كانت الشمس قد للتو أشرقت، ساطعة في سماء خالية من السحاب. كان الجو ينبئ بيوم صيفي دافئ. متجاهلين الطقس المثالي، كان فتايان مراهقان يصعدان جانب تلّ بسرعة، متسابقين نحو القمة. كانا يجريان بسرعة ما كان لشخص عادى أن يتحملها، حتى على أرض مسطحة. ومع ذلك، لم يفكر أي منهما في إبطاء السرعة رغم التضاريس الغادرة. وما إن بلغا القمة، حتى توقف الفائز أخيراً. كان فتى بني الشعر ذا عيْنَيْن ذهبيّتَيْن.
التقط أنفاسه، فانحنى ويداه على ركبتيه. التفت إلى الوراء، ممتناً للتقدم الذي نجح في تحقيقه خلال الجزء الأخير من التسلق. وبحلول الوقت الذي انضم إليه رفيقه، كان تنفسه قد استقر بالفعل. ابتسم للفتى الآخر.
"لقد فزت مجدداً".
انهار رفيقه على الأرض فوراً، وقد نفدت أنفاسه تماماً.
"أنا أكرتك حقاً يا زيك".
ابتسم زيك بتهكم، ناظراً إلى أخيه أسفل منه.
"مهلاً، لم أكن أنا من أراد التسابق".
أدار ليو رأسه بعيداً فحسب، متعباً أكثر من أن يجادل. وبحكم صدره اللاهث، سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يتعافى. وفي غضون ذلك، مشى زيك نحو الجرف، مفحصاً الجانب البعيد من التل. ومن نقطة المراقبة هذه، استطاع تبين محيطهما بوضوح. على مدى البصر، تناثرت تلال بأحجام متفاوتة في المشهد. وكان التل الذي يقفان عليه من بين الأكبر، مما سمح لزيك بالرؤية حتى الأفق. ظهرت ابتسامة رضا على وجهه.
كانا يحرزان تقدماً جيداً. لقد مر أسبوع منذ أن غادر اثناهما تريدسبير. غادرا المدينة جهة الجنوب، الاتجاه المعاكس للإمبراطورية. ونتيجة لذلك، حطا في إنفوكاتيا، بلاد المستدعين. وإذ لم يرغبا في لفت أي انتباه، بقيا بعيدين عن الطرق طوال الأيام القليلة الأولى، قبل أن يشقرا طريقهما شرقاً. كان هدفهما النهائي بلوغ كوروفان، التي تقع شرقي إنفوكاتيا. ومع ذلك، لم تكن لدى زيك أي نية للاستعجال في الرحلة.
كانت هذه المرة الأولى التي يمكنه فيها استكشاف العالم حقاً، تماماً مثلما حلم دائماً. وبما أنه كان متخفياً، لم يكن هناك ما يمنعه من الاستمتاع بالحياة الخالية من الهموم لمغامر لفترة من الوقت. ولمرة واحدة، لم تكن لديه أي مسؤوليات. لم يكن عليه الحذر من المؤامرات أو الخطط، أو التخطيط للمستقبل. ولمرة واحدة، كان الشيء الوحيد الذي يحتاج إلى الاهتمام به هو من أين سيحصل على وجبته التالية، وأين سيقضي الليل.
غررررر! على وقع فكرة الطعام، تقرصن بطنه. لم يتناولا أي إفطار بعد، وشعر زيك ببشائر الجوع الأولى بعد التمرين الصباحي الطويل. ومصوباً نظره نحو ليو، الذي نجح في الجلوس الآن، درس زيك خطوتهما التالية. قبل يومين، دخلا بلدة أخيراً للمرة الأولى. وهناك، قبلا مهمتهما الأولى. كانا يسافرَان متخفيَيْن في هيئة مرتزقة جوالين، لذا لكان الأمر غريباً لو أنهما لم يقبلا أي مهمات من النقابة.
والمهمة التي قبلاها كانت مهمة اعتيادية لصيد الوحوش. المخلوق الذي كانا يبحثان عنه هو خنزير الناب الفولاذي، ووفقاً لموظفة الاستقبال، فهما شائعان للغاية في هذه التلال. ومع ذلك، لم يصادفا حتى الآن واحداً منفرداً.
