تقدم زيك نحو المنصة وقلبه يخفق بجنون. أخذ نفساً عميقاً ليرهد أعصابه. اقتراب من مجلب القضاء. أحس بنظرات الطلاب الآخرين وقادة الفصائل الأربع مسلطة عليه. سمع همسات الحشد. تتكهن تلك الخلائق بقدرته الكامنة. غمره شعور بالحماس عارم مع فكرة صيرورته ساحراً قوياً. مد يديه ولمس سطح الكرة الشفافة. كانت ملساء الملمس وباردة بشكل لا يصدق في كفه. أخذ نفساً عميقاً وأغمض عينيه. هذه هي اللحظة.
ساعة الحقيقة. تتوهج بلورة مجلب القضاء حصراً إن شعرت بتوافق ما في داخله. وضع مدير الأكاديمية راحة كفه المفتوحة في منتصف ظهره. استقرت على عموده الفقري تحديداً بين لوحي كتفيه. مع ذلك. كان زيك مركزا بشدة على الأمر بحيث لم يعر الأمر اهتماماً يذكر. ركز بجد. استضر صورا للنيران ورغبة في التحكم بها. مرت ثوان في صمت. ولم يشعر زيك بأي تغير. فتح عينيه شقاً فرأى البلورة باهتة بلا حياة.
هوى قلبه. ألا يملك توافقه الموعود بعد كل ذلك؟ أغلق عينيه بقوة وتابع التركيز على الصورة الذهنية بحرقة أكبر. رأى الألسنة ترقص. جحيما ملتهبا وغضبا يحرق كل ما يقف في طريقه. مع ذلك. لم يطرأ أي تغير على البلورة أمامه.
قال مدير الأكاديمية من خلف زيك: "أرخ بالاك يا بني".
كانت نبرته لطيفة. تحثه على التخلي عن قبضته الحديدية على أفكاره. ترك عقله يشرّد. ما إن فعل. حتى شعرا بقوة غريبة تتغلغل بعمق في جسده صادرة من الكف الموضوع على ظهره. كانت الأفكار التي وردت إلى ذهنه الآن تختلف كثيرا عما قبل لحظات. عوضاً عن نار هائجة. توجهت أفكاره إلى منزله. رأى أباه يرفع حزمة من الصناديق الثقيلة فوق رأسه. ظهرت ابتسامة مشرقة على وجه الرجل لدى ملاحظته نظرات زيك المعجبة.
تغير المنظشب. فرأى حشداً من البشر. يربط بينهم شبكة من الطاقة. ثم رأى بلدته من الأعلى. انحرف منظوره إلى أعلى. أبعد فأبعد نحو السماء. وأخيراً. نظر إلى أسفل نحو كرة زرقاء تطفو في فراغ مظلم لا نهائي. من دون علم زيك. بدأت البلورة تتوهج. كانت باهتة في البداية. لكنها ازدادت إشراقاً تدريجيا حتى كادت تصبح عمياء. حين فتح عينيه أخيراً. كان الأمر أشبه بإزاحة غشاوة عن حواسه. شعر بتدفق من الأحاسيس.
بإدراك يمتد أبعد من شكله المادي. شبيها بهمسا خافتا محيطا به. طعم جديد في الهواء. كأثر العبق العالق في الريح بعد عاصفة رعدية. بدت الألوان أغنى. وبدا كل تفصيل من محيطه مرسوما بوضوح متجدد. تحول انتباهه إلى البشر حوله. فلم يراهم أفرادا فحسب. بل وعاء طاقة. تلتهم هذه القوة الجديدة بنهم. لكن بينما كان الطلاب كسمك شبوط صغير يتجرع القطران بحذر. كان هناك حوت خلفه مباشرة. كان فيكتور فيندتانزير كفراغ بلا قرار.
مصرا على تجفيف البحر. لابد أن هذه هي. المانا. ذات القوة التي يستخدمها السحرة لحياكة تعويذاتهم. لم يحتاج زيك حتى إلى إدارة رأسه ليلتقط المشهد كاملا. كانت قدرته على استشعار المانا حوله مستقلة تماما عن بصره. إن اضطر لوصف هذا الحس الجديد. فهو كمن يقف في وسط بركة ويشعر بالتموجات تضرب جسده. ليس النظام الأدق. لكنه سيؤفي بالغرض. حرك أصابعه. وشعر بالسحر يتناغم في داخله. تناغم بين جوهره والقوى الغامضة التي تسري في العالم.
