"هل يمكننا إعادته؟ أرجوكم؟ اللحظة التي يفتحون فيها الكبسولة رائعة بحق! يبدو فيكتور حزيناً ومستشاطاً ومصدوماً في آن."
عشقت نينا الفيديو الذي جمعه بورك. لقطات من نشرات الأخبار وكاميرات مطرقة هيثرو وكاميرات شارات الإنتربول. لقد عدلها وأضاف تعليقاته ووضع مقطوعة موسيقية. شاهداه أربع مرات اليوم واختلقا المزيد من النكات واقترحا مشاهد جعلت بورك مشغولاً وهو يتقن تحفته الفنية. كان بورك سعيداً بأن عمله يلقى التقدير. إبداعاته لم تكن سوى لخمسَتهم. طرحها على شبكة التواصل الاجتماعي يكشف أكثر مما ينبغي، وتحديداً حقيقة أن شخصاً ما يتمكن من الوصول إلى تسجيلات مرئية ما كان يجب أن يراها.
الكثير من الخيوط المشابهة في العلن تشعل مؤامرة في عقول البعض. الأبجديّة واجهت ما يكفي من المتاعب للسبق في الهروب من الفوضى التي يثيرونها أحياناً دون الترويج لأنفسهم.
"طبعاً، لا أظن أنني سأمل مشاهدته أبداً. إنه لأمر مثالي كيف سارت الأمور هكذا. أمتأكدون أننا لم ندبر هذا كله؟ يبدو تماماً كأمر من صنع أيدينا."
"تلك نقطة مثيرة للاهتمام. ألم يكن لدينا شخص ما في الإنتربول نسرّ إليه بالأشياء؟ حدث هذا قبل سنوات، لكنني أذكر كم كان مريحاً أن نعمل مع منظمة ضخمة كهذه."
تبخرت سعادة زاندر برؤية فيكتور وهو يفكر بالشخصية التي عمل معها بسرية تامة داخل الإنتربول.
"كانت العميل سيمز. أشتاق إليها. بالنسبة لشخص عادي، كانت عبقرية! كدت لا أقدم لها أي تلميرات حتى تربط الأشياء وتمضي بها قدماً. تقاعدت عندما عجزت عن مواصلة العمل وتوفيت بعد فترة قصيرة. يسرني أننا توقفنا عن إرسال القضايا إليها في العامين الأخيرين. كانت ترهق نفسها حتى دون مساعدتنا. كانت بارعة إلى حد لا يُصدق في تجميع المعلومات والوصول إلى الاستنتاجات. امرأة مذهلة. أتتخيلون كم ستكون ذكية لو كانت مثلنا؟"
رفع ألكسندر أنفه في الهواء.
"كان سيكون رائعاً وجود عبقري آخر بيننا. أنتم الأربعة من سلالة عامة لدرجة أنني، حتى بعد تطويركم، مضطر لجركم وإخباركم متى تأكلون ومتى تتغوطون. أتطلع للعثور على ميلو كي ندور في حديث ذكي."
أغضبت هذه الملاحظة إخوته الأقل ذكاء والأكثر عنفاً، فانهالوا عليه بالوسائد لتفريغ غضبهم الهمجي. توقف نينا عن التأرجح في المنتصف.
"ميلو. ميلو هو من أوقع بفكتور!"
توقف الجميع أيضاً. انتهى وقت اللعب وبدأ وقت التفكير مجدداً. لا يمكن تأجيل الأمر ما إن يطرح أحدهم مشكلة أو لغزاً. فكر بورك لثانية ثم وافق.
"إنه لا يحب فيكتور أيضاً، وهو صديق بيليندا سيموفيتش، ويريد إخراجه من ذلك المحيط الذي يعيش فيه. ربّما... تبّاً!... أمر واضح. اخترق ميلو نظام الحماية المخترق الخاص بنا وكان يتنصت على فيكتور. ربّما اخترق رسائله الإلكترونية أيضاً وكان يراقب كل تحركاته."
"بالتأكيد فعل! علينا افتراض أن ميلو بذكائنا على الأقل. إن فعلنا شيئاً، فسيفعله هو أيضاً."
"وفعلها بإتقان أيضاً. بدا فيكتور كمن تلقى ضربة سندان عندما انفتحت تلك الكبسولة وكان شخصاً آخر. وتلك العصابة بلا ولاء؛ فالأطباء جميعاً ينقلبون عليه وعلى بعضهم. ستكون مجزرة من الاتهامات، حتى إن لم يخوضوا في الأمور القديمة والسرية."
"أتعني، مثلنا وكل الأشياء الممتعة التي عمل عليها فيغو قبل وفاته المبكرة؟ لست متأكداً إن كنت أود خروج ذلك إلى العلن. سيعقد الأمور إن كان أحدهم يبحث عنا."
