تبعَتْني علياء بلا صمت. مشينا نحو فراشي عند أطراف المخيم، حيث صار صخب المعسكر همساً خافتاً. هبطتُ عليه وأشرتُ لها بالجلوس. عن قرب، وبلا أدرينالين المعركة ليضيء عينيها، بداَت... متعبة. ليست ضعيفة. بل محترقة الأطراف، كشفرةٍ حُميَت مرات كثيرة وبُرّدت بشكل خاطئ.
قلت: "شكراً لك. لتغطيتي هناك."
رفعتْ حاجبها.
"كان على أحدهم فعل ذلك."
سألتُ: "أمتأكدة أنكِ تريدين المجيء معي؟ لن يكون الأمر نظيفاً. ولا سهلاً. ولا آمنباً."
تصلّب فكها، لا من الخوف، بل من الإحباط.
"لا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي ونحن في هذا الوضع. خصوصاً بعد ما حدث بالأمس، أريد الوسيلة للدفاع عن نفسي."
اهتز صوتها، ليس ضعفاً، بل غضباً محشوراً بعناية.
"اخترتُ مقاتلة رغم أنني قضيت عمري كله خلف مكتب أُدير فِرَق تطوير الذكاء الاصطناعي. ليس لدي أي خبرة قتالية في العالم الحقيقي، لكني سأقاتل. أرفض أن أكون عاجزةً هكذا مجدداً."
أمعنتُ النظر في عينيها وسمحتُ لابتسامة خفيفة بأن ترتسم على شفتي.
"يسعدني أن تحرسي ظهري."
خفّ حدّ وجهها. نظرتْ مباشرة في عينيّ، وشيءٌ مكشوف يرتجف هناك.
ثم سألت بهدوء: "لماذا أنقذتني؟"
التقطتُ أنفاسم لأجيب، لكنها قاطعتني.
"ولماذا تريد مقاتلة الزعيم وحدك؟ لا تخدعني بالقصة التي رويتها لتوم والآخرين. أريد الإجابة الحقيقية."
توقفتُ. للحظة، ترددتُ حقاً. لماذا شعرتُ أن بإمكاني الوثوق بها؟ كان هناك خطب ما في هذا الأمر برمته منذ البداية. كانت علياء لا تزال غريبة. عنيفة، مصدومة، وغير متوقعة. لكن شيئاً فيها، ربما صدق غضبها، ربما رفضها التراجع أمام الحقائق القبيحة، جعل الكذب يبدو بلا جدوى. ونتيجته عكسية. وكانت ذكية بلا شك؛ ستكتشف الأمر فوراً على أي حال. لذا منحتها الحقيقة. جزءاً منها على الأقل؛ فما كنت لأمنح أيًّا كان وسيلة للسيطرة عليّ عبر اللعنة.
قلت: "هناك إنجازات. لقَتْل شخص يفوقك بعشرة مستويات. حصلتُ على واحد بسبب ساحر الغورغ. حسّن إحصائياتي عشر نقاط في كل المجالات."
ومض الفهم في عينيها.
تابعتُ: "وأنا متأكد من وجود إنجاز لقَتْل زعيم. إنجاز ضخم. أريده. لن أسمح لنفسي بالجر إلى الحضيض بسبب إيقاع المجموعة. إن لم أضغط الآن، سأندم. أرفض الغرق في التفاهة عجزاً عن مواكبة الآخرين."
حدقتْ بي علياء مطولاً. ثم أومأت. ببطء. بشيء يشبه الاحترام تماماً.
قالت: "أريد واحداً أيضاً."
أثار ذلك ابتسامة عريضة مني.
"ما مستواك؟"
"خمسة."
قلت: "جيد. إذن في الطريق، سنرفع مستواك ونجد لك ساحر غورغ. عادة ما يكونون في مستوى أعلى. ستقتلين واحداً بمفردك وتحصلين على إنجازك."
أخذتْ نفساً حاداً، وتصارع الحماس والخوف على وجهها.
أضفت: "وبعد ذلك، إن صحت نظريتي، سيكون هناك زعيم آخر في مكان ما. لكن هذا لاحقاً."
