حين خرج زيك ومكسيليان من الكهف واجهتهما منظر غير متوقع. فوقهما مباشرة راحت سفينة هوائية ضخمة تحلق في السماء ومستودعها الطويل يلقي بظل عريض على الجبل. السفينة نفسها تحفة هندسية تشبه مركبة إبحار كبرى متصلة ببالون طائر. الهيكل المعدني اللامع يعكس ضوء الشمس ناشراً طيفاً مبهراً من الألوان. لم يستطع زيك إلا أن يطيل التمعن في هذا المشهد ذاهلا بينما يحاول عقله إدراك ما يرى.
قال مكسيليان بابتسامة ماكرة وهما يخطوان خارج الكهف: "أهلاً أهلاً. ما رأيك في وسيلة نقلنا؟"
اتسعت عيناك زيك وهو يحملق في السفينة الهوائية الضخمة المحلقة فوق الجبل. السفينة هائلة ببالون طويل مربوط بمركبة منمقة أنيقة. لم يشهد مثيلها قط.
هتف زيك مذهولاً ومرتاحاً: "معلمي، أتملك سفينة هوائية؟"
ضحك مكسيليان: "أجل يا بني. دعني أقدم لك ألكسندرا فون هوهنهايم. إنها الفرد الثالث غير الرسمي في عائلتنا."
ربت الرجل المسجل بحنان على جانب السفينة وفي عينه بريق فخار. كاد زيك يعجز عن تصديق عينيه وهو يتأمل المشهد المهيب أمامه. لم يكن يدري أن مرشده يملك شيئاً كهذا. السفينة جليلة بخطوط منسيّة وتفاصيل دقيقة تنطق بالقوة والأناقة معاً.
قال مكسيليان وهو يشير نحو منصة الصعود الملحقة: "تعال لنصعد."
تبع زيك مرشده صعوداً عبر المنصة وعيناه تمسحان سطح السفينة أثناء عبورهما. وما إن وطئ السطح حتى غادر زيك مكانه ليتجول مستكشفاً السفينة. أخذ يعجب بالآليات المعقدة والزخارف الدقيقة التي تزين جوف السفينة. ابتسم مكسيليان لذهول تلميذه مسروراً بحماس الساحر الشاب. مشى بجانب زيك بابتسامة فخر على محياه وهو يشرح خصائص السفينة ووظائفها المتعددة.
"يا بني، هذه درة تاج عائلتنا. كما ترى، البالون مصنوع من حرير مسحور، مادة خفيفة ومتينة في آن واحد. تتيح لنا بلوغ ارتفاعات سامقة والتحرك بسرعة فائقة. السفينة نفسها مصنوعة من أجود الأخشاب والمعادن، وقد وشي كل نقش وتصميم بتعويذات قوية للحماية والأداء. السطح فسيح ومفتوح ليسمح بحرية الحركة والمناورة. ومقصورة القيادة في مقدمة السفينة تمنح إطلالة مذهلة على السماء. السفينة تدار بمزيج من السحر والهندسة مع مراوح ضخمة في المؤخرة تعمل بنظام معقد من التروس والعتلات. منصة الصعود تجعل الركوب والنزول أمراً يسير. طيارونا ومهندسونا المهرة قادرون على شق عباب السماء بيسر ودقة بفضل أنظمة السفينة المتقدمة وتعويذاتها. وليس هذا فحسب، بل إن السفينة مزودة بتعويذات دفاعية قوية تضمن حمايتنا من أي تهديدات جوية. هذه السفينة أكثر من مجرد وسيلة نقل، إنها امتداد لعائلتنا وأنا فخور بانتسابها إلي."
لم يستطع زيك كبح حماسته وهو يجوب أرجاء السفينة. أمطر مكسيليان بسؤال تلو الآخر متلهفاً لمعرفة كل شاردة وواردة عن آليات السفينة وقدراتها. وحين رمق الفضاء الواسع من النوافذ اشتعلت شرارة عزيمة في قلبه. أيقن بلا ريب أنه سيمتلك يوماً سفينة هوائية خاصة به. أقسم سراً أن يصبح حرفياً كفؤاً وأن يصقل مهاراته ومعارفه حتى يصير قادراً على صنع تحفة بمثل روعة ألكسندرا فون هوهنهايم.
