أمعنت النظر في اللقيط الرمادي الماثل أمامي.
قلت له باقتضاب: "لا أستطيع. هذا أقصى ما يمكنني كبحُه فيه".
نظر إليّ كمن يزن أأكذب عليه أم أصدق، لكنه أومأ بعد ثوانٍ معدودات كأنما صدّقني. أتُرى هؤلاء الأوغاد يملكون مهارات كشف الحقيقة؟
"عجبًا لأمر بني جنسكم إذ يبلغ بهم البلادة حدّ عجزهم عن ضبط هالاتهم الخاصة، أيها البشريّ، لكن الدخول محظور عليك. عد الآن من حيث أتيْت".
قلت له: "لا أخرق أيَّ قاعدة تخصّ سلوكي في المنطقة الآمنة، ويمكنني إطلاق هاتي الهالة قدر ما أشاء، وهذه هي القواعد التي تخضعون لها أنتم أيضاً"؛
فقد طالعْتُ الكثير والكثير عن قواعد التوجيه ولوائحه ولم أجد شيئاً من هذا القبيل.
"هذه قواعد قومي، لا قواعد المنطقة الآمنة، فاغرب عن وجهي الآن".
رفع يده عن الهلب الذي يحمله ثوانيَ معدودة ليهشّني بها، ثم أعادها إلى السلاح الذي كان يقف وحده طوال ذلك الوقت. ما هذا اللعين بحقّ الجحيم؟ أتُرى هذا الفرخ الصغير يحاول افتعال المشاكل لمجرد نيل نصيبه من الضرب؟ كنت أتيقن أنه قويّ، أقوى من أيّ حارس صادفتُه حتى الآن، هذا مؤكد، لكني تفوقته في الخصائص، ولم يكن تفوقاً طفيفاً. لكنت جعلت من حياته جحيماً لو أنني شرعت في إلقاء اللعنات.
أخذْتُ نفساً آخر، محاولاً تهدئة الغيظ الذي يتأجج في داخلي، وبدأ قلبي يخفق بسرعة، وشعرت بدفقات من الأدرينالين تأهباً للنزاع. غير أني حاولت احتواء الأمر بالحسنى، ولأنه لن يكون ذكياً أيضاً افتعال المشاكل، ولم أكن أرغب في الوقوع فريسةً لهذا الاستفزاز الأحمق.
من الواضح أن كل حارس التقاني تلقى توجيهات بتنغيص عيشي بعد ما جرى بالأمس، وتجنب هذا الرجل ذكر اسمي كان دليلاً ناطقاً، فعادةً ما كان هؤلاء ينادونني «البشريّ إلياس»، ولم أصدق لحظةً واحدة أنه لا يعلم من أنا.
قلت له: "لا أبه بتقاليدكم ولا بقومكم ولا بك أنت. لا أخالف أي قانون، ولن أسمح لك بإيقافي، فعد إلى دوريتك، أيها الحارس. وأدِّ عملك على الوجه الأكمل في المرة القادمة".
انتفض لقولي، واشتدّ قبضه، وتحول وجهه الصخري سريعاً من الاستخفاف إلى الارتياب فالغضب.
قال بنبرة خطيرة: "إن تجاوزتَ الحدود، فسأقضي عليك".
دهشْتُ حقّاً لهذا. ستكون هناك عواقب حقيقية إن فعل، ليس عليه وحده، بل على رئيسه ومنظمته أيضاً. شركة لوجان في هذه الحالة، فقد أخفقوا إخفاقاً ذريعاً أصلاً في هذه المنطقة الآمنة، ولو أقدم على مهاجمتي بلا سبب لخسروا الكثير.
"أنت تعلم عواقب مهاجمة حارس في التوجيه. لا ترغب في هذا. لن يسرّ رئيسَك ذلك".
قال بابتسامة خبيثة: "سيسوء رئيسي إن هاجمتُ أيَّ أحدٍ سواك، أما أنت، فحالة مختلفة".
إذن هذا ما أجمعوا عليه، لقد قرروا التخلص مني وإرسال أداة رخيصة لتنفيذ القذارة.
قلت له: "ما الذي عرضوه عليك؟ أشكّ أنه يوازي تجريدك من فئتك وسلب مهاراتك"، فقد كانت تلك هي عقوبة هذه المخالفة، وكان النظام حازماً في عدم العبث بالمتدربين، على الأقل مباشرةً.
"لا أظنه شيئاً يُذكر، وإلا لقام بيكرمور بالمهمة بنفسه".
قال: "حريتي".
توقفت عند هذا، فقد كنت أتفهم أمره، وكنت أسعى للحرية أنا الآخر، ولو تطلب الأمر التخلي عن فئتي ومهاراتي لنلتها لقبلت تلك الصفقة أيضاً. لكن هذا لا يعني أنها مشكلتي، فسأصرع ألفاً من هؤلاء الأوغاد إن لزم الأمر.
"ستبدأ حريتك بموتك إن حاولت مهاجمتي".