لقد بات متصلا بشيء أعظم الآن. شبكة قوة كانت موجودة دوماً بانتظار أن يلحظ حضورها. لكن ثمة ما هو أهم ليفعله الآن. حدق زيك في بلورة مجلب القضاء أمامه محاولا تحديد لونها. احتاج لمعرفة التوافق الذي أيقظه. ومع خفوت التوهج. استطاع أخيرا تبين التغيرات. انقسمت الكرة الشفافة سابقا إلى ثلاثة ألوان مميزة. تلتف حول بعضها. كالحبر في الماء. اللون الأول كان أحمر قرمزيا غنيا. حمل لونه العميق جمالا يذكر زيك بشعره الخاص.
مما دفع ابتسامة خاطفة لترتسم على شفتيه. لابد أن هذا توافقه الناري. حمل اللون الثاني ظلا ملكيا من الازرق. لكن إغواءه حمل تيارا خفيا مزعجا. نظرة واحدة بدت لتأسر البصر. لكن بجهد حازم. نجح في الإفلات من قبضته وحول انتباهه إلى اللون الثالث. كشف اللون الأخير عن نفسه بوصفه بنفسجيا غامضا مخمليا. يحيا سواده بقطينات دقيقة متلألئة مستقرة وسط الظلال الملتفة. كنجوم مبعثرة في سماء الليل.
أضافت هذه الحبيبات لمسة دهشة غير متوقعة. وجد العزاء بينها. منجذبا نحو احتضان هذا المشهد الساحر الهادئ. حيث كان يمكنه المكوث بسهولة لساعات.
أعلن السحر الاكبر بصوت مفعم بالذهول: "هذا أمر بالغ الاستثنائية".
لم يلاحظ زيك إلا الآن أن الرجل قد تحرك ليقف بجانبه متفحصا البلورة أيضا.
"أترى تلك الألوان الثلاثة؟ هذا يعني أنك تمتلك ثلاثة توافقات يا بني. وأحدها توافق تام. أظنها المرة الأولى التي أشهد فيها كلا هذين الشذوذين في آن واحد".
لابد أن مدير الأكاديمية أدرك من ملامح وجه زيك أنه لا يدرك كنه ذلك. فأخذ يشرح.
"الدرجة التي نخصصها للتوافق تشير إلى جودة الجوهر. إنه تقدير تقريبي يصف كمية المانا المحيطة التي يمكن لجوهر المرء التناغم معها. يتدرج المقياس من طفيف إلى تام. بينما يعني التوافق الطفيف أن جوهرك لا يمكنه سوى تحويل ما يصل إلى عشرة بالمائة من المانا المحيطة. يمثل التوافق التام الطرف المقابل من المقياس. أفهيمت؟"
أومأ زيك برأسه غير قادر على كبح ابتسامة. كاد يصدق ما يسمعه. لم يسبق له أن سمع بتوافق تام من قبل. على الأقل لم ينل أي من آلاف المبتدئين الآخرين اليوم هذا التقييم. التفت نحو قسم النار نحو الكسندر فويركرانتز قائد طلاب النار. تتبع السحر الاكبر نظرتة وهز رأسه فوراً. مما بث شعورا بالاضطراب في نفسه. حتى همسات الحشد صمتت وهم ينتظرون تفسير المدير لردة فعله.
قال: "للأسف. توافقك التام ليس توافق نار".
مما أثار موجة دهشة بين الحضور. هوى قلب زيك متبنا أنه لن يستطيع الانضمام إلى فصيل النار كما كان يرجو. بات ينظر إلى السحر الاكبر بقلق وهو ينتظر معرفة ما يخبئه مستقبله.
"في الواقع. لا تمتلك أي توافق مع أي من العناصر الأربعة على الإطلاق".
"إن لم يكن لدي توافق نار. فما هذا الجزء الأحمر إذن؟!"
جعل المزيج من التوتر وخيبة الأمل الكلمة تبدو أقسى بكثير مما قصد. صدر احتجاج فوري من الطلاب. أصدر كثيرون أصوات استهجان بعدم رضا. لم تكن هذه هي الطريقة لمخاطبة ساحر أكبر وعمود من أعمدة الإمبراطورية. مع ذلك. انتظر العجوز المعني لحظة ريثما هدأ الحشد قبل أن يشرح بلا جفاء.
"يمثل الجزء الأحمر من جوهرك توافقك التام. بيد أن..."
هنا توقف العجوز لحظة. كأنه لم يرغب في النطق بالكلمات التالية. مع ذلك. بعد لحظة تفكير.
