نهض زيك وتوجّه نحو غرفة التبديل دون أن ينطق بكلمة. تكلف ابتسامة للفتاتين ولوح لهما مودعاً. بمغادرته الآن، سيصل قبل موعده بكثير. لكنه شعث بحاجة إلى لحظة وحده ليتصالح مع مشاعره المضطربة.
لم يُخْفِ إحباطه حين رأى رونَا تخسر. لم يتوقع زيك أن يتأثر بنتيجة النزال. لم يكن قريباً لا من بيتر ولا من رونَا. غير أن فكرة طردهما معا هكذا من البطولة لم تقنعه. غادر مقصورة صوفيا الخاصة وانعطف نحو طاولة الرهانات. فتح له الطلاب المحتشدون الطريق حين عرفوه أحد مقاتلي الجولة القادمة. أراد الجميع رؤية مدى ثقاته بنصره، فلم يعترض أحد سبيله. اقترب زيك من طاولة الرهانات ورسمه المشؤوم عليها.
لم يتعرف إلى نفسه إلا بشعر رأس الولد الأحمر بفظاعة. حدق في أمين الصندوق صامتاً. انتظر أن يناوله أرباحه من النزال الفائت. تجهم الولد قليلا لكنه دفع ما عليه دون تذمر. نال الذهب في عدة أكياس يضم كل منها ألف قطعة. ألقى زيك بأكياس ماله كلها أمام صورته دون عد أو تفكير. استدار ومضى غير منتظر حتى من الساحر المعدني ليُعلن حجم رهانه. وثق أنهم لن يخادعوه أمام هذا الحشد من الشهود.
إن فقد أمين الصندوق ثقة الناس بطل تجارته. أطلق زيك العنان لخياله وهو يمشي نحو غرفة انتظار المتسابقين. قبض كفيه وبسطهما على جانبيه، ومع كل خطوة دق قلبه في صدره كطبول الحرب. تساءل عن سبب اضطرابه. منذ أن رأى كم غضبت رونَا لأجل بيتر صار يحترمها. ربما لاستعدادها للدفاع عمن تحب مهما كانت العقبات. أم لأنها نبيلة من سلالة بارزة وتبذل كل هذا لأجل عامي مثل بيتر؟ لقد كاد الصبي يُطرد من عائلته الأصلية بالنهاية.
لم يجزم زيك بالسبب، فمشاعره بدت له لغزاً مستجداً. استرجع أيامه الأولى هنا منقباً في مشاعره. تمنى حينها لو أن أحدهم اكتراث لأمره إذ كان وحيداً. صار له اليوم صوفيا وفيولا وحتى ليو ليحدثهم ويثق بهم. لكنه لم يلق طوال أسابيع دراسته الأولى ذرة لطف واحدة. حتى صديقة طفولته ومعشوقته ليلي أدارت له ظهرها بقسوة. قادته أفكار ليلي إلى خصمه الحالي. كارل لوفستشلوس، أخو صموئيل غير الشقيق.
أضرمت أفكار ساحر الرياح البغيض جمر غضبه. شعر بجسده يسخن ترقباً. جلس على المقعد في وسط غرفة تبديل الملابس. شرع يرتدي طقم درعه الجديد ليصرف عن نفسه الانشغال. فاجأه ماكسيميليان بتلك الهدية الليلة الفائتة. بدت مكافأة لبلوغه المراكز الستة عشر الأولى على ما يبدو. لكن زيك أدرك الحقيقة. أدرك العجوز يوم عيد ميلاد زيك أنه نسي إحضار هدية له. تذكر زيك كم ارتبك ذاك الحين، فوجدها حجة ليدلله قليلا.
قال العجوز: "ستتجه نحوك عيون كثيرة في النهائيات. لا يمكننا السماح لك بإحراج عائلتنا بدرع رث أليس كذلك؟"
لكن الذكرى الطيبة لم تهدئ روعه. استبد به شعور بالتمرد كوحش في قفص. طاف بذهول في غرفة انتظاره مهموماً قلقاً ريثما يستعد للقتال. مد يده لدرعه يعدل سيوره ليستتب استقرارها تماماً وتهدأ أعصابه. تفقد أولا درع الصدر. صُنع من جلد السلمندر البري الأحمر وكان قطعة الطقم المركزية. بدت الحراشف سميكة لينة تلمع تحت الضوء. شد الأشرطة ليحكم التفافها حول صدره دون تقييد حركته. شعر بوزنه يستقر على كتفيه.
