وقف زيك على قمة البوابة مرة أخرى. وتابع الرسل وهم يختفون في الأفق. تحركت العدّاءات الثلاثة بسرعة على الأرض الوعرة وحملت ركابها في طريق العودة نحو العاصمة. وخلال وقت قصير قلّت حتى صارت أشبه بنقاط باهتة على مد البصر. ومع ذلك ظلّت نظرة زيك معلقة بها طويلاً وهو يستحضر الأحداث الأخيرة. لم ينته الأمر عند حصول فولكانوس على شهادة تقدير. بل دُعي ثلاثة أشخاص آخرين بشكل غير متوقع إلى الأمام.
الشيخ تايجر والشيخ دراغون وليو. لم يُفاجأ زيك بالحركة نفسها. فقد كانت لديه فكرة عما تهدف إليه الملكة في تلك المرحلة. لم يكن ما فاجأه هو النية بل الدقة. اختيار المستحقين جاء ببراعة. لم يحصل ديفيد ولا زيلكارا ولا رايلي على أي شيء رغم إسهاماتهم. كان يمكن تسمية أي واحد من الثلاثة دون إثارة أي دهشة. قاتل ديفيد في الخط الأمامي وقادت زيلكارا الحرس الدموي وأدت رايلي دورها كمعالجة طوال الحملة.
لكنهم أتباع زيك المباشرون. وفضائلهم تخصه بطبيعة الحال. تجنبت الملكة هذا الخطأ. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للبقية. ليو هو شقيق زيك الأصغر. لكن هذا بالتحديد هو سبب أهليته لنيل التقدير لنفسه. والأكثر من ذلك أنه لا يمكن دمج إسهاماته ببساطة مع إسهامات زيك. جاء ليو إلى روكيا حتى قبله وصنع لنفسه اسماً في الحرب بوقت طويل قبل أن تنقلب الكفة. قاتل ونزف وقاد ونجا بفضل جدارته وحدها.
بصراحة كان من الصواب تماماً مكافأته شخصياً. كان هذا الجزء سهلاً بما يكفي للتفسير على الأقل. الاسمان الآخران كانا أكثر إثارة للاهتمام بكثير. الشيخ تايجر والشيخ دراغون. تعمقت نظرة زيك وهو يفكر في قائدي الفصيلين من المدينة السفلية. لم يكن وجودهما هنا سراً قط. لكن طبيعة علاقته الدقيقة بهما كانت أمراً آخر. فهم عدد قليل جداً من الناس شبكة الوعود والخدمات والتهديدات والمصالح التي تربطهم ببعضهم.
ومن المؤكد أنهما لم يكونا شخصين تستطيع ملكة روكيا المتوجة حديثاً تصنيفهما بهذه الدقة بعد بضعة أيام فقط. نقر زيك بخفة على الدرابزين الخشبي بإصبعه. لم تكن هذه قائمة أسماء بسيطة جمعتها حاكمة ممتنة. فإما أن شبكة معلومات ميريل كانت أعمق بكثير مما توقع وإما أن شخصاً ما قد ساعدها. التوت شفتا زيك قليلاً. أمر مثير للاهتمام. كان يعلم مسبقاً أن الملكة الجديدة سياسية حتى النخاع.
وقد اتضح ذلك جليا عندما واجهته خلال لقائهما الأخير. خسرت تلك المواجهة وانتهى الأمر بزيك إلى دعم مطالبها في ذلك الوقت. لكنه لم يفعل ذلك من باب حسن النية الخالص. بل كان خدمة واستراتيجية لوضع القادة الآخرين في مكانهم وتثبيت مكانته. لم يكن متأكداً مما إذا كانت لا تزال تعده بين حلفائها أو أنها اختارت التحول إلى العداء بصدق. لكنه شك في قرارة نفسه أن يكون الأمر أياً منهما.
والأرجح أن الملكة الجديدة تلعب على كل الحوارب بهدف استخلاص أكبر قدر ممكن من المكاسب. وكان ذلك مقبولاً بالنسبة له. لم يكن هناك شخص أسهل في السيطرة عليه من شخص طماع إلى هذا الحد. وخصوصاً إذا كان يعلم مسبقاً ما تبحث عنه. وأثناء استغراقه في التفكير شعر زيك بوجود يقترب من الخلف. ابتسم زيك. كان يعلم من أتى بالفعل. فحتى من دون إخباره بإدراكه المكاني كان يتوقع ذلك.
