وجد زيك نفسه في الحي الراقي للمرة الثانية في تلك الأمسية. رافقه هذه المرة لفيف من السحرة المخضرمين ومعلمه ماكسيميليان. تقدما بعزم وترددت أصداء خطواتهما في الشوارع أثناء شق طريقهما عبر الشارع الرئيسي للحي. انفرجت الحشود أمامهما وكأنها تستشعر الخطر المنبعث من مجموعتهما. وبينما عبرا الساحات وغاصا وسط الجموع، أذهل زيك الحضور المهيب لمعلمه. كانت هالة ماكسيميليان تتأجج باستمرار، علامة على الغضب المكتوم الذي يغلي تحت السطح.
بدا له وكأن الناس ليسوا سوى أرانب خائفة تهرع هاربة في وجه مفترس قمة. وللمرة الأولى، أدرك زيك شعور امتلاك قوة مطلقة تعجز العيون حتى عن النظر إليها. كان شعور الهيمنة الذي اختبره وهما يجوبان شوارع الحي الراقي مبهجاً ومرعباً في آن واحد. وتناغم بعمق مع قلب التنين الكامن في صدره نابضاً بشدة ضارية. ولكن مع استمرارهما في التقدم، أدرك زيك أن هذه ليست اللحظة المناسبة لاستغراق في التأمل الذاتي.
سمح لنفسه بالانجراف مع شعور الانتظار وهما يخطوان بثبات في الشوارع. خفق قلبه متزامناً مع خطوات معلمه والسحرة إلى جانبه. وسرعان ما وصلا، لعقليته، أمام مجمع فخم من القصور الفارهة. تحاط العقارات بسور حجري. نُقشت على الحصن شعارات عائلة فويوركرانتز على مسافات منتظمة. لم يترك المنظر أدنى شك في ذهن زيك حول وجهتهما. ورغم توقعاته بأن يتوقف ماكسيميليان ويطالب بمقابلة الشخص المسؤول، لم يُبْدِ معلمه أي مؤشر على إبطاء خطواته.
بل بدا وكأن خطواته تتسارع وهو يقترب وحده من البوابات الرئيسية الضخمة للمجمع. ومع اقتراب ماكسيميليان من البوابات، لاحظ زيك أمراً غريباً. مع كل خطوة، بدا معلمه يزداد طولاً في عينيه. أدرك أن هذا ليس مجرد خيال. كان العجوز يزداد طولاً حقاً. كان سيّد السحر الأكبر يجمع طبقة من الحجر حول نفسه لتتسمك وتتسع مع كل خطوة. وهناك تذكر زيك أن ماكسيميليان ساحر مزدوج التقارب يتقن سحر النار والأرض.
حقيقة غالباً ما تُنسى لأن سحر الانفجار الذي يملكه يرتبط فقط بتقاربه الناري. اقترب ماكسيميليان من البوابة المغلقة مستمراً في النمو. سرعان ما صار شاهقاً فوق السور ليبلغ ارتفاعاً يتجاوز عشرين متراً. أدرك زيك أن العملاق الحجري لا ينوي التوقف، فاستعد للصدمة. وبرفعة قوية لرجله في الخطوة الأخيرة، ركل ماكسيميليان البوابة الخشبية بكل قوته. تفككت البوابة تحت وطأة القوة وتطايرت شظايا الخشب في كل اتجاه.
وبدا الفناء النقي سابقاً وكأن معركة طاحنة دارت رحاها فيه. ذهل زيك من الدمار الذي يمكن أن تحدثه حركة واحدة من ماكسيميليان. لكن ماكسيميليان لم ينته بعد. بحركة سريعة، انتزع أكبر عارضة دعم للبوابة المهدمة الآن. وبعد إلقاء تعويذة عليها، قذف العارضة الخشبية الممتدة لأمتار نحو أقرب مبنى كأنها رمح. بدا المبنى مستودعاً ما. تمتع المقذوف الخشبي الهائل، الذي بدا كغصن صغير في قبضته، بزخم هائل اخترق الجدار.
واستقر في مكان ما خارج نطاق الرؤية داخل المستودع. وبعد لحظة قصيرة من الصمت المشدود، دوى انفجار هائل من داخل المستودع. وصاحب الصوت موجة صدمة عنيفة. كانت قوة الانفجار شديدة لدرجة أنها شوهت جدران المبنى من الداخل. وانطلقت ألسنة اللهب وقطع الحجر المنصهر من موقع الاصطدام. وعلى مدار الثواني التالية، بدأ المبنى في الانهيار متأثراً بالأضرار التي لحقت به. وحينها فقط بدا ماكسيميليان راضياً عن حجم الدمار الذي خلفه دخوله.