"أحدهم يبحث عنا. افترضوا ذلك دائماً!"
لم يعجب بورك قط استرخاء إخوته إزاء بعض الأمور — وكره الأمر أكثر حين فعل هو المثل. نهض ألكسندر واتجه نحو محطة عمل.
"كفى لهواً. يمكننا مشاهدة ذلك لاحقاً. هذه فرصة. علينا الإنصات لما يقوله الأطباء وفيكتور، سواء التسجيلات الصوتية أو النصوص المكتوبة. يجب أن نعرف اسم محاميه الحالي وأي محامين آخرين يستعين بهم. وكل من يزوره. سيتواصل عبرهم ليقوم جيش من البلطجية بأعماله. والأهم من ذلك، علينا مراقبة أمواله. ستتبقى لديه بعض الموارد، وينبغي أن نسلبه إياها بأسرع ما يمكن. اتركوه مفلساً وفي السجن. سيتخلى عنه الجميع. المال سلاح يمكن لفيكتور استخدامه. فلنأخذ كل شيء منه حتى آخر فتات خبز."
شرعت نينا في العمل هي الأخرى.
"سأجمع المعلومات عن الفرق التي أطاحت به. أظن أن ميلو يعمل مع شخص في ذلك الفريق، ربما الرجل الأول، لكن علينا معرفة ذلك. قد يكونون أشخاصاً مناسبين لمدّهم بالمعلومات. فيكتور والثلاثي الرهيب ليسوا وحدهم من نحتاج للانتقام منهم."
"نعم. الانتقام... والكارما لجعل العالم مكاناً أفضل للجميع!"
"تبّاً لذلك يا زاندر، بقيّتنا يريد الانتقام."
"حسناً، لا مانع لدي من الانتقام. سنصلح العالم غداً."
بعد ساعتين، من العمل المشترك والمستقل، اجتمعوا مجدداً في غرفة المعيشة، جالسين على وسائد مع أطباق من المقرمشات. وعلى الجدار، كان فيديو بورك يعرض بصمت، مراراً وتكراراً.
"سأبدأ بما أنكم جميعا تحشرون الطعام في أفواهكم. راقبت جماعات المرتزقة العشر التي استأجرها فيكتور سابقاً. لا أرى شيئاً من تسع منها. لكن إحداها تشهد نشاطاً مثيراً للاهتمام. أصدر فولغارد رسالة بريد إلكتروني للأشخاص على جدول رواتبهم في شرق أمريكا الشمالية. لديهم أربعون فرداً في طريقهم إلى فيلادلفيا. نصفهم يمتلك خبرة تقنية، والنصف الآخر يتخصص في الترهيب والسيطرة على السكان المحليين. تتبعت مدفوعاتهم إلى حساب مصرفي لم نكن نعلم بشأنه. برنارد سانت كلير، رئيس مكتب محاماة في لندن، هو من وافق على الدفع."
تدخل زاندر، "لقد تم توكيله لتمثيل فيكتور. لم أجد روابط سابقة بينهما، لكن ذلك المكتب مثّل بعض الأشخاص النافذين ممن ليسوا لطفاء للغاية. ليس كثرة منهم، ولا بالقدر الذي يلوث سمعتهم. إنهم أثرياء كفاءة ولا يترددون بشأن من يعملون لصالحهم. تضم قائمة العملاء أشخاصاً يدورون في نفس فلك فيكتور."
أومأ بورك تأكيداً. أحب الأبجديّة أن يتحقق أكثر من شخص من المعلومات بشكل مستقل كلما أمكنهم ذلك.
"إنهم يتحركون بسرعة فائقة ولا يخفون معاملاتهم جيداً. فيكتور في عجلة من أمره. عليه إيجاد بيليندا سيموفيتش، وهو يركز عليها. إنها طريقه للخروج من هذه الورطة. لا أتفق مع تفكيره ووددت لو أجعل تلك الخطة تفشل."
"يمكنني محاكاة تصريح نقل الأموال من المحامي متى شئنا إغلاق ذلك الحساب. أنفعلها الآن؟ أم ننتظر حتى نجد المزيد كي لا ينتبهوا؟"
أحبّت نينا العثور على مبالغ مخفية يمتلكها أشخاص لا تحبهم. بعد سرقتها، كانت تجد جمعيات خيرية تستحق التبرع بالمال لها. قد يكون طعاماً وملابس لضحايا الكوارث أو دعماً لملجأ حيوانات. كانت تحب القطط بشدة. لقد حولت أكثر من ستة وأربعين مليون دولار مأخوذة من منظمات إجرامية إلى ملاجئ للسنوريات. في النهاية، عثروا على أربعة صناديق استثمارية استخدمها محامي فيكتور الجديد. جرى تخفيض رصيدها جميعا إلى أقل من دولارين، وتغيير كلمات مرور الحسابات، ونقل الأموال إلى مكان آخر.
