رفع إيلياس يديه وقال: "انتظر ثانية. أخبرني أولاً، ماذا نحاول أن نفعل هنا؟ هل يتوجب عليَّ فعل شيء محدّد غير القتال؟"
كان فيكس يقفز بحماسة من قدم إلى أخرى بطريقة مميزة. بدت حركاته كأنه يرقص، بمرونة تستحيل على البشر.
"كلا، أظهر لي كل ما تمتلكه فحسب. هالة، مهارات، لعنات، حيل… يمكنك تجربة أي شيء تريده. ليس الأمر أنه سينجح، لكنه سيوضح لي على الأقل مدى براعتك في استخدام الأدوات التي بحوزتك. والآن، وبصفتي أقدمك، سأدعك تبدأ بالحركة الأولى".
راقبته. كان متلهفاً للغاية لهذه التجربة، بينما لم أكن مستعداً. اجمع تركيزي. متأكد أنني لا أستطيع هزيمته، لكن ينبغي لي خوض قتال جيد على الأقل. حسناً، سنفعلها، ولديه نفس رصيد خصائصه مثلي، لكنه ربما لم يوزّعها بالطريقة ذاتها، لذا سيكون أسرع وأقوى على الأرجح. غير أن خصائصي العقلية ينبغي أن تكون أعلى… كيف يمكنني استغلال ذلك لمصلحتي؟ شرعتُ في ضخ المانا داخل درعي، فتمددت الواقيات والمداسات لتغطي جسدي بالكامل، باستثناء رأسي.
ينبغي لي إصلاح ذلك قريباً. كنت بحاجة إلى خوذة أو أي نوع من الحماية.
"حقاً؟ درع؟ ألا تكفي الهالة لحمايتك؟"
"أنا أتعامل مع ما هو متاح، وهذا الدرع يخزن قوة الحياة، لذا…"
رأيت تعابير وجهه تتحول إلى الاشمئزاز.
"من بحق الجحيم صنع هذا الشيء؟ درع تافه من الفئة الثانية بمثل هذه القدرات… يا له من إهدار".
"ما هو ال—"
"كفى ثرثرة، هاجمْني أو سأهاجمك"، قال فيكس بابتسامة عريضة.
حسناً، ما رأيك في هذا. أججت هالتي بالكامل. خرجت من جسدي وأحاطت بي كأنها لهب رمادي. تحول العالم إلى لون رمادي وأبيض حين تشبعت عيناها بها. ثم ألقيت في ثانية واحدة تعاويذ عدة لتقليل سرعته وأطلقت ثلاثة سهام غامضة، اثنتان نحو عينيه وواحدة نحو ساقه اليسرى. ثم انفجر مقذوف خلف ظهره مباشرة. رأيت فيكس يخطو خطوة إلى الأمام وإلى اليسار، كأنه يتنزه في حديقة. امتصت هالته الخاصة الانفجار الذي وقع خلف ظهره، ولم يلتفت حتى.
أخطأت السهام الثلاثة كلها بفارق بوصات وانزلقت التعاويذ عنه دون أن تجد موطئ قدم. حدقت فيه لثانية. ماذا؟
"هذا كل ما في الأمر؟"
قال بدهشة.
"كنت أترقب شيئاً مثيراً للاهتمام. هذا، حسنل، أقر بأن الأمر جيد جداً لشخص أمضى أسبوعاً في التدريب، لكن ليس أكثر من ذلك. قتالك تقني، وغير ملهم. حاول مجدداً. لكن هذه المرة، سأرد الهجوم".
تباً، لنفعلها. انطلقت جَرْياً. لم يكن القتال القريب ملعبي المفضل حقاً، لكن كانت لدي خطة. أنشأت قفصاً من السهام. ظهر خمسة عشر سهماً في آن واحد حول الكائن الأزرق، وكلها متأهبة لتحويله إلى وسادة لغرز الدبابيس. لكن ذلك لم يكن سوى إلهاء. أطلقتها بينما دفعت نفسي إلى الأمام مستعيناً بهواء هالتي واستخدام بسيط لانفجار غامض تحت قدمي لدفع سرعتي نحو الأعلى. في لحظة كنت أمامه، وكانت السهام توشك على الإطباق…
إلا أنه لم يعد هناك. شعرت بحضوره عبر حواسي الغامضة، على يساري، خارج نطاق رؤيتي مباشرة. رفعت ذراعي اليسرى بغريزتي، لكن قبل أن أتمكن من توجيه انفجار جرفت ساقاي ووجدت نفسي طائراً في الهواء، أفقياً بالنسبة للأرض. استطعت رؤية العوارض الخشبية للسقف، والعقد في الخشب، والنافذة العالية التي لا تكشف سوى جزء ضئيل من السماء. بدا أن الوقت يتباطأ. استطعت أن أرى، وأشعر، بيد مغلفة بالهالة تهوي نحو صدري.
كانت جميلة، تلك الهالة… تضمنت كل درجات اللون البرتقالي هناك، اللون الوحيد الذي استطعت رؤيته في هذا العالم الأسود والأبيض الذي كنت أعيش فيه. حين اخترقت اليد هالتي دون أي مقاومة تذكر ظاهرياً، أطلقت فخّي. لم تكن الطريقة التي أردت بها حدوث الأمور، لكنها كانت أفضل ما يمكنني الحصول عليه. انفجر مقذوف متحرراً من النقطة التي لمست فيها تلك اليد هالتي. دوَّ صوت جهير في المبنى بينما دُفعت اليد بعيداً ودُفعتُ أنا إلى الأسفل بفعل مهاراتي الخاصة.
