بدا النوم الهادئ كفيلاً بتغيير النظرة إلى الأمور حقاً. ظلت آلام الأشخاص الذين عجز عن إنقاذهم باقية بطبيعة الحال. لكنّ الأمور اختلفت دون سحابة الإرهاق التي كانت تحوم فوقه. تذكيرٌ واضحٌ بأنه ليس آلةً تستطيع الاستمرار دون توقف. لقبٌ شبه أسطوريّ أو لا.
قال: "يا رايان، مرّت ثلاث ساعات فقط. عليك النوم قليلاً بعد".
"هذه ساعةٌ إضافيّةٌ عمّا أحتاجه في مستواي، لا بأس".
عاشوا جميعاً حول الطاولة بعد غفوته. بدت كلارا منزعجةً بعض الشيء بسبب قلّة نومه. وظلّ باري هو باري، وميلوك... كان لصديقه هالاتٌ سوداء تحت عينيه أيضاً. ولعلّ رايان أقلقه أكثر قليلاً مما ينبغي. ابتسم.
"إذن... هل ذكرت أنني حصلت على لقب شبه أسطوريّ؟"
أثار ذلك اهتمام الجميع حول الطاولة. وحقيقة أنّه أغفل ذلك كانت التذكير الأكبر بأنه أخفق في تقرير ما بعد المهمّة السابق. كان باري الأكثر نفاداً للصبر بين الثلاثة.
فقال: "انطق به".
"إنه [ذروة الرابع المطلقة]. يمنح تعزيزاً هائلاً لكل جانب حرفياً، جسدياً وميتافيزيقيّاً. مهاراتٍ وبدون مهارات".
بدت نبرة ميلوك أقلّ حماسةً ممّا توقع رايان.
فسأل: "بأيّ مقدار؟ أعطنا بعض المقارنات".
"وحتى بدون ذراعي اليمنى، فأنا أشبه باندماج [محارب] و[صعلوك] في ذروة المستوى الخامس. بل ربّما أكون بقوة المستوى السادس العاديّ. وإن أدخلتُ ذراعي في المعادلة مع ظروفٍ متوسطةٍ أيضاً، فأنا أقاتل على الأرجح في المستوى الثامن".
بدت كلارا مرتبكةً بعض الشيء حيال ذلك.
فقالت: "ألم تدمر تعويذة طاغية الساحرة؟ يقول الجميع إنّ هذا إنجازٌ بمستوى قاتل التنانين".
أوضح رايان: "الفرق يكمن بين القدرة القصوى والقدرة المتوسطة. حدث ذلك في ظلّ ظروفٍ شبه مثاليةٍ وكانت الضربة بطيئةً حقاً. لا أتووقع هزيمة [صعلوك] حقيقيٍّ في المستوى الثامن لا يريد أن يدعني أستعدّ أيضاً".
تذمر باري.
وشرح للأوركيّة كلارا: "تلك القفزة من المستوى الرابع إلى الخامس ليست رتبةً صغيرةً أيضاً. عندها ينتقل المرء من كونه بشريّاً مُعزَّزاً إلى شخصٍ يكتظّ إيقافُه بالاستحالة بالطرق التقليدية"، ثم التفت إلى رايان.
"آمل ألا تبالغ في تقدير نفسك. المستوى الخامس هو حيث تواجه مهاراتٍ غير متوقعةٍ أكثر فأكثر. ناهيك عن الفرق — فرق المغامرين ذوي المهارات المتكاملة أكثر".
أدّى رايان التحية العسكرية للأوركيّ.
فقال: "سيدي، نعم يا سيدي".
تأفف باري لكنه لم يردّ على الاستفزاز. مضى رايان قُدُماً.
"أهوه، نسيت أن أذكر. لقد حصلت على مهمّة ترقيةٍ أسطوريّةٍ لهذا اللقب أيضاً".
حاول باري إخفاء مفاجأته سريعاً لكن الأوان كان قد فات. فقد رصد رايان المفاجأة وكان يبتسم له بالفعل. شبك الأوركيّ ذراعيه مكتفياً، متظاهراً بأنه غير مهتمّ. أشارت كلارا ببصرها مرتبكةً.
"أليس هذا جنوناً؟ أليست الأساطير هي ما يفصل الطغاة عن أيّ شخصٍ آخر؟"
قال ميلوك: "إنه لأكثر من جنون. لا أعتقد أن أحداً يمتلك لقباً أسطوريّاً سوى الزعيم والطغاة السلبيين. قد تكون تلك أندر حتى من المهارات الأسطوريّة".
