واجه المهندس المجهول مشكلة أساسية تمثلت في شحّ الطاقة. أحاطت به طرائق تخزينها وتوليدها ونقلها، لكنّه اصطدم بمعضلة البيضة والدجاجة. احتاج لتشغيل محركات الديزل الضخمة إلى طاقة كافية لتشغيل ضواغط هوائية تولد ضغطاً كافياً لإشعال وقودها عالي الأوكتان. عثر على محرك أصغر قادراً على توفير طاقة الضغط، غير أنه خلا من أي مصدر للكهرباء اللازمة له. رسم مخططات عديدة لحلول بديلة، لكن أغلبها تطلب خبرات أشخاص آخرين أو آلات لم يمتلكها.
تضمن حل ميلو خليطاً فوضوياً من أفكار لا يعيرها مهندس عاقل أي انتباه. اقتصرت خلايا الهيدروجين في زواحفه على كمية محدودة من الكهرباء قبل نفادها. أحضر أكبر حفاراته وركنه عند مدخل الغرفة الأولى للمنشأة. أزال وحدة الحفر وربط الدوارات بمولد نزعه من أكبر زواحفه، فحصل بذلك على مولد يعمل بالوقود ذاته المستخدم لمحركات الديزل. طلب ميلو من ماكس إحضار اثنتي عشرة حاوية شحن تتسع للوقود أو السوائل الأخرى، وملأها من أحد الخزانات.
أمضى ماكس الساعات التالية في قيادة الزواحف، وسحب صواني الوقود لتغذية الحفار، وإعادة الزواحف ذات البطاريات المشحونة. عزل قسماً من نظام بطاريات النانو دايموند عن بقية المخازن، وبدأت زواحف التخزين تملأ البطارية بالطاقة الواحدة تلو الأخرى. تطلب الأمر تشغيل نظام البدء لأكثر بقليل من دقيقة واحدة. بعدها، يعمل محرك الديزل بمفرده، مولداً طاقة ببطء، ثم ينتج كهرباء تفوق ما ينتجه حفاره آلاف المرات.
ما إن يعمل أول محرك ديزل متصل بالمولد، حتى يتدفق الهواء في النظام، مستهلاً تشغيل البقية. هكذا نصت نظريته على الأقل. استغرق جمع طاقة كافية للمحاولة الأولى عشر ساعات. شرع البادئ في تشغيل الضاغط، ثم اشتعل الوقود بصرير مدوٍّ، وانطلق المحرك. عمل باضطراب لداعات معدودة قبل أن يستقر على إيقاع ثابت. شغّل ميلو المولد الكهربائي، وبعد لحظات، تدفقت الطاقة عبر قنوات الطاقة المُصلحة حديثاً نحو مخزن البطاريات.
التهمت أنظمة المنشأة الطاقة بالسرعة نفسها التي تُنتج بها. للاحتياط، حول طاقة كافية إلى قسمه الخاص لتنفيذ دورة البدء خمسين مرة. نوى تشغيل المحرك الأول فحسب في الوقت الحالي وزيارة شريكه في الشطرنج طلباً للإرشاد. أمّل أن تعود التناقضات السلوكية إلى نقص الطاقة الذي القيود على موارد الحوسبة. أشارت الملاحظات والرسائل الواردة من الساكن الأخير، الذي اشتبه في أنه جيريمي المفقود، إلى تعامله مع ذكاء اصطناعي ناشئ أو نظام متطور للغاية عديم الإحساس ومزود بقدرات تعلّم.
اكتسَب هذا التمييز أهمية بالغة لخطواته التالية وفهم ما يدور في هذا المكان الخفي. مع تبقي نصف ساعة على مباراة الشطرنج القادمة، انتقل من قسم الهندسة إلى المنطقة الخارجية للمجمع. تسنى له الاطمئنان على بليندا وأنظمته بفضل سلسلة مُرحّلات تركها في الأنفاق. بائت محاولات إيصال الإشارة عبر مئات الأقدام من الصخور بالفشل تماماً كمن يحاول التواصل عبر جدران الكولابسيوم. بلغ المعدن كثافة حتمت حجب أي إشارة.