تابع رغم ذلك: "ليس نارا. بل دما".
سُمعت تمتمات من الحشد. بدا أن هذا الخبر لم يلق ترحيبا. نظر زيك إلى المدير بحيرة طلبا لتفسير. مع ذلك. تجاهل العجوز سلوك الطلاب الغريب ومضى ليشرح بقية توافقاته.
"ذلك الجزء الأزرق المخيف يمثل توافقك الأكبر الأول. توافق العقل. وهذا الجزء البنفسجي المتلألئ يمثل توافقك الأكبر الثاني. توافق المكان".
كابد زيك لاستيعاب هذه المعلومة. كان يحاول فهم ما يعنيه هذا لمستقبله كساحر. أكان هذا أمرا جيدا؟ أم سيئا؟ في هذه اللحظة. لم يملك المعرفة الكافية ليحسم الأمر لصالح أي كفة.
بدأ المدير: "وضعك فريد للغاية. من المؤسف أن يتضح امتلاكك لتوافقات متعددة. لكن رغم ذلك. تظل درجتها استثنائية بحق. ولهذا. ورغم جوهرك المشوش. لديك الخيار في كيف تريد المضي قدما".
مؤسف؟ مشوش؟ ماذا يحدث؟ ألم يعن هذا فحسب أنه يستطيع أداء المزيد من أنواع السحر؟ كيف يمكن أن يكون هذا سيئا قط؟ مع ذلك. لم يمنحه المدير الفرصة لطرح أي من أسئلته الكثيرة وبدأ بدلا من ذلك بسرد خياراته.
"خيارك الأول هو الالتحاق بمعهد هيميلفارت. هناك ستتعلّم تفاصيل السحر المكاني المعقدة. من المحتمل أن تجد مكانا لك هناك بعد التخرج. المعهد يبحث دوما عن مواهب جديدة وهم من يحمون الإمبراطورية من السحرة المكانيين الأجانب ويوفرون لنا القدرة على التحرك سريعا داخل حدودنا".
كان هذا مغريا. سيتمكن زيك من دراسة السحر المكاني الذي أثار فضوله بشدة. فضلا عن ذلك. كان المنصب المضمون بعد التخرج مغريا بالقدر نفسه. لساحر مولود عامة مثله. لم يكن أمر كهذا مضمونا. سيكفل هذا المسار على الأرجح حياة رفاهية وراحة.
"خيارك الثاني هو الالتحاق بأكاديمية غيدانكمايستر. إنها مدرسة تختص بالسحر العقلي. هناك ستتعلّم استغلال التفوق المتأصل للسحرة العقليين في مجالات الإدارة والاستراتيجية. أفضلنا وأنبغنا يأتون من هناك بل إن معظم أفراد عائلة الإمبراطور يلتحقون بتلك المدرسة أيضا".
لمعت عيناك زيك. طالما انجذب نحو البحث وطلب المعرفة. هذه الحقيقة بالذات هي ما سمحت له بتطوير تقنية تأمله الخاصة بعمر مبكر. لم يكن هناك ما يستمتع به قدر إيجاد حلول إبداعية لمشكلات مستعصية. إن كان أفراد عائلة الإمبراطور يلتحقون بتلك المدرسة فهي إذن بالتأكيد إحدى أفضل البقاع في الإمبراطورية. مع ذلك. أسيتمكن حتى من الاندماج في مكان كهذا؟
"خيارك الأخير هو الالتحاق بالإيلمنتيوم هنا. الأكاديمية الأبرز للسحرة المقاتلين. كل بطل واحد سمعت عنه على الأرجح قد خرج من بين هذه الجدران ذاتها. مع ذلك. أنا أنصحك بعدم اختيار هذا الخيار".
لم يستطع زيك إلا أن يسأل: "لمَ هذا؟"
شرح فيكتور: "لأنك لا تمتلك توافقا رئيسيا. شئت أم أبيت. ما تستطيع تعلمه هنا قليل. حتى وإن قدمنا دروسا في سحر الدم. فهو ليس مسارا سيقود إلى أية وجهة. لا مكان لساحر دم في الجيش... ليس هنا في الإمبراطورية على الأقل".
بعد شرح الخيارات. صمت العجوز مانحا زيك لحظة ليتخذ قراره. لكي نكون منصفين. لقد أعجبته كلها. ضمان منصب جيد أمر شديد الإغراء. وفرصة سبر أغوار أسرار السحر أمر أثار فضوله بقوة أيضا. مع ذلك. لم يكن هذا سبب مغادرته لمنزله. ألم يرغب دوما بأن يكون بطلا؟ شخصا تُكتب القصص عنه؟ لم يكن هناك سوى خيار واحد يمكنه اتخاذه إن كان ذلك لا يزال هدفه. علاوة على ذلك. كان هناك سبب آخر لاختيار الخيار الثالث.