امتص الدرع وهالتي قوة الاصطدام، لكنه هزّني قليلاً مع ذلك. دفعت الأرض الخشبية الصلبة ونهضت سريعاً إلى قدمي بفضل دفعة من هالتي. كنت على وشك الهجوم مجدداً عندما رأيت فيكس واقفاً بلا حراك، يرمقني بابتسامة.
"كان ذلك أفضل قليلاً. استخدم سرعة المعالجة الأعلى تلك. إن خصيصة ذكائك أعلى بكثير من خصيصتي، وتلك هي ميزتك. مجدداً".
بدأت بإلقاء التعاويذ بجنون. بعد استنزاف ما يقارب عشرين بالمئة من مخزون المانا الخاص بي، نجحت في تثبيت إحداها. تعويذة واحدة صغيرة لتقليل سرعته السخيفة. تكثيف خبيث، استنزاف الملعون، إعادة ربط اللعنة. أرسلت ثلاث لعنات نحوه، المعاناة الرنانة، رؤية الغسق، الصدى الأجوف. رأيته يترنح للحظة، بينما سيطرت اللعنات الثلاث كلها. كانت هذه أشد قوة بالتأكيد من تعويذة بسيطة. لوددت لو أدرجت في المنتصف لعنة الوعاء الذابل أيضاً، لكنها كانت قوية للغاية.
لم أكن متأكداً من قدرتي على إعادتها تحت السيطرة إن أفلتت من الهراوة مجدداً. بدلاً من ذلك، خطرت لي فكرة حيال ذلك. استطعت أن أشعر بأصغر قطرة من قوة الحياة تتجه نحوي بينما كنت أغزل ثلاث طاقات مختلفة معاً من أجل ضربة واحدة. كان يقترب بالفعل، أبطأ من ذي قبل لكن بفارق طفيف. كان لدي متسع من الوقت قبل أن يبلغني. صنعت رمحاً مصنوعاً من الهالة يحوم فوق يدي اليمنى، صلباً ومضغوطاً.
ثم ركّبت فوقه سهماً غامضاً مشبعاً بالإرادة، مصمماً جزئياً بقوة الحياة المسروقة. اتسعت المهارة عندما بالغت في شحنها بتشبع غامض. وحين بلغ الحجم ذاته لهالتي، بدأ الاثنين يمتزجان ويتذبذبان في يدي. كان فيكس يقف أمامي مباشرة الآن، وضربة براحة اليد تستهدف ضفيري الشمسي. لم أستطِع رمي المقذوف، لكني نجحت بصعوبة في جعله يميل نحوه وأطلقته. انبعث صوت هادر من البنية غير المستقرة.
وبينما تسارع في المساحة الضيقة المتاحة، كان على وشك اختراق فيكس، لكن حدث أمر عبثي. تلقاه. التقطه من الهواء بإحدى يديه الأربع. ثم قبل أن أستطيع فعل أي شيء سوى المراقبة، لوّح به نحو جانبي. بوووم! أرسلني انفجار محلقاً بعيداً. اصطدمت بالأرض بضع مرات ثم ارتطمت بالجدار. يا للتبح… لقد ألمني ذلك. لكن هالتي حمتني من أسوأ ما في الأمر. ربما تعرضت لرضوض فحسب، دون كسور في العظام أو ما شابه.
حاولت النهوض سريعاً لأرى فيكس موكساً سلاحاً شبيهاً بالسيف مصنوعاً من الهالة عند حنجرتي. وفي تلك الأثناء كان يدرس جزءاً من الرمح الذي صنعته. كان مغلفاً بهالتي الخاصة به، ومثبتاً بها على الأرجح، لأنني كنت ما زلت على ارتباط به واستطعت الشعور بأنه لا يريد شيئاً أكثر من الانفجار.
"مثير للاهتمام… لديك موهبة في مزيج الطاقات. لكن دعنا نجرب شيئاً آخر الآن. قاتل بهالتك وحدها، واترك المهارات الأخرى جانباً. أود أن أرى ما إذا كان يجدر بك سلوك هذا الدرب".
تراجع سيفه داخل هالته الخاصة. ثم خطا خطوة إلى الخلف، خطوة مفردة نقلته مسافة تزيد على عشر ياردات. مسخ. أي نوع من المهارات تلك التي سمحت له بالتحرك هكذا؟ كنت أريدها. كنت متأكداً من أن كوين سترغب في ذلك أيضاً. لكن الآن… لم أستطع خدشه بكل مهاراتي ولعناتي مجتمعة. ماذا يمكنني فعله بمهارة واحدة فقط؟ نهضت. كان جسدي يؤلمني، لكن الأدرينالين تدفق في عروقي مخففاً حدة الألم. كان قلبي يخفق كطبل.
تريد أن ترى ما أنا قادر على فعله؟ سأريك. إن كان هناك شيء واحد فهمته عن الهالة فهو أن إرادتك أهم من أي شيء آخر. فهي تستجيب لرغبتك وحالتك الذهنية. والآن، أردت ضربه مرة واحدة على الأقل. نهضت وسحبت درعي، وفككت أزرار عباءتي. ثم نزعت حزام سلاحي. سقطت هراوتي، وكتاب تعاويذي، والتماثيل الخشبية على الأرض، متروكة، فضلاً عن الدرع الذي كنته أرتديه. اصطدم الحجر بالأرض الخشبية، دون أن يترك أي أثر البداية.
لم يُرَ أي خدش على المادة جراء قتالنا. دخلت الفكرة إلى عقلي وخرجت منه في نبضة قلب. كان عليَّ التركيز. بلا سلاح، اتخذت وضعية قتال، فاندفعت هالتي من الأعماق، وتخبطت بعنف بينما غلفت جسدي كله مجدداً.
"نعم! تلك هي الروح المعنوية! هيا أيها البشري، أقدمْ! أترني عمق إرادتك!"
الجولة الثانية.