوتها، وإن انخفضت كميتها. بالحقيقة، لم تكن هلالتي أكثر قوة من أي وقت مضى، لكن لنشرع في الأمر. فكرت مطولاً فيما يجب أن أعمل عليه خلال مسيري هنا، وهناك مشروع صغير دار بخلدي... كل شيء في أوانه. خطوت على الأرض المحترقة. ما إن دخلت حتى شعرت بالحرارة.
وفي حين ارتفعت درجة الحرارة تدريجياً أثناء اقترابي، حدث قفزة جنونية من على بعد متر واحد خلفي، وشعرت كأنني أختنق وسط الدخان والنيران. حدث ذلك رغم معطفي السحرية. كان رداء الرماد يؤدي عمله الشاق في الحد من تأثيرات السحر البيئي، مستمداً فائدته لأول مرة أخيرًا، وعلي أن أقول إنه بدا أغلى ثمناً مما ظننت في البداية. لو مكث مقاتل عادي بلا حماية هنا لفترة مطولة، لاحترق حتى يصبح هشاً بلا حاجة لمساعدة الوحوش.
كانت البيئة مزعجة لكنها ظلت محتملة بفضل أعتادي، غير أن المعاناة بلا فائدة لم تكن ضرورية. كنت أختبر قدرتي على الصمود بمفردي فحسب. وقد كنت قادراً، ولحسن الحظ. لكنني الآن، أطلقت العنان لهالتي. تحول عالمي إلى عالم أحادي اللون. بدا الأمر وكأن الألوان، على الرغم من غيابها، عبرت عن نفسها بدرجات أكثر حيوية من الأبيض والأسود في رؤيتي الجديدة. احترقت النيران بلرمادي الفاتح، وهي تومض بينما سرّعت إدراكي.
أوقفت المهارة فور شروعِي في استخدامها. كانت مخزونات المانا لدي محدودة للغاية لدرجة لا تسمح بإهدارها لمجرد مراقبة البيئة. مهارة طماعة لعين، سيتعين علي توخي الحذر. على أي حال، كانت الطبقة الرقيقة من الهالة التي تغطيني أكثر من كافية لإعادتي إلى درجة حرارة لطيفة ومنعشة، إذ التهمت هالتي السحر الموجود في الجانب المحيط. جانب آخر لم يحظ قط بفرصة التألق من قبل، لكنه بات يعمل الآن بأفضل صورة ممكنة.
أدركت أنني كنت ملائماً لقتال السحرة أكثر من المقاتلين الجسديين، وهو أمر يجب أخذه بعين الاعتبار في المستقبل. أعني أنني استطعت قتال معارضين جسديين، وفعليت ذلك، بل قاتلت معارضين جسديين في الغالب حتى الآن. السحرة الحقيقيون الوحيدون الذين قاتلتهم كانوا سحرة الغورغ، ولم يكونوا أعظم صانعي تعاويذ في الواقع. لكنني كنت على وشك لقاء بعض المتخصصين الحقيقيين في النيران. قاطع زئير أفكاري حين لاحظ أحد الوحوش تسللي.
التفت المخلوقات العديدة لتنظر إلي، وحينها رأيت شيئاً غريباً: شرعت في قتال بعضها البعض. ما الذي يجري بحق الجحيم؟ رأيتهم ينقضون على بعضهم البعض، مخالب وأسنان تنهش بضراوة لا تلين. مات أحدهم هناك في تلك اللحظة، ولكن بعد دقيقة وقف وحش ضخم بشكل خاص منتصراً وسط العشرات الذين شاركوا، طارحاً أحد الصغار جانباً كأنه قمامة. ثم استدار نحوي وزأر مرة أخرى متظاهراً بالتحدي. هل تقاتلوا لتوهم ليحددوا من سيواجهني؟
أكان عراكاً على طعام أم لمجرد القتال؟ لم يكن لدي وقت للتفكير في السؤال بينما اندفع الوحش نحوي. تصدعت الأرض تحت قدميه وألفت بالمزيد من النيران مع كل خطوة خطاها. تسارع إدراكي للوقت. استطعت رؤيته بوضوح أكبر الآن. في غضون ثانية قطع نحو نصف المسافة بيننا، لذا لم أملك وقتاً طويلاً. لذلك نظر إليه، نظر حقاً. تشبعت عيناي الثاقبتان بكل من تأثيرات التجسيد الهالي والتعزيز المقوى، ثم استخدمت الحاسة الخفية ودفعت المهارة للعمل عبر المدخلات التي تلقيتها من عيني.
