أتاحت قيلولة أول الليل لزيك أن يشعر بالنشاط والحيوية. ومع تسلل خيوط الفجر الأولى إلى غرفته، نهض وتوجه إلى قاعة التدريب لتمارين خفيفة تضمن دفء عضلاته ومرونتها استعداداً للبطولة القادمة. وبعد فطور تناوله بصحبة ماكسيميليان، خرج زيك وتأهب لتوديع معلمه. ولكن لدهشته، رأى ماكسيميليان يستعد للرحيل هو الآخر.
سأل زيك والارتباك بادي على وجهه: "أنت ذاهب إلى مكان ما أيضاً؟".
نظر إليه ماكسيميليان بنظرة يغلفها شيء من الحيرة وقال: "ماذا؟ ألا تظن أنني أريد أن أكون هناك لأرى تلميذي الوحيد، ووريثي، يؤدي في بطولة قضى شهوراً يستعد لها؟".
شعر زيك بمسحة من الحرج لسهوه عن الأمر، فهو لم يخطر بباله قط أن معلمه سيود حضور البطولة.
وأدرك ماكسيميليان الضغط الإضافي الذي قد يفرضه وجوده، فاستطرد مبتسماً: "علاوة على ذلك، لقد مر وقت طويل منذ أن رأيت فيكتور. هذه البطولة فرصة مثالية لألحق به".
ثمن زيك مسعى معلمه رغم أنه نفذ بصيرته ورأى ما ورائه. وشقا طريقهما معاً نحو الملعب المركزي لأكاديمية إليمنتيوم الذي سيستضيف بطولة قتال السنة الأولى اليوم. وعلم زيك أن هذه المسابقة لا تقام إلا مرة واحدة، في نهاية السنة الأولى. ووفقاً لفيولا وصوفيا، يخوض طلاب السنة الثانية مهمات خارج الأكاديمية، وتحدد درجات أداؤهم فيها نتائج امتحانهم العملي. ولم يكن زيك يعلم بعد ما يتعين على طلاب السنة الثالثة والرابعة فعله للامتحانات، لكن ماكسيميليان أخبره أن الامتحانات السنوية لا تتشابه أبداً.
تساءل زيك عن أداء صديقتيه في امتحاناتهما العملية. وكان واثقاً من أن صوفيا ستتفوق على فيولا نظراً لضعف فيولا النسبي في النظريات السحرية، ومع ذلك كانت فيولا في المركز الأول وصوفيا في الثاني في المرة الأخيرة. وأدرك زيك أن صوفيا كانت تعمل بجد لانتزاع المركز الأول من فيولا. ولم يرهما منذ درسه مع صوفيا قبل أسابيع واشتاق إليهما، وسعد لوجودهما اليوم لدعمه. وصل زيك وماكسيميليان إلى الملعب المهيب، ذلك الصرح الشاهد على قوة أكاديمية إليمنتيوم وبأسها.
وانتقل زيك بفكره إلى يوم مبارزته لمارتن فوييركرانتز، تلك الذكرى البعيدة من أيامه الأولى في الأكاديمية. ولم يملك إلا أن يشعر بخجل دفين من سذاجته حين ظن نفسه أقوى طلاب دفقته، ليكتشف أن مارتن كان بين الأضعف. وامتن حصيفاً لحصص القتال، فدونه لظل غارقاً في وهم تصدره لصفه. لقد قطع شوطاً طويلاً منذ تلك الأيام الغابرة، دافعاً ليو إلى حافة الهزيمة في حصتهما الأخيرة. وكان ليو يُعد على نطاق واسع بين الطلاب الخمسة الأوائل في الدفعة، وافتخر زيك بالتقدم الذي أحرزه.
ولكن حتى مع هذا الكد كله، لم يستطع التيقن من مدى تحسن بقية زملائه. وتمنى أن يضعه نموه على قدم المساواة مع أفضتهم، لكن احتمال إحراز الآخرين تقدماً أكبر ظل قائماً. وستكون بطولة اليوم الاختبار الحقيقي لقوته، ووطن زيك نفسه لمواجهة التحديات المرتقبة. افترق ماكسيميليان وإيزيكييل عند مدخل الملعب العملاق. وتوجه ماكسيميليان إلى مقصورة كبار الشخصيات للبحث عن صديقه فيكتور فيندتانزير، بينما دخل إيزيكييل من مدخل المتسابقين.
وما إن خطت قدمه المبنى الضخم حتى استقبله مكتب استقبال يديره طالب من سنة متقدمة، تفحصه صعوداً وهبوطاً وطلب اسمه وميوله لمطابقتها مع القائمة. وخيب العرض الباهت أمل إيزيكييل الذي كان يطمح بطريقة أكثر سحرية وإثارة لتسجيل الوصول. ورغم خيبة أمله، عرف عن نفسه سريعاً وتسلم رقماً لمنطقته في مرحلة المجموعات. وبينما هم بالتوجه إلى منطقته المخصصة، سمع صوتاً مألوفاً يناديه.