لكنه لم يشعر بالثقل مقارنة ببدلة المقاومة خاصته. انتقل زيك بعد ذلك إلى الواقيات. صُنعت هي الأخرى من الحراشف الحمراء ذاتها الخاصة بدرع الصدر. زُينت إضافة إلى ذلك بنقوش معدنية دقيقة. تفقد مقاسها ليضمن التفافها حول ساعديه من غير إعاقة لدورته الدموية. ازدادت الواقيات ثخانة وصلابة مقارنة بقطع الطقم الأخرى. أخبره ماكسيميليان بإمكانية استخدامها لصد أضرار جسيمة مقابل بعض الثقل.
اتجه إزيكييل نحو الساقين متفحصاً واقيات القصبات. ثقيلة هي ومن جلد متين صلب، وثُبتت بسيوري جلد تتقاطع على بطن ساقيه. عدل السيور. تناول إزيكييل خوذته أخيراً. كانت تاج درعه. صُنعت الخوذة من المعدن بلون الطقم الأحمر عينه وزُينت بإكليل من الذهب. عدل مقاس القطعة الأخيرة هذه أيضاً للتأكد من تغطيتها رأسه دون حجب رؤيته. نظر إزيكييل إلى إحدى المرايا حين أنهى تعديل درعه. عُلقت المرايا في الجدران حوله لتعكس هيئته.
تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها نفسه بالدرع. بدت الحراشف الحمراء الدقيقة بالغة الروعة. لم يستطع زيك منع يده من التحسس فوق الحراشف. نسي اضطرابه لحظة وهو يتأمل هيئته. غطى طقم الدرع جسده من رأسه حتى أخمص قدميه دافعاً الحركات لليونة بالغة. بدت القطع مرنة للغاية بل وناعمة ومريحة على جسده. لكن ما استأثر بانتباه زيك أكثر من غيره كان الخوذة. اتخذ غطاء الرأس شكل جمجمة تننين.
برز في مقدمة الخوذة قرنان مهيبان. انبثقا من فوق محجري العينين منحنِيَيْن حتى مؤخرة الجمجمة. أضفيا هيئة تننين ضاري مستعد للانقضاض. أبرزت نقوش ذهبية دقيقة على طول القرنين ملامح التنين. زينت مؤخرة الخوذة بداية من فروة الرأس بخصلة حمراء فاقعة تشبه لبدة أسد. ثُبُتت بعناية على الخوذة لتمنحها مظهراً أشد رهبة. طابق اللون شعر زيك بغرابة تامة. بُطنت الخوذة من الداخل بحشوة جلدية ناعمة.
وفرت الراحة والحماية لرأسه. صُنع الدرع ببراعة أتاحت لزيك عدم الشعور بأي تقييد. يعود الفضل بالطبع لخبرته في التدريب ببدلة المقاومة. مثلت قوته الخارقة ورشاقته عاملاً رئيسياً في تيسير حركته. دهش إزيكييل أمام المرآة لروعة قامته داخل الدرع. بدا بحراشفه الحمراء وقرنيه كشيطان بهيئة بشرية. لاحظ أمراً غريباً فاقترب من المرآة. توقف على مسافة شعرة من السطح العاكس. حدق زيك في عينيه خلف ثقوب الخوذة.
ها هو ذا مجدداً. تبين بوضوح حدقة الزواحف العمودية خلف القناع. ظل زيك واقفاً مكانه. تسمر يتأمل بهدوء ملامحه. لم يوقظه من تأمله سوى طرْق أحدهم بابه ثلاث مرات. كانت تلك إشارة بدء جولته. التقط إزيكييل عصاه الموثوقة وهمّ بمغادرة منطقة الانتظار. شق طريقه نحو الحلبة ملقياً نظرة أخيره على التنين البشري في المرآة. لوح له موظف إيذاناً بالدخول لحظة وقوفه أمام مدخل الحلقة. فعل زيك ما أمر به وتأججت في داخله كل المشاعر المحبوسة طلباً للانفلاق.