"أكاشا، ماذا تعرفين عن خنازير الأنياب الفولاذية؟"
الاسم: خنزير الناب الفولاذي. الفئة: وحش. الارتفاع: 3 خطوات. الوزن: 900 رطل. الوصف: خنزير الناب الفولاذي وحش كبير معروف بأسلوب حياته القائم على القطعان. تشكل هذه المخلوقات مجموعات تصل إلى 12 فرداً وتزدهر في التضاريس التلية، عائشة في الكهوف. وطريقتها الأساسية في الهجوم هي هجوم هابط مرعب، تنفذه بدقة بالغة. وهذا الهجوم، المدعوم بأنيابها الحادة، يمكنها من السيطرة حتى على مفترسات أكبر في ضربة واحدة مدمرة.
القيمة: الجانب الأكثر قيمة في خنزير الناب الفولاذي هو أنيابه الحادة كحد السيف. هذه الأنياب مطلوبة بشدة كمواد لصناعة الأسلحة والأدوات، مما يجعلها مورداً قيماً. مستوى الخطر: ضئيل.
أومأ زيك برضا. في مثل هذه اللحظات كان بإمكانه تقدير مدى فائدة أكاشا حقاً. ومستعرضاً المعلومات بسرعة، لاحظ زيك جانبين. أولاً، قيمة أنيابها. لم يدهشه هذا كثيراً، إذ حددت المهمة أنهما ستتم مكافأتهما عن كل قطعة يعيدانها. والشيء الثاني هو مستوى الخطر. ومن الوصف العام للوحش، لكان يتوقع أن يكونا أكثر خطورة.
"لماذا مستوى الخطر منخفض هكذا؟"
[إجابة]مستوى الخطر ليس قيمة عامة بل تقدير للتهديد الذي يواجهه المضيف.
وبالنظر إلى قدرة المضيف الفائقة على الحركة، يمكن تجنب هجوم الخنزير بسهولة.
بدا ذلك منطقيا. لا سيما إذا كانت الوحوش تندفع صعودا. إن تفاداها مرة فلن يكون بمقدورها تكرار الهجوم بسهولة. بدأ مخطط يتبلور في عقله. حين رآه نهض على قدميه، اقترب زيك من أخيه مبتسما.
"جائع؟"
"ممهم."
"ما رأيك ببعض اللحم؟"
نظر إليه ليو بريبة. كان يعلم أنهما لا يملكان أي لحم.
"أهذا سؤال خديعة؟"
اتسعت ابتسامة زيك.
"على الإطلاق. كنت أفكر فقط في إنجاز مهمتنا في الوقت ذاته. ما رأيك؟"
أشرق وجها ليو.
"خنزير؟"
أومأ زيك برأسه، مشيرا له بالاتِباع. وفي طريق نزولهما المنحدر، راح يشرح خطته لأخيه بينما كان يراقب في الوقت ذاته بحثا عن أي من الكهوف التي يُعتقد أن الخنازير تعيش فيها. وحين بلغا منتصف الطريق، أثمر بحثه أخيرًا. وأمام فم الكهف العملاق، كان هنالك أربعة وحوش ضخمة تغط في النوم. تبادل زيك وليو نظرة، ثم اقتربا بصمت. كانت الخنازير تتخذ وضعية نوم غريبة إذ استلقت على ظهورها ممددة حوافرها الأربعة بيبوسة نحو السماء.
وبدا لهيئة الخنازير طرافة بالغة في عينَي زيك. ومع ذلك، لم يكن ليستهين بأي وحش، وخصوصا وحش لم يسبق له أن قاتله من قبل.
"أربعة منها في الخارج، وربما غيرها في الداخل. أَنَمضي كما خططنا؟"
أومأ زيك.
"نعم، هذا قريب مما توقعت. في أسوأ الأحوال، نتخلى عن الخطة ونقاتلها وجها لوجه."
تلألأتا عيناها ليو. استطاع زيك أن يدرك سلفا أن أخاه يفضل نسيان الخطة واشتباكها وجها لوجه منذ البداية، لكنه لم يكن ليسمح بذلك. لم تكن عادة جيدة أن يندفع المرء دوما دون سابق تدبر. صحيح أنهما قد ينجوان بفعلتهما تلك ضد الخنازير، لكن كلما ازداد خصومهما قوة، أصبحت الاستراتيجية الجيدة بالغة الأهمية. أراد زيك ليو أن يدرك ذلك.