حدة رؤيتي تصاعدت. استطعت رؤيته بالحركة البطيئة. كان الوحش شيطاناً حقيقياً، تنفث النار من فمه وعينيه، ومخالبه ملطخة بدم أبناء جنسه الملتهب، وعضلاته تنقبض وتنفجر لتصل إلي أسرع. وتحت السطح الظاهر، كانت المانا. لا، ليست مانا، بل ناراً. كانت هناك نار تسري بداخله. لم تكن نارة عادية، بل نوعاً من الطاقة المتوافقة مع العنصر. رأيتها تسري عبره، متتبعة أوعيته. استطعت رؤيتها وهي تضخ بواسطة قلبين.
كانا موضوعين في الموضع الذي تستقر فيه الرئتان عادة. كانا هدفين لي. كان الوحش على بعد عشرين ياردة أو نحو ذلك الآن، وبدأت طاقته تفعل شيئاً غريباً. تزامن نبضا قلبيه، وبدأت كمية كبيرة من النار تتجمع في الفراغ بينهما، تماماً حيث يستقر القلب عادة. ثم لاحظت النار المنبعثة من فمه وهي تُشفط إلى الداخل مرة أخرى، إلى جانب الهواء وبعض الطاقة في المحيط. أمال الوحش رأسه إلى أعلى، ثم سرّعت إدراكي أكثر، خالقاً قذيفتين بحجم الأصبع برمحه الإنتروبي.
كانت المهارة أكثر وديّة مقارنة بالإصدار السابق، مما سمح بتعديل سهل. لكنني لم أفرغ بعد. لعنت القذيفتين دون اكتراث بالتأثير وانتظرت حتى يخطو الوحش على الأرض مجدداً. للحظة، كان في الهواء، بلا أي فرصة للمراوغة. في تلك اللحظة أطلقت القذيفتين على الوحش. طارت خطان من المانا الزرقاء الفاتحة أسرع من السهام. كان علي أن أقر للوحش، فقد تمكن من رفع ذراعه في الوقت المناسب لصد اليسرى، لكن اليمنى وجدت هدفها، خارقة القلب.
تفجير اللعنة! بوووم! كان علي لف نفسي بطبقة أسمك من الهالة بينما اندلعت موجة من النيران من الوحش وغمرتني دون توقف حتى. حولتي لم أستطع سوى رؤية النار لبضع ثوان. كانت هالتي المحسنة تمتص سحر النيران بشراهة وشعرت بها تصبح أقوى قليلاً لبعض الوقت، بينما كانت تحميني منها طوال الوقت. حين توقفت النيران أخيراً، استطعت إلقاء نظرة أفضل حول المكان. وجدت فوهة حيث وقف الوحش، فوهة لا تزال مشتعلة بعرض اثني عشر قدماً على الأقل.
ورغم أن الانفجار كان، مع أخذ كل الأمور في الاعتبار، محدوداً تماماً، إلا أن موجة النار امتدت إلى أبعد بكثير، ونجحت في الوصول إلى رفاقه في الخلف ودفعهم بعيداً دون إلحاق الأذى بهم حقاً. بدا أنهم مناعة تماماً ضد النار. ──────────── تفجير اللعنة مستوى 41 — ترقية المستوى ← مستوى 42 الرمح الإنتروبي مستوى 34 — ترقية المستوى ← مستوى 35 مهارات متعددة جاهزة للتطور. لقد قتلت كوراً نارياً مستوى 54 ──────────── ذلك الشيء كان في المستوى 54 فحسب؟
استهلكت خُمس مخزوني على الأقل لقتله. صحيح أنهما استهلكا بشكل رئيسي في محاولة تحليل الوحش، ولكن مع ذلك... بدأت الكورات الأخرى تنهض على أقدامها، وبدت غاضبة. حسناً، استراتيجية جديدة، لنر إن كان هذا سيجدي...