بتلعه الضباب برمته. غطى رأسه وتلاشى العالم في سحابة بيضاء مجردة من الملامح. كثيفة بما يكفي لتغييب الأفق والسماء والأرض، لكنه كان ما يزال قادراً على رؤية يده أمام وجهه إن اقترب بما يكفي. التفتت أصابعه بقوة أكبر حول مقيض الصدفة، جارة إياه خلفه وهو يشق طريقه قدماً. الإحساس بالنخز الذي بدأ عند ساقيه امتد الآن إلى جسده كله. تحولت الوخزات إلى حرق بطيء. بدأ الوحل الأسود يتساقط طبقات — متقشراً كجلد أفعى تبدل قشرتها.
وكل بقعة تتساقط كانت تكشف تحته عن جلد جديد ومسلخ. تفاعل الضباب معه كحمض ومرهم في آن، لاذع وملطف في موجات متناوب. تعثر كيد، وكات يوشك على السوق، لكنه تدارك نفسه. ضغط بكف مرتعشة على صدره وأجبر ساقيه على مواصلة الحركة. كان الرعد يعلو ويعمق فوقه. ومع ذلك، وسط الضغط والألم، صفت أفكاره في مكان ما بالداخل. لم يعد الضباب في رأسه بنفس كثافة الضباب المحيط به. ترويض الجسد. تذكر العبارة الآن.
كانت من قصص الزراعة، الحكايات الأسطورية لمحاربين يقسون أجسادهم لمواجهة القوى العنصرية، لتوجيه الطاقة، للنجاة مما لا ينجو منه الآخرون. تذكر أنه قرأ عنها قبل أسبوع واحد فقط. أمن المعقول حقاً أن يكون أسبوعاً واحداً قد مر منذ مجيء النظام وتغييره للعلام؟ تذكر أن كيان النظام قال شيئاً عن أن تكوين النواة اليدوي يتطلب تحسين جسدي استثنائي. أكان هذا ما يعنيه؟ أكانت هذه هي الطريقة التي يمكن للناس — أو الوحوش — من خلالها بلوغ القوة بلا نواة نظام مكونة تلقائياً؟
استعاد إشعار النظام الأخير إلى ذهنه. لقد احتملت المعمودية الرمادية. أتمم الطقس لمواصلة ترويض الجسد. قطب جبينه. لابد أن عاصفة الرماد كانت جزءاً من الطقس الأولي، وقد انطلقت عندما أطلق الإمبراطور الرمادي غضبه على الدودة الهائلة. تذكر كيد اللحظة التي نظر فيها الإمبراطور نحوه، بخفة بالغة، قبيل انسكاب الرماد. أظنه واحداً من أتباعه؟ أكان يقصد تعميده كأنه من عشيرته؟ كان هذا سيَعني أن وحوشاً مثل أكوليون خُلقت لاحتمال أمور كهذه.
محاكمة من الألم والنمو. ربما مرت كل الوحوش الملقبة بشيء مشابه في مرحلة ما. لكن إن كان الرماد هو الجزء الأول فقط، فما هو الجزء الثاني؟ ماذا كان يفترض به أن يفعل لإتمان الطقس؟ رمق السماء بنظرة — أو حاول. لم يكن فوقه سوى ضباب أبيض وضغط أصم جعل أذنيه تشعران وكأنهما على وشك الانفجار. لم يكن يرى النجوم أو القمر، لكنه ظل يسمع الرعد يقترب أكثر. قالت رسالة النظام إن عليه إتمام الطقس.
لم تكن لديه أدنى فكرة عما يعنيه ذلك أو عما يستلزمه، لكنه عرف أنه لا عودة للوراء لإتمام ما بدأه بطريقع غير مقصودة. لم يكن خلفه سوى أرض بور لا نهاية لها، ولو استدار الآن لمات حتماً. كل ما استطاع كيد فعله هو المضي قدماً، وسيتعين على ما تبقى من ترويض الجسد الانتظار. ومع استمراره في السير، واصل عطشه نهش حلقه. عذبه الضباب بقطرات متناهية الصغر من الرطوبة المتعلقة بجلده، وهي تنزلق على طول فكه، لكنها لم تكن كافية للشرب أبداً.