انجذبت نظرته لتلك الفتاة التي تراقبه من مدرجات سحرة الريح. التقت نظرة ليلي بنظرتته بينما كانت تنتظر قراره بقلق. في هذه اللحظة بالذات حسم أمره.
"أود الالتحاق بالإيلمنتيوم".
سأل فيكتور بملامح صارمة: "أمتأكد أنت يا بني؟ سيكون هذا أقسى مسار لك ولن تنال خيار تغيير رأيك لاحقا".
كانت نظرته لا تزال مسمرة على أصابع ليلي المرتجفة المتشابكة أمام صدرها.
"نعم أنا متأكد. شكرا لاهتمامك يا سيدي".
تجهم السحر الاكبر لكنه رغم ذلك ربت على كتف زيك.
"آمل أن تفري ما تفعله يا بني. لكن يكفي هذا. دعني أرحب بك رسميا في الإيلمنتيوم. إزيكييل أوف فيلشتات".
تلفت زيك حوله. لكن الصمت وحده استقبله. خلافا لأي من المبتدئين الآخرين حتى الآن. لم يهتف أحد. سلمنا جدلا. عاد ذلك في معظمه لعدم وجود قسم لسحرة الدم في أي مكان. لكن الأمر تركه مع ذلك في وضع حرج يتمثل في عدم معرفته حتى إلى أين ينبغي له التوجه الآن. بعد لحظة محرجة لطولها. أشفق المدير عليه وأشار إلى إحدى الزوايا. كان زيك أكثر من سعيد بالخروج من دائرة الضوء وغادر المنصة على عجالة.
وجد نفسه قريبا في رفقة حفنة منبوذة. بالنسبة له. بدت هذه المنطقة كالمخبأ الذي يكدسون فيه كل الشواذ. غير واثق مما ينبغي فعله. تردد لحظة قبل أن يجلس بينهم. كان عقله يغلي بمحاولة استيعاب كلمات المدير وردود فعل من حوله. بالكاد مر بضع دقائق. لكنه كان يشكك في خياره بالفعل. حسنا. لن يكون وحيدا على الأقل. طالما عملا معا هو وليلي. سيتمكنان بالتأكيد من تجاوز هذا. في مختلف أنحاء القاعة.
هنأ الناس بعضهم البعض أو ندبوا فقرهم السحري مع نهاية المراسم. غارقا في أفكاره. تبع مجموعته الصغيرة آلياً خارج القاعة. لم يعِ حتى مرور الوقت. أثناء اجتيازه البوابة. رأى زيك امرأة توزع حزما. كانوا يوزعون الزي الرسمي ورموز الدخول على كل من نجح في القبول. لدى تسلمه لزمتهم. قيل له أن يرتدي زيه الرسمي دائما أثناء تواجده في أراضي الأكاديمية.
أجاب بلطف: "شكرا لك. أترينك طيبة بما يكفي لتدليني على السكن؟"
قالت المرأة: "بالتأكيد أيها الشاب. ما هو توافقك؟"
أجاب زيك مسرورا بإيجاد من تساعده فوراً: "دم وعقل ومكان".
تغير وجه المرأة فوراً.
وكل ما قالته: "لا يوجد سكن لأمثالك".
سأل زيك متفاجأ بتغيرها المفاجئ: "إذن أين يُفترض بي أن أنام؟"
مع ذلك. كانت المرأة قد أدارت ظهرها له وباتت تتجاهل تماما كل محاولات سؤاله لأي أسئلة إضافية. مضى زيك محتارا وشعور هابط يستقر في صدره جراء هذا الرد. لم يكن قد حسب حساب احتمال عدم وجود مكان ليقيم فيه. أخبره موظف آخر بوجود نزل ودور ضيافة في المدينة تلبي حاجات الطلاب. لكنها قد تكون باهظة الثعرة. أومأ زيك مشعرا بغمرة من التغير المفاجئ في الخطط. شكر الرجل وقرر التوجه عودة إلى الساحة حيث أنزلتهما العربة.
كان يأمل في إيجاد أصحابه وتدبير خطة. مغادرا قاعة التقييم وراءه. لم يستطع سوى الشعور بخيبة أمل حيال مجريات يومه.