وقف فولكانوس في منتصف البوابة مستشعراً غرابة العالم الذي وجد نفسه فيه فجأة. كم من الوقت مرّ منذ أن دخل تلك الكبسولة؟ كان أمامه جيش مصغّر من البشر. النفر أنفسهم الذين هاجموه لتوّهم. سحرة نار أجمعين. بل بدا قائدهم ساحراً كبيراً. لم يبتعد كثيراً حين لمح زيلكارا وحرس الدماء. بدوا مستعدّين لمواجهة هؤلاء الأعداء. مساكين حمقى. كان يعلم من تجربة شخصية كم تفتقر أولئك الأعاجم للصلابة عند مواجهة حرارة حقيقية.
لقد شوى بنفسه مئات من أبناء قبائلهم أثناء الحرب. ولم يكن صعباً تخيّل مدى سوء حظّهم أمام ساحر كبير حقيقي. حقيقة أنهم حشدوا قواتهم رغم كل شيء تعني الكثير. أو تعني افتقارهم لغرائز البقاء. لكنه لم يكن ليُصدم هكذا لو اقتصر الأمر على هاتين المجموعتين. فأينما وجه نظره كانت تدور معارك كارثية. بدا السحرة الكبار مألوفين كالملفوف أثناء غيابه. حتى إنّ عملاقاً كان يقاتل في البعيد متورطاً في معركة بشعة ضد ساحر بشري.
مهلاً... أكانت تلك ريا؟ اللعنة. كم فاته يا ترى؟ أسنوات مضت؟ كانت ساحة المعركة هذه أعظم بكثير من أي شيء خبره فولكانوس من قبل. ولم تكن المعركة في البراري سوى شجار أطفال مقارنة بما وجد نفسه في قلبه فجأة. لكن أين سيده؟ أخبرته المرأة البيضاء أن زيكي يحنيه، لكنه عجز عن العثور عليه مهملما أمعن النظر.
"...فولكانوس!"
سمع صوتاً يناديه. لم تكن رسالة تخاطر بل أحدهم يهتف في البعيد. وبدا الصوت قادماً من الأعلى. رفع فولكانوس رأسه أخيرًا. وهناك وجد الشخص الذي بحث عنه طوال الوقت. وقف سيده عالياً فوق ساحة المعركة ناظراً إليه بينما أحاطت به من كل جانب أسراب هائلة من الطيور الحمراء ذات الحراشف. انتاب فولكانوس شعور غريب لدى تأمّله هذه المخلوقات. إحساس بالألفة رغم عجزها عن تفسير سبب شعوره هذا بدقة.
لم يختبر في حياته قطّ مثل هذا الرابط مع أي فصيلة. ومما يدعو للغرابة نجحت هذه الطيور الحرشفية في إيقاظ مثل هذا الإحساس داخله.
"...فولكانوس!"
نادى سيده مجدداً حين لم يرد. أفاق فولكانوس من ذهوله وبدأ يلوّح.
"يا سيّدي! أنا هنا!"
راهد ابتسامة خاطفة تُشرق على وجه سيده. أقال شيئاً مضحكاً؟ لكنها لم تستمر سوى ثانية.
"فولكانوس. استمع جيداً. أريدك أن توقف سحرة النار"
نادى سيده.
"أتستطيع فعل ذلك؟"
أطرق فولكانوس بصره. أوقافهم؟ أجمعين؟ حتى الساحر الكبير؟ شعر فولكانوس بصراع داخلي. أخبره الجزء العقلاني في عقله بأن هذا انتحار. كيف سيتسنى له مواجهة قوة كهذه؟ ذاك ساحر كبير! ساحر كبير حقيقي! رمز السيطرة البشرية ذاته. تعلّم جميع الشيمروي في طفولتهم أنهم لن يبلغوا شيئاً أمام كائن مماثل. وبالنسبة للكثيرين كان الدرس مرسوماً على أجسادهم مباشرة. واقترف فولكانوس بنفسه طعم ذلك الذل مراراً أثناء قتاله في الحلبة.
السحرة الكبار وحوش. أجسادهم تعادل أجساد الشيمروي وسحرهم أشد تعقيداً بكثير. لكن... ماذا بعد؟ أيرسله سيده حقاً إلى حتفه؟ رفع فولكانوس رأسه. كان سيده ينظر إليه بالعينين العادمتي المشاعر ذاتهما اللتين يذكرهمها. وحين التقت نظراتهما باغته شعور الألفة نفسه مجددًا، لكنه بدا هذه المرة أقوى أضعافاً مضاعفة ممّا شعره من الطيور الحمراء. بدا سيده كائناً مختلفاً تماماً. عتيقاً. حكيماً.
قديراً. كأن كل ما في العالم يخضع لمشيئته. هذا كل ما تطلّبه الأمر. نظرة واحدة إلى تلك العيون الذهبية كانت كفيلة بحسم أمره. أكان يهمّ حقاً ما خطّطه سيده له؟ حتى لو أرسله سيده إلى الموت، أسيغيّر ذلك شيئاً؟ أسيرافض؟ دون كلمة أخرى، خطا فولكانوس خطوة واحدة للأمام، مغادراً اللوح الممتد من الهيكل وواطئاً الفراغ. فوجئ بشدّة الجاذبية العنيف. بدا كأن جسده بات يزن أضعاف ما يذكره فجأة.