قال: "يا سيّد...".
التفت ليجد فولكانوس واقفاً وهناك تعبير معقد على وجهه.
قال زيك وابتسامته تتسع أكثر: "عليك التوقف عن مناداتي بذلك. استناداً إلى الجدارة وحدها يجب أن أكون أنا من يناديك بالسيّد".
سخّر فولكانوس وقال: "أي جدارة؟ لقد نمت خلال الأمر برمته ولا زالوا يلفقون شيئاً كهذا. أنا...".
هزّ فولكانوس رأسه وعجزت الكلمات عنه.
"أنا آسف يا سيّد. لم أكن أنوي قط سرقة مجدك".
اختفت ابتسامة زيك ببطء. ليس لأنه كان مستاءً بل لأنه شعر أن هذا الأمر يشكل عبئاً حقيقياً على فولكانوس.
قال: "امشِ معي".
نظر فولكانوس للأعلى متفاجأً لكنه لم يناقشه. غادر زيك السوار ومكّن الفضاء تحت قدميه وهو ينزل. تحرك فولكانوس بشكل مباشر أكثر فقز من القوابة وهبط في الفناء من دون إصدار أدنى صوت.
أوضح زيك بنبرة أكثر جدية بينما بدأ اثناهما المشي عبر المعسكر: "كان أمراً كهذا سيحدث لا محالة. وسواء أردت ذلك أم لا فما دام أنك صعدت إلى المسرح رسمياً فلا رجعة فيه".
"إذن ماذا عليّ أن أفعل؟".
هزّ زيك كتفيه.
"لا توجد إجابة صحيحة عالمياً في السياسة. عليك وزن الإيجابيات والسلبيات والتصرف بحسب الظروف".
مرّ الاثنان عبر الفناء الحيوي. نظرت اتجاههما أعداد غفيرة من الجنود المتجمعين هناك، ولكن ما إن رأوا أن زيك لا ينوي التوقف حتى أفسحوا المجال بسرعة. خدش فولكانوس رأسه بحياء.
"هذا... هذا ليس ملعبي تماماً".
ابتسم زيك. فولكانوس لم يتغير قيد أنملة على الرغم من قوته ومكانته المكتسبتين حديثاً.
أوضح قائلاً: "الأمر ليس معقداً كما يبدو في الواقع. والسبب الوحيد لشعورك هكذا هو أنك تنظر إلى لغز تنقصه نصف القطع".
سأل فولكانوس: "لغز؟ هل كان هناك شيء كهذا؟".
هزّ زيك رأسه.
"ليس حرفياً. إنها استعارة لـ...".
توقف عندما رأى فولكانوس يزداد حيرة. لم تكن هذه هي المقاربة الصحيحة. كانا قد وصلا بالفعل إلى أحد المسارات الرئيسية المؤدية نحو الطرف الخارجي للمعسكر. وكلما توغلا في المشي قل الزحف البشري. وخلفهما تلاشت أصوات الجنود المتحمسين ببطء لتصبح ضوضاء مكتومة في الخلفية.
سأل زيك مباشرة: "برأيك لماذا منحتك الملكة كل هذا القدر من التقدير؟".
أجاب فولكانوس من دون توقف.
"قالوا إن السبب يعود إلى الرفاق الذين قتلتهم وما شابه".
هزّ زيك رأسه.
"كان هذا هو السبب المكتوب على اللفيفة. لكن الأسباب الرسمية نادراً ما تعبر عن الحقيقة الكاملة".
"إذن كيف أعرف؟".
"ألا تكتفي بالنظر إلى الفعل نفسه بل تبحث عن الدافع الكامن وراءه".
وعندما رأى أن فولكانوس ما زال يكافح، ألقى إليه تلميحاً آخر.
"منحتك الملكة تقديراً. ما الذي تظن أنها ترغب في تحقيقه؟".
فكر فولكانوس للحظة قبل أن يجيب بتعثر.
