شعر كيد بالجذمور يتململ في أحشائه. لم يعد يتلوى أو يمزق كما فعل حين توغل للمرة الأولى في لحمه. باتت الحركة الآن واعية. تيارات خفية تسرى في كيانه، تنساب عبر مساراته المكنونة، تتسلل بين العظام والعضلات كجذور تبحث عن تربة خصبة. لم يرها، لكنه أحس بوجودها؛ ملتفة، متيقظة، ومستعدة لتنفيذ إرادته. أدرك أنه يقترب من إدراك أمر ما. تجمعت الأحاسيس مجدداً في كفه اليمنى، وتكدست تحت الخط الأحمر الرفيع.
نبضت بالتزامن مع ضربات قلبه. كان لا يزال يمسك بصدفة السلحفاة المتصدعة في يده اليسرى. تضررت، لكنها ما زالت صالحة للاستخدام. لكن إن أراد النجاة من هذا اللقاء، فالمراوغة والصد لا يكفيان. إن أراد الحياة، فعليه أن يرد الصاع. ومض في ذهنه الفأس التي استخدمها قبل دخول هذا القبو الملوث. كانت سلاحاً يعتمد عليه وفتّاكاً ضد اللحم، لكنها هنا ضرب من العبث.
لم يكن "براهام"
لحماً طرياً. كان مدرعاً بصدفة رمادية سميكة وجلد قاسٍ. الفأس ستنزلق أو بالكاد تخدش سطحه. ضد الدروع، لن تجدي جروح القطع نفعاً. احتاج إلى وزن. إلى قوة غاشمة. إلى شيء يهشم تلك الدروع. هراوة. تبلورت الفكرة في عقله، فأجابه الجذمور. اشتد الضغط المتجمع في كفه. بدأت الخشب يندفع من مركز يده؛ لم ينفجر بعنف كما في المرة السابقة، بل تدفق بانسيابية كنمو جديد. برزت ألياف داكنة وصلبة من جلده، كأن جسده يشكلها بوعي.
في الوقت نفسه، شعر بشيء في داخله ينضب. ثقلت عضلاته. قصر نَفَسه. ضغط ألم خفيف خلف عظمة صدره، وتشتت أفكاره عند الأطراف. كانت ضريبة نمو سلاح من الجذمور هي صحته، وقدرته على التحمل، وطاقته السحرية. بعد أقل من نبضتين، تجمد النمو. وجد كيد نفسه يقبض على هراوة خشبية داكنة وثقيلة. كان رأسها منتفخاً وغليظاً، بكثافة كافية لتهشيم الصخر. استدق المقبض ليلائم كفه تماماً، مشكلاً خصيصاً لقبضته.
نبتت من أجله وحده، لكنه لم يملك وقتاً ليتأمل سلاحه الجديد. على الجانب الآخر، أنزل براهام مخالبه عن فمه. تلاشت بقايا الشظايا. ثبتت عيناه الجمرتاوان على كيد.
وبدرع متصدع في يده اليسرى وهراوة طازجة في اليمنى، شد كيد كتفيه واستعد لهجمة "المُدمر"
التالية. تحرك براهام أولاً. لم يسبق ذلك زمجرة تحذيرية، ولا إعلان درامي. في لحظة، كانت سلحفاة الرماد تقف متأهبة، وفي اللحظة التالية اندفعت كغيمة من العضلات الشاحبة والصدفة الرمادية. رغم ضخامته، قطع المسافة في لمح البصر. كان قبضتاه الضخمتان مضمومتين وهو يقترب. تحدّ حدس كيد تحت تأثير [التأمل فائق التركيز]. رأى ميل وركي براهام، والالتواء المتجمع في كتفه الأيمن، وجزءاً من الثانية حيث انتقل الثقل للأمام.
انطلقت قبضة براهام، فالتف كيد معها. بدلاً من امتصاص قوة اللكمة كاملة، خطى قطرياً ودفع بالصدفة المتصدعة للأمام، معترضاً الضربة قبل أن تستقيم ذراع براهام تماماً. انزلقت الضربة عن السطح المنحني مع صرير احتكاك بدلاً من أن تخترقه. هز الارتطام ذراعه لكنه لم يكسره. لم يضيع كيد الفرصة. مستخدماً قوة الدوران نفسها، أرجح الهراوة في قوس ضيق وعنيف نحو خاصرة براهام المكشوفة. ارتطم الرأس الخشبي الثقيل بالموضع الذي تلتقي فيه صفائح بطن السلحفاة بصدفتها الخلفية الداكنة.
