أصغيت. وأصغى الآخرون معي. استمعت إلى طنّ من الهراء. أراد منا هذا الرجل أن نوقع عقداً طويل الأجل مفتوح المدة لنُنقَل خارج الكوكب فور انتهاء التدريب إلى معسكر تدريب يتبع الشركة التي يعمل فيها. وإن لم يكن هذا مريباً بالقدر الكافي، فسنُدفع لنا أجورنا بمعلومات عن ترقية الفئات والمهارات، وهو أمر كنت متأكداً من قيمته البالغة في مستوى متقدم، لكنه بدا سيئاً للغاية في هذا الوضع.
لم أدر كيف وقّع نحو ثلاثدين شخصاً مع هذا الرجل مسبقاً. أبلغنا بأن بقية المشاركين في التدريب يقيمون في المجمع. فقد بنوا مساكن لهم وجهزوا كل شيء لإكمال التدريب فور القضاء على الملوك. ويبدو أن المنطقة ستصبح أسهل بكثير في التنقل عند حدوث ذلك، وسيفتح الطريق لغير المقاتلين في ذلك الحين. ولم يكن مفترضاً بهم الوقوف على الخطوط الأمامية. بعد حديثه الطويل، وعلى الرغم من حصد الكثير من المعلومات، بدأ الجميع يشعرون بالانزعاج من الغياب الفاضح لحقوق الإنسان أو حتى الكائنات غير البشرية في العقد.
قالت ماري بعد أن شرح الزعيم مرة أخرى رفاهية المسار المحدد سلفاً: "إذن أنت تحاول إخبارنا بأننا لن نتمكن من اختيار مهاراتنا من الآن فصاعداً؟"
"طبعاً لا! بالنسبة لمعالِجة مثلك، لاستخراج أقصى إمكانيات من فئتك، هناك مهارات درستها شركتنا لمئات السنين. نحن نعرف المسار الأكثر تحسينًا للوصول إلى قمة مهنتك. تخيلي المرتفعات التي يمكنك بلوغها باتباع إرشاداتنا. فالأشخاص بلا توجيه ينتهي بهم المطاف إلى الركود والفشل في تطوير فئتهم في النهاية، أما معنا فلا!"
وحين همّت ماري بالردّ، تدخلتُ قائلاً: "أعتقد أن كل هذا ثقيل للغاية على اجتماع أول، ألا ترون؟"
ونظرتُ نظرة ذات مغزى إلى الجميع.
"لدي إحساس جيد بشأن الشراكة المستقبلية، أيها الزعيم بيكمور، لكن رفاقي وأنا الآن مطالبون بإرسال رسالة إلى المجموعة الرئيسية. ينتظر المزيد من الناس خارج البلدة مباشرة للدخول. ربما يمكننا إيقاف هذا الاجتماع مؤقتاً لكي نتنشّط ونتصفح الخدمات المتاحة في هذه المنطقة الآمنة الرائعة."
بدت عيون الزعيم تبرق كالجواهر الثمينة حين سمع أن المزيد من الناس قادمون.
"بالتأكيد! كم أنا وقح لتعطيل استقراركم. لدينا أسرة كافية لمئة مشارك إضافي يرغبون في الراحة والاستشفاء، ولا داعي للقلق بشأن الوحوش أو أي شيء آخر. فهي منطقة آمنة في النهاية..."
ثم أنهى كلامه بضحكة خافتة على نكتته الخاصة.
"لطيف جداً منك. إن لم تمانع، فسآخذ نسخة من العقد لأقيّمها ثم أذهب لإبلاغ الآخرين بسخائك. أنا متأكد من أنهم لن يصدقوني إن أخبرتهم بلا دليل. يبدو الأمر أفضل من أن يُصَدَّق."
"حقاً! حقاً! كلام سليم. خذ واحدة واذهب وانشر الخبر. سأكون هنا عندما تأتي للتوقيع. وفي هذه الأثناء، لدينا طاقم من الخبراء المختلفين يمكنك استشارتهم هنا، وجميعهم خبراء في مجالهم. ولكن احذر، ليس الجميع جزءاً من شركة لوغان. فلا تنخدع بهم. عروضهم فظيعة، ثق بي."
أنا فضولي الآن. كيف يمكن لعرض أن يكون أسوأ من العبودية البيروقراطية؟ العبودية الفعلية وحدها، على الأرجح.