ومنذ أن اقتحمت مجموعتهم البوابة، بدأ الناس يتدفقون خارج المباني المحيطة. وجه العملاق الحجري نظره نحو الحشود.
وبصوت عال وآمر، هتفت حنجرة ماكسيميليان: "يا أعضاء عائلة فويوركرانتز! لقد أهنتموني ومن أُعنيه، وحان وقت استيفاء دين الدماء هذا".
تفقد عملاق الحجر الحشد المتجمع باحثاً عن شخص ما على ما يبدو. ولما لم يجد من يبحث عنه، تحدث ماكسيميليان مجدداً.
قال بصوت صارم: "أين ذلك الفتى ألكسندر؟ صدقوني، ليس لدي مانع في استيفاء هذا الدين من بقيتكم إن استمر هذا الجبان في الاختباء".
ولكن حتى بعد لحظات، لم يتحرك أحد. تحركت الحجار المشكلة لوجه العملاق راسمة عبوساً. وعندما سمع صوت ماكسيميليان تالياً، كان قد انخفض لدرجات أبرد بكثير.
"أمامكم مهلة حتى العدّ لعشرة قبل أن أبدأ بقتلكم جميعاً"
لم يصدق زيك عينيه ولا أذنيه وهو يراقب تصرفات معلمه. اقتحم العجوز مجمع عائلة فويوركرانتز دون أدنى اعتبار للياقة أو البروتوكول. توقع زيك من ماكسيميليان تبادل بضع كلمات قاسية مع المسؤول. وربما إطلاق بعض التهديدات المبطنة إن كان شجاعاً، لا هذا. لقد حطم معلمه البوابة ببساطة وبقوة وحشية. وها هو الآن يطالب عائلة فويوركرانتز بتسليم ألكسندر أو مواجهة العواقب. بالكاد استوعب زيك جُراة العجوز.
اقتحام منزل إحدى العائلات الأربع الكبرى وتهديدهم بالموت. توقع أن تنفجر الحشود ضحكاً على هذه المطالب الغريبة. لكنه لم يشهد ذلك قط. رأى بدلاً من ذلك الخوف مرسوماً على وجوه أفراد عائلة فويوركرانتز والذهول على وجوه المتفرجين خارج البوابة. تذكر الفتى الدرس الذي علمه إياه معلمه عن حقوق الأقوياء. وفي هذه اللحظة، أدرك زيك أخيراً حقيقة أساسية علم بوجودها لكنه لم يستوعب معناها الحقيقي أبداً.
أدرك أن كل القوانين والقواعد في العالم تفقد قيمتها كلياً إن عجز أحد عن إيقافك عند مخالفتها. وقف ماكسيميليان شامخاً وشكله الهائل يتسيد الحشد المتجمع. عدّ تنازلياً وصوته يدوي في أرجاء الفناء.
"عشرة! تسعة! ثانية! سبعة!"
مرت الثواني وبدو كأن شيئاً لا يحدث.
"ستة! خمسة! أربعة!"
وأخيراً، تقدمت شخصية منفردة يخترق صوتها الآمر والمهيب العملاق.
"ستوقف هذا الهراء حالاً وتبتعد عن أراضينا يا ماكسيميليان!"
أدار عملاق الحجر رأسه بسرعة مذهلة متفرساً في الرجل الذي تحدث. وبدا العملاق للحظات غارقاً في التفكير وهو بلا حركة. لكن في اللحظة التالية، تحرك ماكسيميليان بسرعة البرق. انطلقت يد لتلتقط الرجل كما يحمل طفل دمية صغيرة. وبعد أن تجاوز الرجل صدمته الأولى، أدرك وضعه المحرج. وبصوت عال، بدأ يحتج مجدداً على الفور.
"دعني أذهب في هذه اللحظة بالذات! أتعلم من أكون حتى؟! أظنك تظن أنك تستطيع الإفلات بفعل ما تشاء هنا؟! نحن عائلة فويوركرانتز ولست بعض..."
وبدون كلمة، أقبض العملاق قبضته تماماً ليعود الصمت مرة أخرى. رأى زيك كيف ترك ماكسيميليان جثة الرجل المشوهة تسقط على الأرض كقطعة قمامة غير مرغوب فيها.
