أثرست هالةً وتدبّرت سيلها حتى أسفل البركة. جرت كالمياه، مياه دخانيّة رماديّة باهتة، لكنّها جرت. غطّت سطح الحجر في القاع تماماً، حاضنةً ما تبقي من السائل الذهبيّ. أظهرتها ماديّاً حينها، وبدأت بحذرٍ أسحب الإناء الحجريّ للأعلى. حسناً، بلا أيّ انسكاب. أحطت السائل بهالتي، سامحاً للهواء بالخروج قبل تشكيل كرة منه. كانت كبيرة حقّاً، بقطرٍ يقارب العشرين بوصة. حسبت حجم السائل سريعاً.
ما يقارب سبعة عشر إلى تسعة عشر غالوناً هناك. عجيب أمر الحجم. لم تبدو بهذا القدر حقّاً، لكن إن كانت حساباتي دقيقة، فالأمر صحيح، تقريباً. بيد أنّي ما استطعت حساب مقدار ما تساوي من نقاط، مع أنّها كفيلة بلا شكّ بتبرير رحلتي هذي. غادرت المكان وكرة السائل تطفو بجانب كتاب التعاويذ. شققت طريقي عائداً نحو البلدة، أبطأ هذه المرة. لم أرد حقّاً فقدان السيطرة على الكرة وإراقة محتواها على الأرض.
هاجمتني اللّيبي هذه المرّة بينما كنت أطير. كنت مرئيّاً ولست بتلك السرعة، لعلّهم نسوا المرة الأخيرة. عزّزت عينيّ أكثر بالهالة الآن مع ذلك. رأيت الطيور الصخريّة الصغيرة بوضوح وهي تطير نحوي كالقذائف من زوايا مختلفة. قررت العبث قليلاً. خطوت على منصة من الهالة وتفاديت سريعاً الدفعة الأولى من الوحوش، لكنّي لم أقتصر على ذلك فحسب. ألقيت تعويذتي المحسّنة، اللعنة الفتاكة. ────────────اللعنة الفتاكة المستوى 10توسم هدفاً بلعنة شديدة العدوى تنتشر إلى الأفراد القريبين كنسخ مضعفة.
تحافظ كل نسخة على جزء من التأثير الأصليّ ويمكنها الانتشار أكثر تحت التقارب المستمرّ، ممّا يشكل شبكة متنامية من الآلام.──────────── اخترت أربعة وحوش عابرة، مطبقاً أربعة أنواع مختلفة من اللعنات: خفض السرعة، تقليل القوة، إعاقة الحركات، وفقدان التنسيق. لم ألقها بقوة تُذكر. كلا، كانت ضعيفة، وإلا لآذت إحصاءاتي الأكبر الوحوش أكثر من اللازم. سارعت إدراكي أكثر، متتبّعاً الوحوش بسهولة.
الأكثر تأثّراً كان صاحب لعنة القوة المقلّلة. كان يكابد للبقاء محمولاً في الهواء، لكن بعد ثوانٍ معدوداتٍ من وقتي، شعرت باللعنات تقفز بين الأهداف وتنتشر إلى العدو الأقرب، غالباً حين كانت تناور حولي للضرب. تفاديت الطيور باستمرار، ورغم انضمام المزيد إلى المعركة، صار الأمر أسهل فأسهل. ومع كون اللعنات أضعف من المعتاد حين تنتشر، فقد تراكمت مع ذلك حين اجتمعت الأربع معاً.
نحو ثلاثين طائراً كانت تحاول وفشلت بشكل مذهل في إصابتك. تحركت جميعها في طيران متقطع وبطيء، مذكرة بالخفافيش أكثر من طيور الدوري. حين وجدت اللحظة المناسبة، صفعت طائراً من الهواء بيدي المجردة. انفجر الوحش في وابل من الحصى والشظايا الصخريّة. يدي، بالمقابل، كانت سليمة تماماً. ضربة كهذه ما كانت لتؤذيني حتّى من قبل، أمّا الآن فلا أشعر بها قط. فعلت ذلك لا لأني وجدته مضحكاً، بل لأنه في تلك اللحظة بالذات لم تكن هناك ليبي قريبة منّي، بل حولي فحسب.