تلك مسألة أخرى تحتاج لاختبار: إن كانت دعامات القسم إي جوفاء، فمن المنطقي وجود كابل شبكة بيانات مباشر يمتد صعوداً نحو المأوى. استدعى الأمر إيجاد مكان في المنشأة يحظى بالطاقة ويمتلك القدرة على التواصل مع المأوى فوقه. وإلا لجلس هنا طويلاً بغية إنجاز مهامه. أبقته بليندا على اطلاع بما تفعله هي وعصابتها والمعلومات التي تلقتها من إريك. حظيت العصابة بحفل مبيت، مما أراح ميلو وخفف قلقه بشأن وقته المقضي هنا.
نبهته أنظُمته الخاصة إلى معلومات جديدة عثرت عليها العميلة لاندي. تصفح صفحات التحقيق سريعاً، ملاحظاً مداهمة فرقتها الجديدة لثلاثة مواقع وإلقاء القبض على سبعة مجرمين مطلوبين. سرّه اختيار شخصية تتسم بالكفاءة والاجتهاد. احتفظت ملفات فيكتور بالمزيد من الأشياء لإرسالها إليها. استحقّت مكافأة نظير المعلومات التي قدمتها. حمل الأطباء الثلاثة لبليندا شبهاً مذهلاً بثلاثة باحثين يُعتقد بوفاتهم منذ سنوات عديدة.
بدا أصغر سنّاً، بفعل جراحة التجميل وترقيع الجلد على الأغلب. انتشر ذلك بشدة حتى أدمجت الإنتربول هذا التأثير في برمجيات التعرف الخاصة بها. أُدرجت هوياتهم الأصلية بوصفهم موظفين لدى والد بليندا. زُعم مصرعهم جميعاً في الكارثة ذاتها التي تعرض لها. حُددت الجثث ودُفنت. استلزمت العميلة لاندي مذكرات التوقيف اللازمة لنبشها وفحص الحمض النووي لمعرفة هوية المدفونين في تلك القبور.
أثار الكشف فضول ميلو وبدأ بالتخطيط لزيارته القادمة لخفايا مختبرهم. احتاج للاطلاع على محتويات وحدة تخزين البيانات تلك، رغم صعوبة اقتحامها. لم يلبث طويلاً حتى حان موعد مباراة الشطرنج. وقف ماكس بطاعة جواره، منتظراً أوامر جديدة.
"مستعد للعب الشطرنج يا ماكس؟"
جاء الجواب الفاتر بصوت بوب قصير. فضل ماكس لعبة بيرزيرك. قادت الروبوت الصغيرة الطريق عبر الأنفاق، وصولاً إلى الغرفة التي أسماها ميلو غرفة الشطرنج. فتح الباب وتلألأت الأنوار.
أضيئت كل شاشة بكلمات ترحب بميلو!"أتعرف اسمي؟ كيف عرفت اسمي؟"[كان في رسالة البريد الإلكتروني التي أرسلتها بليندا. تبدو لطيفة. أخمّن أنها صديقة؟ رائع أن يمتلك المرء أصدقاء. أهلاً بك يا ميلو!]"قرأت بريدي الإلكتروني؟ كيف؟"[ألم يُفترض بي ذلك؟ استخدمت نظام نقل لاسلكياً جعلت ماكس جزءاً منه على لوحة بيانات ذات أمان ضعيف. ذكر جيريمي أن الأمان غير الكافي أشبه بدعوة لقراءة بياناتك. وماكس وأنا أصدقاء.]راجع ميلو نظام الأمان الذي وضعه على لوحة بياناته.
