اتّسعت عيناه ببطء شديد حين أدرك، بأكثر ممّا شعَرَ، أنّ ضربتي لم تقتله. بدا أنّ المهارة التي استعملها لتعزيز ضربته لها نوع من فترة التبريد أو الشحن التي استنفدها، إذ لاحظتُ غياب الطاقة التي كانت تدعمه. دُقّ تنبيه في مؤخرة عقلي، لكنّ الوقت لم يكن مناسباً الآن. لا، صار بإمكانِي الردّ بلا عواقب، ويسرّني أن أُلحق الأذى بهذا الوغد، ومن ورائه هذه الشركة برمّتها من الحشرات الغريبة.
أخذتُ أوجّه لعنةً تلو الأخرى نحو كرة من اللعنات اللعين أمامِي. لتلكحت خطّتي لتجنب التلقّي لو لم أكن بحاجة لمقاومة ضربة واحدة. بدأت كرة الطاقة المظلمة والمجّعدة تتورّم حين عززتها عتبة الخبث حتى بدت منتفخة. ظلّت بحجم تفاحة، لكنّ النظر إليها كان مزعجاً. رأيت عيناه تتّسعان من الدهشة إلى الرعب لرؤية ما أمامَه. بدأ يرفع ذراعه عن الهلبيرد ليفعل شيئاً، لكنّ هجومي كان جاهزاً حينها، فأرسلته نحوه ونظرتُ إليه، وبدل أن ينزلق في جسده، تصدّى له ساعده كأنّه ضربة بسيطة.
لم يحدث هذا من قبل. على أي حال... تفجير اللعنات. حصّنتُ نفسي تماماً، ثم حرّكتُ رمحي إلى موضعي طائرةً لأحمي نفسي بأفضل ما يمكن من الانفجار التالي. بقيتُ مكاني بينما مرّت الطاقة بجانبي دافعةً الرجل بعيداً. رأيته يرتطم بمبنى خلفه بينما طارت يده وجزء من ساعده في اتجاه آخر. ألقيتُ سلسلة أخرى من اللعنات، أساساً لإبطائه، ثم دسستُ فيه لعنة المعاناة الرنانة والوعاء الذابل.
مع سمة لمّس اللعّان خاصّتي، كانت طريقة رائعة لإبطائه بشكل ملحوظ. خفضتُ حدّة معالجتي المتسارعة ونظرتُ إلى الهلبيرد الغارز فيّ. كان الألم أخفّ ممّا ظننتُ، لكنّ الشعور كان مقرفاً تقريباً. مع أخْذي نفساً، شعرتُ برئتي اليسرى تعجز عن التمدد بشكل صحيح بينما ضغط الجزء العلوي منها ضد النصل. أخذتُ السلاح من المقبض قرب النصل بذراعي اليمنى وانتزعته من جسدي. كان ذلك مؤلماً، أكثر بكثير من وقت دخوله.
وجدتُ نفسي أصيح وأنا أفعلها. خرج السلاح فارغاً بصوت رطْب، وأمسك لحمي المعزّز به بإحكام. تفجّر الدم فوراً من الجرح. بخلاف معظم الأفلام، لم يكن تلقّي ضربة في الكتف أو قربه بلا عواقب مميتة، فهناك شرايين كبيرة تمرّ من هناك. وإزالة سلاح لم تكن فكرة سدادة، عادةً، لكنّني امتلكت خاتماً يخزن طنّاً من قوة الحياة. وجّهتُ تدفقاً من تلك المادة إلى جرحي، طوال الوقت مشياً نحو الغريْب.
لحسن حُظّه، ربّما كسر بعض العظام فوق فقدانه ذراعاً، لكنّه وقف على قدميه سريعاً من جديد. ليس بالسرعة السابقة فقط، فالإصابات ولعناتي خفّضت سرعته بشكل جذري، إن استخدمنا تعبيرًا ملطفاً.
"ماذا فعلت بي؟!"