ركّز نظراته إليّ، مترقباً لكلماتي غالباً، ثم أومأ مرة أخرى، وخطا خطوة إلى الأمام، قابضاً على هلبه بكلتا يديه متخذًا وضعية القتال.
"ليكن، سأنال حريتي أخيرًا، بطريقة أو بأخرى".
تباً، كان هذا الرجل جادّاً. أكان مستعدّاً فعلاً لتحمل هذه المخاطرة؟ دخلت في حالة وعي تامّ، وجهّزت جسدي للنزاع، وتسارعت مدركاتي بشدة فسمحت لهالتي بالتمدد، غامرةً عينيّ وأنا أرمق الفضولي الماثل أمامي. غير أن مشكلة كبرى كانت قائمة، إذ كان طجّار عليّ تسديد الضربة الأولى. كانت القواعد واضحة، أول من يضرب يحدد المخطئ والمصيب في هذا النزاع، ولم أكن أستطيع تحمل تبعة البدء بالضرب، فهذا سيمنح بيكرمور حريّة مطلقة معي، ولا أودّ تخيل ما سيحدث في تلك الحال، فالموت سيكون أفضل النتائج غالباً.
رأيته يتحرك ببطء، وتأججت هالته، ثم تمايل سيل من المانا بمختلف الألوان حول جسده، مخترقةً سلاحه، وغامرةً قدميه والأرض، ومتركزةً في عينيه، ومعززةً كيانه بأكمله عموماً؛ كانت تلك مهارات كثيرة تُستخدم في لحظة واحدة، وكانت المانا التي أدركتها من تفعلها هائلة. لكنني لن أترك نفسي بلا دفاع ضد ضربته، فلا شيء يمنعني من الدفاع عن نفسي، فاستعرضت قدراتي وما يمكنني فعله لتخفيف الضرر، بينما كانت أعظم أدواتي الدفاعية معطلة؛
فتجلي هالتي لن ينقذني، إذ عجزت عن التحكم به وحتى لو فعلت فلن يتركز ولن يصلب بالقدر الكافي لصد الضربة، ربما ساعد قليلاً لكن ليس بالكثير، وإن فعلت فسأدمر البيض الذي لا يزال على ظهرى. لا أقول إنني لن أضحي بهؤلاء لإنقاذ حياتي، لكني كنت واثقاً من دفاعي ضد ضربة واحدة. عندما تحرك، فعل بسرعة بالغة، وبدا كأنه يتحرك بصورة طبيعية تقريباً بحسب حواسي، بينما صرتُ كسلحفاة بالمقارنة.
وأدركت سريعاً أنني عاجز عن المراوغة تماماً، بل عاجز عن الصد المناسب في الوقت المناسب. بدأت برفع يديّ مع اقترابه، وبدت على وجهه الصخري نظرة تركيز عميق، فلم أفلح إلا في رفع يديّ فوق رأسي حين أضاء هلب الحارس مجهول الهرم ويهبط باتجاه رأسي. كنت أسارع بإدراك بقدر ما استطعت، محرقاً المانا بمعدل مهول، مستخدماً الضخّ المعزز على المهارة لأعصر المزيد، ثم شكلت كل هالة استطعت إدارتها وركزتها بالشكل التقريبي لرمح، واقتطعت جزءاً جسيماً من قوة الحياة من الخاتم وأكبر قدر ممكن من المانا، محشداً ذلك كله في أقوى رمح إنتروبي صنعته حتى تاريخه، ومعززاً إياه هو الآخر قبل أن ينفجر في وجهي.
ظهر الرمح في يدي قبل لحظة واحدة من شقّ الهلب لرأسي نصفين. تماسكْتُ مفعلًا الخفين ومميلًا الرمح لأبعد سلاح الحارس عني. عندما حلّ الارتطام تهاوت قبضتي، واصطدم السلاح برمحي منزلقاً عليه، لكنه ظل أسرع وأقوى من أن أتفادى الضربة، فما أفلحت إلا في صرفه قليلاً إلى يساري، وأملت رأسي أقصى ما استطعت، ممزقاً عضلاتي من شدة الجهد، فتجنب الهلب إصابة رأسي، لكنني أبصرته بوضوح وهو يتجه نحو ترقوتي.
كففت عن محاولة تعزيز الرمح ووجّهت بددل ذلك كل طاقتي لتعزيز تلك النقطة بالذات التي توشك السكاكين على ضربها. نظرت بذهول مريض بينما شق السلاح جلدي، ثم عظمي، ليقف أخيراً عند لحمي بعدما قطع أربع بوصات للداخل. استشعرت كل شيء، فبدت المهارة التي سارعت بأفكاري وكأنها تفعل المثل مع المؤثرات، فأحست بالصلب يغوص في جلدي، ويفلق العظم، ويدمر رئتي كذلك. شعرت بكل ذلك، وساعدني الأدرينالين، لكني ظللت راغباً في الصراخ.
وبدل ذلك ابتسمت في وجه القبيح اللعين الماثل أمامي. دوري الآن.