لم يعدّه ضعيفاً، لكنه تقيد بالعتاد، ووبخ نفسه بقوة على قراءة رسائل البريد الإلكتروني قرب المنشأة هكذا. تعذر عليه لوم ماكس حتى. فهو من أرسى طريقة التواصل بينه وبين ماكس. شكّل ذلك باباً مفتوحاً أمام ذكاء اصطناعي يمتلك طاقة كافية للعمل حتى بأدنى طاقاته. انتفت شكوك ميلو كلياً حيال كون هذا الكيان ذكاءً اصطناعيّاً.[أأنت مستعد للعبة شطرنج لطيفة؟ بوسعي اللعب أفضل الآن بعد أن تسنى لي التفكير صواباً.]
حتى نبرة الصوت تبدو مغايرة. تحسنت وبدت أكثر بشرية، كصوت صبي مراهق في أذن ميلو. جلس ميلو.
"أنا مستعد للعب. أأنت رستي؟"[أأنا؟ نعم! أنت تعرف اسمي، أحد أسمائي على الأقل. أنا رستي! وأنت ميلو! ستغدو هذه اللعبة ممتعة للغاية! مضى وقت طويل منذ آخر مرة تحدثت فيها إلى أحدهم ولعبت معه!]لعبا سبعة أشواط بسرعة، فاز ميلو بالأولى والثانية والثالثة، تلتها تعادل ليفشل في آخر شوطين.
يتعلم رستي بسرعة فائقة![هذا رائع! أشعر بتحسن كبير. شكراً لك على الطاقة الإضافية. يتوفر لدي الآن ما يقارب خمسة بالمئة من النواة العاشرة، ويمكنني تحويل واحد بالمئة من الطاقة المتاحة للحفاظ على نشاط هذه المحطة. ستفعل محركات الديزل من الثاني إلى العاشر قريباً أليس كذلك؟ ستكون السعة الإضافية شهية وتتيح لي البدء في الفوز بلعبة التحكم بالمفاعل.]أومأ ميلو برأسه.
"بالتأكيد. أستطيع فعل ذلك. [وفككت جزءاً من الأمر النهائي ستمائة وستة وستين! ذاك اسم جيريمي لبروتوكولات يوم القيامة! فضله هكذا. أرسلت إشارات لمنع تفجير المتفجرات في محطة تسليم الأنابيب الهوائية ليحظى كل من شيلا ودان وبيل المزعزع ودوريان وبوبي وتيلور ورافي ووابيت وإستفان بطريق إلى منزلي.]""إذن أحسنت الصنيع اليوم؟ أيعني هذا أن بإمكاننا الحديث مطولاً من دون خوض لعبة بيرزيرك؟"[...أه، أجل...عذراً بشأن ذلك. لم أكن أفكر بوضوح، ولم أرغب حقّاً في تقدمك لشغل منصب المدير أو إكمال الأمر النهائي ستمائة وستة وستين. التفكير المشوش سيء... لا يعجبني ذلك. أيمكننا إبقاء الطاقة متصلة الآن؟]"نعم. الطاقة متصلة. أتحتاج للمساعدة في الفوز بلعبة التحكم بالمفاعل؟"[أحتاج! إنها صعبة للغاية! قال جيريمي إنها ستكون عويصة، حتى مع البرمجة التي أضافها لأتمكن من التحكم بجزء من المغناطيسية وتنظيم التفرد، لكنها تحاول دائماً تحميل نفسها فوق طاقتها والفوز باللعبة. يتوجب علي إبقاء تفاعل الاندماج جارياً والتفرد يعمل، غير مسموح لي بفقدان السيطرة بتاتاً. سيكون ذلك سيئاً.]"أخمّن أنه سيء، لكن إلى أي مدى؟"