استدار فرأى كائناً صغيراً يقذف بنفسه مباشرة نحو صدره، وارتسمت ابتسامة على وجهه حين أمسك بفيولا واحتضنها بحرارة. ولم يكن الطالب المسؤول عن توجيه المقاتلين إلى مواقعهم راضياً عما يرى.
وثبت نظراته على الفتاة بين ذراعي إيزيكييل وتكلم بحدة: "أيتها الفتاة السماوية، المشاركون وحدهم مسموح لهم بالتواجد هنا. أنصحك بالمغادرة قبل أن أبلغ السلطات".
حدقت فيولا بالطالب بازدراء، ثم صرفته بنفضة من معصمها وقالت: "أبلغ عني إذن. ماذا تظن سيحدث لي حين يكون جدي هو مدير المدرسة؟".
شحب وجه الطالب الأكبر سناً، واكتشف بوضوح أنه لم يتعرف إلى فيولا قبل قليل.
تلعثم لبرهة قبل أن يستعيد رباطة جأشه أخيراً وهمس: "أ-أنا أعتذر، لم أكن أعلم".
منح إيزيكييل الطالب ابتسامة اعتذار وسحب فيولا بعيداً: "فيولا، أرجوك لا تستغلي مكانتك هكذا. كان ذلك المسكين يؤدي عمله فحسب، وقد أثرتِ رعبه".
كشرت فيولا ثم سألت: "ألا تريدني أن أتي لأشجعك؟".
شعر إيزيكييل بالذنب لتأنيبها، خصوصاً أنها حضرت لدعمه. وهم بالاعتذار حين لمس وميضاً مشاغساً في عينيها.
وبدلاً من ذلك، نقر رأسها بمرح وقال: "بالتأكيد أريدك هنا، لكن هذا لا يعني أن ترعبي المسكين. ولم يفتني أنك فعلت ذلك عن قصد".
بدت فيولا محبطة قليلاً بعد كشف أمرها، لكنها نفضت ذلك بمعصمها: "حسناً، حسناً، خطئي"، ثم انتعشت فوراً متلهفة لتغيير الموضوع: "إذن، ما هي فرصك هذه المرة برأيك؟ لديك مركز أول للدفاع عنه بعد كل شيء!".
لم يملك زيك إلا أن كشر أمام سؤال فيولا. فقد بلغ المركز الأول بسهولة بالغة في الفصل الدراسي الأول لاعتماده على ثلاثة ميول لحصد النقاط، أما هذه المرة فلن يهم سوى قوته القتالية الشاملة.
ورغم ذلك، شعر بثقة نسبية في قدراته، فرمق فيولا بابتسامة جانبية وأعلن: "المركز الأول لي، بلا شك في ذلك".
منحته فيولا إبهاماً مرفوعاً، لكن حديثهما انقطع على صوت صاخب: "يبدو أن أحدهم بدأ يغتر بنفسه، أليس كذلك؟".
استدار زيك باحثاً عن مصدر التحدي. وها هوذا: ليو، وابتسامته شرسة كعادته. لقد نما الشاب قليلاً منذ آخر لقاء بينهما، وبدا شعره الأشقر الفوضوي المتسخ أكثر شعثاً من السابق. والتقطت عينا ليو نظرات زيك وفي نظرته تحدٍ صريح. واجه زيك نظرات ليو مباشرة، متلهفاً لقياس قوته ضد الساحر مزدوج الميول.
واتسعت ابتسامة ليو أكثر وصاح: "رائع! لا أطيق الانتظار لمواجهتك!".
لكنه ما إن وقع بصره على شارة زيك حتى خفت حماسه قليلاً: "تباً. أنت تحمل الرقم 233، مما يعني أنك في المجموعة 24".
نظر زيك إلى صدر ليو ورأى الرقم "165".
اكتفى زيك بالايماء، وظل غامضاً بعض الشيء إزاء نظام البطولة.
ولاحظ ليو الارتباك على وجه زيك فسأل: "ألا تعرف كيف يعمل النظام؟".
اعترف زيك: "لم أطلع عليه".
وفي النهاية، لم تعنِ تفاصيل البطولة الكثير له. وكل ما كان يهم هو الفوز والتقدم، أو الخسارة والتخلف.