تفجير اللعنة. توقّعت تفاعلاً متسلسلاً. عوضاً عن ذلك، انطلق انفجار ضخم واحد من حولي بأكمله. ماتت كل الوحوش فوراً. في الواقع، كان عليّ إقامة حاجز لأحمي نفسي من الشظايا الصخريّة التي صارت أجسادها الآن. استوعبت المنظر. بلا لهب جاءت الانفجارات، وما بقي سوى دخان داكن لبرهة قبل أن يتبدد في الهواء. لم يبقَ سوى الصوت بعد الدويّ العالِ. شعرت بقشعريرة تسري في عمري، لا خوفاً، بل تلذذاً.
كان هذا نوع القوة التي أبحث عنها. لقد نجحت في القضاء على هذه الوحوش بنفقات مانا قليلة. كانت المهارات فائقة الكفاءة من حيث التكلفة، ولا سيما الانفجارات. أرسلت أمراً آخر، مشغّلاً، فوفرت اللعنات الوقود. كنت أفكر الآن، كم ستكون لعنة مثل الوعاء الذابل قوية لو فجّرتها؟ وماذا لو راكمت غيرها الكثير معها؟ فكرة سيئة داهمت عقلي. أيمكن لمهارتي التأثير على لعنة القديسة المزيفة؟
نظراً لمستوى اللعنة العالي، سيكون الانفجار هائلاً إن استطاعت المهارة التأثير عليها. بيد أنّي لم أكن انتحاريّاً، أبداً. كنت أفكر أنّه إن استطعت تحمّل شيء كالانفجار الجزئيّ، حتّى مع ضرر بالغ، لاستطعت قضم اللعنة شيئاً فشيئاً... فكرة بعيدة المنال. الأرجح أن أفجر نفسي إلى القمر، أو لن تنجُح وحسب، لكن كان عليّ مراعاة كل الخيارات. ما هاجمتني ليبي أُخر. رغم عقولها العصفوريّة، استطاعت تمييز خصم متفوّق فتركتني وشأني.
طرت منخفضاً، فوق الغابة مباشرة، ممدداً هالتي ومانصّاً قوة حياة أيّ وحش دخل نطاقي. تمكنت من استنزاف ثمانية فحسب، جميعها عناكب. اللعناء ما زالوا أحياء، رغم قتل الآلاف. لابدّ من وجود المزيد من البيض حولها، أو ظهور ملكة أخرى. ليست مشكلتي، على أيّ حال. عليّ تجديد مخزوني من قوة الحياة. هالة العطش كانت متعطشة حقّاً. لم يَبْدُ أن ثمة سبيلاً لملء هذا الشيء تماماً. ما لبيست أن بلغت البلدة ثانية.
غلظت الحاجز حول الجرعة الذهبية لئلا أُفشي شيئاً، ثم نزلت أمام المتجر، داحلاً فوجدت التاجر غائباً هذه المرة. رجلان فقط من المجموعة الأخرى كانا هناك. نظرا إليّ بغرابة، ثم إلى كتاب الهلاك الطافح والكرة الرمادية.
"مرحباً، لا تهتمّا بي، سأرحل في ثانية،"
قلت لهما. بلا ردّ، إمعان نظرٍ فحسب. يناسبني هذا. وضعت يدي على المنضدة وحاولت بيع السائل الذي في الكرة. منحني النظام تسعة وخمسين ألفاً وفضلة. أومأت للرجلين اللذين كانا لا يزالان متبحّرين في النظر إليّ، ثم خرجت من المتجر وقصدت قاعة التدريب. استطعت البيع للمتجر فحسب، لكن لمَ أفعلو وحوزتي بعض نقاط الرضى لأكسبها ببيعها لفيك؟ كان الرجل منبعاً للمعلومات والنصيحة الحسنة. دخلت القاعة لأشاهد طيفاً عابراً لا يبعد عني كثيراً.