غمره شوق حارق ليحلق في السموات طليقاً كطير مع الريح في شعره والعالم تحت قدميه. وبينما كانت السفينة الهوائية تمخر عباب السماء لم يملك زيك إلا أن يفتتن بكل جانب من جوانب ملكة السموات هذه. أمضى رحلة العودة برمتها مسائلاً مهندس السفينة بلا توقف عن خبايا تصميمها ووظيفتها. عجب لطريقة تلألؤ الحرير المسحور للبالون في ضوء الشمس وفتن بالنظام المعقد للتروس والعتلات التي تدفع المراوح.
وفوق ذلك سأل عن التعويذات الدفاعية التي تحمي السفينة من الأخطار الجوية. أجاب المهندس المخضرم كل تساؤلات زيك بصبر مستعيناً بفيض من المعرفة والخبرة. ومع استمرار الرحلة تيقن زيك أن السفينة لم تكن تحفة في الصنعة المعدنية فحسب بل شاهداً على عبقرية صانعيها. غير أنه كلما توغل في تقنية السفينة أدرك أن أهل الإمبراطورية لم يتعلموا بعد كيف يستغلون طاقة المانا ويخزنونها داخل التقنيات.
نظام الدفع في السفينة رغم إبهاره يعمل بوسائل تقليدية لا عبر التلاعب بالطاقة السحرية. رغم هذا لم يمنع زيك من الإعجاب بالسفينة ومستوى المهارة والبراعة المبذولة في خلقها. زاد هذا من رغبته الراسخة في امتلاك سفينة خاصة به يوماً لتكون تحفة حقيقية تجمع السحر والتقنية. وحين هبطت ألكسندرا فون هوهنهايم باتجاه الأكاديمية انتفخ قلب زيك كبرياءً. لم يشعر قط بالفخر لكونه تلميذ مكسيليان بمثل هذه اللحظة.
لوح مرسى السفن الهوائية في الأفق ولمح زيك السفن الأخرى الراسية هناك. كانت مبهرة حقاً لكنها عجزت عن مضاهاة عظمة ألكسندرا وهندستها. وما إن حطت السفينة بسلام داخل المرسى حتى انتاب زيك شعور بالغيرة من بقية الطلاب والأساتذة الحاصلين بمقلتهم نحو السفينة ذهلين. لاحظ مكسيليان فخر تلميذه فربت على كتفه بابتسامة عارفة. وعندما غادر زيك ومكسيليان ألكسندرا فون هوهنهايم استقبلهما مرأى ومسمع أراضي الأكاديمية المألوفة.
خطوا من منصة الصعود إلى العشب الأخضر اليانع والشمس ساطعة في كبد السماء. وفي طريقهما عبر الأكاديمية جذبت عينا زيك ميادين التدريب حيث اشتبك الطلاب في قتال ضارٍ يصقلون مهاراتهم وقدراتهم. راح يتابع بذهول السحرة الشباب وهم يطلقون تعويذات وتلاوات قوية بحركات سريعة دقيقة. سرى في نفسه شعور بالبعد والانفصال وهو يمشي بين أقران كأنهم في عالم خاص بهم بينما يرقبهم من الخارج.
ما لبثت مباني الأكاديمية أن فسحت المجال لمنطقة أكثر عزلة حيث ظهرت غابة كثيفة في الأمامية. دخلا الغابة ليجدا أنفسهما أمام قصر فخم يتربع بين الأشجار.
قال مكسيليان وهو يفتح الباب ويشير لتلميذه بالدخول: "مرحباً بعودتك يا زيك."
خطا زيك إلى داخل القصر وعيناه تستوعبان المحيط المألوف. ملأ أنفه عبق الخشب والرقق وشعر بسكينة تغمره. هنا أمضى الأشهر الأخيرة من حياته دارساً ومتعلماً تحت رعاية مكسيليان.
قال مكسيليان بابتسامة دافئة: "من الجيد عودتك يا بني. دعنا نرتّب أمر استقرارك."
اكتفى زيك بالهز إيجاباً وقلبه غامر بالانتماء والغاية. لقد غادر بيته شهراً وها هو يعود متلهفاً لمواصلة تدريبه والعمل على تطوير قدراته السحرية.
التفت زيك إلى مرشده وقال: "مكسيليان، ما الخطوة التالية في تدريبي؟ أنا متلهف لمواصلة رحلتي نحو إتقان الفنون الغامضة."
دلك مكسيليان لحيتة وبدت على وجهه ملامح التأمل.
"الخطوة الأولى يا بني هي اعتزالنا للمدة التي تتطلبها لإتقان تعويذة عقلك [الاستدعاء الحسي التام]. هذه التعويذة أساسية لفتح كامل طاقات قدراتك، ويجب نقشها على جوهرك قبل أن نضع أي خطط أخرى."