شهد أخيراً تجربة المتسابقين حين ولج الحلبة. رأى وجوه آلاف المتفرجين المتحمسين ترقبه. تراوحت تعابيرهم بين الابتهاج والازدراء. سمع موجة ذهول حيال مظهره. بدا حتى خصمه الظاهر في الطرف الآخر من الميدان مصدوماً. ارتدى كارل زياً خفيفاً من القماش. حُمّلت الثياب الضيقة بكامل مقومات السرعة والأناقة. لم يكترث لأي سمات دفاعية. تخصص ساحر الرياح جلياً في الحركات السريعة مثل صموئيل.
فجأ زيك صوت المذيع الجهوري بعد أن خبا تمتمة الجمهور. علا صوت يورغل البهيج هنا أكثر منه بين مقاعد المتفرجين.
هتف: "أهلاً بكم أيها السادة والسيدات في النزال السادس لليوم! نواجه هنا صدام عمالقة حقيقي! من المدخل الشرقي ومن عائلة لوفستشلوس يأتينا كارل لوفستشلوس! مقاتل مرن ذو ردود فعل كبرق وسمعة كأحد أسرع المتسابقين. أطاحت هجماته المرنة بالعديد من الخصوم في معركة البقاء. يسعى اليوم للانتقام ممن سلب أخاه مقعده في النهائيات! أسيقدر على إسقاط خصمه وانتزاع النصر؟"
علت هتافات متفرقة لكارل وعلت أكثرها لدى ناحية سحرة الرياح. بدا واضحاً أن ما روته فيولا لأبيها بالمرحلة الجماعية أتى أكله. تهاوت مكانة عائلة لوفستشلوس بين سحرة الرياح الآخرين. غاب الدعم الفعلي من العائلات النبيلة الأخرى.
هتف المذيع: "ومن المدخل الغربي نأتي بساحر الدماء الشافع بتوافق تام: إزيكييل فون هوهنهايم! شكل مفاجأة للجميع بهذه البطولة. ينحدر من عائلة عامية بحتة بلا جذور نبيلة. لكن لا يخدعنكم هذا، فهذا المقاتل قوة يحسب لها حساب حقيقي. أظهر لنا عقلاً تكتيكياً بارعاً وسحراً ثلاثي التوافق. يُعد أحد أكثر المقاتلين مرونة في البطولة. أيكفي هذا لمجاراة أفضل الأفضل؟ ومن سيعتلي القمة؟"
صاح: "لنكتشف! معاً!"
انفجر الاستاد بالهتافات عقب كلمات المذيع الأخيرة. صنف النزال كأحد المفضلين للجولة الأولى. أحب المتفرجون قصص الانتقام بالطبع. لكنهم تشوقوا لرؤية ما يستطيع زيك فعله أيضاً. مثل الساحر اللاعنصري الوحيد في النهائيات لذا عدّوه تحفة غريبة للمشاهدين. لم يعبأ الصبي المعني برأي الجمهور نحوه حالياً. انصب تركيزه كلياً على الجونغ المعلق في المدرجات. سينطلق النزال رسمياً فور دقه.
راقب زيك بعين صقر ساحراً سميناً يدنو من القرص المعدني المستدير ممسكاً بعصا. شعر بنبض قلبه وقرع دمه في جسده. رأى الرجل يتخذ وضعية ويهوي بالمضرب الخشبي فوق رأسه إعلاناً للقتال. عادت عينا زيك لخصمه كارل لوفستشلوس. استمر الساحر النحيل يحدق في الجونغ. تبين زيك بوضوح تام كل تفاصيل وجه الولد. رصد قطرة عرق تسافر هبوطاً عبر جبينه وتجري بين عينيه لتبلغ أرنبة أنفه. رن الجونغ في أي لحظة وكان زيك مستعداً.