ودون أن يفوت إيقاعاً، تابع عدّه التنازلي: "ثلاثة! اثنان! واحد!"
"ها أنا ذا، ماذا تريد؟"
تقدم ألكسندر فقطع صوته التوتر الكثيف المخيم في الأجواء. انفرجت الحشود كاشفة عن الشبان وملامحه مرسومة بعزم ثابت. بدا شاحباً بعض الشيء، لكن ليس بخوف بقية أفراد عائلة فويوركرانتز المتجمعين. رمقه ماكسيميليان بنظرة ثابتة متفحساً إياه بدقة.
قال ماكسيميليان بصوت منخفض وثابت: "أرسلت رجلين لقتل طالبي الليلة".
كانت جملة تقرير لا سؤالاً، ورغم ذلك انتظر رد فعل ألكسندر.
سخر الشاب قائلاً: "أهكذا حقاً؟ لا أعتقد أنني أتذكر فعل شيء كهذا. أتملك أي دليل على مزاعمك؟"
استحال رؤية وجه ماكسيميليان المغلف كلياً بالحجر. لكن صوته المدوي ذكر الجميع بالقوة التي أظهرها سابقاً.
"اليوم، ستتحقق العدالة".
وبسماع تلك الكلمات، خطا العملاق خطوة إلى الأمام ليلوح شكله الشامخ فوق ألكسندر. حبست الحشود أنفاسها بانتظار رد ألكسندر. لكن الشاب اكتفى بضحكة خافتة غير آبه بكلمات ماكسيميليان.
"عدالة، أتقول ذلك؟ أتظن أن بإمكانك المجيء إلى هنا وإملاء ما هو عادل وما ليس كذلك؟ تجاوزت حدود صلاحياتك أيها العجوز. يعود لنا نحن أعضاء العائلات الكبرى تقرير معنى العدالة في هذه البلاد، لا لشخص مثلك انتهت صلاحيته. لا حق لك يا ماكسيميليان. لا حق لك البتة".
بووووم!! ضربت قبضة ماكسيميليان الأرض بجوار ألكسندر مقذوفة بالشاب نحو الهواء. طار الفتى منقلباً على رأسه لأعلى. وبحركة رشقة لا يتوقعها المرء من كائن بحجمه، أمسك العملاق بألكسندر بإحدى يديه الضخمتين. رفع الشاب الشاحب تماماً في الهواء. واتضح جلياً أن ماكسيميليان لا يمزح. إنه سيقتل ألكسندر حقاً. لكن قبل أن يفعل ماكسيميليان أي شيء آخر، ضرب رمح من النار معصم هيئته الأرضية.
سقط ألكسندر مجدداً على الأرض بجانب اليد الضخمة المقطوعة. تجاهل العملاق تماماً ألكسندر المرتجف خوفاً على الأرض أمامه. وبدلاً من ذلك، حول اهتمامه نحو مصدر التعويذة بينما أعادت يده تشكيل نفسها بسرعة. ومن الاتجاه الذي صدرت منه التعويذة، برز تمثال عملاق من النار. لم تكن قامته وحجمه نداً لهيئة ماكسيميليان الأرضية. ومع ذلك، لم يبدو الجحيم المتحرك أقل إرهاباً لنقص حجمه. اتخذ العملاق المصنوع من النار مكانه أمام حشد أفراد عائلة فويوركرانتز قبل أن يتكلم.
"هذا يكفي يا ماكسيميليان. لقد أوصلت رسالتك. ماذا تريد؟"
لم يتعامل ماكسيميليان بخفة مع هذا الدخيل الجديد، وفكر ملياً في إجابته هذه المرة. وعندما تحدث أخيراً، بدا التحكم طاغياً على صوت مقارنة بما قبل.
"حاول ابنك قتل طالبي اليوم يا ريشار. ولكن ليس كشجاع، في قتال فردي، مواجهاً عواقب أفعاله. لا، أرسل ابنك الجبان رجالاً مأجورين في جنح الليل. لنصب الامباص وإسقاط فتى في الخامسة عشرة خارج المدينة تحت جنح الظلام حتى لا يُكتشف أمره. وتسالني عما أُريد؟ دعني أخبرك، أريد لعائلتكم فويوركرانتز أن تتعلم أخيراً معنى الكرامة والشرف".
توقف ماكسيميليان، وتفقدت نظراته الحشد المتجمع أمامه. أخذ نفساً عميقاً مصارعاً بوضوح الحفاظ على هدوء صوت أثناء استمراره.