قال: "أفهم يا معلمي. أنا مستعد للبدء."
بعد أن استقر مكسيليان وزيك براحة في غرفة الجلوس شرع الساحر العجوز يشرح لتلميذه الصغير هيكل الفصل القادم.
"زيك، كما تعلم، الفصل الدراسي الثاني قد بدأ للتو. ومعه يأتي تغير في المنهج لكل طلاب الأكاديمية."
توقف مكسيليان ليدعه يستوعب ثقل كلماته قبل أن يستطرد.
"أتدري، لم يعد هناك حصص مانا أساسية يجب على الجميع حضورها. بل سيستغل الطلاب الآخرون صباحاتهم في حصص القتال لصقل توافقاتهم العنصرية وتعلم استغلال طاقة عناصرهم المختارة في المعركة."
اتسعت عيناك زيك حين أدرك تبعات كلام مكسيليان.
"لكن يا معلمي، ليس لدي توافق عنصري. ماذا يعني هذا لي؟"
وضع مكسيليان يداً مطمئنة على كتف تلميذه.
"يعني يا بني أنك لن تشارك في حصص القتال الصباحية. لكن لا تخف، فهذه ليست عقبة. لدي خطة لتجاوز ذلك."
تسابق عقله زيك وهو يعالج هذه المعلومة الجديدة.
"لكن إن لم تكن لي حصص صباحية وكانت حصص المساء معك، فلماذا أبقى في الأكاديمية أصلاً؟"
برق في عيني مكسيليان تلميح ابتسامة كأنه يعلم سراً لم يدركه زيك بعد.
"تأكد أن هناك أسباباً للبقاء في الأكاديمية سوى الحصص. لكني سأخبرك بالمزيد حين يحل الوقت المناسب."
أومأ زيك مدركاً أن وراء كلمات مرشده ما يخفيه. كان يعلم أن لمكسيليان خطة دائماً وأن للساحر العجوز طريقة في كشف الأمور بوقتها. وقف مكسيليان أمام زيك وعيناه تتوهجان بعزيمة صارمة وهو يشير نحو مرآة غريبة متلألئة تتوسط الغرفة.
"هذه يا بني مرآة الذاكرة. أداة قوية ستعينك في تدريب قدرة عقلك على استرجاع المعلومات والاحتفاظ بها. حين تقف أمامها وتصفي أفكارك ستعكس لك المرآة سلسلة من الصور والذكريات. مهمتك دراسة تلك الصور وحفظها في الذاكرة بأسرع وأدق وقت ممكن. ومع كل عملية استرجاع ناجحة ستعرض عليك المرآة صوراً أكثر تعقيداً وتفصيلاً دافعة بحدود استيعاب عقلك."
ثم قاد مكسيليان زيك إلى كرة متوهجة تطفو في زاوية الغرفة.
"هذه كرة التذكير. أداة ستساعدك على تنظيم وتصنيف المعلومات التي تحاول حفظها. ستنقل المعلومات التي تود تذكرها إلى الكرة لتخزنها وتتيح لك استرجاعها بسهولة لاحقاً. إضافة إلى ذلك ستختبرك في تلك المعلومات لتثبت الذكريات وتجعلها أكثر راسخة."
وأخيراً أشار مكسيليان نحو قفاز معدني غريب ملقى على الطاولة.
"هذا يا بني قفاز الذاكرة. أداة ستساعدك على تقوية قدرة عقلك على التركيز والاصطفاء. حين ترتدي القفاز وتركز أفكارك سيرسل نبضات كهربائية عبر جسدك محفزة الدماغ ومساعدة إياك على تحسين التركيز والانتباه للمهمة قيد العمل. يمكن استخدامه بالتوازي مع الأدوات الأخرى لتعظيم فعالية تدريبك."
ومع كل يوم مر، قاد مكسيليان زيك عبر استخدام تلك الأدوات دافعاً به إلى أقصى حدوده وما بعدها. نما عقل زيك وقوي وذاب مع مرور الأيام وتحسنت قدرته على استرجاع المعلومات وحفظها بشكل مطرد. وحين وقف أمام مرآة الذاكرة مسترجعاً أعقد الصور وأدقها بيسر تيقن زيك أنه بات مستعداً لإتقان [الاستدعاء الحسي التام]. وبإتقان هذه التعويذة ونقشها على جوهر عقله سيتمكن أخيراً من مغادرة هوية المتدرب والانضمام إلى مصاف السحرة.