ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 605 — بلا مخرج

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 605 — بلا مخرج باللغة العربية على مانجا تايم.

حدث تغير طارئ. تردد هذا النداء في عقل زيك تماماً لحظة همّ بالحديث. أطبق فمه، ونسي أمر فيولا مؤقتاً، وصبَّ تركيزه كاملاً على أكاشا. ...أي تغير طارئ؟ أرسل عبر التخاطر. ضعف مصفوفة الحفل المكاني. المرجح جداً أن هذا حدث بسبب إلقاء العدو بثقل قواته في الهجوم. واثقة من أن بوسعنا استغلال هذه الفرصة لإجلاء قواتنا من أرض المعركة وتنظيم انسحاب نظيف. تجمد زيك مكانه. تريدين الهرب؟

نفياً. أقترح انسحاباً تكتيكياً. سيسمح لنا بتحقيق غاياتنا من مجيئنا هنا. حالياً، خسائرنا طفيفة بينما تكبدت الإمبراطورية خسائر فادحة. الانسحاب الآن لن يكون أقل من انتصار من جانب واحد. تردد زيك هُنيهة. لم تكن هذه النتيجة الحاسمة التي أمّل نفسه بها. لكنه لم يستطع مجادلة منطق أكاشا. غايتهم بأكملها هنا تمثلت في إنقاذ فرع المتسللين العالق تحت إمرة كيرنويك. إن استطاعوا تحقيق ذلك بالتزامن مع معركة خيضت بإتقان تام، فلا سبب يدعو لمواصلة مواجهة محفوفة بالمخاطر.

مدّ حواسه الخاصة، محاولاً جسّ النسيج حوله. ظل الفضاء متصلباً، لكنه بدا أقل وضوحاً مما كان عليه. إن حاول حقاً، فسيقدر غالباً على اختراقه. ...ما هي حظوظ نجاح هذا؟ لم تتردد أكاشا. بتعاون جماعة الآنسة ستيلا، يجب أن نقدر على إدخال الجميع على متن الإسكندرية في ثلاث دقائق واثنتين وأربعين ثانية. بمقدورنا الشروع في انسحابنا في أقل من ثلاث دقائق، مع صعود الجميع على متن الطائرة أو استخدام وسائل إنجاتهم الخاصة.

هذا... بدا واعداً. لم يكن وقتاً كافياً البتة ليتفاعل الفيلق بأي شكل ذي مغزى. ولم يكن زيك قلقاً البتة حيال قدرتهم على إيقاف الإسكندرية. بأقصى سرعة ومع نشر دروعها، ستصبح خارج النطاق في غضون دقائق. أواثقة أنت؟ الأرقام واعدة. تردد زيك. شيء ما حيال فكرة الهرب بينما هم في صدارة المعركة لم يستقر في ذهنه على ما يرام. ولكن مرة أخرى، أكان عليه حقاً تخريب عملية أكاشا فقط لإنقاذ كبريائه الجريح؟

...افعلي ما ترينه مناسباً، أرسل أخيراً. غاب الرد، لكنه رأى القوات حوله تتحرك. سحرة اللحم، الذين لا زالوا منهكين من طيرانهم الطويل، كانوا أول من تحرك. تجمعوا في بقعة مكشوفة وسط الموقع الدفاعي، حيث تجمّع بالفعل عشرون من سحرة ستيلا. في الوقت ذاته، راحت الإسكندرية تحوم في الأعلى، مستعدة لاستقبال الموجة الأولى من القوات. إذ اطمأن عقله لتصرف أكاشا السريع في الأمر، حوّل انتباهه أخيرًا إلى فيولا، التي ظلت ترمقه بالتعبير المصدوم واليائس ذاته.

ظلت هكذا منذ أن أتى على ذكر قبر ماكسيميليان. لكي يكون صادقاً، لم يتوقع تلك ردة الفعل. لو لم يكن يعلم استحالة الأمر، لربما اعتقد حتى أن هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها بموته. لكن ذلك كان مستحيلاً. مضت سنوات منذ أن قضى ماكسيميليان، وظلت فيولا دائماً شخصيةً تعلم كل شاردة وواردة. كانت النميمة طبيعتها الثانية، ومكانتها الرفيعة تعني أن القليل جداً يمكن أن يُخفى عنها.