"هي... دعتنا إلى العاصمة. أيمكن أن يكون هذا هو هدفها الحقيقي؟ أيمكن أن يكون فخاً؟".
"يحتمل أن يكون جزءاً منه".
اتسعت عينا فولكانوس.
"ماذا، حقاً؟! إذن ألم يكن يجدر بنا الرفض؟".
لم يستطع زيك إلا أن يضحك بخفة.
"الأمر ليس كما تظن. وحتى لو كان كذلك، فماذا بوسعها أن تفعل بك أصلاً؟ أنسيت كم أصبحت قوياً الآن؟".
هدأ فولكانوس فوراً. ونظر إلى يديه اللتين تبدوان بشريتين تماماً الآن.
"آه. صحيح".
في هذه الأثناء كان الاثنان قد وصلا إلى حافة المعسكر المحصّن. استقام الحراس الواقفون بالقرب من البوابة عندما رأوهما مقبلين، لكن زيك ألوى بيده منصرفاً واستمر في طريقه.
أوضح زيك: "إنه فخ سياسي على الأرجح. ألعاب القوة وما شابه".
ظل فولكانوس صامتاً للحظة وبدا تعبيره متردداً. لكنه بدا وكأنه يفكر عميقاً في شيء ما. بدأ صوت المعسكر يتراجع خلفهما. وأمامهم امتد مسار الجبل نحو الأعلى ضيقاً ووعراً. تقدّم زيك الصفوف مستخدماً الفضاء المُصلّب تحت قدميه كلما أصبح المسار مزعجاً. وتبعه فولكانوس متجاوزاً بخطواته التضاريس المكسرة بلا صعوبة.
سأل بعد فترة: "أتعلم مسبقاً ما ستفعله الملكة؟".
مال زيك برأسه قليلاً.
"لدي تخمين".
"أيمكنك إخباري؟".
"سأعطيك تلميحاً إن أردت".
أومأ فولكانوس برأسه وتابع زيك كلامه.
"ستبادل الملكة ما تفتقر إليه مقابل ما تحتاجه بشدة".
تكرر فولكانوس: "...تبادل ما تفتقر إليه. كيف يمكنك منح شيء لا تمتلكه؟".
ألوى زيك بيده مستخفاً.
"إنه تلميح. اكتشفه بنفسك. وحتى إن عجزت ألن تكتشفه قريباً على أي حال؟ عندما يحين ذلك الوقت اتبع توجيهي فقط وسيسير كل شيء بسلاسة".
أومأ فولكانوس شارداً وذهنه مشغول بالتلميح بوضوح. راقب زيك صراعه معه للحظة قبل أن يقرر ترك الأمر على حاله. سيتعلم فولكانوس أسرع إن فكر في الأمر بنفسه. استمر الاثنان في صمت لفترة. اختفى المعسكر خلف الصخور منذ فترة طويلة وكل خطوة كانت تجعل التضاريس أكثر انحداراً. ومع ذلك لم يبدُ أن شيئاً من ذلك يعيق فولكانوس بأدنى شكل. تسلق الجدران الشاهقة بذات السهولة التي قطع بها الأرض المنبسطة وتحرك بمرونة جعلت زيك يتعجب في باطنه.
لولا قدرة زيك على تصلب الفضاء بالإضافة إلى الانتقال الآني من حين لآخر لما استطاع معرفة عدد المرات التي كان سيضطر فيها فولكانوس لانتظاره.
نادى زيك ليخرجه من أفكاره: "فولكانوس".
"نعم؟".
"كيف حالك؟".
"حال ماذا؟".
أشار زيك إليه. إلى وجهه ويديه وشعره وجلده.
"الجسد الجديد. كيف هو؟".
صمت فولكانوس للحظة. لم يكن الأمر رغبة منه في الامتناع عن الإجابة بل لافتقاره إلى الكلمات.
قال لاحقاً: "إنه... غريب. أشبه بارتداء زي والتظاهر بشيء لست أنا عليه".
أومأ زيك ببطء.
"هل أسأل وينتر عما إذا كان مستعداً للمساعدة؟ ربما يمكنه تعليمك الأصول؟".
هزّ فولكانوس رأسه بحسم.