أومأت.
"وأنت؟ كيف أنت واثق كل هذه الثقة أن بإمكانك قتل زعيم بمستواك؟ أعلم أنك قوي يا إلياس، لكن أمراً كهذا ربما يكون... في تصنيف آخر كلياً."
مددتُ يدي نحو حقيبتي وأخرجتُ قارورتين والكتيب الجلدي الأسود المغلف.
قلت: "هذا."
طرفَتْ علياء عينيها نحوه.
"كتاب؟"
"ليس مجرد كتاب."
أزحتُ القماش. نبض كتاب اللعنات بخفة، كأن شيئاً بداخله يتنفس. زحف الحبر تحت الجلد المتشقق، متحركاً كزيت على ماء. حتى إن علياء ارتدت إلى الوراء قليلاً.
أخبرتها: "بهذه الطريقة. لدي طريقة لتحويل هذه الأشياء إلى أسلحة."
ونقرتُ على القارورتين، "والكتيب سيجعل الأمور أسهل. أسهل بكثير. لكن عليّ أولاً أن أترابط معه."
سألتْ: "ليس لدي أي فكرة كيف سيجدي كل هذا، لكني أثق أنك دري ما تفعل. كم تبقى قبل أن نتحرك؟"
"فور أن أنتهز."
قالت متفاجئة: "سنرحل اليوم؟"
"كما قلت سابقاً، نحن قرب الكهف. على بعد ساعة كحد أقصى، وما زلنا بالكاد بعد الظهر. لا فائدة من إضاعة ضوء النهار."
عبر القلق ملامحها، لكنها أخفته جيداً. نهضتْ واقفة، تنفض التراب عن سروالها.
قالت: "لا يزال عليّ اختيار مهارة صفّي. سأذهب لأستعد."
استدارت وابتعدت. رمقتها وهي تمضي، وأفكاري مشتتة، وشيء مزعج يلتف خلف أضلعي. نفضتُه عني ووجهتُ انتباهي نحو المشكلة الحقيقية. الكتيب. لم يكن مزعجاً فحسب. بل كان جائعاً. لم أعد أستطيع رؤية وصفه، لكني أتذكر وظيفته جيداً. تعزيز قوة اللعنات التي ألقيها، إلى جانب التعاويذ والطقوس. هبة من السماء لأي ساحر عادي. لكن بالنسبة لي؟ كوبوس ينتظر أن يرتفع. لعنة المعاناة المتجاوبة المرفقة به تجعل كل اللعنات عليّ مترابطة.
حين تُحفّز واحدة، تصدى البقية بأثرها، مضخمة العبء الكلي. وسيزداد الأثر قوةً كلما راكمتُ لعناتٍ أكثر. حصلتُ على هذا لأستعمله مع جولة أخرى من الجرعات لأرفع قدرتي على تحمل اللعنات وربما أحفز تطور سمة أخرى. لكن الآن سيغدو أداة نجاحي ضد الزعيم. قبل ربطه، جردتُ نفسي من كل ما هو ملعون، الهراوة والعباءة. ستأتيان معي، لكني لم أستطع السماح بتفعيل اللعنات كلها دفعة واحدة الآن.
ليس بعد. سحبتُ سكينا.
"لننهِ هذا."
لم تكن الشفرة كليلة، لكنها لم تكن تقطع جلدي بسهولة أيضاً. لقد صلب جسدي أكثر مما أدركتُ. ضغطتُ بطرف الشفرة وحدها على إصبعي، بقوة أكبر. ثم أقوى. بعد لحظة طويلة محبطة، نبع قطرة دم أخيراً. تركزتُ، جامعا مانا خاصتي في قطرة الدم تلك حتى توهجت بخفة عند طرف إصبعي. طنّت الطاقة، مهتزة عبر أعصاب لم تُخلق لأجل هذا. ثم لمستُ سطح الكتيب. كان رد الفعل فوريا. تموج طنين عميق ومتجاوب صعوداً في ذراعي، غارساً أنيابه في جلدي.