وحينها بدأت همسات قطرات المطر تتساقط. سقطت في دفعات متفرقة في البداية، كخيوط زجاجية دقيقة تضرب ذراعيه وكتفيه. تنفس باهتزاز وترك الصدفة ترتطم بالأرض بجانبه. مطر. مطر حقيقي. رفع رأسه بينما كانت ذراعاه ترتخيآن مع استقرار الرذاذ. لم تكن عخة صيف دافئة ولطيفة تذكرها من طفولته. كان هذا بارداً. النوع من المطر الذي يلتصق بالجلد ويتغلغل في العظام. كانت كل قطرة صغيرة لكنها لزمت الجسد بإحكام مكونة طبقة رطبة نحيلة.
فتح فمه ليشرب فكاد يتقيأ عندما شع بحرقة فورية. بدا ماء المطر كإبر مغطاة بالخل والنار. اختنق، وسعل، وترنح إلى الخلف وكاد يقع فوق الصدفة من خلفه. تراجع لسانه عن المذوق — لازع وكيميائي، كأن الرماد وجد طريقه إلى السماء. لكنه لم يستطيع التوقف. حثه عطشه على فتح فمه مجدداً والسماح للمزيد بالدخول. صرخ حلقه، لكن يأسه تجاوز الألم. أخبر كيد نفسه بأن المطر لم يكن المشكلة. كان حلقه مجروحاً، وممزقاً بفعل الرماد والجوع.
لابد أن الأمر هكذا. أليس كذلك؟ أليس كذلك؟ بصق اللقيمة الأولى، غاسلاً القاذورات عن لثته ولسانه. جمع كفيه، والتقط المزيد من ماء المطر، وشرب بشراهة. ألم الأمر لكنه ساعد في الوقت ذاته. سري الماء البارد في داخله، ولبرهة — لبرهة فقط — شع بأنه حي من جديد. حتى ضربته القشعريرة. هزت قشعريرة عنيفة لا يمكن السيطرة عليها هيكله. كان نحيلاً للغاية ومجرداً من الدفء لدرجة أن حتى قطرات الماء البارد القليلة التي استطاع ابتلاعها خفضت حرارة جسده.
لم يكن جسده مصمماً لهذا — ليس الآن مع افتقاره للعضلات والدهون. نبضت الغيوم في الأعلى بضوء غريب الألوان تلاعب في الضباب. شق البرق السماء بالبنفسجي والذهب واليشم والقرمزي. حدق كيد إلى الأعلى، مذهولاً، حتى داهمه وضوح مفاجئ. لقد كان الشيء الوحيد الواقف لأميال. لم تكن هناك أشجار أو تلال أو كثبان حوله، أو لا شيء منها على الأقل مما استطاع رؤيته قبل أن يبتلع الضباب المشهد.
الوقوف هنا يعني أنه كان أحدث شيء حوله، عصا جذب للبرق النامي بسرعة في الأعلى. اخترق الذعر البرد. رمى كيد نفسه على الأرض، منطرحاً بشكل مسطح فوق السطح الموحل، ماداً يديه أمامه. استدار وراح يحبو، مخالباً طريقه نحو الصدفة، جارا هيكله المرتجف عبر الأرض المبللة بالمطر. بدت الصدفة ملوحة أمامه مباشرة. أمطر المطر البارد ظهره في موجات — لم يعد دقيق الإبر بل صفائح واسعة ووحشية من الماء لطمت جلده.
لم يكن المطر يتساقط الآن — بل كان يقرع، مهيلاً في صفائح سميكة لدرجة بدا معها وكأن السماء تنشق وأن محيطاً يتساقط منها. كانت القطرات ضخمة الآن، بعرض قبضته، وراحت تقرع جلده المكشوف والمجروح بقوة غير معقولة. بلغ الصدفة ودس نفسه تحتها. انطوى بإحكام تحتها، ضاماً أطرافه إليه. تحولت الريح، ملتقطة الحافة المنحنية كشراع.
تمتم وأسنانك تصطك من البرد: "تباً — لن تفعل".
قبض على المقبض الداخلي بأصابع خدرة بأقصى ما تستطيع، مسحباً حافة الصدفة نحو الوحل في الأسفل لتثبيتها. عوت الريح، جارة ستائر من المطر جانبياً. صار الأرض تحته طرية — تحول حجر أبيض متراص إلى وحل. وحل سميك ولاصق امتص ركبتيه ومرفقيه، واملأ قاعدة الصدفة، وأصدر صريراً تحت أطرافه المرتجفة. بالكاد استطاع سماع أي شيء الآن فوق هدير الريح والماء والرعد. ثم — وميض. تحول العالم كله إلى بياض.
