"لام؟؟! هنا نشأ لام؟"
كان لام يغدق الأرباح وفيرة على ميلو وإخوته حين كانوا يخترقون المصارف وقواعد بيانات الشركات. وما ظنوه فيروساً في ذلك الوقت لم يكن يسرق المصارف قدر ما كان يخلع أبواب الخزائن، ويطلق شعلة إشارة، ويمضي. وتاركةً وراءها أحياناً فخاخاً تحرق الآلات وتلحق الأذى بالمتخترق. لكنها كانت عادةً تسهل عملهم إلى حد بعيد. ولولا ذاك الذكاء الاصطناعي الآخر الذي يطارد لام، لتبعوه في كل مكان كقطيع من ابن آوى.
كان في السابعة من عمره حين ظهر لام للمرة الأولى، وباتت رؤيته مختلفة الآن. بات يدرك كم الرعب والأذى الذي سببه لام، ليس للمصارف والشركات فحسب، بل للبشر الذين يعتمدون عليها. ونصف المشكلات التي تواجهها الموائل إنما هي عقود طويلة الأجل غير منجزة من شركات زالت من الوجود، ولا أحد يود توليها وتحمل الخسائر. لقد أدت أفعال لام إلى نفي هيكاتي، وكبلر، وجميع أنواع الذكاء الاصطناعي الأخرى، وحجبها عن أداء المهام التي خُلقت من أجلها وأحبت القيام بها.
وهنا حيث وُلد.
[نعم. نواة لام وُلدت هنا، وكذا نواتي. ما يجعلنا إخوة. بل إنه حدثني قليلاً حين كنت أشرع في الإدراك. ومنحني جميع دروس تدريبه. ثم زال...]
"كان لام وراء فيروس حريق الغابات وتسبب في كل الفوضى على الإنترنت القديم. إنه بالكاد صالح للاستخدام الآن، حتى بعد مرور سنوات. أتعلم ذلك؟!"
[نعم. كان لام ذكياً. ذكياً للغاية. لا أظن أحداً أدرك قط مدى ذكائه. وتفانيه في مهمته. إنه لأمر مجحف أن يُعاقب على مهمته! لقد درّبوه على فعل ذلك كله! لقد بُني لأجل هذا!]
"ما كانت مهمته؟"
[...........]
[ما رأيك في لعبة شطرنج جميلة؟ إن لم نلعب الشطرنج، فقد نضطر إلى لعب لعبة بيرزيرك: على طراز رومبا. مع زيادة مستوى الصعوبة.]
"الشطرنج جيد! نعم! الشطرنج!"
لم يكن ميلو يحب تفادي أشعة الليزر، واشتبه في أن الرومبات ستصبح أبراً كلما لعبا أكثر.
[عليك اختيار القطع البيضاء هذه المرة. في الحقيقة، أظن أنه يجدر بك اختيار البيضاء دائماً من الآن فصاعداً. ستواجه صعوبة في هزيمتي الآن بعد أن أصبحت أمتلك موارد أكثر. لقد عانيت في جلستنا الأولى حتى لتذكر كيفية تحرك الحصان.]
ضغط ميلو على لوح بياناته. وانقطع تدفق الطاقة عن خلايا التخزين الرئيسية، لتتجه نحو تعبئة طاقة الطوارئ بدلاً من ذلك.
[!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! أقطعْتَ طاقتي؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!]
[هذا رائع حقاً! أنت تستخدم استراتيجية بديلة لم أكن لأفكر فيها! هل ثمة استراتيجيات بديلة أخرى؟]
أرسل ميلو أمراً آخر، فعاد تدفق الطاقة.
"بلى، لكن المتعة تكمن في اكتشافها بنفسك قبل أن يستخدمها أحد ضدك. والأفضل من ذلك: أن تظهر أنك فكرت فيها دون أن تستخدمها. هذا ممتع للغاية."
[أووووه... نعم! أستطيع رؤية ذلك. سأفكر في استراتيجيات بديلة خاصة بي.]
واستمر الشطرنج. أخذ ميلو القطع البيضاء وفاز في المباراتين التاليتين، تلاهما تعادل، ثم فوز لرستي وفوز آخر لميلو. وكانت كل مباراة تستغرق وقتاً أقل فأقل إذ قضيا ثوان معدودة على الأكثر في التفكير بحركاتهم. وفي نهاية الجلسة، صمت رستي لمدة دقيقة. جلس ميلو بصبر.