وبدأ ليو يشرح قائلا: "تتألف البطولة من مرحلتين: مرحلة المجموعات ومرحلة الإقصاء. في مرحلة المجموعات، ستتصارع أنت وحوالي عشرة سحرة آخرين معاً مرة واحدة. سيتأهل المتسابقان الحائزان على أكبر عدد من الانتصارات في مجموعتك إلى الدور الإقصائي. وكما يوحي الاسم، يكفي أن تخسر مرة واحدة في هذه المرحلة لتُقصى من البطولة. تبدأ مرحلة الإقصاء بـ64 متسابقاً، ولبلوغ النهائي، عليك الفوز بخمس مباريات متتالية".
أومأ زيك مدركاً الآن: "شكراً لشرح الأمر لي".
ومع ذلك، ظل سؤال ملح يراود ذهنه: "لكن كيف يمنع المعلمون أقوى المقاتلين من مواجهة بعضهم في مرحلة المجموعات؟".
قطب ليو جبينه مفكراً، وقبل أن يتسنى له الرد، تدخلت ساحرة الريح الضئيلة المتشبثة بظهر زيك وقالت: "لقد صنفكم معلموكم جميعاً خلال الفصل الدراسي، ووُضع الثلاثون الأوائل في مجموعات مختلفة لتجنب هذا السيناريو بالضبط".
عبس زيك. فلم يخطر بباله أن المعلمين سيصنفونه بين الثلاثين الأوائل، نظراً لأدائه المتقلب ضد سحرة الريح في معاركهم السابقة. ولكن حين استحضر جلسات تدريبه التي لا تحصى ضد مارغريت، ارتسمت ابتسامة واثقة على وجهه. لقد بات جاهزاً لمواجهة سحرة الريح الآن.
وأشار ليو نحو منصة بعيدة: "تلك هي ساحتي هناك. أراك لاحقاً. احرص على ألا تخسر قبل أن تصل إلي".
أومأ زيك والإصرار يملأ عينيه. لم تكن لديه أي نية للخسارة أمام أحد في هذه البطولة، ولا سيما في مرحلة المجموعات. وعندما صعد زيك وفيولا إلى منصتهما المحددة، واجهما منظر مدهش. بدت المجموعة 24 مؤلفة حصرياً تقريباً من سحرة الريح، وبين الوجوه في الحشد، لمح زيك وجهين مألوفين: صامويل وليلي.
وحين تفقد زيك المجموعة والارتباك مرتسم على وجهه، التقبت عينا صامويل بعينيه وابتسم باستهزاء: "ما الأمر أيها الفتي الدموي؟ أظننت حقاً أن توزيع المجموعات جرى عشوائياً؟".
وسخر صامويل: "عليك أن تعلم بحلول الآن أن عائلات السحرة الكبرى تمتلك نفوذاً واسعاً في هذه الفعاليات. هذه البطولة فرصة للجيل الناشئ لاستعراض مهاراتهم على مسرح رسمي، وتحرص العائلات على ترجيح الكفة لصالحها".
سخر زيك معلقاً على كلام صامويل: "أَتظن حقاً أن عائلة لوفتشلوس إحدى تلك العائلات الكبرى؟ أراهن أنك اضطررت لتوسل عائلة فوييركرانتز لوضعي في هذه المجموعة".
احمر وجه صامويل غضباً: "كيف تجرؤ! عائلتي لوفتشلوس لا مثيل لها، وحتى عائلة فيندتانزير لن تبقى في الصدارة طويلاً".
اختارت فيولا تلك اللحظة لتطل برأسها من فوق كتف زيك، رامقة صامويل بنظرة مخيفة. شحب وجه صامويل، وكاد زيك يشعر بالأسف تجاهه.
لكنه تذكر كم كان صامويل فظاً فقرر غرس الخنجر أكثر: "أسمعت ذلك يا فيولا؟ يبدو أن عائلتك فيندتانزير ليست محل تقدير كبير لدى عائلة لوفتشلوس. أعتقد أن تغييراً سيطرأ على أسماء العائلات الأربع الكبرى قريباً".
ضاقت عينا فيولا، وانفصلت عن ظهر زيك محلقة في الهواء.
وارتسمت ابتسامة مشاغسة على وجهها: "انتظر هنا ثانية. نحتاج للحديث مع أبي. إنه هنا اليوم، وأظنه سيهتم بسماع طموحات عائلة لوفتشلوس".
وبقولها هذا، طارت خارج منطقة المتسابقين، تاركة صامويل أكثر شحوباً. وبدا وكأنه أدرك لتوّه أن كلماته قد تنطوي على عواقب وخيمة لمستقبل عائلته. غمر زيك رضا عميق إزاء الضرر الذي سببه غير مباشر لصامويل، لكنه حين نظر إلى هيئة ليلي التي بدت محبطة هي الأخرى، شعر بشيء من الندم على المدى الذي وصل إليه في الأمر.