دوي. انفجار كهفي مفرد مزق الهواء. هبط البرق ومزق الصدفة كمطرقة سماوية. تلقى كيد، الذي كان ما يزال قابضاً على المقبض، كامل شدة التيار. انتفض العالم. تقوس ظهره لا إرادياً. تيبست عضلاته، ثم استرخت دفعة واحدة. انفجر الضوء خلف عينيه. ابيضت رؤيته تماماً. ثم جاء الوهج اللاحق — وخز لاذع لم يحرق بقدر ما تفتح. طاقة. سرى الكهرباء عبر كل مسام، مضيئة المسارات الضعوفة والجوفاء التي حفرها الرماد في جسده — قنوات لم يعلم بوجودها قط.
ملأها التيار. غمرها. شحنها كشرايين من البرق الخام. قفزت شرارات عن جلده. انطلقت أقواس بيضاء باهتة بين الصدفة والهواء. أطّ جسده، وشَمّ رائحة جلده — لا يحترق، بالتحديد، بل يكاد. ورغم أن قلبه كان يخفق ورؤيته كانت ترفض الاستقرار، إلا أنه شعر بتحسن غريب مقارنة بما قبل.
قال وسط لهاث وكل عضلة تختلج: "ما هذا... بحق... الجحيم..."
لحق دماغه أخيرواً، وتصاعدت فكرة، جامحة ومتهورة. أكان ذلك مفترضاً؟ أكان البرق جزءاً من الأمر؟ المرحلة التالية من ترويض الجسد؟ لم تؤكد أي رسالة نظام نظريته. لم يظهر أي إشعار. لكن كيد عرف بطريقة ما — عرف. في أعماقه، همس شيء فيه: هذا هو المسار الذي يجب أن أسلكه. إتمام الطقس. هذا ما قالته الرسالة. لابد أن هذا هو. كان جسده يطن الآن، كأن الكهرباء الساكنة اتخذت من داخله موطناً.
ليس ألماً فحسب — بل قوة. صفت أفكاره. الضباب الذي ظل يسحب عقله لساعات تبدد فجأة، مسوًى بنظافة بواسطة دفقة التيار. أفرغه الرماد، وحفر مسارات جديدة في اللحم والعظام. والآن ملأها البرق. حدق إلى يديه. كانتا ترتجفان، لكن ليس ضعفاُ أو من البرد. كانتا ترتجفان ترقباً لما هو آت. أحكم كيد طحن أسنانه ودفع نفسه للأمام، خارجاً من تحت الصدفة. ضربه المطر فوراً. صار سميكاً لدرجة بدا معها كالغرق على اليابسة.
صرخ جلده من البرد لكن شيئاً أعمق فيه رحب بالعقاب. حبى عبر الوحل المبلل بالمطر ثم — مستخدماً كل ذرة طاقة بقيت فيه — تسلق فوق قمة الصدفة. مزقته الريح، سياطة شعره المبلل عبر وجهه، لكنه ظل ثابتاً. نهض على ركبتيه. ثم، بنفس بدا وكأنه الأخير، وقف. عارياً. مرتجفاً. حياً. رمى ذراعيه على مصراعيه. انفرجت أصابعه نحو السماوات.
أمر: "اصرخ بي مجدداً".
وكأنها إجابة، شقت السماء. مزق صاعقة متعرجة من البرق الأحمر القرمزي غطاء السحاب واصطدمت به بقوة ملك ساقط. ضربته في المركز تماماً، من الصدر أولاً، وأقسم أنه شع بالارتطام يتردد في عظامه. تتدفق فيه. تتدفق عبره. إلى الصدفة وتخرج عبر الأرض في الأسفل. صرخ كيد — ليس ألماً، بل إفرازاً لشيء أعمق. زئير نشوة بدائي حول صوته أجشاً. استطاع شعور الطاقة بداخله، مشكلة جسده من جديد، وأراد المزيد.
تلاشى البرق الأحمر، لكن كيد لم يملك حتى وقت لالتقاط أنفاسه قبل أن يأتي التالي. شق شريط من البرق البرتقالي المنصهر السميك طريقاً نحو الأسفل، مقسماً الغيوم كجرح في السماء. تموج التيار البرتقالي عبره، مضيئاً كل قناة حفرها الرماد في لحمه. توهجت تحت جلده كأنها أنهار منصهرة. تيبست ذراعاه، وتقوس ظهره، لكنه حافظ على وقوفه — بالكاد — وركعتاه ترتجفان فوق الصدفة الملساء. ثم جاء البرق الأصفر، حاداً ودقيقاً وجراحياً.