لكن حينئذ، ما المفترض أن يكون هذا؟ أهي مسرحية لاستنزاف التعاطف منه؟ لإرباكه؟ لا. لم تكن فيولا من هذا الطراز. لقد كان نقيض طبيعتها تماماً. لكن مهما كان الأمر، فقد أوقعه في حيرة. رغم ذلك، لم يهم الأمر حقاً في النهاية. بطريقة أو بأخرى، سيختفي في أقل من ثلاث دقائق. الشيء الوحيد الذي أزعجه حقاً الآن هو أن شملهما لن يلتئم إلا على نحو غير مرضٍ هكذا، مع بقاء الكثير دون إنجاز، والكثير دون بوح.

لو أُتيح له الوقت فقط، لكان... بووووووووووووووم!!! هزّ انفجار هائل السماء. لم يكن يشبه أي شيء سمعه من قبل. ولرعبه، فقد صدر من فوق رأسه مباشرة. صدر من اتجاه الإسكندرية. عندما مدّ عنقه، رأى أن الحصن الضخم بدت في هيكله عدة ثقاب من جراء الانفجارات. وتدفقت أعمدة دخان كثيفة من الفتحات المدمرة. تضررت أو دمرت تماماً ما لا يقل عن ثلثي مصفوفات الهجوم. حدق زيك برعب. حتى عندما صدم السفينة بحصن ستراتلهولد الجبلي، لم يكن الضرر بهذه الشدة.

ما الذي يمكن أن يسبب دماراً بهذا الحجم؟ أي سلاح محتمل استخدمه الفيلق لـ... اتسعت عيناه وهو يلوي رأسه. المكان الذي وقف فيه سحرة اللحم سابقاً أصبح فارغاً الآن. اختفى نحو خمسين شخصاً. لقد كانوا الدفعة الأولى التي أُجليت... على متن الإسكندرية. أيمكن أن يكون...؟! لا. لا بد من ذلك. والسؤال الوحيد هو من يكون الفاعل. تباً. تباَ. تباً. أكاشا، كلميني... صمت. للمرة الأولى في حياته، لم يتلق أي رد من الروح.

بعد لحظة، وقع تغير صادم آخر. بدأ حقل التثبيط المكاني، جوهر استراتيجيتهم بأكملها، يرتجف ثم يزول. من الأعلى إلى الأسفل، بدأت القبة تبهت. سيمضي أقل من دقيقة حتى تختفي تماماً... لوى زيك رأسه يميناً ويساراً بجنون. لم يكن هناك أي أثر لستيلا إيفينتايد في أي مكان. لقد اختفت كالريح. ولم تكن كتبتها النخبوية في أي مكان مرئي أيضاً. لم يتبق أي أثر لهم. يا زيك! ما الذي يجري؟! كانت فيولا في حالة هلع، وعيناها تتنقلان بين حطام الإسكندرية المشتعل والقبة المتلاشية.

أحدثت حالتها الذعرية الأثر العكسي لدى زيك، وساعدته في الواقع على تهدئة مشاعره المضطربة. في مواقف كهذه، كان عليه تذكر أولويته القصوى. الحفاظ على برود أعصابه.

قال بهدوء: "لقد تعرضت للخيانة."

"ماذا؟! ممن؟!"

ألقى نظرة عليها، غير متأكد أين كانت تُمثل أم أنها حقاً لا تعلم شيئاً عن هذا الأمر. لكن حُكماً بطريقة عمل قيادة الفيلق العليا، كان الأرجح أنهم لم يخبروا أحداً.

قال مسمياً المشتبه بهم الأرجح: "ستيلا أو كيرنويك."

إما أن أتباع كيرنويك أخفوا أجهزة تفجير داخل لحمهم، أو أن ستيلا تسببت في ذلك الانفجار بطريقة ما. وضع رهانه على الاحتمال الأخير، إذ كان لا يزال يرى القائد كيرنويك يقاتل بيأس أحد أساحرة الفيلق بينما اختفت ستيلا من المكان.