"لا أظن أن هذه فكرة سدية. لدي شعور بأن..."
توقفت كلماته.
"...شعور بأن ماذا؟".
تابع فولكانوس بنبرة غير متأكدة.
"أشعر وكأننا سنبدأ القتال إن التقينا مجدداً".
قطب زيك جبينه.
"شيء لا يمكنك السيطرة عليه؟".
هزّ فولكانوس رأسه.
"ليس إلى هذا الحد. أشبه بالحكة. مجرد التفكير في ذلك الرجل يجعلني أطحن أسنانم".
فرك زيك ذقنه. كان ذلك مثيراً للاهتمام. ربما كان هناك أكثر من سبب واحد لعيش الكائنات الأصلية بمعزل عن بعضها البعض. وسواء أكان ذلك غريزة أم منافسة أم مجرد صدام بين تقاربين متعارضين فلم يكن بإمكانه الجزم. وأثناء حديثهما قادهم زيك إلى أعلى فأعلى مبتعدين عن المسارات التي قد يسلكها أي شخص عادي. وفي النهاية وصل الاثنان إلى قمة بعيدة تشرف على وادي يقع بين ثلاثة جبال. كان على شكل حوض ومحاطاً تماماً بالمنحدرات الشديدة من جميع الجوانب.
عندها فقط توقف زيك. توقف فولكانوس إلى جانبه ناظراً حول الوادي المنعزل.
استدار زيك نحوه وقال: "إن كان الأمر كذلك فلا طائل مما أفعله لمساعدتك على تبين ذلك. لكني فضولي بحق".
توقف مؤقتاً متفحصاً الرجل الآخر من رأسه حتى أخمص قدميه.
"هذا ليس شكلك الحقيقي أليس كذلك؟".
صمت فولكانوس للحظة قبل أن يهز رأسه نافيه.
"ليس كذلك".
كان زيك يتوقع ذلك تماماً. فعندما قاتل وينتر الكائن الأصلي العدو تخلى اثناهما عن شكليهما البشريين واتخذا مظهرين مختلفين. تحول وينتر إلى ذئب بينما غدا خصمه ثعبانأً عملاقاً. وينطبق الشيء نفسه على ريا وحتى خاي زار. تمتلك الأنواع الأعلى رتبة هي الأخرى شكلاً بشرياً، لكنه ليس مظهرها الحقيقي. وكان قد خمن مسبقاً أن الأمر سيكون سيّان بالنسبة لفولكانوس. ومنذ لحظة تطوره وظل زيك متلعثاً في معرفة الشكل الذي سيتبناه فولكانوس عندما يكشف عن وجهه الحقيقي.
"أيمكنك أن تريني؟".
نظر فولكانوس إليه ثم إلى الوادي الخالي أدناه.
"لهذا السبب جئت بي إلى هنا إذن".
ابتسم زيك قليلاً لكنه لم ينفِ ذلك. زفر فولكانوس ببطء.
قال: "سأفعل. لكن أرجوك حافظ على مسافة بيننا. لا يمكنني التحكم في الأمر جيداً".
أومأ زيك. استدار فولكانوس وشق طريقه نازلاً إلى الحوض. ولم يتبعه زيك إلا حتى بلغ نقطة مراقبة مناسبة على طول المنحدر ليتوقف عندها على مسافة آمنة.
نادى فولكانوس: "أرجوك ابق هنا الآن يا سيّد".
انتظر زيك بترقب ومقتاه مثبتاً على جسد فولكانوس وعازماً على عدم تفويت أي شيء. في اللحظة التي بلغ فيها مركز الوادي التفت فولكانوس إلى الخلف ملتقياً بنظرة زيك. أومأ زيك مشجعاً إياه على البدء. في اللحظة التالية ضربت موجة من الحرارة وجهه. التوى الهواء بعنف ولحظة واحدة تشوش العالم بأسره أمام عينيه. واستغرق الأمر ضربات قلب عديدة قبل أن تتكيف رؤيته بما يكفي لتبين المشهد.
نظر باتجاه منتصف الوادي حيث كان فولكانوس موجوداً للتو. اتسعت عيناه وعجز عن النطق بكلمات للحظة نادرة.
"هذا...".