شق صوت طقطقة حاد الهواء، واتسعت عينا براهام. أدى تأثير اللكمة المرتدة والضربة غير المتوقعة على الخاصرة إلى اختلال توازنه. تعثرت السلحفاة بشدة نحو يسار كيد، وحفرت مخالبها خنادق في الأرض وهي تحاول استعادة ثباتها. تقدم كيد. دار حول ضخامة براهام وأهوى بالهراوة مجدداً، هذه المرة على ظهر صدفته. جاء الارتطام بدوي عميق رنان. سرت القوة عبر الهراوة إلى ذراع كيد اليمنى، فاهتزت عظامه.
صرخ كتفه من أثر الارتداد. لكن الضربة ضاعفت فقدان براهام لتوازنه. ارتطمت سلحفاة الرماد ببطنها على الأرض، محدثة حفرة ضحلة تحتها. تموجت القوة عبر القبو، مسببة ارتعاشاً في الجذور والصخور على حد سواء. لأول مرة منذ بدء المعركة، أصدر براهام صوتاً لم يشبه الغرور أو السخرية، بل كان زفيراً خشناً من الألم. تحركت يد براهام اليسرى فوراً نحو الصدع في خاصرته حيث أصابت ضربة كيد الأولى.
تراجع كيد ثلاث خطوات، يتنفس بصعوبة. رفع درع الصدفة المتضرر لوضعية الدفاع وهو ينفض ذراعه اليمنى. كان رنين ضرب الصدفة قد سرى عبر الهراوة كأنها ضربت فولاذًا مقوى. وخز ساعده بشكل مزعج. ومع ذلك... لقد آلم براهام. سدد ضربة ألحقت ضرراً فعلياً بالسلحفاة الضخمة أمامه. ابتلع كيد ريقه وأجبر صوته على الثبات.
نادى: "يمكننا التوقف هنا. اذهب في طريقك، وسأذهب في طريقي. لا ضغينة."
رفع براهام رأسه ببطء. دفعت السلحفاة جسدها للاستقامة بحركات متئدة. كان يتنفس أثقل من ذي قبل. انتقلت عينا كيد إلى الصدع في خاصرة براهام. كان هناك كسر واضح في درعه. التوت شفتا براهام.
زمجر: "يبدو أن هذا المسخ الطافر يملك بعض القتال في داخله بعد كل شيء."
اشتعلت عيناه الجمرتاوان ببريق أقوى.
"أظن أنه عليّ أن أكون جاداً."
انقبضت معدة كيد. ألم يكن يقاتل بجدية من قبل؟ شهق براهام، فاستعد كيد لوابل آخر من اللهب الأبيض. لكن النار لم تأتِ. بدلاً من ذلك، تحرك شيء آخر. بدأ رماد أبيض، دقيق ومسحوق، يرتفع من عمود الجذر التاسع المحترق خلفهما. امتلأ الهواء بجزيئات تنجرف وتلتف بشكل غير طبيعي نحو براهام كأنها مسحوبة بتيارات خفية. التف الرماد حوله في دوامة تضيق. تراجع كيد غريزياً. تكثف الرماد، وسرع دورانه، ثم تجمّع في قمع، ليُشفط مباشرة إلى منخري السلحفاة وهو يستنشق بعمق.
راقبه في صمت مذهل. بينما اختفى الرماد داخل براهام، بدأ الصدع في خاصرته اليسرى يتوهج. تسرب ضوء أبيض إلى الشق كراتينج منصهر يملأ قالباً. استنشق براهام مجدداً. سُحب ما تبقى من رماد في القبو من الهواء إليه. وحين تلاشت آخر ذرة، خبا التوهج. صارت الخاصرة ملساء. سليمة كأن كيد لم يضربها قط. زفر براهام ببطء، والدخان يتصاعد من منخريه.
قال بهدوء: "طريق الخراب لا يدمر فحسب."
حدق كيد، فاغر الفم مما شهد للتو. لنبضة قلب، بدا القبو وكأنه يميل. لقد رأى شيئاً مشابهاً جداً من قبل. إمبراطور الرماد.