"لن أستمع إلى كلمة واحدة. هناك سبب لكونك زعيم هذه المنطقة الآمنة وليسوا هم. سأضع ثقتي فيك، أيها الزعيم."
استقام قليلاً حين قلت ذلك.
"رجل حكيم حقاً. اذهب الآن. لابد أنك متعب. استرح وأدخل مجموعتك إلى هنا. سأكون مستعداً لاستقبالهم أيضاً."
وبهذا ودّعنا بعضنا وخرجنا من المبنى.
قالت آليا: "ليس لدي أي فكرة عن كيفية إمكان شخص إطلاق هذا الكم من الهراء في نصف ساعة".
حاولت ماري قائلة بنبرة الاستهزاء نفسها التي استخدمها الزعيم وفشلت فشلاً ذريعاً: "لا حقوق إنجاب، أيمكنك تصديق ذلك؟".
على الأقل نجح جنون البند الوارد في العقد في إخراجها من مزاجها السيء، أو أياً كان ما عكر صفوها في الأيام القليلة الماضية. فقد حقق الغضب الخالص ما عجزت عنه الكلمات الطيبة والمودة. كان الأمر مضحكاً بطريقة ما.
قلت لهم: "لنعمل على ألا نُذيع أفكارنا. لا أعرف لماذا وُضع شخص مثله على رأس تجنيد أعضاء جدد، لكنني متأكد من أنه إن شعر بعدم الاحترام أو بالاستغفال فلن يكون لطيفاً كما هو الآن، ولا أريد مشاكل داخل المنطقة الآمنة. كوين، اذهب وأخبر الآخرين بإمكانية قدومهم. أرجو الإصرار على حقيقة ألا يوقعوا أي عقد في الوقت الحالي. كيف بحق الجحيم وقّع ثلاثون شخصاً على تلك الكارثة القادمة، لا أعرف حقاً..."
أدّى كوين التحية العسكرية لي، ثم اختفى خلف مبنى.
قالت مليسا: "ما العمل الآن؟"
"أعتقد أن علينا الانفصال والتجول للاطلاع. مجرد مسح سريع، خمس دقائق كحد أقصى، ثم نلتقي هنا مجدداً. يبدو أن هناك خُبراء متاحين، مقابل رسوم بالطبع، لكننا بعد أن نبيع غنائمما لن نُترك محتاجين للمال. أريد معرفة ما هو متاح هنا، وأين يمكننا النوم، وأي معلومات مفيدة يمكننا جمعها عن التدريب. لا توافقوا على أي شيء. اسألوا فحسب. وإذا تمكنتم من لقاء مشاركين آخرين في التدريب، فعلينا معرفة ما خبروه. أي شيء حقاً."
يمكننا الحصول على بعض الإجابات أخيراً. سأعصر هذا المكان عصراً حتى أعرف كل ما يمكن معرفته. تلقيت إيماءات وكلمات موافقة من الجميع، بينما لم يبد ماركوس سعيداً للغاية بالأمر. لكنه لم يتذمر. وحين افترقنا لفحص مبانٍ مختلفة، اتجهت يساراً، نحو مبنى منخفض وواسع يشبه معبد الباجودا، ويبدو بطراز شرقي أكثر من البقية. ومع اقترابي، لم أستطع استشعار أي شيء من الداخل، ولا حتى عندما وقفت أمام الباب.
كان المبنى غير موجود بالنسبة لحواسي السحرية الأقوى. طرقت الباب. لم يحدث شيء بعد ثوانٍ قليلة. لم يكن هناك مقبض أو أي شيء للسحب، فدفعته. انفتح دون صوت. كان الداخل مصنوعاً بالكامل من الخشب أيضاً، ولكن على عكس الخارج، صيقل الأرضية حتى لمعت. كان مظلماً، كخشب الماهوجني، وربما أداكن، بينما كانت الجدران على العكس مصنوعة من خشب شديد البياض وناعم الملمس. وتدلت على تلك الجدران آلاف الأسلحة في كل مكان، وفي المنتصف، كان الشيء الأكثر لفتاً للانتباه هو كائن.
لم أدر أأسميه رجلاً أم امرأة. كانت ملامح وجهه خنثوية للغاية للوهلة الأولى، لكنه كان بشري الشكل. كانت بشرته ناعمة وذات أزرق داكن، وله شعر طويل شفاف يكاد يبلغ ركبتيه، وأربع أذرع، كلها خلف ظهره في وضع مريح.