كان ألكسندر يستمتع بقراءة نصوص مقابلات فيكتور مع عملاء الإنتربول وسكوتلاند يارد، ملفتاً انتباه المجموعة إلى تفصيل مهم.
"إنه يعقد المزيد من الصفقات ويتنازل عن أسرار قديمة. لكن لم يتبق لديه الكثير. إنهم يضغطون عليه بشأن مكان جثّة مدفونة، وطرْد اختفى في بروكسل قد يكون قنبلة نووية جيبية، ومروع يتعلق بـ'الدفعة الرابعة' والذي يثير قلقي وفضولي بالطبع حيال ما سيقوله وما سيخفيه."
"مم، إذن هل نسلب خياراته إن استطعنا؟ هل يجعل ذلك احتمالية حديثه عنا أكبر أم أقل؟"
ساد الهدوء الجميع، والتفت البقية نحو بورك. وبصفته الأكثر ارتياباً بينهم، كان يُتخذ غالباً كمقياس لتقييم المخاطر في القرارات. فكر طوال عشر دقائق كاملة، ثم أدلى بنظريته.
"سيفعل فيكتور ما يصب في مصلحة فيكتور. لا يكترث بمكان جثة مدفونة ويمكنه نيل الحصانة من تهمة القتل في الغالب. القنبلة النووية ستجلب له نقاطاً كثيرة، سواء ساعد في سرقتها أم لا. القنابل النووية تقلق الناس. أما عن الحديث عنا؟ فهو يظن أننا أموات، وهناك مؤشرات ضئيلة جداً تدل على أننا لست كذلك. وأحدث هفواتي البوركية كانت أسوأ دليل على أننا أحياء. لا يستطيع فيكتور الاعتراف بأنه كان يعمل مع فيغو يوهانسون والثلاثي الرهيب من شركة بايوسولوشنز لإنشاء بشر مسخ وسايبورغ معدلين ويوماً لاستخدامهم في زعزعة استقرار الأسواق المالية وسسرقة الأموال والمعلومات. ربما لو كان أمام فرقة إعدام. لأن الاعتراف بمثل هذا قد يضعه أمام الجدار، إلى جانب أولئك الأطباء، لذا سيأخذ ذلك السر إلى قبره، خصوصاً كيف سيؤثر ذلك على ابنة أخيه الكبرى. لا ندرك ما فعله فيغو بابنته، لكنه كافٍ لجعلها تخفى طوال سبعة عشر عاماً. ولم يُرَ وجهها في العلن سوى مؤخراً."
"مع ميلو!"
تجهم بورك. كان يكره النهايات المفتوحة، وميلو كان أكبر نهاية مفتوحة على الإطلاق، بخيط شديد التشابك.
"نعم، مع ميلو. لابد أنه يعلم شيئاً عنها وصار صديقاً لها، أو على الأرجح يعرفها بالقدر الكافي ليدخل فريق الألعاب الخاص بها. ومن المبرر أنه أراد سجن فيكتور إن كان قد أدرك كل أسرار عائلة سيموفيتش."
أشرق وجه زاندر فجأة، وارتسمت ابتسامة عريضة على محياه.
"نعم! تخيلوا فقط ما قد يعرفه ميلو. سيكون الأمر بمثابة عيد الميلاد لنا جميعا. يحق لنا إخباره بالأسرار، وبإمكانه إخبارنا بالأسرار! أأتساءل إن كانت لديه أي بيانات عن بيليندا سيموفيتش؟ أنا فضولي بشأن تعديلات والدها على جيناتها أو نموها."
جلس ألكسندر بجانب زاندر، وتناول بعض الفشار، وبدأ يقرأ عدد قصته المصورة المفضلة الجديدة، وندر وورثوغ، وكان يدندن بصوت عالٍ. رمقه زاندر باشمئزاز تام.
"إياك أن تفعل ذلك! ليس مجدداً! لا تفعل هذا بي!"
"أه، وما ذاك؟ عذراً، أنا أقرأ قصة مصورة. رائعة حقاً، انظر، في هذا العدد، ووندي (هذا لقبي للشخصية الرئيسية) مضطر للسفر إلى أورانوس (الكوكب، احتياطاً لتلتبس الأمور عليك) و..."
حدق زاندر في ألكسندر وبصوت منخفض وعميق، قال: "لديك سر، وتعلم أنني سأرغب بمعرفته، وأنت تدندن!"