قالت فيولا بغير توقع البتة: "عليك الهرب! اهرب. الآن. بينما هم مشغولون بتأمين الأهداف ذات الأولوية القصوى، قد تتمكن من الانسحاب خلسة."

ضحك زيك بخفة.

"أخشى أن ذلك لن يكون ممكناً."

"إنه ممكن! بسرعة!"

تجمعت الدموع في مكرات عينيها وهي تصيح مقاطعة له. نظر إليها زيك عندئذ، إلى الفتاة التي عرفها يوماً، والتي غدت الآن شابة يافعة. حدق في عينيها وما زال يلمح المشاعر الرقيقة نفسها هناك. الاهتمام ذاته. رغم كل ما حدث، ورغم كل ما تفوه به، ظلت فيولا تكترث لأمره، وتكترث بما يكفي لتنبذ كل شيء آخر جانباً على أمل يائس في أن ينجو بحياته. ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه.

"آسف يا في. لكنني لن أقدر على الانسحاب خلسة..."

"لماذا؟ لم لا تحاول حتى؟"

تتبعت عيناها بلهفة الحاجز الذي يتناقص باستمرار. تتبع نظرة زيك نظرتها. كاد الحاجز يزول الآن. قريباً جداً، ستنصبّ القوة الكاملة للفيلق، ولن يتبقى شيء يمنعهم من التكدس فوقهم. ومع حالة الإسكندرية الحالية، لم تعد السيادة الجوية مضمونة كذلك. ولن يفاجئه أن تتبع الهجمات القادمة من السماء قريباً. لكن في الوقت الحالي، توقفت المعارك داخل الحقل الدفاعي. بدا أن التغيرات المفاجئة كانت أكبر من أن يتجاهلها أي شخص — سواء أكانوا من الفيلق أم لا.

حتى الأساحرة، رايلي، وديفيد، وإيريسين، وكيرنويك، وكاراس، وريا، إلى جانب خصومهم، جميلاً استكنوا، وبدوا كمن ينتظرون ليروا كيف ستشكل هذه التغيرات المفاجئة المعركة قبل الإقدام على أي خطوة أخرى. حتى حرسه الدبوي وبسلاء النصف-إلف أبقوا مسافة بينهم في الوقت الراهن. كان هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة. عاصفة ستضربه وقومه كالمطرقة الثقيلة. لم يستطع منع نفسه من التنهد. كيف آلت الأمور إلى هذا؟

كم خطط الفيلق؟ أكانوا يرقصون في راحة يده منذ البداية؟ مع خيانة ستيلا، استطاعوا اختراق الدفاع منذ البداية. لكنهم لم يفعلوا. لقد دبّروا هذه الحيلة برمتها وأرسلوا الآلاف إلى قبورهم فقط ليتمكنوا من ضرب الإسكندرية في هذه اللحظة بالذات. وبهذا، قضى الفيلق بفعالية على وسيلتهم الوحيدة للنجاة. وسيلتي الوحيدة للنجاة. لعبة لُعبت ببراعة. التقى عينا فيولا مجدداً. صحيح، لم يجب سؤالها بعد.

"لا يمكنني الهرب لعدم وجود شخص أهم مني. أراهن أن قادتكم يفضلون ترك الجميع يهربون على منحى حتى أدنى فرصة لي."

حدقت فيولا فيه بعينين واسعتين.

"...لماذا تقول هذا؟ لمَ قد يذهبون إلى هذا الحد فقط للتعامل معك؟"

ابتسم زيك، وتسربت أثرة من الكبرياء رغم جهوده الحثيثة لإخفائها.

"أنا شديد الخطورة فحسب."

توقع أن تسخر منه فيولا، أو على الأقل أن ترد بعدم تصديق، لكن لديهشة، اكتفت بالايماء.

"إذن ما الذي ستفعله؟ أستستسلم؟ يمكنني أن أقول كلمة طيبة من أجلك..."

هزّ زيك رأسه.