صرخ بصوت بطيء وشديد التشويه. كان الأمر مضحكاً تقريباً. لاحظتُ أنّه لا ينزف. ألم يمتلك نوعه دماً؟ ليس كأنّني كنتُ أنوي انتظار فقدان الدم لقتله. أردتُ فعل ذلك بنفسي، لكنّ فكرة كانت تتسلل إلى عقلي... ألقيتُ بهلبيرده عند قدميه. ألمُ الحركة كالجحيم، لكنّني لم أكن لأدع ذلك يظهر على وجهي. طبيعياً لم أكن لأستطيع، لكن في حالتي المتسارعة تمكنتُ من التحكّم بعضلاتي بما يكفي لكيلا أتأوه، محوّلاً وجهي عوضاً عن ذلك إلى قناع من التعالي.
قلتُ له: "حاول مجدداً".
نظر إليّ منذهلاً. جرحي بدأ يغلق بالفعل، فالقطع كان نظيفاً لدرجة جعلت التئامه سهلاً للغاية، لكنّني كنتُ لا أزال أستهلك الكثير من قوة الحياة لأفعل ذلك. سيترتّب عليّ تعويضها لاحقاً. فاجأه ذلك على ما يبدو، إذ استغرق بضع ثوانٍ ليقرر رفع الهلبيرد فعلاً ومهاجمتي مجدداً بيد واحدة. سرعته الآن كانت مثيرة للضحك. كنتُ أسرع منه وأقوى علاوة على ذلك، وكان بلا ذراع، مستخدماً سلاحاً صُنع ليُحمل باثنتين.
لا أقول إنه لا يملك مهارة استخدامه، بل إنه فقد القوة التي امتلكها من قبل. السرعة هي حقاً إحدى أعظم السمات التي يمكنك امتلاكها. بها، يمكنك إلحاق الضرر بشخص أقوى منك بكثير، إن لم يملكوا أيّ تصدٍ لذلك. لو توفّر هالتي، لكانت مقاومة تلك الضربة الأولى أسهل بكثير، لكن التفكير في الافتراضات إضاعة للوقت. وقت يُصرف بشكل أفضل في دمار عدوك في هذه الحالة. جعلتُ الرمحي يطفو إلى يدي، مقلّصاً حجمه، وضاغطاً إياه، ومشكّلاً إياه في هيئة سيف طويل وعريض.
لم يملك واقياً حقيقياً، لكن النصل اتسع بما يكفي عند القاعدة ليغطي يدي. به تصديتُ لطعنته إلى الجانب بسهولة محتقرة. كان الغريب ماهرًا، فتمركزُه كان دقيقاً كالكتاب المدرسي، غالباً. لم أعرف حقاً كيف أقاتل بهلبيرد، لكن وقفته كانت ثابثة، وحركاته سلسة كالماء. لم يهم الأمر على أي حال. كان بطيئاً، وكان ضعيفاً. ضربة من سيف-رمحي المتعدد الألوان صدّت سلاحه إلى الجانب، تاركة إياه مكشوفاً، وبلا ذراع أخرى يستعملها كغطاء، تلقّى كامل ركليتي الاسبرطية في صدره.
طار إلى الخلف بينما حطمتْ بسطاري ضلَعاً أو اثنين، أو ربّما أتلفتُ ما كان مكسوراً بالأصل بشكل أكبر. لم أعلم، ولم أُبالِ. ما أبالي به كان الإنذار المدوّي في أرجاء البلدة. ممتاز. أكثر بقليل فقط. وقف مجدداً، بادياً عليه الصدمة، وما زال سلاحه في يده، لكن هذه المرة لم أمنحه الفرصة للقيام بالخطوة الأولى. خطوتُ خطوة للأمام على الممر الترابي بين مبنيين، مستخدماً بسطاري والحيلة التي تعلمتها في رحلة عودتي.