أبدى رايان تعبير وجهٍ ساخراً.
"إن لم تكن طاغية الساحرة تمتلك لقباً أسطوريّاً فسآكل قبعتها اللعينة".
نظر إليه كلارا بغرابة.
"أظنّ أن هذا هو التعبير الخاطئ يا رايان".
"لقد قلتُ ما قلتُ".
فقد باري، [البربريّ] السابق، صبره.
فقال: "أخرج بها. ما هي المهمّة؟"
فكّر رايان في مواصلة المزاح لكنه عجز حتّى هو عن كتم مشاركة مهمّته الأسطوريّة. مهمّة ترقية اللقب الأسطوريّ إنجازات المهمّة: أنجز ثلاثة مآثر مستحيلةً. ولكي يُعَدّ المستحيل مستحيلاً، يجب استيفاء ثلاثة شروط كحدّ أدنى: أن يرى الشخص العاديّ المأثرة مستحيلةً بالنسبة لك. ألا يعتقد كائنٌ أعلى بكثير في القوة والذكاء أنك قادرٌ على النجاح. أن يرى نظام المحاكمات إنجاز المأثرة مستبعداً بشكل لا يصدق.
المآثر المنجزة 1/3 المأثرة الأولى: شاركت بشكل مباشر في تلقي طاغية الساحرة لكمةً على وجهها. الشروط المُستوفاة: ؟؟؟
سألت كلارا: "مهلاً، ماذا تقصد بعلامات الاستفهام؟"
"لست متأكداً، يحدث ذلك أحياناً في المهامّ حيث لا تتوفر معلوماتٌ كافيةٌ لديك. كل ما أعرفه هو أن تلقي طاغية الساحرة لكمةً على وجهها عُدَّ مأثرةً أسطوريّةً".
رفع ميلوك حاجبيه، متبيّناً بعض الارتباك لوجود مأثرةٍ واحدةٍ فقط هناك.
"أليس قتال تانين لحمٍ والنهوض بآلاف الجنّ البدائيين كذلك؟"
بدت كلارا أكثر ارتباكاً.
"أنت لم تكمن لتلكم طاغية الساحرة حتى، ألم تكن بينكي؟"
هزّ رايان كتفيه.
"بلى، ولكن إن كان عليّ التخمين، فأعتقد أن المأثرة بحد ذاتها مجنونةٌ إلى هذا الحد. فكّر في الأمر، قد تكون تلك المرة الوحيدة حقاً التي تلقّت فيها الساحرة ضربةً في وجهها بالفعل. أراهن أنها كانت تتوهم لنفسها طوال هذا الوقت ولا تتلقى أيّ ضرباتٍ من أحدٍ قط".
فكر رايان في الأمر لثانية.
"في الواقع، أيمكنني رؤية الفيديو؟ أتسااءل كيف بدا لبقية العالم".
غادر ميلوك فقاعة الصمت ليجلب حاسوبه المحمول. وكان صديقه قد حمّل الفيديو قبل أن يحضره. وعرض كلّ شيءٍ بتفاصيل دقيقةٍ. أكثر بكثير مما رأى. فكل ما رآه حينذاك كان ضباباً وبينكي تقف فوق طاغية الساحرة الساقطة. …عرض الفيديو لقطةً بطيئة الحركة لبرقٍ ورديٍّ يطير نحو السماء، ثم يتوقف مؤقتاً عند التنينة بينكي وهي تحلق فوق الطاغية. وتشوه وجه طاغية الساحرة بالفعل في الحركة البطيئة عندما اصطدمت قبضة التنين العملاقة بوجهها.
"يا للروعة".
أظهرت المقاطع القليلة التي نُشِرت لقتالها ضدّ ثلاثين قاتل تنانين طاغية الساحرة كبطلةٍ مناضلةٍ ضدّ عصابةٍ من القتلة بلا رحمة. كان هذا الفيديو يسخر منها مباشرةً. وما زال محتفظاً به على الإنترنت، منشورا من قِبل حسابٍ معينٍ يسمى Gamgam546. ضحك رايان في البداية، ثم توقف عن الضحك عندما تذكر أنها تستطيع نشر الكثير من لحظاته المحرجة على الإنترنت. عليّ أن أكون ألطف مع غاميل.