"أتقدر على فعلها؟"
أومأ ليو.
"سأكون بخير."
"لنفعلها، فقد بدأ الجوع ينال مني."
* * *
وقف زيك على مسافة لا باس بها أسفل الكهف، مقلبا بصره في الخنازير النائمة. لقد اكتملت استعداداته، ولم يبق سوى معرفة ما إذا كانت خطته جيدة أم لا.
"أيتها الخنازير المنتنة، تعالين إلى هنا!"
على الفور، اضطرب المشهد الهادئ. صُعق زيك حين رأى كيف وثب كل خنزير من خنازير الأنياب الفولاذية على قدميه في لمح البصر. واختفت وضعيتهما الهزلية تماما وهما يلتفان بسرعة تناقض ضخامة بنيتهما. ودارت رؤوسهم الأربعة نحوه فجأة، مستقرة بعينيهما السوداوين الصغيرتين على هيئته.
مقارنة بالحيوانات، عادة ما تتمتع الوحوش بمستوى أعلى من الذكاء. لذا، لم يفاجأ زيك حين تبادلت الخنازير النظرات عوض الاندفاع بتهور. ومع ذلك، وإذ لم تجد أي أثر لفخ ويقف أمامها بشري واحد فحسب، قررت الهجوم في النهاية. لكن حتى مع اندفاعها، أظهرت الوحوش مستوى مدهشا من التدبر. فعوض الهجوم العشوائي، تقدمت معا جنبا إلى جنب. وبهذا، استحال على زيك تفاديها تقريبا. وإن حاول الاندفاع مبتعدا في اللحظة الأخيرة، فستدوسه الخنازير المحيطة.
تمتم زيك باستحسان بينما اقترب جدار اللحم منه. لا عجب إذن أن أطشأ قالت إنها قادرة على صيد مفترسات أكبر. فنيابها الحادة إلى جانب قوة الاندفاع من أعلى المنحدر شكلت منظرا مخيفا. ومع اقترابها، استطاع الإحساس بالأرض وهي ترتجف. وفي هذه اللحظة أدرك حقا سبب ارتعاب الناس من القوات الراجلة على الخيول. إذ كان الضغط النفسي وحده هائلا. تلاقت نظراته مع أكبر الوحوش المندفعة نحوه مباشرة.
ورأى الغضب في عيني الوحش وتوقه. وانتظاراً للحظة الأخيرة، استعد زيك. تنفس بعمق، جامعا المانا لتشكيل تعويذة داخل نواته. وحينها، تماما بينما خفض الخنزير رأسه ترقبا للاصطدام، اختفى زيك.
"الآن، يا ليو!"
وفي اللحظة ذاتها التي اختفى فيها زيك، انطلقت صفوف وراء صفوف من الرماح من الأرض. وشكلت أعمدة الحجر المسنونة حاجزا في طريقها. وعلى الفور، اندلعت الفوضى. حاول أكبر الخنازير متابعة الاندفاع، لكن البقية افتقرت للثقة في فعل ذلك. وفي هذا الموقف، صار تكوينهم المتراص نقطة ضعفهم إذ تعثرت الأربعة بعضها ببعض محاولة التوقف. ونتيجة لذلك، هوت الأربعة جمعاء وتدحرجت نحو الحاجز، مكشفة خواصرها المعرضة للخطر للأسنان المدببة.
"خريييت!"
اخترقت الرماح بعمق. ومات نصفها فوريا، بينما أُصيب الاثنان الباقيان بجروح بالغة. منبعثا من خندق ضحل، انقض ليو نحو أحد الخنازير الباقية. وقبل أن يعي الوحش ما يدور حوله، كان سيف ثقيل يهوي مسبقا نحو عنقه كالمقصلة. وبالمثل، غاص زيك من جثمته في الهواء، مستهدفا الناجي الآخر. وبالسوك الطويل القاتم المخضب بالدماء البارز من قبضته، غاص زيك نحو رأس الوحش، منهيا حياته بضربة واحدة أيضا.
وبعد التأكد من موت الوحوش كافة، ابتسم زيك ظافرا.
"أرأيت؟ لهذا يعد التخطيط بالغ الأهمية!"