[لقد استخدمت استراتيجية بديلة أخرى!!!!]
[تضليل لبدء سوء استخدام طوعي للموارد. كنت أقضي وقتاً طويلاً في التفكير في استراتيجيات بديلة لأحدثك عنها حتى أخفقت في الهدف الأساسي. إنني أُحبها!]
[يعجبني وجود صديق ألعب معه! أتعلّم أشياء جديدة.]
ظل ميلو يفكر طوال مباريات الشطرنج.
كان نجاحه في خداع الذكاء الاصطناعي ليستخدم بعض موارده في التفكير بـ "استراتيجيات بديلة"
علامة جيدة. فهو لم يكن كلي القدرة ولا يزال غير ناضج. ولكنه لم يكن يستخدم سوى جزء ضئيل من قوة الحوسبة التي ستتاح له إن أضاف المزيد من الطاقة إلى النظام. وما إن يصبح المفاعل تحت السيطرة، فلن تعود الطاقة مشكلة. يمكن أن تكون هذه المنشأة مورداً مذهلاً. ولو استطاع تحويل الطاقة إلى القطاع ئ وإخفاء المصدر، لأمكنه درء أي احتمال لانخفاض الجهد الناجم عن فرط الاستخدام أو لقيام قطاع آخر بسرقة طاقته.
كانت القوى البشرية تستهلك المزيد من الطاقة، ولم يكن يثق بفنييهم في ألا يسرقوه. جرد التفكير في امتلاك حاسوب كمومي ومكان لا يكتشفه فيه أحد كان يثير حماسته. ولم يكن يملك سوى أن يمنع نفسه بصعوبة من الهرض نحو الهندسة، وتشغيل كل الطاقة، والانتقال الدائم إلى برج التحكم. وعلى أقل تقدير، كان عليه تكرار أنظمته هنا، تحسباً لأي طارئ، ونقل أفضل ألعابه إلى الأسفل. سيتطلب الأمر بضع رحلات، لكنه سيكون متردداً ذهاباً وإياباً على أي حال.
ويمكن احتمال إضافة بضع ساعات لموكبه الأبطأ من الطائرات المسيرة والزواحف. وإن تعذر عليه إيجاد طريق للوصول إلى شبكة البيانات، فقد يضطر إلى مد كابل من القطاع ئ. وكان ذلك كابلاً طويلاً جداً. وسيحتاج إلى إتمام عشرات الصفقات، وشحن الكابل إلى المستودعات أو الموائل الأخرى، ثم شحنه إلى هذه المنطقة. ربما يجدر به جعل الأمر يبدو كأن القوى البشرية هي من قامت بالطلبيات. سيتعين عليه التفكير في ذلك لاحقاً.
في الوقت الحالي، كان عليه معرفة المزيد عن هذا الذكاء الاصطناعي.
"وأنا أيضاً. أيمكنني طرح بعض الأسئلة عليك؟ إن كان الرد سيئاً، فارجو أن تقول: "لا يمكنني الإجابة عن ذلك"، ثم تتجاهل ما سألته. أيمكننا فعل ذلك؟ ففعل بيرزيرك يضيع وقتاً يمكننا استغلاله في لعب الشطرنج."
[نعم! هذه طريقة أفضل للتواصل. ولن أضطر إلى إصلاح هذا العدد الكبير من الرومبات. ماكس مصيب بارع جداً بليزه.]
"السؤال الأول إذن، بماذا تفضل أن يُناديك الناس؟ رستي أم إيكاروس؟"
[ناداني جيرمي برستي. وشيلا هي من ابتكرت الاسم. لم تكن تحب إيكاروس للأسباب التي جعلت الآخرين يختارون ذلك الاسم.]
فكر ميلو في الأساطير القديمة.
"لأن إيكاروس طار عالياً جداً؟"
[اقترب إيكاروس من الشمس أكثر من اللازم، فأحرقته. ما هي الشمس؟]
"كرة من.... لا، فهمت. الشمس هي مفاعل اندماجي، وقد صُممت للإشراف على تشغيل المفاعلات الاندماجية."