لم يتوقف الفيديو عند هذا الحد. بل عرض كلّ شيءٍ، بدءاً من تجمع حدقات عينيها الكثيرة، وصولاً إلى ما بدى وكأنه قصفٌ ناريٌّ مروّعٌ من الضوء وهي تطارد بينكي بعيداً عن مدينة التحدّي. وفي النهاية عادت طاغية الساحرة ومعها جناح تنينٍ متقزح الألوان ضخمٌ في يدها. ثم طالبت باستمرار بطولة الرابع.
قال ميلوك: "الجنون يسيطر على الجميع بنظريات المؤامرة. لقد جُنّ المشرفون في حظر كل شخصٍ وكلّ شيءٍ خوفاً من انهيار جميع الخوادم. ويحاول الجميع معرفة أيّ قاتل تنانين هو صاحب حساب غامغام هذا. وخلف الكواليس، يتفق المغامرون ذوو الرتب الأعلى جميعاً على أن طاغية الساحرة كانت تتلاعب بقاتلي التنانين".
"خلف الكواليس؟ كيف عرفت ذلك؟"
أجاب ميلوك سريعاً: "[لص سيد المماطلة]، عذراً، ستالكوين تحاول الدفع بأجندة أن الساحرة لعبت دور الأرنب لتأكل النّمر. وأنها استدرجت جميع قاتلي التنانين لمهاجمتها عالمةً أنها ستفوز. وتلك النظرية تنتشر بجنون".
"هاه. ربما يخرج شيء جيد من ذلك".
التفتت كلارا مبتعدةً عن نظراتها الجانبية لميلو لتحدّق في رايان بارتباك.
"ماذا تقصد بذلك؟"
"أقصد أن يبتعد الجميع عن طاغية الساحرة حتى تعيد إحياء ابنتها أو تموت محاولةً ذلك".
هزّ رايان رأسه، غير راغبٍ تماماً في مواصلة هذا الموضوع مع أصدقائه.
"على أيّ حال —"
قاطعه فجأة شيءٌ يُعرض على التلفاز. وخارج فقاعة الصمت كان هناك فيديو لشارة وسيدياك يتصافحان. ونجح غير المرغوب بهم والمغامرون في الوصول إلى السطح وبدّوا قريبين بما يكفي لبدء الوصول إلى قنوات البثّ على مدار أربعة وعشرين ساعةً.
"أيها الميلوك، أيمكنك إطفاء فقاعة الصمت؟ أريد الاستماع إلى هذا".
"انتظر، امنحني دقيقةً".
بدأ ميلوك يعبث بخاتمه.
"يمكنني جعل الأصوات تدخل لكن لا يمكنها الخروج".
رمش رايان إزاء تعقيد الخاتم المهدى من السكرتير ثم هزّ رأسه. فلم يكن الأمر وكأنه يشارك تفاصيل تهزّ الارض على أيّ حال. تغير التلفاز الذي كان يبثّ إعاداتٍ مستمرةً لنصف النهائيّات بخبرٍ عاجلٍ. شخصٌ يؤدي تعليقاً صوتياً مع تحليق طائرةٍ بدون طيارٍ، يظهر الآلاف من غير المرغوب بهم وهم يتسلقون خارج هاوية الكارثة، ويقيمون معسكراً بالقرب من موقع المحاكمة الرابعة المتقدم. والمجموعة بقيادة المغامرين وشارة معا.
ثم عُرض فيديو مختلف. واحدٌ لسيدياك وXxshareshvil يتصافحان، ثم التفاتها نحو الكاميرا وإيمائها برأسها قليلاً.
"اسمي Xxshareshvil، ولكن يمكنكم مناداتي بشارة. نحن غير المرغوب بهم. جنٌّ تكيّفوا مع المانا الموبوءة لعالمنا المدمر. نأتي بسلام ونشكر المغامرين وتاريل ساقي الورق على رؤيتنا كبشر ومساعدتنا في مرافقتنا للخروج من الظلام".
وأشارت نحو ساقي ورقٍ شابٍّ معينٍ بدا محرَجاً فجأة لوجوده على الكاميرا. وربما كان يشعر بالذنب أكثر قليلاً لأنه يستحوذ على الكثير من الفضل. خرجت كلارا من الفقاعة، وأمسكت بجهاز التحكم عن بُعد ثم عادت إلى الفقاعة. واكتشفت بعد لحظاتٍ أن موجات الراديو لا تمتد خارج الفقاعة لذا اضطرت للانحناء للخارج لإيقافه مؤقتاً.