لكنه لم يفزع. كان الشعور مبهجاً. الهواء الهدّار. منظر الأرض وهي تسابق الزمن مقتربة. قبيل الارتطام، اتخذ فولكانوس وضعية الاستعداد. اصطدم بالأرض كأنه شهاب. تناثر التراب المحروق والحجارة نحو الخارج تاركاً حفرة هائلة حول نقطة الاصطدام. نظر فولكانوس إلى ساقيه. كادتا لا تتحركان. انحناءة طفيفة كانت كل ما تتطلبه الأمر لكبح اندفاعه. تسللت ابتسامة ببطء على وجهه لكنها لم تدم سوى لحظة.
"أيها الواقف هناك..."
نادى أحدهم.
"أتدري ما تعنيه عرقلة طريقنا؟"
رفع فولكانوس رأسه ليرى أن جيش سحرة البشر المصغّر قد توقف غير بعيد عنه. حدقه بعضهم بحذر. لكن المرأة التي تقودهم ظلت هادئة. بل حمل وجهها أثراً للسخرية. وما إن التقت نظراتها حتى تحرك شيء عميق في داخله. كان شعوراً ألفه مراراً في أيام شبابه، رفيقاً قديماً. كادت السنوات تنسيه نداءه لكنه سمعه بوضوح الآن. بوضوح أشدّ حتى من ذي قبل. روح المنافسة. أراد قتال هذه المرأة.
قَالَ: "إلى هنا ينتهي مطافكم".
انفرج وجه المرأة عن ابتسامة. ابتسامة ضئيلة ساخرة.
"أنت مختلف عن العناصرية التي أعرفها. تبدو أكثر حدة. لكنك في الوقت ذاته... مألوف للغاية".
توقف فولكانوس لحظة. عناصرية؟ ما تلك؟
أردفت متفرسة فيه كفأر تجارب على طاولة تشريحها: "يا له من أمر مثير. اسمع يا هذا، أيها المسوخ الصغير. إن أتيت معي طائعاً، فسأحرص على اتخاذك أليفاً".
لم يتغير تعبير فولكانوس. لقد سمع أسوأ من ذلك من بشر أقل شأناً. ومع ذلك، ذكره ذلك مجدداً بأن ليس الجميع بلطف وحكمة سيده. وبالحديث عن ذلك...
قَالَ فولكانوس متفرساً فيها بنقد: "يحب سيدي النساء الجميلات. لست أدري الكثير عن البشر، لكنك تبدين مقبولة. لذا سأسدي إليك المعروف نفسه".
توقف فولكانوس، وأعاد التفكير في عرضه، ثم أضاف: "على الأرجح".
للاطمئنان فقط. توهج إكليل اللهب المحلق فوق رأس المرأة باختصار. كانت تلك الإشارة الوحيدة على أنها سمعت كلامه. وظل وجهها ساكناً، بل لم تتحرك حتى الابتسامة المتعجرفة على شفتيها. شعر بها فولكانوس قبل أن يراها. الحرارة المتصاعدة من الأرض. رائحة الهواء المحترق. بعد لحظة، لم يرى سوى النيران. يمين، يسار، فوق، تحت. كانت في كل مكان. كل شيء. محيطة بكل شبر. ولم تكن هذه نيرانًا عادية.
فقد شعر بها في طريقة بدء قدميه بالغوّص. فالتربة والحجارة على حد سواء لانتا تحته، متحولتين إلى طين منصهر في ثوانٍ معدودات. رفع فولكانوس يديه ببطء نحو وجهه متفحصاً أصابعه. هذا الشعور. شعور الحرارة على جلده. كان... مريحاً بشكل لا يصدق ولا يُعقل. حتى الاستحمام في قلب بركان لم يجعله يشعر بهذا القدر من الروعة قطّ. كان هذا، بلا مبالغة، الإحساس الأكثر نعيمًا الذي اختبره في حياته.
هذه الحرارة، هذا الملمس، هذا النقاء. لم تكن هذه ناراً فحسب. كانت هذه ناراً مكررة في أصفى صورها. لعق فولكانوس شفتيه بنهم. إن كان هذا شعورها الرائع على جلده، فكم سيكون مأكلاً لذيذاً طعم هذه النيران؟ بدأت الخطوط عبر جسده تنبض عاكسة جوعه ولهفته. أخذ فولكانوس نفساً عميقاً، ثم بدأ يتولم عبر كل مسام جسده. على الفور تقريباً، أخذ يضيع في الإحساس الشهي. بدا جسده كأنه على وشك الانفجار من فرط الفيض.