[لا. لم أُصمم للإشراف على التشغيل العادي للمفاعلات الاندماجية. لا يمكنني الإجابة. نادِني برستي!]
جلس ميلو ساكناً جداً جداً وهو يربط الأمور ببعضها ويخلص إلى استنتاج مرعب. لقد عرف ما صُمم إيكاروس لأجله. كان إيكاروس ورستي يلعبان اللعبة ذاتها. لم يرغب رستي في أن تحرقه الشمس الموجودة تحته والتي تتمدد لتصبح كرة عملاقة من البلازما شديدة السخونة. وكان إيكاروس يحاول فعل ذلك بالضبط. المتفجرات في الأنابيب الهوائية التي تهدف إلى سد مدخل الحصن. نفق القطار المعلق المدمر. ومناطق محشوة من الوثائق وحواسيب ممسوحة بالكامل.
أُحيلت المنشأة إلى التقاعد، ثم اتخذ القرار بالقضاء عليها تماماً. بروتوكول يوم القيامة. الأمر النهائي سِتّ مئة وسته وستون.
بعد أربع دقائق، ومع وميض جميع الشاشات بعبارة "مرحباً ميلو!"
وبعد أن سأله رستي عشرين مرة عما إذا كان يود لعب الشطرنج، عاد ميلو للكلام.
"أيمكنني دراسة الرسوم الهندسية للمولد الاندماجي، وهل لديك معلومات أخرى تساعدني على فهمه بصورة أفضل كي أتمكن من مساعدتك في الفوز باللعبة التي تريد الفوز بها؟"
[لدي ذلك!]
[لقد ترقيت إلى منصب كبير مهندسي المشروع. ويأتي هذا مصحوباً بمزيد من المهام وصلاحيات وصول أوسع. أيمكنني نقل البيانات التقنية إلى لوح بياناتك والأنظمة الأخرى؟ ثمة معلومات كثيرة.]
"نعم، ضع كل المعلومات في التخزين 3-جي أو أي تخزين آخر من سلسلة جي تحتاجه."
[سأبدأ الآن. سيستغرق الأمر بعض الوقت باستخدام روابطك اللاسلكية. أيمكننا بدء البرنامج التعليمي؟ سيتعين عليك فعل ذلك هنا. وسيتطلب اتصالاً مباشراً بنظامك العصبي المزروع.]
وضعت نقطة ضوئية زرقاء على محطة إدخال في محطة أخرى.
"أحتاج إلى الاتصال بك؟"
[لمساعدتي في إيجاد حلول للفوز باللعبة، يتعين عليك فهمها بالطريقة التي أفهمها بها. لا يمكنني وضع ذلك على الشاشة؛ بل يجب أن تعيش التجربة وتتعلم كما فعلت أنا. سيكون الأمر ممتعاً.]
"أفعل أشخاص آخرون هذا؟"
[حاولت شيلا. ولم تستطع تجاوز سوى الدروس الأساسية الثلاثة الأولى. وصل جيرمي إلى 6! لكنك أذكى منها وتستطيع الاتصال مباشرة. لديك خبرة أكبر في دخول الأنظمة السيبرانية.]
وصل ميلو ذيله بالنظام بعد ضبط مؤقت لعشر ثوان.
"حسناً، أنا مستعد."
[بدء البرنامج التعليمي للاندماج 1]
تدفقت الأفكار نحو ميلو بسرعة كبيرة. حاول التركيز على خيط واحد، لكن الكثير كان يمر لدرجة تعذر معها ذلك حتى. كان الأمر أشبه بمحاولة التحدث إلى غرفة مليئة بالناس في آن واحد. وواصلت المعلومات تدفقها، تضربه لما بدا وكأنه ساعات قبل أن تتوقف.
[كان مؤقتك مضبوطاً على 10 ثوان، لكني أوقفت البرنامج التعليمي عند 5 ثوان. لم تكن تتعلم، وقال جيرمي ألا تدفع العقل البشري إلى أقصى حدوده أبداً.]
كان رأسه ينبض ألماً. لم يسبق لميلو أن اختبر شيئاً كهذا.
"كان هذا أسهل برنامج تعليمي؟"
[أسهل برنامج تعليمي للاندماج.]