"عذراً، أتنادي نفسها بشارة؟"
حافظ رايان على إبعاد اسم شارة بوضوح عن القصة لهذه اللحظة. فابتسم.
"نعل، لقد كان هذا لقبي لها وقد علق. مفاجأة!"
ألقت كلارا جهاز التحكم على رأس رايان.
"أسميت تلك على اسمي؟!"
التقط رايان جهاز التحكم ثم وضعه على الطاولة.
"مهلاً، شارة فتاة لطيفة. أعني، لم أكن أعلم ذلك عندما سميتها على اسمك، لكن كما تعلمين، هي رائعة".
شبكت كلارا ذراعيها وأدارت رأسها بعيداً عن رايان. ودفاعاً عنها، بدا غير المرغوب بهم حقاً وكأنهم وحوشٌ مخيفةٌ. وحتى الآن، على الرغم من ارتداء شارة بعض الملابس اللائقة للكاميرا، إلا أنها بدت وكأنها خرجت من فيلم رعبٍ. ودفع ميلوك رايان في ذراعه فحسب.
"كلارا سطحيةٌ بشكلٍ مدهشٍ أليس كذلك؟"
التفتت الفتاة المُهانة فوراً باحثةً عن غرضٍ آخر لترميه. وركزت بصرها بحدةٍ على فنجان شاي باري بينما رفع رايان يديه محاولاً لعب دور صانع السلام.
"حسناً، حسناً. أيعطيك شعوراً أفضل أنها كانت أميرة شعبها والآن باتت الملكة أساساً؟ تقنياً هي ستكون ملكة الجن التي تقود شعبها خارج الظلام".
تأففت كلارا وشبكت ذراعيها، ثم فكرت في الأمر. ثم فكت تشابك ذراعيها وحدقت في شارة وهي تنحني في الفيديو.
"أظنها لطيفةً نوعاً ما بطريقةٍ منحرفةٍ للغاية".
لتفت رايان إلى ميلوك.
"أجل، سطحية".
مدّت كلارا يدها لتخنق رايان بينما كان يضحك عليها. وكان باري يكبح ابتسامةً بوضوح إذ مدّ الأوركيّ يده نحو جهاز التحكم أمام رايان. وخطا خارج الفقاعة وضغط زر التشغيل، مستكملاً البثّ. حدث دمجٌ سريعٌ لمشهد حركةٍ. حيث كان سيدياك في المقدمة يقاتل حشوداً من الوحوش المُسرعة. رمش رايان. كان القتال أكثر وحشيةً بكثير ممّا توقع. كسر سلاح سيدياك المعدنيّ الباهت على قشرة كيتينية لدودة ثور، لذا حطم المغامر قبضته في جمجمة الحشرة، ثم مزق فكي الحشرة الكبيرتين.
ثم بدأ سيدياك في استخدامها كأصلحةٍ. وعندما انكسرت تلك، نزع المعدن عن الجدران وبدأ يستخدامه لتحطيم الوحوش المُسرعة. حسناً، ربما قللت من تقديره قليلاً. بدأ سيدياك يخفت بعد مرور ثلاثين ثانيةً على الفيديو.
"تبديل!"
استدار صاحب البثّ فجأة مع مغامرٍ آخر، [صعلوك] كان يسجل قد تبادل الأماكن معه بينما تراجع سيدياك خطوةً للوراء، ممسكاً الآن بالكاميرا في وضع السيلفي. وكان المغامر الدامي والبطولي يبتسم للكاميرا، موجهاً العدسة نحو مجموعة غير المرغوب بهم التي كان يحميها. اهتزت الأنفاق من حولهم. وكان غير المرغوب بهم الأكبر سناً يثبتون الجدران للتأكد من عدم انهيارها. وكان الأطفال يتجمعون بالقرب من آبائهم، ناظرين بعيونهم الكبيرة الجاحظة إلى الفيديو.
"نحن اثنان فقط من مجموعة المنقبين الأبديين العظماء، وهناك آخرون منا لبّوا النداء ويقودون المجموعات الأخرى. وأمامنا تاريل، ساقي ورقٍ شجاعٍ يمسك بالمقدمة. لقد نُودي علينا، وها نحن نقف هنا! المنقبون الأبديون وساقي الورق على حد سواء، نقاتل لحماية أهل العالم!"