"لا أعرف مقدار نفوذك، لكنني واثق تماماً من أن أي شيء قد تقولينه لن يغير مصيري."

سألت فيولا، وارتفع صوتها في النهاية: "إذن ماذا؟ أتسمح بقتلك هكذا ببساطة؟"

ابتسم زيك.

"ألم تفكري في أنني قد أقاتل؟"

رفعت حاجبها.

"…أيمكنك هزيمة ساحر عظيم؟"

فكر زيك في الأمر لحظة، لكنه هزّ رأسه في النهاية.

"قد أقدر على التسويف لفترة، لكن النصر يظل مرجحاً الاستحالة."

أدارت فيولا عينيها بملل.

"في هذه الحلبة، كيف يختلف هذا عن السماح بقتلك؟"

ذلك العزم الذي تذكره عاد للظهور أخيراً.

"فقط راقبي."

خطا زيك خطوة للأمام، متجاوزاً فيولا ليتوقف على بعد أقدام قليلة. هنا بلغت المعركة ذروتها. امتد أمامه بحر حقيقي من الجثث. مئات، إن لم يكن آلاف الجثث التي ضحت بها الإمبراطورية. لا تزال دماء معظمها دافئة، تصبغ الأرض بحمرة فاتنة. ربما بدت مرعبة لأي شخص آخر، لكنها بدت لزيك ككنز دفين. استطاع أمام، أن يستشعر حضور دماء بحر كامل.

تمتم، شاعراً بوخزة تردد: "أظن أنه لا خيار أمامي سوى استخدامها..."

لكن نظرة واحدة إلى الجيش الذي يطبق على موقعه بددت تلك الأفكار بسرعة. مجرباً كان أم لا، إن تردد الآن، فلن تتاح له فرصة لفعل أي شيء مرة أخرى أبدا. وجبت أن تكون أولويته القصوى هي البقاء. إما النجاة أو الهناء. استطاع سماع خطوات خلفه بينما تبعته فيولا.

"ماذا... تفعل؟"

لم يرد زيك. لم يستطع السماح لنفسه بالتشتت. إن أراد نجاح هذا، وجبت أن تكون أفكاره نقية. إرادة متجسدة. توقف العالم عن الوجود بينما سمح زيك للسحر بالتدفق عبره. لم تكن هذه تعويذة سحر دماء، ولا سحر عقل، ولا سحر مكان. بل سمح لنواته بالعمل كما ينبغي لها. جزآن من الدماء، وجزء من العقل، وجزء من الفضاء. غير منفصلة، غير مسيطر عليها، بل في تناغم تام مع الحالة الطبيعية لقرائنه. الدماء كحامل، العقل كقشرة مخية، والفضاء كجسر...

أجابت الدماء. لا كأداة. لا كسلاح. كلحم بلا أعصاب، كعضلات بلا عظام، كجسد بلا عقل. بلا شكل، بلا هيئة، ومع ذلك غارقة في إمكانيات بلا حدود. للحظة مستحيلة، شعر بكل قطرة كأنها طرف إصبع. كل جدول دم كان وتراً. كل كتلة متخثرة كانت مفصلاً ينتظر التشكيل. انطوى الفضاء بينها مثل أربطة غير مرئية، رابطاً قطعا لم تملك حق التماس، بينما غاص مانا العقل في الكتلة المتشكلة كالفكر المتسرب إلى دماغ لم يُولَد بعد.

كان الإحساس مثيراً للغثيان. مبهجاً. خاطئاً. كانت الدماء أكثر من اللازم. أوسع من اللازم. حية أكثر من اللازم تحت إرادته. لقد سحبته، مهددة بجرّ وعيه إلى ألف اتجاه منفصل. لكن زيك صمد بقوة. لم يأمرها. ولم يجبرها. أصبح المركز الذي تتجمع حوله. وحينئذ بدأ شيء ما يتخذ شكلاً. شيء بلا اسم بعد. شيء لم يوجد من قبل قط. وقبل أن يتمكن زيك من فتح عينيه، سمع صوت فيولا المصدوم يعلو من خلفه.

"أي نوع من المسوخ هذا!؟"