ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 7 — القاع المؤلم

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 7 — القاع المؤلم باللغة العربية على مانجا تايم.

لماذا بدا الضوء خافتاً هكذا؟ واصل زيك الركض بين الأوراق المظللة، محولاً بيأس الإفلات من هذه العتمة. سمع من خلفه جلبة مطارديه وأصوات هديرهم. كان جسده يشتعل ألماً، وبسبب حركته المحمومة، بدأت الجروح الملتئمة حديثاً تنزف من جديد. اندفع أخيراً عبر آخر عقبة وخطا نحو النور، فكانت شمس أواخر الظهيرة بلسماً لروحه. انهار واقعاً على الأرض، غارقاً في إرهاق مطبق وألم يحرمه فعل أي شيء آخر.

دفن وجهه في التراب ففرت دموعه. ما إن انكسر السدّ حتى انهار كل كبح. استغرق زيك وقتاً طويلاً قبل أن يسيطر على نحيبه. تتدفّق دموعه بحرية بينما يستوعب ما مرّ به خلال الساعة الماضية. وحدها دقائق طويلة لاحقة أخمدت تلك الشكوى الصامتة. استلقى على ظهريته وحدّق في السماء، موصلاً طاقة مانا الدماء ليعالج جروحه مرة أخرى. نظر إلى كف يده اليسرى. التأمت الجروح بأكملها، لكن الدماء ما زالت تلطخ كل شيء.

وما إن هدأ زيك حتى بدأ يشعر بدوار مفاجئ. لقد فقد الكثير من الدماء! لطم وجنتيه بلا تردد ونهض جالساً. لم يكن هذا المكان آمناً ليغيب فيه عن الوعي. بشق الأنفس وبخطى أبطأ بكثير من ذي قبل، شق طريقه عائداً نحو المدينة. بعد ساعتين، وجد زيك نفسه خارجاً من نقابة المغامرين. خفض بصره نحو القطع النقدية في كفه. سبع عملات نحاسية هي حصيلة ما جناه اليوم. ثلاث لكل أذن وعملة واحدة مقابل السكين الصدئة.

كاد زيك ييقن أن الرجل منحه تلك العملة الأخيرة شفقة عليه. فقد رآه بعينيه يرمي السكين في سلة المهملات أصلاً. لكنه حدّث نفسه بأن الشفقة أمر طبيعي هنا. بملابسه الملطخة بالدماء وحصيلته المخزية المتمثلة في أذني غوبلن، لا بد أنه بدا منظراً مثيراً للرثاء حقاً. لم يسأله أحد كيف جرت جولته الأولى في الصيف. وبينما كان يشق طريقه نحو حدادة أرمين، وجد نفسه مجبراً على مواجهة حقيقة مزعجة أخرى.

لقد فقد الفأس. لم تكن الأمور لتسير على هذا النحو في خطته. لم يستأذن للحصول على الفأس حتى لا يحاول الرجلان منعه. كان واثقاً أن ماركوس سيفعل المستحيل ليثنيه عن قراره، وكان محقاً في ذلك تماماً! أدرك زيك بعد فوات الأوان مدى افتقاره للاستعداد حياة المغامرين. لا عجب أن طلاب السنة الأولى يُدمجون دائماً في فرق قائمة. إنه ببساطة لا يملك الخبرة اللازمة لصيد الوحوش. ومع ظهور الحدادة في الأفق، عجز زيك عن الهرب من هاجس تفكيره في طريقة تبرير موقفه.

غمره شعور عارم بالخارزي. لقد أراد إثبات أنه ليس عبئاً، وأراد إثبات قدرته على حمل عبئه بنفسه. غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث. لم يقتصر الأمر على إخفاقه في جني المال، بل إن العملات القليلة التي كسبها بالكاد ستغطي ثمن الفأس. فبدلاً من تحسين الوضع الصعب، زاد الطين بلة لماركوس وخاله. احمرّت حواف عينيه. وقف مسماراً في مكانه، وعيناه مسمرتان على الباب. مد يده المرتجفة. وقبل أن تلامس يده مقبض الباب، توقف فجأة.

سحب زيك يده ببطء. تنهد بحرية وأخرج كيس النقود الذي يضم كل ما يملك. عدّ القطع الخمس اللازمة للرسوم وأعاد الباقي إلى الحقيبة. وضعها بحرية على الأرض أمام الباب. بقي زيك واقفاً هناك لحظة أخرى. أهذا حقاً هو المسار الذي يختاره؟ يمكن لماركوس وخاله تأجير غرفته إذا لم يعد مقيماً هناك. ولن يضطرا لشراء طعام إضافي له. والأهم من ذلك، لن يضطرا لدفع أجر مقابل العمل البسيط الذي يؤديه كل يوم.