أعاد ألكسندر قصته المصورة إلى غلاف مايلر محكم الإغلاق ووضعها بعناية على رف.
"أه؟ حسناً. قد يكون لدي. تدرك، كنت أقرأ تلك النصوص المملة للإنتربول حيث يلعبون دور الشرطي الطيب والشرطي الشرير ويستجرمون المجرمين. أصدقاء فيكتور، الأطباء، يرمونه تحت الحافلة بأسرع ما يمكنهم؛ عقوبة الإعدام سيئة بالنسبة لهم، وبعض الدول حاكمتهم غيابياً كي لا يتطلب الأمر ط انتظاراً طويلاً للمحاكمة. ألمح أحدهم حتى إلى امتلاكه بيانات عن تجارب علمية ربما تورط فيها فيكتور. يعرضها على الإنتربول بشروط صارمة للغاية. إنه يريد عفواً تاماً عن أي شيء يرونه في الملفات وأن يوضع تحت الإقامة الجبرية المحمية طوال السنوات العشرين القادمة. وفي المقابل، سينقلب ويمانحهم مفاتيح القبو حيث تُخزن البيانات. سيوافق الإنتربول، لكن فور حصولهم على البيانات فقط. الوصف يطابق الأقباط التي ابتكرناها بخاصية النبض الكهرومغناطيسي التلقائي، وبإمكانك تخمين مكانها."
سقطت أفواه الجميع ذهولاً. كان بورك ينتف شعره.
"أقراص البيانات المفقودة من بايوسولوشنز! لابد أن هذا ما يتحدثون عنه. لقد أخذوها، ولفقوا موتهم، واحتفظوا بها طوال كل هذه السنين. وهي في قبو ضمن المحيط الذي استأجرناه لتوه! ياله من ملك... يا للول! لا يمكننا السماح بخروج ذلك. كم هو صعب اقتحام أحد تلك الأقباب؟ لا أدري ما غيروه بمجرد أن بعنا براءة الاختراع."
وضعت نينا التصاميم على الشاشة.
"يكاد يكون مستحيلاً لأي شخص آخر وبالكاد صعباً بالنسبة لنا. أقدر أن ثلاثة منا، كفريق، يمكنهم إنجاز ذلك في ثلاث ساعات. أولاً، علينا دخول منشأة مانباور، التي ستكون محاصرة خلال يوم، وينبغي أن نصل إلى هناك قبل أن يعقد الإنتربول صفقة. بإمكاني توفير المعدات المطلوبة على رحلة متجهة إلى فيلادلفيا، وبامكاننا بدء جولتنا في أقل من ثماني ساعات. علينا البدء من هذه النقطة، وسيكون التحرك عبر مجاري الهواء والممرات الضيقة شاقاً للوصول قرب منطقة التخزين. بورك! توقف عن التجول خطاً! لدينا خطة عمل. ابدأ بإخبارنا بأين قد تسوء الأمور."
ركز بورك من جديد، "أه، حسناً. عدد العاملين هناك سينخفض بشدة؛ سيكون مجرد طاقم هيكلي مع وجود معظم الموظفين في جنيف. لكن هذا لا يعني أن المكاتب والمختبرات وأماكن المعيشة ستكون مهجورة. تلك الصفقة تؤتي ثمارها بالفعل. غير أن مانباور مجبرة على تركيز أمنها على الكبسولات التي تعينها. أي شيء يمكننا فعله لدفعهم لتحريك المزيد من الأفراد سيساعد. نحتاج نوعاً من طائرات الاستطلاع بدون طيار لتتقدم وترسم خريطة، وأريد شخصاً رابعاً في تلك المهمة. الرجل الخامس يشرف على كل شيء ويلغي الأمر عند أي بوادر خطر."
أشار الجميع إليه.
"حسناً. لقد اخترقنا نظام الحماية، لكننا ما زلنا ندخل مرتدين أزياء كاملة. أظن أننا سنرتدي ملابس النينجا مجدداً."
أحب الفريق تقمص دور النينجا. لم يكن السبب واضحاً. فبينما كان النينجا رائعين، ساعد ذلك في إخفاء قصر قاماتهم.
كان الجميع يعلم أن النينجا قصار."وأعتقد أن علينا أن نكون متعاونين. سيتجاور ريبوس مع مانباور، ولا أحد يحب مرتزقة متسلطين يعيثون فساداً في محيطهم. سأجعل رئيس ريبوس يتواصل مع مدير مانباور ويعرض بعض القوة الإضافية من قسم الأمن لدينا. للحيطة فقط."
خلال ساعة، خطط الفريق للعملية وكانوا في طريقهم إلى فيلادلفيا.