لم يستطع ليو النوم. مجدداً. استقرّ نظره على المذنب، كما كان يفعل غالباً كلما وجد نفسه في هذا المأزق. كان الترسّول موضوعاً على الطاولة الصغيرة بجانب سريره، ويلتقط سطحه الباهت القليل من الضوء المتسلّل إلى الغرفة. قرأه مراراً كفاية ليحفظ كل كلمة عن ظهر قلب، ومع ذلك استمرّت عيناه في العودة إليه كلما عمّ السُّكون حوله. بدا إعلان خدمته الجليلة، منذ أن تلقّاه قبل أسبوعين، أقرب إلى ثقل يضغط عليه منه إلى تكريم.
لم يكن ليو خبيراً في السياسة بأي حال من الأحوال، لكنّه أدرك حتى هو أن ثمة خطباً ما في الظروف التي تلقّاه فيها. كيف له ألا يلاحظ؟ من بين القادة الثلاثة الحاضرين، حُظي شقيقه وحدَه بتقسيم إنجازاته وتوزيعها على أتباعه. تفوح من الأمر رائحة المحاباة، أو الظلم، أو نوع ما من الترتيبات من خلف الكواليس. ذلك النوع من الأمور الذي يقرطه ليو أكثر من أي شيء آخر. حاول الاقتراب من زيك لمعرفة كيف عليه التصرّف، لكن شقيقه كان غامضاً.
لمح له فحسب بأن معرفة الكثير ستجعل تصرّفه بالشكل المناسب أمراً أصعب حين يحين الوقت. لم يعلم ليو ما يعنيه ذلك، لكن المحادثة لم تمنحه الراحة التي أرادها. وهكذا، استلقى في السرير مرة أخرى، متوجّساً في صمت من يوم حفل التكريم الاقتراب. استمرّت أفكاره في الدوران والدوران، ذهاباً وإياباً. إلى أن استيقظ فجأة بفزع على صوت المنبه المرتفع. لم يعلم حتى متى غطّ في النوم بالضبط، لكنه لا بد أنه تمكّن من ذلك في مرحلة ما.
رنّ رنّ! رنّ رنّ! رنّ رنّ! دوى الصوت الحادّ للمعادن وهي تضرب بعضها مجدداً، ليحكّ أعصابه بشكل مزعج أكثر من المعتاد. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها ليو برغبة مفاجئة في تحطيم الآلية على جدار غرفته. لكنه كبح جماح نفسه في النهاية. لم يكن خطأ الجهاز أنه متعب. خطا خارج غرفته، ليتلقى فوراً تعليمات حول المكان المفترض به الذهاب إليه. أصبح صوت أكاشا الرتيب رفيقاً مألوفاً له بالفعل.
ليجعل حياته أسهل بكثير. غادر ليو الإسكندرية بعد فطور شهي جنباً إلى جنب مع الحاصلين الآخرين على حظوة الملكة. لاحظ أنه لم يكن الوحيد الذي بدا مضطرباً. ظهر المنحدر المرتفع حديثاً، فولكانوس، متجهماً بشكل خاص، إذ كان نظره يمسح كل زاوية وركن كأنما أساءوا إليه شخصياً. بدا آخرون، مثل كاسيوس وزوجته ريا، فضلاً عن إيريسين المتكتم، أكثر تأملاً من أي شيء آخر. لكن الأكثر استرخاءً في مجموعتهم كان ريلي بلا شك.
مشت المعالجة الجنية بهدوء منفصل لشخص يشاهد مشاكل أمة أخرى تتكشف من مسافة آمنة. وفي الحقيقة، لعل الأمر لا يعنيها بتاتاً. كانت تقنياً مجرد معارة من الأمومة. بغض النظر عما حدث هنا، وسواء صعد فصيل زيك أو سقط، فعلى الأرجح ستعود ريلي إلى شعبها دون أن تمسّها العواقب. كان هناك شخص آخر، بصرف النظر عنها، بدا غير مكترث بشكل مثير للريبة. زيك نفسه. كون ليو الانطباع الواضح بأن شقيقه لا ينظر إلى الحفل القادم بخوف، بل بلمسة من الحماس، عوضاً عن استشعار التوتر الذي بدا ضاغطاً على الجميع.
راقب ليو شقيقه عن كثب، باحثاً عن أي إشارة غضب أو قلق أو اضطراب. لم يجد شيئاً. لو جاز التعبير، بدا زيك متلهفاً تقريباً. تساءل ليو كيف له أن يكون متزناً هكذا، إذ لا شك أنه يعلم أكثر من أي شخص آخر أن نوعاً من المؤامرات قد حيك ضده. ربما كان شقيقه يعكس هذا الهدوء فحسب كي لا يُحبط أنصاره. ففي النهاية، سرعان ما يرى المرء ذلك الاضطراب ذاته ينتشر بين القوات إن بدا القائد مهتزاً.