انطلق مسرعاً أسفل عموده الفقري، متفرعاً إلى أطرافه، ومكهرباً نهايات عصبية لم يدر أنها لا تزال تعمل. صرخ كيد مجدداً — هذه المرة، نصف ألم، ونصف ذهول محض من قدرة جسده أساساً على احتمال الصعق بالبرق لمرة واحدة، فما بالك بعدة مرات تلو بعضها. ترنح، لكنه لم يقع. تردد صدى فرقعات كل ضربة في العاصفة، مابتلعة فورياً بهدير الرعد. كانت كل صاعقة مختلفة — بطعمها الخاص، وعاطفتها الخاصة، وعنفها الخاص، باحثة وضاربة في أجزاء مختلفة من تشريحه.
وفي كل مرة ضربته، تصاعد ذات الإعصار في داخله: المزيد. لم يتوقع ذلك. بعد الرماد، بعد رعب التآكل والحفر من الداخل، لم يستطيع تخيل الرغبة في أي شيء حاد أبداً مرة أخرى. لكن هذا — هذا السيل من الطاقة الخام — بدا وكأنه يتمم شيئاً بدأه الرماد. وكأن جسده، المجرد إلى أبسط هياكله، كان ينتظر شيئاً ليملاه. هبط البرق الأخضر تالياً. ضربته صاعقة سميكة ويانعة وانتشرت نحو الخارج بدل الاختراق بشكل مستقيم.
التقط كيد أنفاسه عندما تشربها لحمه، غائصة بعمق، ثقيلة ومغذية بطريقة لم تكن عليها الأخريات. التفت حول أعضائه، مخترقة العضلات والعظام، وتسربت إلى الأماكن المتشققة التي خلفها الرماد. خف الألم، لم يختل بل استقر، متحولاً إلى ضغط عميق بدا كجذور تجبر طريقها عبر الحجر. استقر نبض قلبه. سحبت رئتاه الهواء بسهولة أكبر. ولأول مرة منذ بدأت العاصفة، لم يشعر جسده وكأنه على وشك تمزيق نفسه — بل شع مرتكساً، ومعززاً، وكأن شيئاً أساسياً قد ثُبّت ليتمكن من احتمال ما يأتي.
رمى يديه للأعلى مجدداً، وكفاه مفتوحتان على مصراعيهما. اضربني! استجابت السماء. لم يومض البرق التالي للأسفل — بل انصب. تتدفق عمود واسع من الأزرق الكوبالتي العميقة من رأس الرعد، مغلفاً إياه والقمة بأكملها تحت قدميه. ابتلع جسده برمته، محولاً إياه إلى ظل مقطوع من النار الزرقاء. كان هذا مختلفاً. استمر لفترة أطول حيث حفرت الكهرباء طريقها في الداخل. أحكم كيد إطباق فكيه بما يكفي لتؤلمه أسنانه — لكنه لم ينكسر.
لم يكن البرق الكوبالتي يوجه بداخله فحسب؛ بل كان ينفجر نحو الخارج منه. التوت خيوط دقيقة من الكهرباء الزرقاء من كل مسام، منطلقة للخارج في انفجارات كسورية براقة. بخرت كل واحدة منها آخر كتل الوحل الأسود المستعصية التي لا تزال تلتصق بجلده. وجهه، رقبته، صدره — كلها نظيفة. جديدة ومسلخة. ارتعش شيء في داخله، ورفرف إشعار نظام على حافة رؤيته. تجاهله. إن نظر الآن، ولو لنبضة قلب، فسيكسر تدفق أي شيء يحدث.
عرف ذلك بطريقة ما. لم يدر كيف عرف — لكنه شع به عميقاً في عظامه المطنينة. لذا ترك التيار الأزرق يمزقه، وتركه يتأجج على طول القنوات التي حفرها الرماد، وتركه يملأه حتى ابيضت رؤيته وتطايرت الشرارات من جلده كأنه صار جزءاً من العاصفة. ببطء تلاشى الكوبالتي. وقف كيد هناك مرتجفاً، متأرجحاً على ساقين مرتجفتين، وتنفسه ممزق وساخن في المطر البارد. ولأول مرة منذ أيام، ضحك. ضحك حقاً — ضحكة بدائية جامحة أتت من صميم كيانه.
شع بحالة جيدة. رغم كل شيء. رغم الجوع والبرد والتكشف. رغم الألم الذي لا يزال عالقاً في مفاصله. رغم الضعف الذي لا يزال متمسكاً بأطرافه. شيئاً في داخله كان راضياً. شع بأنه مُمتد إلى حد جديد ومطنٍ بالطاقة. خفض يديه وترك نفسه يقع في وضعية الجلوس فوق الصدفة، متقاطع الساقين كراهب مجنون ينتظر الاستنارة عبر كارثة طبيعية. استمر المطر في الهطول، لكن كيد بالكاد شع به بينما كان جسده يطن بالوهج اللاحق.