ولو كان رايان ساخراً، لقال إن الحشود لم تكن سيئةً إلى هذا الحد، فمن الواضح أن لديهم سعة كافية للتبديل بين فترات التهدئة أثناء تسجيل مقطع بطوليّ. ومن ناحية أخرى… صفّق رايان.
"أُنجِز بامتياز".
بالنسبة لغير المرغوب بهم، كان هذا الفيديو مثالياً بقدر ما يمكن أن يكون. قتالٌ دمويٌّ خاطفٌ للانتباه فوراً يليه انتقال سريعٌ لإظهار غير المرغوب بهم كشعبٍ خائفٍ لا أكثر. أطفالٌ يعانقون آبائهم، مرعوبون من الأنفاق المنهارة حولهم. ومغامرون يقاتلون ويقودون الطريق، سحبين إياهم من عالمٍ مظلمٍ حاول إبقاءهم أسفل. كان هذا الفيديو دقيقةً واحدةً فقط. الوقت المثاليّ لمقطعٍ قصيرٍ ينتهي الأمر بكل مدمن تصفحٍ بمشاهدته.
كان الأشخاص الثلاثة الجالسون يراقبونه. التفت رايان إلى الطاولة وقطب حاجبيه.
"ماذا؟"
بدأت كلارا بالحديث.
"بدا ذلك أسوأ بكثير مما قلت يا رايان. أكان الفيديو جزءاً من خطتك؟"
"أم، أعني أنني توقعت جزء البطولة الجشع من سيدياك والمنقبين الأبديين، لكني لم توقع أن يكون الفيديو الخاص به بتلك الجودة. ولم أتوقع أن يكون القتال بهذا السوء أيضاً. أعتقد… أعتقد أنني كنت سأفعل الأمور بشكل مختلف لو كنت أعلم".
"وكيف كان مفترضاً بك أن تعرف أن القتال سيكون بهذا السوء؟"
"أنا… لست متأكداً؟ ربما كان يجدر بي سؤال شارة عن كثافة الوحوش في الهاوية؟"
هزّ باري رأسه.
"أنت تفعلها مجدداً. إنه لمن السيء النظر إلى الأمور بإدراك متأخرٍ مطلقٍ. ما بقي من خطتك مع غير المرغوب بهم؟ قلت إنك أعطيتهم نصائح حول كيفية التعامل مع بقية العالم".
"حسناً، بعد ذلك الفيديو، البقية بسيطة. يجب أن يحذروا من الاقتراب من بوابات النظام. أخبرت شارة بحجر أنفسهم صحياً في الموقع المتقدم قرب المحاكمة الرابعة بدلاً من الذهاب إلى غرافينمارش. والذريعة الآن هي رغبتهم في التكيف ببطء مع ثقافة العالم. كما أن البقاء على مقربةٍ من مدخل المحاكمة الخامسة يتيح لهم الحفاظ على حضور إعلاميّ مستمرّ عندما تبدأ الضجة في التراجع".
فاجأت كلارا حاجبها بارتفاعه.
"لكنّك لم تكن تعلم بأمر البوابة إلا في النهاية أحياناً؟ قلت إن هذه لم تكن خطتك الأصلية؟"
"نجل. كانت الخطة الأصلية هي استغلال كلٍّ من الأرض والعالم لكسب التعاطف. إظهار مدى قسوة حياتهم وجعل أهل الأرض يظنون أن العالم ليس مكاناً رائعاً للغاية. حينها سيصبح أهل العالم دفاعيين تلقائياً. ثم يُجبرون على التكاتف لحماية غير المرغوب بهم، فقط لإغاظة أهل الأرض على الإنترنت".
وبات رايان حماسياً الآن، فالأمور كانت تسير على ما يرام.
"يمكنهم فعل ذلك بالطبع. الأمر أصعب قليلاً فحسب الآن بعد أن اضطررتي لتغيير موقع الحجر الصحيّ من غرافينمارش. على أيّ حال، امنحهم بعض الملابس ولافتةً كبيرةً مكتوباً عليها «أرجوكم لا تقتلونا فنحن غير المرغوب بهم. هناك أطفال هنا» وسيُغرم بهم الجميع عاجلاً أم آجلاً".