لكن، وكما أصبح معتاداً في الآونة الأخيرة، لم يستطع ليو قراءته بوضوح. بعد نزولهم من السفينة، شقّوا طريقهم نحو نزل فخم، وهو أحد النُزل القليلة التي أُعيد افتتاحها، واستأجروا طابقاً بأكمله. وصلت الدعوات بعد أقل من ساعة من استقرارهم. سُلّمت بواسطة حشد كامل من خدم القصر. لاحظ ليو أن البقية تلقّوا وثائق متطابقة. كُتِب كل منها على رق أخضر باهل وخُخت بختم العائلة المالكة.
نظر مطولاً نحو زيك، الذي ترك عينيه تتجولان بكسل بالفعل فوق الخط المزخرف. ركّز ليو على الرسالة التي بين يديه. كانت الصياغة رسمية ومهذبة وباهتة تماماً، وهو ما جعل الأمر أسوأ بطريقة ما. أبلغته ببساطة أن حفل التكريم سيُقسم إلى حدثين متميزين. خلال النصف الأول، المقرر عقده في تلك الليلة نفسها، ستستضيف جلالتها مأدبة خاصة في القصر الملكي للقادة، والمساهمين المُكرّمين، والمبعوثين الأجانب، والضيوف المميزين الذين شاركوا في الحملة ضد الفيلق.
كان الحضور اختيارياً، ولكنه مُشجع للغاية. كان الغرض، وفقاً للرسالة، تقديم الشكر، وتبادل التحيات، وشرح الشكل الذي تنوي روكيا من خلاله تكريم أولئك الذين قدموا خدمات للمملكة. سيعقد النصف الثاني من الحفل في اليوم التالي بالساحة الكبرى خارج القصر. سيكون مفتوحاً للشعوب، وسيكون المكان الذي يتم فيه تقديم المكافآت الفعليّة. قبل زيك الدعوة دون تردد، مما دفع البقية للقيام بالمثل.
لم يجرِ الكثير من الحديث طوال ما تبقى من اليوم. انسحب الجميع إلى غرفتهم للاستعداد بطريقتهم الخاصة، وقضى ليو الساعات والدعوة مفتوحة أمامه. في نقطة ما أثناء الانتظار، سُلّم زي إلى غرفته. كان مزيجاً من رداء الساحر التقليدي والزي العسكري، ليقف بطريقة ما على الخط الفاصل بين الاحتفالي والعملي. أعجب ليو به منذ اللحظة التي رآه فيها. تعجّب مرة أخرى من إمكانيات شقيقه. ما زال لدى زيك، حتى في وقت كهذا، المتسع للعناية بمن حوله بمثل هذه الطرق الدقيقة.
حين حل المساء أخيراً، انضم إلى البقية في الصاعة خارج غرفهم المستأجرة. لاحظ ليو أنه لم يكن الوحيد الذي تبدّلت ثيابه. ارتدى كل فرد في جماعتهم شيئاً مختلفاً عما وصل به. ارتدى فولكانوس رداءً بلا أكمام ترك ذراعيه القويتين عاريتين، وجعل القماش الداكن بشرته السوداء الخالية من العيوب تبدو أكثر غرابة. وارتدت ريلي رداءً جنياً كلاسيكياً، منحتها خطوطه الأنيقة هواء سيدة نبيلة.
وارتدى العيشان النمر والتنين تصميمين مخصصين يلائمان سماتهم الحيوانية، وقُصدا بوضوح لتسليط الضوء عليها لا لإخفائها. ترك ثوب العيوس النمر كتفيها وذراعيهما حرتين، مما أكد على بنيتها القوية، بينما صُمم رداء العيوس التنين حول وضعية جسمه غير العادية وحراشفه، ليجعله يبدو أقرب إلى وجيه من عرق أجنبي لا وحشاً مُجبراً على ارتداء زي بلاط. كلما نظر، أصبح ليو أكثر إعجاباً. لم تشابه أي من الملابس الأخرى حقاً، ومع ذلك حملت ما يكفي من التشابهات لتوضيح انتمائها إلى الفصيل نفسه.