تشبث جسده كوتر قوس. شعر بطاقة لا تنتهي. تحولت طاقته العصبية إلى تركيز أحادي وثقة مطلقة. سيدمر خصمه. يستحيل أن تفلت فريسته من مخالبه. بوووووووونغ! انطلق زيك فور سماع الصوت. غاب إلقاء السحر وانعدمت التقنيات الخاصة. التقط بحركة واحدة عصاه المغروسة أمامه بالأرض ورفعها فوق رأسه. استمرت عيناه مسلطتين على هدفه طوال الوقت. نزل بصر كارل من الجونغ لموضع زيك دون انقضاء ثانية كاملة.
رمى العصا نحو خصمه كقذيفة من منجنيق دون توقف لثانية. التقت نظرة كارل بعيني زيك أخيراً. متأخراً للغاية. قطعت القذيفة نصف المسافة بين الرجلين بالفعل. لاحظ كارل المقذوف المقبل فاتسعت عيناه. راقب زيك بلا مبالاة وجه خصمه يتقزم رمادياً لطرفة عين. لم يحرك ساكناً لمتابعة رميته بشيء آخر. أيقن قطعاً بانتهاء النزال. أطلق كارل صرخة ناثراً الريح من كفيه سعياً لتجنب الخطر المحدق.
لكنه بدا كحلزون أمام سرعة العصا. لامس السلاح جسده بعد لحظة. نجح ساحر الرياح في تحريك جسده قليلا بغية الإفلات قبيل الإصابة. لكنه صُدم بالجانب الأيمن لأضلاعه. كان الوقع مدمراً. اخترقت عصا زيك المعززة بالمعدن صدر كارل المغطى بالقماش مباشرة. عاثت موجة الصدمة فساداً باللحم والعظم في الجانب الأيمن لجسده بأسره. داهم المسعفون الميدان دون انتظار الإعلان حتى. انححن فوق هيئة الولد الطريحة باللحظة التالية.
رفع حتى المعالج الأسمى -الساحر الأسمى الوحيد لتوافق الحياة في الإمبراطورية- حاجبها. بدا مستغرقاً في تفكير حول المساعدة من موقعه قرب ماكسيميليان فيكتور. صُدم المذيع يورغل لدرجة عجزه حتى عن إعلان الفائز. ظل يحدق بالمشهد كبقية الجمهور. تحرك زيك حينئذ. شق طريقه نحو خصمه بخطى بطيئة غير مستعجلة. راقبه الحشد متكهناً بخطوته التالية. بلغ جانب خصمه مطلاً بحدقتيه على هيئة الولد الطريحة.
تجاهل سحرة الحياة حضوره منشغلين بتثبيت حالة الولد. بدا زيك منتظراً لأمر معين إذ استقرت عيناه على جسد ساحر الرياح بلا تخلخل. تنفس المعالجون الصعداء عقب ثوان معدودة. نجحوا في تثبيت حالة كارل. لن يستغرق الأمر سوى بعض الوقت من الآن فصاعداً ليستعيد عافيته تماماً. تحرك زيك إذ ذاك ماداً يده لانتزاع عصاه من صدر كارل مباشرة. فاتحاً الجراح مجدداً دون ذرة تفكير. أنين الولد الفاقد للوعي وألقى المعالج نظرة حانقة نحو زيك فيما عاودا العمل.
لم يكترث إزيكييل لمحنة المعالج وشق طريقه صوب مركز الاستاد مجدداً. تابعه الجمهور بأنفاس حبست انتظاراً لما سيقترفه ساحر الدماء المعتوه تالياً. توقف في قلب الحلبة. مسح بعينيه الحشود باحثاً عن شخص أو أمر. استقرت عيناه بعد هنيهة على بقعة محددة رافعاً عصاه مشيراً لشخص منفرد. إنه رولاند إردهر فائز الجولة السابقة وخصم زيك القادم. بقي ساكناً بلا كلام مشيراً بعصاه نحو خصمه القادم.
زادت الدماء وقطع اللحم المتساقطة عن سلاحه التهديد هولاً. لكن تصريحه الصامت وصل للجميع.
هتف: "أنت التالي!"