توطد عزمه فطرق الباب. التفت زيك وانطلق جافلاً نحو الظلام فوراً. ولم يبق من أثره سوى كيس النقود على الأرض. تمنى زيك لو كان يكفي لسداد ثمن الفأس على الأقل، لكنه كل ما استطاع توفيره. كادت الدموع تفلت، لكن زيك رمش بحنق ليحبسها. ركض لوقت طويل في الشوارع دون أن يكترث بوجهة خطواته. لقد كان يوماً طويلاً، ولم يعد يملك مكاناً يلجأ إليه. بعد أن هدأت روعه، تفقد زيك الشارع من كلا الجانبين.

كان قريباً من سوق بارز إن لم تكن ظنونه خائبة. وبينما يستعيد وعيه بمكانه، استجمع أفكاره أيضاً. كان عليه إيجاد مأوى يقضي فيه ليلته. شق زيك طريقه نحو الشارع الرئيسي. وما إن همّ باتباع الطريق نحو السوق حتى رأى ما لم يكن في الحسبان. اتسعت عيناه ذهولاً. لماذا الآن؟ لماذا هنا؟ لقد لمس بصره ليلى على مسافة قصيرة تقترب منه. لم تكن شبيهة بها ولا سراباً، بل هي شخصياً. تجمد مكانه عاجزاً عن الفعل.

لقد رأته هي الأخرى، والتقت نظراتهما للحظة واحدة. سرت قشعريرة في جسد زيك كله كأن أعصاباً خملت لأسابيع عادت للحياة فجأة. ثم أشاحت ليلى ببعيد وواصلت سيرها. اندلع ألم حارق في صدره. كان عليه فعل شيء. كان عليه أن يعرف. استجمع كل شجاعته وركض خلفها.

"ليلى، انتظري!"

توقفت واستدارت بخضوع لتنظر إليه. لم تكن هناك أي دفء في نظرتها، بل حزن خالص.

"حزقيال"، قالت ببرود.

تردد زيك. لم تستطع تذكر آخر مرة نادته فيها بغير اسم زيك.

"ليلى، ما الذي يحدث؟"

هتفت أخيراً.

"لماذا تتجاهلينني؟ لماذا لا تتحدثين معي؟"

شبكت ذراعيها بحماية أمام صدرها دون أن تنطق بكلمة. منحها زيك ابتسامة مترددة.

"لقد اشتقت إليك."

أشاحت ليلى بوجهها عنه.

"أنا آسفة يا حزقيال"، قالت بصوت مرتعش.

"لا-لا يمكنني مرافقتك بعد الآن."

وبمجرد أن بدأت، تدفقت الكلمات منها بلا توقف: "أ-أنت تعرف ما أعنيه. أنا ساحرة رياح. هذا أمر معيب... سينظر إلي الآخرون بدونية."

امتلأت عيناها بالدموع.

"لا أستطيع. لن أفعل."

هزت رأسها بتحد ومنحته نظرة جريئة.

"أبذل قصارى جهدي لأصنع حياة لنفسي، لكن الأمر صعب بما يكفي مع أصولي. لا يمكنني تحمل تبعات ارتباطي بك فوق ذلك!"

لا بد أن الألم كان واضحاً على محياه لأن نبرة ليلى لانت بشكل ملحوظ من لحظة لأخرى.

"أرجوك تفهم يا زيك"، توسلت بصوت متهدج.

"لا أريد إيذاءك، لكن علي التفكير في نفسي ومستقبلي في الأكاديمية."

منحته نظرة أخيرة ثم استدارت ومشت مبتعدة بلا تردد. شعر زيك كأن قلبه انتزع من صدره. أبهذا القدر تعني سنوات صداقتهما القليلة؟ لسعت الدموع مآقي عينيه بينما يقف مسماراً في مكانه، عاجزاً عن الحراك. حتى حين حافظت ليلى على مسافتها، ظل متمسكاً بأمل أن الأمر مجرد سوء فهم، عثرة عابرة. لم يتوقع قط أن يخسرها، ليس بهذه الطريقة. عجز عن استيعاب هذا الواقع. سخر منه بقية الطلاب وقللوا من شأنه منذ لحظة وضعه قدمه في الحرم.

لكنه علم أن ليلى ستكون هناك دائماً لأجله، مصدراً ثابتاً للدعم والتشجيع. أو هكذا ظن على الأقل. كيف أمكنها التخلي عن صداقتهما بهذه البساطة؟ كيف لم تحاول حتى الدفاع عنه؟ لقد كان مستعداً لفعل أي شيء من أجلها، لكنها ببساطة... رمته بعيداً. ولأي سبب؟ لأنه أمر مزعج قليلاً؟ أراد أن يصرخ، أن ينفجر ليروي غضبه المشتعل، لكن ذلك لن يحل شيئاً. عوضاً عن ذلك، مسح الدموع عن عينيه وشدّ كتفيه.