بدأت بالقول: "تحياتي"، وقبل أن أستطيع قول أي شيء آخر، كان الكائن أمامي.
تراجعت خطوة للخلف غريزياً بينما رفعت ذراعيّ وغطيت نفسي بهالتي. وبعد ثانية، لم يفعل هو، أو هي، أي شيء إضافي، بل حدق فيّ فحسب. سحبت هالتي تدريجياً. نحن في منطقة آمنة، هكذا ذكرت نفسي. الأفضل عدم إظهار العداء لأحد هنا. فنحن ضيوف في النهاية.
سألني الكائن: "ما أنت؟"
وحين صرت أنظر إليه عن قرب، لاحظت أشياء كثيرة أخرى. كان أطول مني، برأس واحد على الأقل، لكنه لم يكن ضخماً، بل بدا نحيلاً تقريباً على الرغم من الرداء ذي الطراز الشرقي الذي غطاه.
وقلت "هو"
لأن صواته لم يبد كصوت امرأة إطلاقاً. رفعت بصري ونظرت في عينيه. كانتا غريبتين، ببؤبؤين غريبي الشكل، شبه معينين ولكنهما أكثر ححدة. وكان الشيء الذي يستحيل غض الطرف عنه هو الطاقة التي تشبه البرتقالي والتي تسري في قزحيتيه. لا، ليست طاقة. بل هالة. شعرت بها تضغط عليّ، وتخترق دفاعاتي وتنظر داخلي. كان يحللني، ويبريني، ويمسحني من الرأس إلى القدمين. وحين استعدت رباطة جأشي، تلاقت عيناي بعينيه، فأمسكت بهالتي وكثّفْتُها أسفل جلدي مباشرة في محاولة لحماية نفسي من هالته.
"أنا بشر. اسمي إلياس مرسر. أيمكنني معرفة اسمك؟"
"أعرف البشر. لقد التقيت ببعضهم من قبل. فصيلة عادية، إن كنت صادقاً. أما أنت... تلك اللعنة التي تتغلغل في كيانك ذاته، لماذا تبدو مألوفة؟"
كيف لكل من ألقاه أن يستشعرها؟ اللعنة، لا أطيق الانتظار للتخلص من هذا الشيء.
"ماذا تقصد بمألوفة؟ هل واجهت شيئاً مشابهاً من قبل؟"
أمال رأسه قليلاً إلى اليمين، ناظراً مباشرة في عيني.
"ربما. تبدو كعمل منافس قديم، لكنها أكثر تقدماً بكثير... أيمكن أن تكون؟"
هز رأسه نافيه.
"غير مهم. لا يمكنك فعل شيء حيالها على أي حال."
"أرجوك، إن كنت تعرف شيئاً فأخبرني. أحاول التخلص منها. أي معلومات قد تكون مفيدة."
قال وبارقة حماسة تلمع في عينيه: "لن تكون مفيدة لك، ولكن إن كنت تريد معرفة ذلك، فما الذي أنت مستعد لتقديمه مقابل هذه المعلومات؟"
أراد شيئاً بالطبع. لما لم أستطع العثور على موجه عجوز حكيم مستعد لتقديم نصيحة مجانية أملاً في مساعدة الأجيال القادمة؟
"يمكنني الدفع بنقاط التدريب. وبدلاً من ذلك، أملك عدة أغراض سحرية، حتى وإن كنت أشك في أنها ليست ذات قيمة كافية بالنسبة لك."
ابتسم، ابتسامة مفترسة للغاية، مليئة بأسنان تشبه الإبر.
"تخمينك صحيح يا إلياس مرسر. لا أهتم بالنقط أو الحلي السحرية. كلا، ما أهتم به هو اختبار هالتك"، توقف لحظة ليحللني من جديد.
"لا أعرف كيف تمكنت من امتلاك هالة بهذه الكثافة في بداية التدريب، لكني أريد معرفة كل شيء. أخبرني كيف اكتسبتها، وسأخبرك بما تريد معرفته. معلومة بمعلومة. صفقة عادلة، ألا ترى؟"
نظرت إليه. كان العرض أفضل من أن يُفوت، واللعين عرف ذلك.