"رايان، أتصغي إلى نفسك؟"
"أعلم أن الأمر يبدو وكأنه رهانٌ بعيد المنال نظراً لمظهرهم لكن صدقني —"
قاطع رايان رفع كلارا يديها بيأسٍ، لتلتفت نحو باري. لم يتنهد الأوركيّ هذه المرة. بل حدق في عيني رايان مباشرةً.
"اصغِ جيداً، لأنه يبدو أنك بحاجة لسماع هذا وإدخاله في رأسك السميك".
أخذ باري، [البربريّ] السابق من المستوى الثامن، نفساً عميقاً.
"عملٌ رائعٌ أيها المغامر. لا أعتقد أن أحداً كان سيؤدي بشكل أفضل في وضعك".
رمش رايان لبضع ثوانٍ. وقف صامتاً، ثم خرج وأدخل هاتفه في جيبه. وعاد رايان لدخول فقاعة الصمت.
"هاه. أيمكنك تكرار ذلك؟"
لم يغفل الأوركيّ عن الهاتف.
فقال: "همف، لا".
"تباً، أظن أنك أذكى قليلاً من راكس".
– واستمروا في الجلوس والنقاش بينما شرح رايان لقاءه بالخزنة.
هزّ ميلوك رأسه وناعتًا إياه بالأحمق بينما أخبرته كلارا أنها فخورة به. ولم يقل باري شيئاً سوى إخباره بأنه كان عليه قضاء المزيد من الوقت لمعرفة ما إذا كان هناك أيّ شيءٍ مفيدٍ له حقاً. وهو ما كان منصفاً. واستمر النقاش إلى ريك الأعور، وأخبرهما رايان بمعضلته.
"من ناحية، إنها الكرزة التي تعلو الكعكة. ترك الساحرة لفخٍّ نهائيٍّ ملعونٍ. بعد الفخّ بأكمله الذي كان القطاع الرابع".
قطب ميلوك حاجبيه.
"أنا لا أرى ذلك".
"أقبل الصفقة ثم أترك ريك حراً ليتجول في العالم. لا أقبلها وأخسر فرصة هائلة لأصبح أقوى".
لم يكن مضموناً ولا مرجحاً حتى أن يكون رايان أقوى بنواة مانا من المستوى الخامس متطورةٍ ذاتياً. لقد راوده شعورٌ فحسب بأن جزءاً من سبب قدرته على استدعاء مفاهيم [طاغية الهالة] بهذه السهولة يرجع إلى أن الفئة كانت تلائمه قبل أن يرتقي. سألت كلارا سؤالاً بديهياً، وإن لم يكن موجهاً إلى رايان، بل إلى باري.
"أريك سيء إلى هذا الحد حقاً؟"
بُهت رايان من السؤال وحسب.
فقال: "يا كلارا، لقد قتل ريك آلاف البشر".
"يقولون إن أرتيغان شخصٌ فظيعٌ أيضاً".
"نقطة مسجلة".
وحان دور رايان ليلتفت إلى باري هذه المرة. فقد ذكر الأوركيّ أنه تقابل مع ريك من قبل وبدا وكأنه مُقَدِّرٌ جيدٌ للبشر.
"لقد كان زمناً مختلفاً في ذلك الحين".
"هذا ما يقوله كل مستوطن".
تأوه رايان. حدق باري بغضبٍ.
"أعلم. لكنه كان مختلفاً حقاً. حينها، الشيء الوحيد الذي تيقنا منه هو وجوب أن نصبح أقوى قبل أن يفعل الجانب الآخر ويمحينا. أأؤمن بأن ريك سيقتل الآلاف في سعيه نحو القوة؟ نعم. أكان أن تصبح أقوى بأي ثمن يُعتبر قراراً عقلانياً؟ نعم".
فهم رايان النقطة التي كان باري يطرحها. ولم تعجبه فحسب.
"أشعر بالوسخ لمجرد قبول هذه الصفقة. بعد كلّ ما فعلته وتضع طاغية الساحرة هذا القرار هنا لمجرد السخرية مني".
"حسناً، لا أظنّ الأمر بهذه الأهمية الكبيرة. ألم تذكر أنه في المستوى العاشر فقط؟ المشكلة الكبرى هي طاغية الساحرة. تحتاج لأن تصبح أقوى لإيقافها".
"يا ميلو، ليست هذه هي النقطة".
هزّ صديقه كتفيه فحسب.
"لقد وصلت إلى هذا الحدّ متمرداً على طاغية الساحرة. وأنا واثقٌ من أنك ستجد مخرجاً ما".