ظهرتُ أمامه في جزء من الثانية. لنفسه البطيئة، بدا الأمر كأنّني انتقلت آنياً. ثم رفعتُ سلاحي ولوحتُ لأسفل نحو رأسه، بذات الطريقة التي فعلها من قبل، لكنّي فعلتُ ببطء كافٍ لأمنحه الوقت لمحاولة صدّ الضربات. كأنّه يعكس حركتي، رفع هلبيرده ووجه السلاح لانحراف الضربة جانباً. ضربتُه بخفة، فانزلق سلاحي على طول عمود الهلبيرد، ثم سرّعتُ أفكاري ودفعتُ بقوة أكبر تماماً حين وصل نصل بين رقبته وكتفه، في الموضع ذاته الذي جرحني فيه.
مع غرز نصل في صدره العلوي، لاحظتُ بفزع أني بالغتُ. كان عميقاً للغاية. نظر إلى الجرح، ثم إليّ مجدداً. انزلق الهلبيرد من يده وسقط على الأرض. استطعتُ سماع خطوات تقترب بسرعة. ربّما كان التوقيت مناسباً على أي حال... سحبْتُ النصل ولويتُه وأنا أستخرجه من لحمه الحشري. تطاير بقايا شبيهة بالرمل من الجرح.
أكان ذلك «دمهم»؟
سقط على الأرض ككومة. وحين فعل، نظفتُ نفسي بخاتمي، مختفياً الدم بينما أنهى لحمي التئامه نحو الصحة. اختفى الألم الشديد والحكة من الشفاء، تاركاً إيّاي سليماً ومعافى مرة أخرى. كان ذلك جيّداً، وما سيأتي لاحقاً سيكون أفضل. سحبتُ لعناتي إلى كتاب التعاويذ خاصتي. اهتزّ الكتاب المربوط عند خاصرتي مع عودة اللعنات، وانزلت ثلاث أخريات منه إلى الغريب. لم أكن لأضحي بأفضل لعناتي من أجل هذا.
عوضاً عن ذلك، استعملتُ توليفة من تلاشي الرؤية، وعشر الرؤية، ورؤية الغسق. امتلكتُ نظرية للتأكد منها.
"هيه،"
بصق من على الأرض.
"لا يمكنك لومي على المحاولة..."
سعّل مرتين، ثم تابع.
"كنتُ هالِكاً دوماً للفشل، أليس كذلك؟ لم أملك فرصة قط، طوال حياتي أردتُ الحرية فحسب، أخيراً-"
"أه اخرس، ألا يمكنك؟ يمكنني لومك على المحاولة. فعلياً، أفعل. ألومك على محاولة قتلي، وعلى عدم كونك قوياً بما يكفي لتحصيل حريتك قبل لقائي، وعلى كونك غبيّاً بالقدر الكافي لتوقيع عقد عبودية لأي سبب فعلته، لا أبالي."
نظر إليّ بصدمة وحزن. بحق الجحيم ماذا كان يتوقع؟
أن آخذ يده المتبقية وأقدم له تشجيعاً مثل «سنلتقي مجدداً في حياة أخرى يا أخي»
أو بعض الهراء السخيف؟ لقد حاول قتلي فحسب، أيها الأحمق اللعين.
"أنت مجرد أحمق آخر في طريقي. يمكنك تلقي العزاء في حقيقة أنك ما زلت تملك دوراً لتؤديه، فاخرس وتجنّب الموت لعشر ثوانٍ أخرى أو نحو ذلك."
"ما-"
قبل أن يتمكن من بصق أي سؤال سخيف كان على وشك طرحه، اقتربت مني الخطوات التي سمعتها من قبل من اتجاهات متعدّدة. أخيراً.
قال إلجود: "توقّف مكَانك!"
توقف على بعد أمتار قليلة مني، برفقة مجموعة من الحراس الآخرين الذين حاصرونا. من جهتي، غيّرتُ مقبض سلاحي ووضعته فوق وجه عدوي الساقط. حركة بسيطة واحدة وسأنهي أمره. ثم التفتّ برأسي قليلاً لأنظر إلى القادمين الجدد.
"أم ماذا؟"