حين وصل لأول مرة إلى "إرث سينثيا"، وأُلقي في "الموات الرمادية"
كقطعة لحم مهملة، ظن أن العاصفة في الأفق ليست سوى ريح ورمل. لكنه لم يكن رملاً، كان رماداً. وفي قلب تلك العاصفة كان الإمبراطور. لا يزال كيد يستحضر المشهد: الدودة العملاقة تتلوى تحت سماء من الجزيئات البيضاء، ولهب الإمبراطور الأبيض الناصع يحرقها في لحظة؛ يحيل اللحم والدرع والجلد إلى مسحوق ناعم. ثم تحرك الرماد. تدفق للداخل. مسحوباً نحو عين العاصفة. لم يستطع الرؤية بوضوح عبر عاصفة البياض، لكنه الآن فهم.
لم يدمر الإمبراطور فحسب. بل استهلك الرماد، مستخدماً إياه لتغذية جسده. تماماً كما فعل براهام. لقد اختفى الصدع الذي قاتل كيد بضراوة ليحدثه، كأن لم يكن له وجود. حرك براهام كتفيه ببطء، ثم اندفع مجدداً. ثبّت كيد قدميه ورفع الصدفة المتصدعة. جاءت قبضة براهام أسرع من ذي قبل. مقايضاً القوة الغاشمة بضربة أسرع وأكثر دقة. حتى مع تفعيل [التأمل فائق التركيز]، بالكاد تتبعها كيد في الوقت المناسب.
ارتطمت اللكمة بالصدفة وشق صوت طقطقة عالٍ الهواء. دُفع الدرع للخلف واصطدم بصدر كيد، طارداً الهواء من رئتيه، لكنه لم يطر في الهواء هذه المرة. ثبت في مكانه. تلتها لكمة أخرى. وأخرى. وأخرى. مع كل ضربة، امتدت الشقوق كخيوط العنكبوت عبر الصدفة. تكسر السطح اللؤلؤي الباهت بوضوح، وتسارعت الخطوط عبره كالبرق. ارتجفت ذراعا كيد تحت وابل الضربات. شعر بمدى تحكم براهام في ضرباته الآن.
لم تكن ضربات المطرقة الساحقة كما في السابق، بل ضربات جراحية مصممة لكسر الدرع دون استنزاف مفرط.
سخر براهام بين الضربات: "إن اختبأت خلف صدفة مسروقة، سأكسرها ببساطة وأستخرج لحمك الطري من تحتها."
انحنى كيد متفادياً اللكمة التالية، ومائلاً بالصدفة للأعلى لتنزلق الضربة عن السطح المتصدع بدلاً من التحطم المباشر. أدى هذا الانحراف إلى دفع ثقل براهام للأمام بالقدر الكافي ليقوم كيد بحركته. أنزل الدرع قليلاً وأرجح الهراوة في قوس ضيق وعنيف نحو ساق براهام المكشوفة. اتصل الرأس الخشبي مباشرة بمفصل ركبة السلحفاة. سُمع صوت طقطقة مقزز بينما انثنت ساق براهام. اندفع الجسد الضخم للأمام تحت ثقله وزخمه.
وبينما سقط، اندفع براهام نحو كيد، مخالبه تتخبط بحثاً عن الدرع. تفاعل كيد بالغريزة وترك الدرع. بدلاً من المخاطرة بالانجرار إلى عراك مع شيء بضعف حجمه وثلاثة أضعاف قوته، سحب يده من النتوء العظمي وتخلى عن الصدفة تماماً. ارتطم براهام فوقها. انفجرت الصدفة المتصدعة بالفعل إلى شظايا لؤلؤية باهتة تحت ثقل السلحفاة. ترنح كيد للخلف، وقد خلت يده اليسرى الآن. اختفى درعه. تحطم بما لا يمكن إصلاحه.
الشيء الوحيد الذي كان يملكه منذ دخوله هذا القبو الملوث تحطم تحت ثقل السلحفاة الساقطة. لكن كيد لم يملك وقتاً ليرثي ضياع درعه. كان عليه استغلال السلحفاة المنبطحة الآن. استدار بقوة نحو اليمين، محيطاً بالسلحفاة.