كان زيك آخر المنضمين إليهم. اتجهت كل الأعين نحوه بمجرد أن خطا خارج غرفته. ارتدى رداءً بلمسات ذهبية خافتة. كان بلون بقية الأردية نفسه، وخالياً من البذخ المفرط. لكن ليو لم يدرك سبب اختيار هذه الألوان أخيراً إلا بعد أن رآه يرتديه. عكست اللمسات الظلال الدقيقة لعينين زيك الذهبيتين، وجعلت طريقة انسدال شعره القرمزي فوق مؤخرة ياقته لون الدم يبدو أكثر لفتة للانتباه على القماش الداكن.
لم يتحدث أحد للحظة. ابتسم لهم زيك.
"ألن نذهب؟"
لم يكن عليهم قطع مسافة طويلة إلى القصر، إذ وقع النزل خارج الساحة المركزية مباشرة. ربما خدم الدبلوماسيين والوجهاء ذات مرة، وهو ما يفسر سبب كونه أحد الأماكن الأولى التي أُعيد ترميمها بعد انسحاب الفيلق. لكن ليو لم يستطع الانتباه إلى مثل هذه التفاصيل طويلاً. شعر بوضوح بالاهتمام الذي جذبته جماعتهم في اللحظة التي خطوا فيها إلى الشارع. توقف الناس عما كانوا يفعلونه، وصمتت المحادثات، وجُذبت كل الأعين فجأة إليهم.
تيبّست كتفا ليو. لم يكن بارعاً أبداً في مواجهة الحشود. وجد صعوبة في معرفة كيفية التصرف. أعليه تحيتهم بحرارة؟ أم يومئ برأسه؟ أم يتجاهلهم ببساطة؟ لم توجد إجابة واضحة أبداً، وبدا أنه لا توجد إجابة شاملة أيضاً. عوضاً عن ذلك، فعل ما يفعله دائماً في مثل هذه المواقف. نظر إلى زيك. توقف شقيقه فور خروجه إلى الخارج. ثم مسح بنظره المحيط مرة واحدة، وابتسم لبعض الأشخاص الذين لم يتعرف عليهم ليو، واختار تجاهل كل شخص آخر.
"لنذهب."
كان صوتا خفيفاً، ومثلها كانت خطواته. بدا أن البقية، وليس ليو وحده، أخذوا إشارتهم منه. قرروا، بمراقبة موقف زيك، أن الحشد لا يستحق اهتمامهم وساروا بخطى متناسقة. كان موقع ليو في مقدمة الرتل، بخطوة واحدة خلف زيك. مشى ديفيد إلى يساره. تبعتهما زيلكارا وريلي، إحداهما باردة ومراقبة، والأخرى هادئة ومتزنة. تحركت نظرة زيلكارا من نافذة إلى شرفة إلى سطح، بينما راقبت ريلي المدينة بالهدوء البعيد لغريبة.
أتى فولكانوس بعدهما، شاغراً مساحتين في الرتل. الحرارة التي تسربت من جسده ذات مرة جُمّدت، ولم يعد الهواء يرتجف حين يمر. بدا بشرياً تقريباً، بغض النظر عن بشرته السوداء، وعينيه الشبيهتين بالجمر، والإحساس الخافت بالخطر الذي لصق به كالدخان. خلفه أتى البقية ممن بقوا معهم: كاسيوس، ريا، وإيريسين. وشكل العيوس النمر والعيوس التنين المؤخرة. صنعت جماعتهم مجتمعة منظراً يستحق المشاهدة.
حاول الحراس عند بوابة القصر ألا يتفاعلوا. فشلوا. استطاع ليو رؤية ذلك في أصغر أفعالهم، في طريقة شد أيديهم حول أسلحتهم، وطريقة استقامة وضعياتهم، والاتساع الطفيف لأعينهم. لم يكونوا هم فحسب. ظهر التفاعل ذاته على وجوه كل من مروا به تقريباً. افترض ليو أن الأمر منطقي. إن القوة المدمجة للعديد من الكائنات بمستوى الأرشيميج، وتيتان، ووحش منحدر كانت لتكفي لتحطيم أي قوة تستطيع روكيا حشدها، حتى قبل السقوط.
الآن؟ سيكونون عاجزين تماماً. شعر ليو باستقامته. لم يحب الاهتمام العام كثيراً، لكن اضطر حتى هو للاعتراف بأن المشي في مقدمة مجموعة كهذه بدا كالوقوف في عين العاصفة. آمناً تماماً بالنسبة إليه، لكنه مميت لكل شخص آخر. انزلقت عيناه بخفّة نحو زيك. إن كان هو نفسه، ممن يقف عند حافة هذه القوة فحسب، شعر بهذا بالفعل، فما بالك بتخيله لما يبدو عليه الوقوف مكان شقيقه. كان إحساس ليو الخاص بالقوة مستعاراً، لا أكثر من وهم وُلد من القرب.