لكن ليو لم يكن يصغي. فقد سُمّر بصره على أكوام اللحم الهائلة الأربعة أمامه. وكاد زيك يقسم أنه رأى لعاب أخيه يسيل. وبزفرة، استسلم.
"حسنًا، لنأكل أولا."
* * *
بعد أن قطّع زيك إحدى الجثث وجرّها إلى أعلى التلّ، وجد هو وليو نفسيهما يحدقان بشغف في كتلة اللحم الدوارة. كانت أكاشا تستخدم [التحريك الذهني] لتحمير اللحم بانتظام. كان الأريج السماوي للحم المتبل مغرياً إلى درجة أنهما غرقا في التحديق بالوجبة التي تقترب من النضج ببطء. كان معظم الناس يعدّون لحم الوحوش غير قابل للأكل لقساوته. لكن زيك، ومنذ أن حصل على قلب التنين، طوّر ميلاً إليه.
ولسبب ما، استمتع ليو به بالقدر نفسه، وهو أمر مثير للاستحسان. هكذا، لن يعاني الثنان أبداً في العثور على طعام. لصرف انتباهه، نظر ليو نحو كومة الأنياب التي حصدوها. تحول تعبيره إلى التفكير وهو يرفع نظره إلى التلّ الذي جاؤا منه.
"أسنعود بعد الوجبة؟"
"نعود إلى أين؟"
"ألسا مجبرين على تسليم المهمة؟"
حار زيك لحظة قبل أن يدرك ما يعنيه ليو.
"أهـ.. تلك. لا، لن نعود. سنكون قادرين على تسليم المهمة في فرع آخر لنقابة المغامرين أيضاً."
بدا ليو متشككاً.
"كيف يعمل ذلك؟"
ابتسم زيك بتهكم والتقط حجراً من الأرض. ممسكاً به في يده اليمنى، أراه ليو إياه. بعد لحظة، اختفى الحجر من يده اليمنى وظهر على اليسرى. حرّك حاجبيه.
"سحر!"
أدار ليو عينيه.
"ظننت أن السحر المكاني مقنن بشدة. كيف يمكن للنقابة إرسال البضائع ذهاباً وإياباً كما تشاء؟"
هزّ زيك رأسه.
"ليست كل أنواع السحر المكاني خاضعة للرقابة بهذه الشدة، بل [الانتقال الآني] وحدَه. التعويذة المستخدمة لنقل العناصر تسمى [التبدل المكاني]. القواعد المتعلقة بها أكثر تساهلاً بكثير، فحتى التجارة تحتاجها كل دولة."
أومأ ليو برأسه، متابعاً الحديث.
"أيمكنك استخدام تلك التعويذة أيضاً؟"
ابتسم زيك بغرور.
"ما رأيك أنت؟"
في تلك اللحظة بالذات، بدأ اللحم يصدر أزيزاً أكثر حدة، جادباً انتباههما. بلع ليو ريقه.
"أترى أنه قد نضج؟"
استخدم زيك سكيناً ليقطع شريحة، مناولاً نصفها ليو. في اللحظة التي غاصت فيها أسنانه فيه، انفجر طعم غني في فمه. ما هذا؟ لماذا كان هذا جيداً إلى هذه الدرجة؟ باتساع عينيه، تبادل النظرات مع ليو، ليجد التعبير نفسه على وجه أخيه. بعد لحظة من الصمت، انقضّ غير آبهين بأي آداب على الخنزير الدوار. لحسن الحظ، كان لديهما ما يزيد عن حاجة لإشباع نهمهما. بعد وليمة أكل طويلة، وجد الأخوان نفسيهما مستلقيين تحت شمس الظهيرة المبكرة.
"ليو."
"ما الأمر؟"
"هذه الرحلة... أريد منا نحن الاثنين استغلال هذه الفرصة لنصبح أقوى."
أدار ليو عينيه.
"لا أظن أنك الشخص المناسب ليقول لي هذا. أنا أستغل كل فرصة لأصبح أقوى."
أومأ زيك.
"هذا صحيح، لكنني لا أعني التدريب العادي فحسب."
التفت ليو برأسه، ملقياً نظرة على زيك.
"إذن ماذا؟"
التفت زيك بدوره نحو أخيه، وبوجه جاد.
"كم تعرف عن سحر ماكسيميليان؟"