كان هذا هو. هذا ما احتاج إليه جسده ولم يحتاج إلى المزيد، لم يرد المزيد. استطاع شعور حقيقة ذلك بنفس اليقين الذي شعر به المطر. اكتمل ترويض الجسد. أغمق عينيه، مستعداً للانزلاق عن الصدفة والحبو تحتها مجدداً قبل أن تقرر العاصفة رمي أي شيء آخر في — زمجرت السماء. صوت جديد — ليس الرعد المتدحرج من قبل. شيء أعمق. أثقل. تغير ضغط الهواء من حوله، مسحوباً للأعلى كأن السماء نفسها كانت تستنشق.
فتح كيد عينيه. في الأعلى، تقلب الغيوم بغرض عنيف ومفاجئ. التفتت عقدة من رياح العاصفة معاً، متضيقة ومشرقة. كل صاعقة برق رآها قبل قليل كانت ملونة، ومتنوعة، لكن هذه كانت مختلفة. نبضت السحابة. انتشر عرق هائل من الضوء البنفسجي العميق عبر بطنها السفلي، كأن السماء تنشق. لم يملك حتى وقتاً لفكرة أخرى عندما سقط البرق الأرجواني. لم يكن صاعقة مفردة بل عموداً من نار الجمشت أعرض بثلاث مرات من الصدفة، مصطدماً بقوة نيزك.
ابتلع كيد برمته قبل أن يتمكن حتى من أخذ نفس. هذه المرة، لم تتسق الطاقة معه وتتناغم مع جسده. قاتلت هذه الطاقة لاختراق كل خلية في آن واحد. أضاءت قنواته الممتلئة حديثاً واصطدمت بها البرقة البنفسجية كمطرقة ثقيلة. حاولت خلاياه، المنتفخة بالطاقة من الضربات السابقة، المقاومة. لرفض الطاقة الجديدة التي تجبر طريقها إلى الداخل. فشلت بينما طالب البرق الأرجواني بمساحة. مزق الألم داخله — نقي، كامل، وساحق.
ليس الاختراغ القاطع للرماد، وليس الدفع المنشط للبرق السابق. كان هذا محواً. كان هذا أكثر مما يمكنه احتماله. صرخ كيد، وبقي فمه مفتوحاً بلا صوت يخرج. تقوس ظهره بقوة جعلته يظن أن عموده الفقري سينكسر. انحنت أصابعه كمخالب. أعميت رؤيته بسبب الضوء الشديد من حوله. شع وكأن معدناً منصهراً يُدفع عبر كل عضو وكل ليف عضلي وكل عظمة. تمزقت قنواته الجديدة عندما مزقه البرق. تخلف قلبه عن نبضة — نبضتين — ثم اصطدم بقوة تكفي لكدم أضلاعه.
رفرف وعيه كشمعة في إعصار. لم يستطع احتمال هذا وكان يعلم. لقد دفع الأمور بعيداً جداً. أراد أكثر مما ينبغي. كانت هذه النهاية. ثم توقف البرق الأرجواني. تماماً مثلما أتى بسرعة انقطع الشعاع، مخلفاً صمتاً. ازز المطر وتبخر من حوله. انهار كيد للأمام، وجسده مرتخٍ، وبالكاد واعٍ. تصاعد الدخان من جلده. رفع يداً مرتجفة وحدق. كان لحمه متفحماً ومحروقاً، وبالكاد متماسكاً. لم يمتلك القوة للتسلق للأسفل.
عوضاً عن ذلك، مال — ووقع عن الصدفة تماماً، هابطاً في الوحل بصوت لطمة ثقيلة ورطبة أرسلت صدمة عبر ما تبقى من أعصابه. تأوه وحبى جارا هيكله العظمي العاري مجدداً تحت الصدفة، تحت المأوى الوحيد الذي يمتلكه هنا. دار العالم. جاء تنفسه ضيقاً. كل بوصة فيه صرخت. كان متأكداً من أن العاصفة ستضربه مجدداً، لتجهز عليه، لكن شيئاً لم يأت. جلس هناك واستمع إلى المطر يقرع الصدفة في الأعلى قبل أن يسحب أخيراً إشعار النظام الذي تجاهله من قبل.
رنين! قاطعت طقوس البرق ترويض الجسد للمعمودية الرمادية. تم رصد ترويض جسد فريد. جار التقييم...