سارعت سرعة معالجتي بدافع غريزيّ، وحين تباطأ الواقع في رؤيتي، لاحظت أن أليا الدامية هي الطيف المعنيّ، وأنها على وشك الاصطدام وجهاً لوجه بالجدار. تحركت بالغريزة أكثر من أي شيء آخر. خطوت عبر الباب وأنشأت موطئ قدم من الهالة لأركل وأدفع نفسي خلفها مباشرة. كان تحكّمي في الزمن المبطّن عظيماً، ليس لإحصاءاتي فحسب، بل لأني استطعت حرفياً أخذ وقتي للتفكير في كيفية التحرك بأفضل شكل.
أمسكتها وبدأت أبطئ قبل أن نرتطم بالجدار. بعد أن توقفنا، أخذتها بين ذراعيّ وتفرّست فيها. كانت كارثة، كدمات وجروح مفتوحة عديدة شوّهت جسدها، مسربة الدماء. كان شعرها مبعثراً وعيناها وحشيتين. أحسست بحضور يقترب بسرعة فائقة وهممت بالهجوم حين رأيت أنه فيك. توقف قبل بلوغننا بكثير.
"من غير اللائق مقاطعة نزال، أتعلم؟"
قال ناظراً إليّ. بدا منزعجاً للغاية، لكن بعد لحظة من التقاء عينينا، قطّب جبينه.
"أيّ لعنة حلّت بك في الأيام الفائتة؟ بالكاد أتعرّف على هالتك."
أنزلت أليا برفق. كانت تحتجّ، محاولة الإفلات من قبضتي، لكني سكبت ما حوزتي من قوة الحياة فيها، مساعداً في جراحها.
"اثبتي لحظة، أتريدين؟"
قلت لها. تجاهلتني، مبدية قوة أكبر ومتحشرجة في جهد الإفلات.
"لا تستطيع فهمك، تلك صفتها الجديدة،"
قال فيك. كان قانعاً بجانبنا، ولم أكن قد شعرت حتى بتحركه.
"افتح فمها وأطعمها هذا،"
قال ممرّراً قارورة من سائل أزرق ليليّ.
"ما هذا؟"
أدار عينيه.
"مهدئ. سيهدئها."
نزعت سدادة القارورة مستخدماً هالتي لإحاطة أليا ومنعها من الحركة. استطعت استشعار جهد معيّن في البناء. كانت قوية للغاية، أقوى بكثير مما توقعت. لكن بينما كانت تصرخ في وجهي، أمسكت فكّها وأفرغت محتوى القارورة في فمها. اختنقت به لبرهة قبل أن أغلق فمها وأرغمها على البلع. استغرق الأمر أقل من خمس عشرة ثانية، لكنها بدأت تهدأ. عيناها اللتان لاحظت أنهما تحملان بريقاً أحمر، عادتا إلى زرقة السماء المعتادة.
في الوقت ذاته، صببت المزيد والمزيد من قوة الحياة فيها، مغلقاً جراحها ومجعل الكدمات تتلاشى.
"هيه، أأنت بخير؟"
أدارت وجهها بعيداً عني.
"أرجوك دعني أذهب."
"لست في حالة تسمح لك بالحركة الآن. ماذا حدث لك؟"
"أنا... أنا فقط... دعني... وشأني."
أنهت كلمتها الأخيرة قبل أن تخلد إلى النوم.
"ماذا فعلت بها، إلياس؟"
تأملت ذلك السؤال، ولم تكن لديّ إجابة أقدّمها حقّاً. لم يكن أمر فيك على أيّ حال.
"أعندك مكان يمكنني تركها ترتاح فيه؟"
سألته عوضاً عن ذلك. تنهّد، ثم أومأ لأتبعه.
"من هنا. ثمة غرفة جانبيّة صغيرة يمكننا وضعها فيها في هذه الأثناء. ستستيقظ قريبا على أي حال."
وضعتْها على كومة من حصائر التدريب، ثم خرجنا وأغلقنا الباب.
"إذن، أستشرح أخيراً؟"
سألني حاجبه مرفوع.
"تلك أمور بين أليا وبيني. أتيتك لأجل هذا،"
قلت مشيراً إلى الكرة العائمة. تنهّد الفضائي الأزرق الطويل، ثم تحرك نحو الطاولة ذاتها كالمرة الفائتة، مخرجاً زجاجة من العدم.
"اجلس. لنتحدث."