"أريد من عائلة فويوركرانتز أن تسلك بطريقة مباشرة وصادقة، كرجال حقاً! أريدهم أن يقفوا شامخين وفخورين، عارضين على الإمبراطورية كيف يفترض بنماذج الفضيلة الحقيقية أن تتصرف!"
توقف مجدداً مستعيداً السيطرة على صوته مرة أخرى.
"ولكن للأسف، تعلمت منذ زمن ضبط توقعاتي حين يتعلق الأمر بعائلتكم. تعلمت منذ زمن طويل أن المرء يحتاج لعمود فقري ليقف شامخاً، وهذا أكثر مما يمكن توقعه ممن يحمل لقب فويوركرانتز".
أثار كلامه غضب بطريرك عائلة فويوركرانتز. خطا الرجل خطوة للأمام بغضب ووجهه الملتهب متجهم.
"أتجرؤ على التحدث عنا بهذه الطريقة أيها العجوز؟ نحن عائلة ففية، وهذه الإهانة لا يمكن أن تمر بلا رد!"
واجه ماكسيميليان نظرة البطريرك الغاضبة دون أن يرمش، وبصوت هادئ لكن حازم. وبدا جلياً أن عرض الغضب الساخط لم يزعزعه قط.
قال العجوز: "أقول الحقيقة وحدها يا ريشار. لكننا نعلم كلياً أن عائلتك لا تتحدث تلك اللغة. كلا! اللغة الوحيدة التي تفهمها عائلتك هي العنف. تدفعون وتدفعون وتدفعون حتى تتلقوا الصفعة كالكلاط التي أنتم هي. لقد حان الوقت لتذكرة، تذكرة بما يححصل حين تتخلى عائلة عن كبرياءها وتتصرف كاللصوص. لن أقف مكتوف الأيدي وأشاهدكم تستمرون في جلب العار للإمبراطورية!"
ترددت كلماته القوية في أنحاء المجمع. ولم تترك أدنى شك في عقول المتفرجين حيال نظرة ماكسيميليان لعائلة فويوركرانتز. بدا ريشار كمن يتأمل كلمات ماكسيميليان للحظة قبل أن يجيب.
"قد تكون قوياً يا ماكسيميليان، لكن إن حاولت قتالنا جميعاً اليوم، فستموت".
لم يتردد ماكسيميليان في رده.
قال: "ربما أفعل، لكنني متأكد مائة بالمائة أنك ستموت أنت أيضاً، برفقة معظم من يقفون خلفك".
حدق ريشار في ماكسيميليان كمن يريد ترويع الرجل بنظراته وحدها. لكن بعد لحظة، جرب نهجاً مختلفاً. تحركت عيناه نحو السحرة الواقفين خلفه.
"ماذا عن أتباعك يا ماكسيميليان؟ أمتعد أنت للتضحية بحياتهم أيضاً؟ أرى ساحر دماءك الصغير بينهم. أمستعد للتخلي عن حياته كذلك؟"
بدا سلوك ماكسيميليان متصدعاً للمرة الأولى متذبذباً عزمه الراسخ. استشعر ريشار فرصة محاولاً استغلالها، لكن قبل أن ينطق بكلمة جديدة، ملأ صوت جديد الساحة.
قال زيك، وصوته متردد في البداية لكنه يزداد قوة مع كل كلمة: "إن كان اليوم هو اليوم، إن كان اليوم هو يوم موتي، فليكن. أنا مستعد".
كان إيمان زيك واضحاً، ولم يشك أحد في صدق كلماته. وقف شامخاً وفخوراً غير خائف من احتمال الموت. طفق قلب زيك يدق في صدره مانحاً إياه النبض الثبات للشجاعة في نطق الكلمات التي شعر بوجوب قولها. لن يكون سبب تراجع معلمه اليوم، وإن كان الثمن حياته فهو مستعد لدفعها. عمت الساحة سكون مميت وكأن المتفرجين يحبسون أنفاسهم غير جائري بإصدار صوت. أصلح زيك عقله، وصوت خفقان قلبه العنيف الشيء الوحيد السامع وهو يستعد للمعركة.
هتف بعبارة أخيرة مكرراً لمعلمه الكلمات التي نطق بها هو نفسه منذ كل تلك السنين.
"الجندي الحقيقي يخدم سيداً واحداً — الشرف. وإن طالب سيدي بموتي، فسأموت".