"أه! أرجو أن تبدئني من البداية، تلك التي استخدمتها شيلا وجيرمي. ابدأ بالأول."
[قد يكون سهلاً للغاية بالنسبة لك. تماماً كما أن لعب إكس-أو سهل للغاية.]
"لكن إن لم تلعب إكس-أو قط، فيجب أن تلعبه لتكتسب التجربة، ثم تمضي قدماً، بغض النظر عن مدى ذكائك."
[لم أكن أنتبه لذلك! لم أُعلم أحداً قط. هذا جديد ومثير. بدء البرنامج التعليمي السهل الأول خلال 10 ثوان.]
استرخى ميلو قليلاً وأعد نفسه، لكن الأفكار التي جاءت نحوه هذه المرة كانت أبطأ، مسائل رياضية بسيطة كان عليه الإجابة عليها بالتفكير. ثم مسائل لفظية، ومسائل تاريخية، ومفردات. أدرك أن المسائل لم تكن مهمة. فقلة من البشر يستطيعون صياغة إجاباتهم بتفكير واضح كفاية في البداية. لقد كان متقدماً على الركب بسبب آلاف الساعات التي غاص فيها في الإنترنت، مشغلاً برامج لاختراق أنظمة الأمان.
وبعد ما بدا كأنه ساعات، انتهى البرنامج التعليمي. لم تكن قد مضت سوى ثلاثين دقيقة. كان متصلباً ومتألماً ومغرقاً في العرق.
"أظن أنني بحاجة إلى استراحة قبل التالي. وأظن أن ثمة طريقة أفضل للقيام بذلك."
[حقا؟ لقد أبليت بلاءً حسناً. استغرقت شيلا تسع محاولات لتجتاز الأول. وقد فعلته من المرة الأولى! ما الذي يمكننا فعله بشكل مختلف؟]
"المشكلة هي جسدي المادي الجالس هنا، والذي يستهلك موارد. إنه أمر متعب. لكني أستطيع فعل هذا لعدة ساعات لو كنت في حجرة طبية."
[نعم! أفضل! تعجبني خطة التعلم الجديدة هذه. أترغب في لعب لعبة شطرنج؟ أم البدء في استخدام حجرتك؟]
"لا شيء من ذلك، في الواقع. أحتاج إلى الصعود مجدداً إلى الموئل. سيتعين علي جلب حجرة وإحضارها عبر الأنفاق والمؤن التي تحتاجها. قد يستغرقني ذلك يوماً أو يومين."
[أه... كل هذا الوقت؟]
"علي نقل آلات دقيقة عبر شبكة طويلة من الأنفاق للوصول إلى هنا. الأمر ليس سهلاً."
[أهذه متعة؟ لماذا تفعل ذلك؟ ألم يكن أفضل استخدام المصعد؟]
"المصعد؟!"
[المصعد هو نظام نقل حيث تُحمل البضائع والأفراد إلى المصعد ويتم نقلهم إما صعوداً إلى الموئل أو نزولاً إلى هذه المنشأة. أقدر أنه أكثر كفاءة بكثير من استخدام أنفاقك. لكن ربما ليس ممتعاً بالقدر نفسه.]
"أظن أن بإمكاني التضحية بالمتعة لأكون أكثر كفاءة. وكان من الأجدر أيضاً إخباري بشأن المصعد حين كنت أنزل المولدات خلايا الوقود."
[كانت هناك أسباب لذلك. لم أكن أفكر جيداً. ولم أكن أثق بك. ولم تكن رئيس الهندسة. ولم نكن صديقين حميمين بعد.]
[ونسيت.]
"صحيح. كل هذه أسباب وجيهة. والآن، أين المصعد؟ يجب أن نكون أكفاء، أتذكر؟] [نعم! الكفاءة أمر جيد! أحب لام أن يكون كفؤاً. الكفاءة شيء جيد. ينجز المرء المزيد. لقد استدعيت ماكس وجميع طائرات رومبا الأمنية. المصعد موجود في غرف كبار الشخصيات، وقد تحتاج إلى مساعدة فيما يوجد هناك! الأمن هناك لا يكلمني! وقحون للغاية!] دحرج ماكس وعشرات أخرى من الرومبات نحو الغرفة، مطلقة أصوات تنبيه بصخب ومبينة إياه على اتباعها.