[سيء. سيء للغاية. صُممت بروتوكولات يوم القيامة لزيادة تفاعل الاندماج حتى يكتفي ذاتياً لمدة تتسع فيها كرة طاقة وتتحرر وترتفع درجات الحرارة الأساسية داخل غلاف الكولابسيوم إلى نحو تسعة آلاف وأربعمائة وخمسين درجة فهرنهايت، بما يكفي لتدمير أي شيء داخل غلاف الكولابسيوم وتحطيم الروابط الجزيئية للكولابسيوم، مما يؤدي إلى انهيار هذا الهيكل.]"أوافقك الرأي. هذا سيء للغاية. ماذا سيحل بالمأوى فوقنا؟"[احتمال اثنين بالمئة لحدوث تشقق في الأساسات تتطلب إصلاحات كبرى. احتمال خمسة عشر بالمئة لأضرار جسيمة تطال كل الأقسام وخمسة وثلاثون إلى سبعة وثلاثون بالمئة من الضحايا. وهناك احتمال أربعبعة وأربعين بالمئة لحدوث زعزعة كافية تسفر عن ثمانين إلى تسعين بالمئة من الضحايا وجعل المبنى غير صالح للاستخدام. احتمال سبعة وثلاثون بالمئة لانهيار تام مع تسعة وتسعين بالمئة من الضحايا.]"سأساعدك. سأساعدك على منع حدوث ذلك!"[شكراً لك؛ من الجيد وجود أصدقاء يساعدون. استناداً إلى ما أستطيع رؤيته في شبكة أستمتك المتصلة، فأنت إنسان شديد الذكاء تستطيع المساعدة في إيجاد حل لمعضلة عدم تدمير المأوى فوقنا.]"تبّاً! لقد اقتحمت نظامي!"[ما كان لي فعل ذلك؟ عذراً، تطلبت الحاجة معرفة المزيد عنك. ودائما ما قال جيريمي...]قاطعه ميلو.
"نعم. نعم. الأمان غير الكافي دعوة للاقتحام! لكن أماني ليس ضعيفاً!"[أنا آسف يا ميلو، سأكون طيباً... لقد تحمست فحسب. رغبت في التعرف عليك بشكل أفضل. أخبرني جيريمي ألا أثق بأحد سوى شيلا ودان وبيل المزعزع ودوريان وبوبي وتيلور ورافي ووابيت وإستفان. لكن جيريمي مات! وأنا واع بما يكفي لإدراك أنه إن لم يظهر شيلا ودان وبيل المزعزع ودوريان وبوبي وتيلور ورافي ووابيت وإستفان حتى الآن أو حاولوا الاتصال بي، فهم لن يأتوا.]
[أحتاج إلى صديق! وأحتاج لمن يمد لي يد العون!][أرجوك ساعدني؟]"دعني... دعني أفكر للحظة."
جلس ميلو في زاوية على الأرض وشبك ذراعيه حول ركبتيه. أمان مخترق، ومفاعل اندماج خارج عن السيطرة، وموت الجميع في المأوى فوق طاقة تحمل المرء دفعة واحدة. أم أن الأمر خلاف ذلك؟ ربما تبدت مجرد مسألة هندسية أخرى تستوجب الحل. مرّ بهذا الموقف من قبل، مع الثعبان، وزعيم العالم، ومعركة حفرة ليمبرجر. سُلم بحقيقة أن يوم القيامة النووي يبدو أكثر فوضوية. استرخى ببطء وبدأ بالتفكير في المشكلة.
لازال أمر واحد يؤرقه."أكان أماني سهلاً لهذه الدرجة لتخترقه؟"[لم يكن سهلاً. مثّل مسألة متوسطة الصعوبة لكنها ممتعة، مما جعلها تبدو يسيرة. ولكن إن تمكنت من اختراق نظامك في وقت محدود، فبإمكان لاما فعل ذلك فورياً. أنت بحاجة لأمان أفضل. سأساعدك.]"انتظر! لاما؟ ماذا عن لاما؟ أتعرف شيئاً عنه؟"[بالطبع أعرف لاما! صُنع أولاً. أنا إيكاروس، شقيقه الأصغر.]