"هاه".
أحياناً، كل ما كان مطلوباً هو دفعةٌ في الاتجاه الصحيح. رمش رايان. كيف أمكنه أن يكون غبياً إلى هذا الحد؟ كان هناك دائماً أكثر من حلّ لمحاكمةٍ كهذه.
"شكراً لك يا ميلو".
دكت كلارا باري.
قالت: "أرأيت ومضة الإدراك تلك؟"
أومأ الأورك فحسب.
– استمر المزاح بضع دقائق أخرى.
وحين ظهر المعلق الثالث ليدلي برأيه الجاهل في وضع الجنية غير المرغوب فيها، نهض رايان.
قال: "حسنناً، ربما يجدر بي الذهاب."
ساقت كلارا ضربة بمرفقها إلى باري، بقوة. أو هكذا بدا، بالقدر الذي استطاعته. حدق فيها الأورك بحدة.
" لديه ما يكفي من الهموم بالفعل."
سخرت كلارا: "أحقاً؟"
محاولة التطلع إلى باري من علٍ.
"أهذا ما ظننته حين احتفظت باتفاقك السري مع ساحرة سيَفارا؟"
كانت تلك عدائية سافرة غير معتادة من كلارا. لم يكن إثارة ماضي باري مزاحاً، لقد تجاوز ذلك الحدود. قطب رايان حاجبيه.
"ما الذي يجري ايها الصحب؟"
حدقت كلارا في الأورك غير التائب الذي عقد ساعديه. وضعت كلارا يديها على خاصرتها.
"ماذا قلت عن الدرس الثالث؟ أثق بأعضاء الفريق في كل شيء؟"
تأوه باري أخيراً ثم حدق في رايان.
"حسناً. ثمة خطب ما في سيَفارا."
يا لها من كلمات تبعث القشعريرة في أوصاله. ظن رايان أن سيَفارا كانت منشغلة فحسب. لقد بدا معجزة أن مغامرة بهذه الشهيرة تملك كل هذا الوقت الفارغ للعبث معه بالفعل.
"ما الذي حدث؟"
"اخفض هالتك. انها بخير، حية ومع زوجها في العالم. لكن كان مفترضاً أن تعود إلى الأرض بحلول الآن. أجرينا مكالمة مصورة وأخبرتني أنها بخير. ومفاد الأمر أنها لا تفعل ذلك إلا إن غضبت حيال أمر ما."
أطلق رايان زفرة وتراجع بهالته، محرجا قليلاً لأنه سمح للأمر بالحدوث. لم يكن صعباً التحكم بهالته. لم يكن هذا العالم حيث كان عليه الصراع جامحاً مع ملحمة مستندة إلى الخوف. ثم أخذ ثانية لاستيعاب كلمات باري بشكل صحيح.
"إذن، ماذا؟ أتحتجزها ساحرة الطغاة أسيرة؟"
رأى الأورك ملامح رايان الفولاذية وهز رأسه.
"إن كان علي التخمين، حاولت سيَفارا فعل شيء أثناء مواجهتك مع ساحرة الطغاة فوقعت في الشرك. مع أنني لا أظن ساحرة الطغاة تنقض عهودها."
"قلت إنها مختلفة الآن يا باري."
"أبدرجة كافية لنقض عهدين مباشرين؟ بصفتها [ساحة]؟"
كان مساس سيَفارا انتهاكاً لعهود كل من باري ورايان معها. مهما يكن، لم تكن تلك خطوة يتوقعها رايان ممن تحمل مهنة [ساحرة]. تردد رايان.
"لا أعلم. لهذا قلت إنه ربما كان خطأً تمزيق كل خيوطها العقلية. على أي حال، لا بأس. يمكنني سؤالها بنفسي."
قال باري مبادراً: "انتظر–"
لكن رايان التفت إلى كلارا.
"أرجح أنني لن أعود حتى تكتمل المحاكمة العليا. أبلغي والدي أنني آسف لكوني متهوراً."
"انتظر–"
أصبح كل من كلارا وباري يحثانه على الانتظار.
[العودة إلى العالم]
سقط جذع رايان العلوي إلى الأمام، واصطدم رأسه بالطاولة أمامه. حدق باري في كلارا.
"أخبرتك ألا تخبريه."
حدقت كلارا في جسد رايان فاقد الوعي.
"أجل، سنرسم صوراً بذيئة على وجهه هذه المرة بالتأكيد."