أخذ نفساً عميقاً ومرتجفاً محاولاً استعادة رباطة جأشه. وعلى الرغم من محاولاته المضنية، بدا أن الاحتراق في جوهره لا يفعل سوى التزايد. أهل عرفها حقاً يوماً ما؟ صار الألم أشد من أن يحتمل، فوجد نفسه ينحني للأمام لاهثاً بحثاً عن الهواء. أجبر نفسه على الشهيق بعمق وحبس الهواء، مركزاً على الاحتراق في جوهره والألم المنبعث منه. وحين عجز عن حبس أنفاسه أكثر، أطلقها في زفرة طويلة وعميقة، طارداً معها كل وجع وخيبة أمل.

هوى على الأرض لاهثاً. خفت الألم إلى غصة مجوفة، لكن عقله ظل شارداً مما حدث للتو. هذه مجرد صعوبة أخرى، حدّث نفسه. سأعبر هذه أيضاً. لا يمكنه السماح للألم وخيبة الأمل بابتلاعه، ليس إن أراد النجاة هنا. وحين نهض أخيرًا، تغيرت النظرة في عينيه مرة أخرى. تداعى جزء صغير من الروح اللطيفة التي كانها يوماً، دون أن يعلم أحد برحيلها. انهار زيك مستنداً إلى جدار أقرب زقاق. نظر إلى ثيابه الملطخة بالدماء.

لن تكون الأيام القادمة سهلة، لكنه لن يدع هذا يحطمه. السؤال هو: ماذا الآن؟ لديه من المال ما يكفي لدخول الأكاديمية للمرة الأخيرة. بعد ذلك، سيتم توقيفه عند البوابة. شدّ زيك من عزيمته. لم يكن أمامه سوى طريق واحد. في الواقع، أبقى هذا كخطة بديلة إن فشلت كل السبل الأخرى — قاعة سحر الدماء. بخطى ثابتة، شق زيك طريقه نحو الأكاديمية.

* * *

لم تكن الحياة كمقيم سري في الأكاديمية رحيمة بزل. فقد شهيته وعانى للحفاظ على نوم هادئ. ومع ذلك، لم تكن الأرضية الباردة والقاسية للقاعة المهجورة هي السبب الوحيد وراء ذلك. كان عقله يتأرجح باستمرار بين الآمال التي بناها لنفسه كطالب في إيليمنتيوم والواقع الكئيب لحياته كمتدرب. كانت مشكلته الكبرى، إلى جانب تدهور حالته النفسية، هي انعدام مصدر طعام. فدون قدرته على مغادرة أراضي الأكاديمية، بدت خياراته محدودة.

في أغلب الأيام، كان يحاول اقتناص وجبات مرفوضة من المقصف. وفي الأيام التي لا يعثر فيها على شيء، كان يبحث عن التوت والجذور في الغابة الصغيرة. وكانت تلك مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ إن الغابات كانت محظورة. ويبدو أنها المنطقة الخاصة للمدير وحيث يسكن أيضاً. نحف زيك وبدت وجنتاه غائرتين. واكتسب جلده شحوباً مريضاً. ونتيجة لذلك، ألقى طول أيامه، إلى جانب سعيه الدائم لتأمين الطعام، بظلال ثقيلة على عقله.

مع ذلك، واصل إجبار نفسه على المضي قدماً. لم يفوت أي درس، لكن جسده وعقله كانا يتداعيان. كان بحاجة لفعل شيء يكسر دوامة السقوط هذه، لكنه لم يكن يعוד مألوفاً له. وما زاد الطين بلة، مع مرور الوقت، أن زملاءه أصبحوا أكثر جرأة. وبدأوا يضيفون الاعتداءات الجسدية إلى إهاناتهم اللفظية. كان تقاربه الدموي هو السبب الوحيد لتمكنه من تحمل هذا القدر من الأذى. عاش في دائرة مستمرة من الإصابة والتعافي.

لكن مؤخراً، كان جوهره يؤلمه أكثر فأكثر كلما استخدمه. وجد زيك نفسه غارقاً في عزلة ووحدة أشد من أي وقت مضى. بذل قصارى جهده ليبقي قوياً، وألا يدع الإساءة اليومية تنال منه، لكن التمسك بالأمل بات أمراً بالغ الصعوبة. رغم جهوده المضنية، عجز عن إقناع نفسه بأنه ينتمي حقاً إلى هنا. لن يقبله بقية الطلاب ولن يسمحوا له بالعيش في سلام. كل ما أراد هو إيجاد طريقة يندمج بها، ليُرى كأكثر من مجرد إزعاج.

مضى الفصل الدراسي قدماً، يوماً بائساً تلو الآخر. ومع كل إخفاق، صار مقاومة الشك الخبيث بأن كفاحه سينتهي سدىً أمراً أشقّ فأشقّ.