إن لم يستطع "المُدمر"
الوقوف، فلن يستطيع الاندفاع. وإن لم يستطيع الاندفاع، فلن يستطيع استخدام تلك القوة الوحشية، ومن ثم سيتمكن كيد من الهرب.
فكر: "عطّل الساقين. أنهِ قدرته على الحركة وسأخرج حياً."
قبض على الهراوة بكلتا يديه وأرجحها في قوس عنيف، مستهدفاً فخذ براهام المكشوف. اتصل الرأس الخشبي بضربة قوية، لكن الصوت لم يكن صحيحاً. سرت الرجة عبر ذراعي كيد وأدرك أن الطقطقة لم تكن من كسر العظم. انشق صدع طويل بطول الهراوة الخشبية الداكنة. كان سلاحه ينهار، لكن ذلك لم يوقف هجوم كيد. قابضاً على الهراوة المتداعية بكلتا يديه، رفعها كيد فوق رأسه وأهوى بها مجدداً بكل ما أوتي من قوة، مستهدفاً الساق نفسها.
هذه المرة كان الارتطام مختلفاً. تحطمت الهراوة. انفجرت الشظايا للخارج في رذاذ من الخشب الداكن بينما تفتت السلاح ضد طرف براهام. تناثرت القطع عبر الأرض المحروقة. زمجر براهام بألم حقيقي. ثم، لمفاجأة كيد، انكمشت السلحفاة الضخمة داخل صدفتها. تراجعت أطراف براهام بسرعة مذهلة. طوى رأسه للداخل. اختفى العنق السميك خلف الصفائح المتداخلة بينما أغلق براهام على نفسه داخل صدفته. تنهد كيد بعمق بينما غمر الأدرينالين عروقه.
ومع ذلك، في هذه اللحظة الخاطفة، وجد نفسه يبتسم. أدهشه التعبير. كان متفوقاً عليه. يواجه شيئاً يمكنه مداواة نفسه باستنشاق الرماد وحرقه إلى رماد بلهب أبيض. ومع ذلك، كان يبتسم. لأن هذا كان مبهجاً. الكر والفر. القرارات في أجزاء من الثانية. لغز قراءة حركات براهام وإيجاد الفتحة الوحيدة في جدار من القوة الساحقة. لم يكن هذا ككونه طريدة. كان هذا تحدياً. تحدياً عنيفاً ومميتاً، لكنه تحدٍ على أية حال.
جزء منه صرخ فيه ليهرب. الآن فرصته. براهام منطوٍ حرفياً داخل صدفته، وغير قادر على الحركة مؤقتاً.
يمكن لكيد أن يركض نحو الضباب ويختفي قبل أن يحظى "المُدمر"
بفرصة لإعادة ضبط القتال.
لكن جزءاً آخر منه -ذلك الذي اندفع للأمام في "البوتقة"، الذي ابتسم حين ظهر أول صدع في خاصرة براهام- لم يرد الهرب.
إن أراد براهام جوهر كيد...
إن أراد براهام تحويل كيد و"بيرل"
إلى وقود لطريقه... لماذا لا يعامله كيد بالطريقة نفسها؟ استنشق كيد بعمق وتواصل مع أعماقه. شعر بالجذمور مجدداً؛ محاليق صغيرة تتلوى تحت جلده، ملتفة عبر مساراته غير المرئية. وجهها للأسفل، مقوداً السحب المتجمع نحو كفه اليمنى. بدأ الاستنزاف المألوف مجدداً لكنه دفع به بعيداً بينما اندلع الخشب من كفه مرة أخرى. تدفق خشب القلب الداكن للخارج، متكثفاً ومتشكلاً في أقل من نبضتين.
تجمد في هراوة أخرى؛ أكثر كثافة هذه المرة، وأثقل، والرأس المنتفخ أكبر قليلاً، والمقبض مشكل بدقة ليلائم يده. خفت بصره قليلاً عند الأطراف بسبب الضريبة لكن كان يستحق الحصول على سلاح مجدداً. تقدم كيد. لوحت صدفة السلحفاة أمامه. كان شكلها المدرع منيعاً تقريباً إلا عند المفاصل. رفع الهراوة عالياً. ثم أهوى بها قطرياً بقوة وحشية نحو الموضع حيث تلتقي الصفائح الأمامية والخلفية.