ومن قمة رأسه حتى أطراف أصابعه، شرب كل جزء منه الحرارة ككائن يتضور جوعاً وتذوق طعاماً أخيراً. ومع ذلك، وبمجرد ظهور الإحساس، انقضى ثانية. انهارت الجحيم نحو الداخل مختفية فيه كأنها لم تنتمِ يوماً للعالم بأسره. فتح فولكانوس عينيه ببطء وبقايا النعيم ما زالت مرتسمة على وجهه. بدت المرأة أمامه مختلفة تماماً الآن. فقد تلاشت ثقتها وتبجحها لتستبدل بهما جدية مميتة. بل شحب وجنتاها أيضاً.
قالت بصوت واهن: "ماذا...؟"
داركت نفسها وقسّت القوة في نبرتها وسألت مجدداً: "ما أنت؟"
"...أنا فولكانوس".
صرخت مخلصة أية مظاهر للياقة: "أطلبُ اسمك أيها المارق؟ أريد أن أعرف ما أنت! كيف لك أن تبتلع نيراني؟"
أمال فولكانوس رأسه.
"أيهمّ الأمر؟"
"...ماذا؟"
"أيهمّ ما أكون، أو كيف أستطيع فعل ما أفعله؟"
تلاشى الاضطراب ببطء عن وجه المرأة لتعود إلى حالة من الهدوء المعزول.
"أصبتَ أيها الوحش. لا فرق".
أدارت رأسها قليلاً وهي تنادي من خلفها: "اسمعوا جيداً. نواجه تهديداً من المستوى الرابع. ننتقل إلى بروتوكول الانفجار الشمسي. الطاقة القصوى".
ردّ الجنود أجمعين بأصوات ترددت كصوت واحد: "مفهوم!"
انحنى فولكانوس للأمام راسماً ابتسامة طبيعية على وجهه. أسيواصل هؤلاء الحمقى إطعامه؟ بالتأكيد لن يرفض وجبة مجانية. أضاءت عشرات الحزم المحترقة المنطقة بعد لحظة. واحدة من كل ساحر يتبع المرأة. وكانت جميعها ذات نقطة وصول واحدة: إكليل اللهب فوق رأسها. قدرة هائلة، تتجمع كلها في نقطة واحدة. استشعرها فولكانوس. حجم القوة الهائل المتركز هناك. الحرارة. الضغط. لم يكن هذا يشبه شيئاً خبره من قبل.
رفعت المرأة يديها وتصبب العرق على جبينها. وضعت كفيها معاً نحو الداخل كأنها تحمل عبئاً ثقيلاً للغاية. وحينها حدث ذلك. بين كفيها، بدأت قطرة كثيفة من اللهب في التشكل. لم تكن هذه حرارة تنتشر نحو الخارج لتلتهم. كانت حرارة مضغوطة حتى غدت وزناً. انثنى الهواء المحيط بالقطرة مبتعداً عنها. وأصدر الأرض المنصهرة تحتها فحيحاً وتراجعت. بل بدا الضوء نفسه حاداً كأن العالم أراد أن يشيخ بعيداً.
قبل أن يدرك ما يفعله، تراجع فولكانوس خطوة للوراء. ثم دارك نفسه. أكان يفرّ... للتو؟ من النار؟ هو؟ لكن حين نظر إلى القطرة بين يدي المرأة مجدداً، عجز عن كبح نفسه. هذا الشيء. كان متأكداً من ذلك. سيمزقه إرباً بمجرد تلامسه معه. وما خفف الأمر نسبياً هو أنه لم يبدُ هجوماً سريعاً بشكل خاص. ربما يستطيع...
سخرت المرأة: "أتفكر في المراوغة؟"
رغم الجهد الواضح الذي ألقاه هذا السحر عليها، إلا أن ابتسامة مظفرة علت وجهها.
تابعت: "لن أمانع إن فعلت. لكن اسأل نفسك هذا... أيمكن لمن خلفك الهرب أيضاً؟"
تجمدت قدما فولكانوس. لم يضطر للالتفات ليعلم من يقف خلفه. زيلكارا. ريا. حرس الدماء. آش. غرافيتاص. محاربو ناب الثلج... إن كان هو يخشى هذه النيران، فما علها فاعلة بهم؟ أخذ فولكانوس نفساً عميقاً. صحيح. لم يأمره سيده بالنجاة. بل أمره بأن يوقفهم. لذا سيوقفهم فولكانوس. توغل عميقاً في داخله ممسكاً بغضب قديم طالما استقر في صدره، غضب لا يزول تماماً أبداً. كان ذلك مصدر تقنية التأمل التي ابتكرها سيده، التقنية المصممة خصيصاً له على ما يبدو.
غليان الدم. وما إن استعملها حتى احترقت كل تردداته. وتبخرت جميع الشكوك. دوى نبض قلبه مرة، ثم مرتين، ليغدو طبول حرب. وتدفقت الحرارة في عروقه، لا رقيقة ومغذية بعد الآن، بل عنيفة وحمراء. احمرت عيناها فولكانوس وهو يتفرس في البشر أمامه بنظرة تعد بالموت. ونطقت عيناه بكل شيء. إن عجزت هذه التعويذة عن قتله، فستكون حياتهم هي الثمن المنتهي. ثم دون انتظار إنهاء البشر تعويذتهم، انقضّ.
مباشرة نحو القطرة الملتهبة بين يدي المرأة.