اختلف زيك. استطاع بحق تحديد مكان سطوع الشمس وأين يسقط المطر في هذه الأرض المكسورة. كيف تحمّل ذلك الثقل؟ ذلك الشعور بالقوة؟ في تلك اللحظة، توقف زيك أمام الحراس المتحجرين. لم يجرؤوا على مناداته ووقفوا متجمّدين ببساطة. انتفض أحدهم مع توقفهم المفاجئ ونظر للأعلى ببطء. رأى ليو حينئذ التعبير على وجه شقيقه. كانت ابتسامة دافئة كنسيم الصيف. مد شيئاً للحارس، الذي أخذه دون حتى أن ينظر لأسفل.
قال زيك بدافئ: "دعواتنا. أتكون لطيفاً بما يكفي لمرافقتنا؟"
رمش الحارس. سقط نظره أخيرًا على الوثائق التي في يديه عندئذ فقط. تحركت عيناه فوق الأختام، وابتلع ريقه مرة واحدة.
قال بصوت عالٍ أكثر بقليل من اللازم: "ب-بالتأكيد، ضيوفنا الكرام. تفضلوا، اتبعوني."
استدار بحدّة، كأنما كاد يتعثر في قدميه قبل أن يستعيد توازنه ويتظاهر فوراً بأنه لا شيء خاطئ. تحرك الحراس الآخرون جانباً فوراً. فتحت بوابة القصر دون صوت. اتبع ليو زيك عابراً. رأى القصر من الخارج من قبل، من الجو ومن شوارع العاصمة، لكن عبور البوابة كان مختلفاً. بدا صخب المدينة كأنه يتلاشى خلفهم في اللحظة التي عبروا فيها العتبة. قادهم الحارس عبر الفناء بوتيرة سريعة قليلاً.
استمر في الالتفات للخور، رغم أنه لم يفعل طويلاً بما يكفي لتلتقي نظراته بأحد. في كل مرة فعل فيها ذلك، قفزت عيناه فوق فولكانوس، وبقيت لنبضة قلب على كاسيوس أو إيريسين، ثم التوت للأمام مجدداً. لم يبدُ أن زيك لاحظ ذلك. أو ربما اختار ألا يفعل فحسب. مروا تحت قنطرة من الحجر الباهت ودخلوا القصر الحقيقي. لامس هواء بارد وجه ليو. حلّت رائحة الخشب المصقول، والزهور الطازجة، والبخور فوراً محل الغبار والحجر في المدينة بالخارج.
أحضرهم المرافق عبر سلسلة ممرات، كان كل منها أبهى من سابقه. اصطفّت اللوحات على الجدران، عارضة أشخاصاً لم يتعرف عليهم ليو، ومعارك لم يسمع بها قط، ومناظر طبيعية لم تعد موجودة على الأرجح. بدت العديد من الإطارات وكأنها رُممت حديثاً. واستُبدلت أخرى تماماً، إذ بدا تذهيبها حديثاً جداً مقارنة بما حولها. وجد ليو نظره يهيم. رأى أشخاصاً ينتظرون في مجموعات صغيرة قرب القاعات الجانبية، مرتدين جميعاً ملابس رسمية وبوجوه تتحول فور ملاحظتهم لهم.
انحنى البعض. وهمس البعض. وتطلع البعض ببساطة. لم يقر زيك بأي منهم. تحرك بنفس الخطوات الخفيفة السابقة، لا متعجلاً ولا بطيئاً، كأن لديه كل الوقت في العالم وأن الجميع محظوظون فحسب لمشاركته الممر. حاول ليو تقليد ذلك الاسترخاء. لم يكن واثقاً من نجاحه. توقف الحارس عند نهاية الممر الأخير أمام مجموعة من الأبواب المزدوجة الشاهقة. صُنعت من خشب داكن تتخلله عروق خضراء، حية أو مسحورة لدرجة تعجز ليو عن التفرقة بينها.
وقف خادمان للقصر على الجانبين، مستقرة أيديهما على المقابض. أتى من خلف الأبواب صوت مكتوم لأصوات. أصوات كثيرة جداً. انحنى المرافق بعمق، هذه المرة بتحكم أكبر من السابق.
"صالة المآدب، ضيوفنا الكرام."
سحب الخدم الأبواب مفتوحة. تدفق هواء دافئ إلى الممر. لم يستطع ليو رؤية سوى الثريات الذهبية، والأرضيات المصقولة، وصور ظلية لعدد لا يحصى من الأشكال وهي تلتف نحوهم دفعة واحدة للحظة عابرة. ثم سكنت القاعة.