نبض الكتاب، وظلال تغلي تحت سطحه. غاصت قطرة الدم في الغلاف كتربة عطشى، مختفية في ومضة. ثم مدّ شيء يده بالمقابل. لامستْ خصلة باردة من الوعي عقلي. فضولية. صبورة. جائعة. لكن بلا خبث — ليس أكثر خبثاً من ذئب يفحص طريدته. توهجت المانا. تحركت لعنتي استجابة لذلك. وهنا شعرتُ بذلك للمرة الأولى: لم يكن هالة ملعونة فحسب. بل شُكّلت باللعنات. ثخنت. التوت. كسحابة عاصفة تتداخلها الشحنات الساكنة.
في كل مرة تُحفّز لعنة، كانت هالتي تتموج، وشعر الكتاب بذلك التجاوب. تغذى عليه. قوّاه. انشبك الرواق في مكانه. تدفقت موجة من قوة عبري، بانسيابية تفوق أي شيء قدمته الهراوة يوماً. تناغم الكتيب مع مانا خاصتي بلا عناء، موجهاً إياها، ومشحذاً إياها، ومقوياً إياها. قناة مباشرة. زفرتُ ببطء.
تمتمتُ: "أقوى. أقوى بكثير."
استلقى الكتاب مفتوحاً بين يدي كأنه كان ينتظرني. اكتمل الرابط. والآن، باتت لدي أخيراً الحافة التي أحتاجها. والآن لنرَ ما يخبئه لي الكتيب؛ لم يكن ليفتح من قبل، لكن الآن وقد ترابطت معه، فلا بد أنه يحمل بعض الفتات المثيرة لتقديمها. تعاويذ ولعنات، لعنات غالباً، وما زالت أشياء مفيدة لأي مثلي بلا أي معرفة سحرية أخرى. حين فتحتُ الصفحة الأولى من الكتيب، وقفتُ مجمداً... كانت فارغة؛
والثانية، فارغة. شرعتُ أقلب صفحة تلو الأخرى، كلهن فارغات حتى بلغت المنتصف؛ ثم بقع حبر ورموز ومخططات تتحرك بلا منطق ولا سبب من تلك الصفحات صعوداً حتى نهاية الكتاب. بحق الجحيم ماذا عليّ أن أعل بهدا؟ سيعمل كمركز للتعاويذ، حسناً، لكن ينبغي أن تتوفر معرفة داخل الكتيب؛ وبدل ذلك، نصفه فارغ ونصفه هذيان غير مفهوم. هاا... حاولتُ التفكير بعقلانية. الجزء الأول لي على الأرجح، بينما الثاني هو المعلومات المسجلة مسبقاً، لكني بحاجة لوسيلة لفك شفرتها، ربما تعويذة أو مستوى أعلى.
سأبحث عن الحل في المرة القادمة؛ سأجد منطقة آمنة. لا فائدة من التذمر الآن. حين قلبتُ عائداً إلى الصفحة الأولى، فكرتُ أنني بحاجة على الأقل لقلم أو شيء لأكتب به؛ وكنت أتمنى حقاً ألا يتطلب الأمر دمي أو ما شابه. بعد ثانية رأيت بعض الحبر يظهر من السطح. بدأ ببطء يتخذ شكل كلمات؛ بعد دقيقة واحدة بالكاد، استطعتُ تمييز كلمة باهتة، 'قديس'. ضربني إدراك: كان الكتيب يسجل لعنتي، لعنة القديس المزيف.
ماذا لو كان يقرؤها من هالتي أو شيء كهذا؟ أكان ليستطيع فعلها مع لعنات أخرى أيضاً؟ هل سأكون قادراً على إلقائها بعد تسجلها في الكتاب؟ استولى عليّ الحماس؛ لم يكن الكتاب مباشراً، لكني سأجد طريقة لاستخدامه. وسيثبت بالفعل أنه لا يُقدر بثمن إن استطعت فهم دائتي بشكل أفضل. وسيكون سلاحي الأقوى ضد الزعيم. ابتسمتُ. أوه نعم، سيجدي هذا نفعاً رائعاً.